كتاب : الوسيط في المذهب المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
كتاب الطهارة
القسم الأول فى المقدمات
وفيه أربعة أبواب الباب الأول فى المياه الطاهرة والطهوريةمختصة بالماء من بين سائر المائعات
أما فى طهارة الحدث
فبالإجماع
وأما فى طهارة الخبث فعند الشافعي خلافا لأبي حنيفة راضي الله عنهما واختصاص الطهورية به إما تعبد لا يعقل معناه وإما أن يعلل باختصاص الماء بنوع من اللطافة والرقة وتفرد فى التركيب لا يشاركه فيها سائر المائعات وهو الأقرب ثم المياه ثلاثة أقسام القسم الأول ما بقي على أوصاف خلقته فهو الطهور فيدخل تحته ماء البئر وماء البحر وكل ما نبع من الأرض أو نزل من السماء وهو الماء المطلق حقا ولا يستثنى عن هذا الحد إلا الماء المستعمل فى الحدث فإنه عند الشافعي طاهر غير طهور وعند مالك رضي الله عنه طهور وهو قولللشافعي رضي الله عنه وعند أبي حنيفة رضي الله عنه نجس ويدل على طهارته قلة احتراز الأولين منه وأنه لم يلق محلا نجسا ويدل على سقوط طهوريته أن الأولين فى إعواز الماء لم يجمعوا الماء المستعملليستعملوه ثانيا ثم سقوط الطهورية باعتبار معنيين أحدهما تأدي العبادة به والآخر انتقال المنع إليه فإن انتفى المعنيان فطهور كالمستعمل فى الكرة الرابعة وإن وجد أحدالمعنيين دون الثاني فوجهان كالمستعمل فى الكرة الثانية أو فى التجديد فإنه لم يوجدانتقال المنع إليه والذى استعملته الذمية حتى تحل لزوجها المسلم فإنه وجد انتقال المنعولم يوجد تأدي العبادة إلا إذا لم نوجب الإعادة عليها إذا أسلمت فروع أربعة الأول المستعمل فى الحدث هل يستعمل فى الخبث فيه وجهان أحدهما نعم لأن للماء قوتين ولم يستوف إلا إحداهما والثاني لا لأن تلك القوة فى حكم خصلة واحدة لا تتجزأ وهذا كما أن المستعمل فى الحدث لا يستعمل فى الجنابة ولا يقال إن هذه القوة باقية الثاني إذا جمع الماء المستعمل حتى بلغ قلتين فوجهان أحدهما يعود طهورا كالماء النجس إذا جمع فصار قلتين ولأن الكثرةتدفع حكم الاستعمال فإذا طرأت تقطع حكمه كالنجاسة والثاني لا يعود طهورا لأن حكم النجاسة يسقط إذا انغمرت واستهلكت بكثرة الماء وأن الإستعمال أبطل قوة الماء فيلحق بماء الورد وسائر المائعات الثالث إذا انغمس الجنب فى ماء قليل وخرج ارتفعت جنابته وصار الماء مستعملا وقال الخضري من أصحابنا لا ترتفع لأنه صار مستعملا بملاقاة أول جزء منه وهو غلط إذ حكم الإستعمال إنما يثبت بالإنفصال ولا يثبتحالة تردده على الأعضاء الرابع المحدث إذا أدخل يده فى الإناء بعد غسل الوجه وكان قد نوى رفع الحدث صار الماء مستعملا إذا انفصلت اليد من الماء فطريقة أن يقصد الاغتراف والتنحية حتى لا يصير مستعملا فإن غفل عن نية رفع الحدث وعن قصد الاغتراف فالمشهور أنه يصير مستعملا ويتجه أن يقال هيئة الاغتراف صارفة للملاقاة إلى هذه الجهة بحكم العادة فلا يصير مستعملا القسم الثاني فيما تغير عن وصف خلقته ولكن تغيرا يسيرا لا يزايله اسم الماء المطلق فهو طهور كالماء المتغير بطول المكث أو المتغير بزعفران يسير ظهر عليه أدنى ظهور فإنه طهور على المذهب وكذلك المتغير بما يجاوره كالعود والعنبر والكافور الصلب وكذا المتغير بما يتعذر صون الماء عنه كالتراب والزرنيخ والنورة وما لا يخلو الماء عنه فى مقره فإن اسم الماء المطلق لا ينسلب به وكذلك المسخن والمشمس نعم فى المشمس كراهية من جهةالطبلأن حمي الشمس يفصل من الإناء أجزاء تعلو الماء كالهباء فإذا لاقى البدن أورث البرص ثم اختلفوا فى أن هذه الكراهية هل تختص بالبلاد الحارة وبالأواني المنطبعة وبقصد التشميس وهذا خلاف لا وجه له لأنه لا كراهية إلا من جهة الطب والمحذور من جهة الطب يختص بالحرارة المفرطة ولا يختص بوجود القصد ويختص بالجواهر المنطبعة فلا يجري فى الخشب والخزف والجلد ولعله لا يجري فى الذهب والفضة من المنطبعات لصفاء جوهريهما القسم الثالث ما تفاحش تغيره بمخالطة ما يستغني الماء عنه بحيث لا يفهم من مطلق اسم الماء فإن استجد اسما آخر كالحبر والصبغ والمرقة فليس بطهور بالإجماع وإن لم يستجد اسما منفردا فليس بطهور أيضا عند الشافعي رضي الله عنه خلافا لأبي حنيفةرحمة الله عليه لأنه تعبد بالوضوء بالماء وقد سقط اسم الماء وإن لم يتجدد اسم آخر فروع أربعة الأول فى المتغير بالتراب المطروح فيه قصدا فيه وجهان أحدهما أنه ليس بطهور لأنه مستغنى عنه وهو ضعيف فإن التغير بالتراب لا يسلب اسم الماء ويعلم أن الأولين كانوا إذا رأوا ما متغيرا بالتراب لم يبحثوا عن سببه ولأن التراب مجاور له فإنه يرسب على القرب وينفصل عنالماء الثاني إذا تغير الماء بالملح ففيه ثلاثة أوجه ويفرق فى الثالث بين الجبلي والمائي ويشبه المائي بالجمد وهو ضعيف لأنه لو كان كالجمد لذاب فى الشمس ولكن تعليله التشبيه بالتراب المطروح فيه قصدا فإن ماء البحرمالح وملوحته من أجزاء سبخة فى الأرض تنتشر فيه ثم هو طهور لأنه ليس بقصد آدمي فإذا طرح قصدا خرج على الخلاف الثالث الأوراق إذا تناثرت فى الماء فما دامت مجاورة لا تضر وإن تعفنت واختلطت ففيه ثلاثة أوجه يفرق فى الثالث بين الخريفي والربيعي لتعذر الاحتراز عن الخريفي الرابع إذا صب مقدار من ماء الورد أو غيره من المائعات على ماء قليل وكان بحيث لو خالف لونه لون الماء لتفاحش تغيره خرج عن كونه طهورا وإن كان أقل منه فلا يخرج عن كونه طهورا فلو استعمل الكل فهو جائز علىالظاهر ومنهم من قال إذا بقي قدر ذلك المائع لم يجز استعماله لأنه عند ذلك يتحقق أن الجاري على بعض أعضائه ليس بماء وهو ضعيف لأنه إذا صار مغمورا ثبت للكل حكم الماء فلا يفصل جزء عن جزء الباب الثاني فى المياه النجسة وفيه أربعة فصول الفصل الأول فى النجاسات والأعيان تنقسم إلى حيوانات وجمادات والجمادات أصلها على الطهارة إلا الخمر فإنها نجسة تغليظا وفى معناها كلنبيذ مسكر وكذا الخمر المحترمة على المذهب الصحيح وأما الحيوانات ما دامت حية فأصلها على الطهارة إلا الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما وحيوان طاهر فإذا ماتت فأصلها على النجاسة إلا فى أربعة أجناس الأول الآدمي فهو طاهر على المذهب الصحيحلأنه تعبد بغسله والصلاة عليه ولا يليق بكرامته الحكم بنجاسته الثاني السمك والجراد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان السمك والجراد والدمان الكبد والطحال الثالث ما يستحيل من الطعام كدود الخل والتفاح فهو طاهر على المذهب ويحل أكله على أحد الوجهين وقيل إنه حراملتحقق الموت الرابع ما ليست له نفس سائلة كالذباب والبعوض والخنافس والعقارب ففي نجاسة الماء بموتها قولان الجديد وهو مذهب أبي حنيفة أنالماء لا ينجس به ثم قال القفال هذا خلاف فى أن هذه الحيوانات هل تنجس بالموت وكأن علة النجاسة احتباس الدم المعفن الخفي فى الباطن وقال العراقيون تنجس بالموت وإنما لا ينجس الماء فى قول لتعذر الاحتراز عنه وعلى هذا اختلفوا فى أنه هل يفرق بين القليل والكثير وهل يفرق بين ما يعم كالبعوض والذباب أو لا يعم كالعقارب هذا حكم الحيوانات فأما أجزاؤها فكل عضو أبين من الحي فهو ميت إلا العظم والشعر ففيه خلاف سيأتي أما الأجزاء المنفصلة عن باطن الحيوان فكل مترشح ليس له مقر يستحيل فيه كالدمع واللعاب والعرق فهو طاهر من كل حيوان طاهر وما استحال فى الباطن فأصله على النجاسة كالدم والبول والعذرة إلا ما هو مادة الحيوانات كاللبنوالمني والبيض والنظر فى فضلات خمسة الأولى الدم والقيح فهو نجس من كل حيوان إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان أحدهما أنه نجس طردا للقياس والثاني أنه طاهر لما روي أن أبا طيبة الحجام شرب دمه فقال له إذا لا يبجع بطنك أبدا الثانية البول والعذرة نجس من كل حيوان ويستثنى عنه موضوعان الأول بول رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان وجه الطهارة لما روي أن أم أيمن شربت بوله فلم ينكر عليها فقال إذا تلج النار بطنك الثاني روث السمك والجراد وما ليس له نفس سائلة ففيه وجهان أحدهما نجس طردا للقياس والثاني أنه طاهر لأنه إذا حكم بطهارة ميتتهما فكأنهما فى معنى النبات وهذه رطوبات فى باطنها فأما بول ما يؤكل لحمه فنجس خلافا لأحمد وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لجماعة أصفرت وجوههم لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من أبوالها وألبانهاففعلوا ذلك فصحوا فهذا محمول على التداوي وهو جائز بجميع النجاسات إلا بالخمر فإنه عليه السلام سئل عن التداوي بالخمر فقال إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ونص الشافعي رضي الله عنه على أن من غص بلقمة له أن يسيغها بخمر إن لم يجد غيرها فمن أصحابنا من جوز التداوي قياسا على إساغة اللقمة وحمل الحديث على صورة علم أن الشفاء لا يحصل بها الثالثة الألبان وهى طاهرة من الآدمي وكل حيوان مأكول والمذهب نجاستهامن كل حيوان لا يؤكل لأنها من بين فرث ودم وإنما طهارتها لحل التناول واختلفوا فى الإنفحة وهى لبن يستحيل فى جوف الخروف والجديوغيرهما والقياس نجاستها ومنهم من حكم بالطهارة إذ بها يجبن اللبن والأولون لم يحترزوا منه الرابعة المني فهو طاهر من الآدمي خلافا لأبي حنيفة ومني سائر الحيوانات الطاهرة في ثلاثه أوجه أحدها الطهارة لأنه أصل حيوان طاهر فأشبه مني الآدمي والثاني النجاسة فإن ذلك تكرمة للآدمي والثالث أنه طاهر من الحيوان المأكول تشبيها ببيض الطائر المأكول وأما مني المرأة ففيه خلاف مبني على أن رطوبة باطن فرجها طاهر أو نجس وفيه وجهان والخامسة البيض وهو طاهر من كل حيوان مأكول ومما لا يؤكل لحمه فوجهان وإذا استحالت مذرة فتخرج على الوجهين فى المني إذا استحال مضغة ففي وجه تستدام الطهارة وفى وجه يحكم بنجاسته لأنه استحال دما فروع أربعة الأول إذا ماتت الدجاجة وفى بطنها بيض فهل ينجس فعلى وجهين أحدهما نعم كاللبن والثاني لا لأنه منعقد فى نفسه لا يمتزج بغيره الفرع الثاني إذا أبين عضو فى الآدمي أو السمكة ففيه وجهان أحدهما أنه طاهر وهو الأظهر لأن ما أبين من الحي فهو ميت ولا تزيد الإبانة على الموت الثالث دود القز طاهر ويجوز بيعه وفى روثه وبزره من الخلاف الذى في بيض الحيوان الذى لا يأكل يؤكل الرابع المسك طاهر وفي فأرته وجهان أصحهما الطهارة لأنه لميحترز الأولون من استصحابه الفصل الثاني فى الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة أما القليل فيتنجس وإن لم يتغير مهما وقع فيه نجاسة يدركها الطرف فإن كان لا يدركها فنص الشافعي رضي الله عنه فيه مختلف فمنهم من قال قولان أحدهما أنه يجتنب فى الماء والثوب لتحقق وصول النجاسة والثاني أنه يعفى عنه لتعذر الإحتراز منه ومنهم من قال يعفى عنه فى الماء ولا يعفى فى الثوب على وفق النصين لأن أكثر ذلك يقع بطيران الذباب من النجاسة ولا يمكن صون الماء عنه وصون الثوب عنه ممكن فإن فى طيرانها ما يجفها وصونه عن غيره من النجاساتممكن وهو الأصح ومنهم من عكس وقال يعفى فى الثوب لأنه بارز للنجاسات وتغطية الماء ممكن وهذا خلاف النص ولعل الصحيح أن ما انتهت قلته إلى حد لا يدركه الطرف مع مخالفة لونه للون ما اتصل به فهو معفو عنه وإن كان بحيث يدركه الطرف عند تقدير اختلاف اللون فلا يعفى عنه قال مالك الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وفرق الشافعي رضي الله عنه بين القليل والكثير لقوله عليه الصلاة والسلام إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا فإذا بلغ قلتين فينجس إذا تغير بالنجاسة وإن كان التغير يسيرا ثم يعود طاهرا مهما زال التغير بهبوب الريح وطول المكثولو زال بوقوع الزعفران أو المسك فلا لأنه لستتار لا زوال ولو زال بوقوع التراب منشؤهما التردد فى أن التراب ساتر أم مبطل فإن قيل ما حد القلتين قلنا قيل خمسمائة من وقيل خمسمائة رطل والأقسط ما ارتضاه القفال وصاحب الكافي أنها ثلاثمائة من لأنها مأخوذة من استقلاق البعير وابل العرب ضعاف لا تحمل أكثر من مائة وستين منافيحط عنه عشرة أمنان للراوية والحبال والصحيح أن هذا تقريب وليس بتحديد فعلى هذا قال الأكثرون لو نقصرطلان لم يضر ولم يسمحوا بثلاثة ومنهم من لم يسمح بأكثر من ثلاثة وقال صاحب التقريب لا يضر نقصانا نصف القربة وهو الذى تردد فيه ابن جريج إذ قال لقد رأيت قلال هجر فكانت القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا ولعل الأقرب أن يقال إذا نقص قدر لو طرح عليه من الزعفران مثل ما طرح على الكمال لظهر التفاوت للحس فهو مؤثر وهذا الضبط أولى من التقدير بالأرطال فإن ذلك تشوف إلى التحديد فإن وقع الشك فى أن الناقص فوق هذا القدر أو دونه فيحتمل أن يقال الأصل النجاسة إلى أن تستيقن الكثرة الدافعة أو يقال الأصل طهارة الماء إلى أن يستيقن النقصان والاحتمال الأول أظهر فروع خمس الأول إذا وقعت نجاسة مائعة فى قلتين فالكل طاهر وإن كانت جامدة فالقول الجديد أنه لا يجوز الاغتراف إلا بعد التباعد عنها بقلتين والقول القديم وعليه فتوى الأكثرين أنه لا يجب التباعد عنها بقلتينلأن الماء الكثير دافع للنجاسة بكثرته فالاغتراف من جوارها ليس بأبعد من الاغتراف من جوار الماء المجتنب بسببها فإن أوجبنا التباعد فلو كان فى بحر فتباعد بقدر شبر ليحسب العمق فى قلتين لم يجز بل ينبغي أن يتباعد قدرا لو حسب مثله فى العمق وسائر الجوانب كان قلتين الثاني قلتان نجستان جمعتا عادتا طاهرتين فإذا فرقتا بقيتا على الطهارة ولم يضر التفريق الثالث كوز فيه ماء نجس غمس فى ماء كثير فإن كان الكوز واسع الرأس طهر بالاتصال بالكثير إن مكث ساعة وهل يطهر على الفور فيه خلاف وإن كان الكوز ضيق الرأس فالأشهر أنه لا يطهر لأنه لا يتعدى إليه قوته ولا يصير كالجزء منه الرابع إذا وقعت نجاسة جامدة فى الماء الكثير وتروح بها ففيه وجهان أحدهما أنه لا ينجس لأنه تغير بالمجاورة والثاني ينجس لأنه تغير بعد الوقوع فيه والتغير به يعد مستقذرا الخامس إذا وقع فى البئر نجاسة وغيرته فالطريق أن يزال تغيره بالمكاثرة بالماء أو بالصبر حتى يزول بطول المكث فإن وقعت فيه فأرة وانمعطت شعورها فكل دلو يستقيه لا ينفك عن شعر فى غالب الأمر فالطريق أن يستقى الماء بدلاء على الولاء إلى أن تنزف مثل جمة البئر مرة أو مرات استطهارافما يتجدد بعد ذلك من الماء طاهر لأنه مستيقن الطهارة وكون الشعر فيهمشكوكا فيه بل الغالب عدمه لأن استيفاء جميع الماء على الولاء يستوعب جيمع الشعر في غالب الأمر الفصل الثالث في الماء الجاري وطبيعة الماء الجاري التفاصل فى الجريات بخلاف الراكد فإن طبيعته التواصل والتراد فإذا وقعت نجاسة فإن كانت جامدة تجري بجري الماء فما فوقها طاهر إذ لم يتصل بالنجاسة فإن الجريات متفاصلة وما تحتها طاهر إذ النجاسة لم تتصل بها وما على يمينها وشمالها وفى سمتها إلى العمق طريقان منهم من قطع بالطهارة لتفاصل جميع أجزاء الجاري ومنهم من خرج على قولي التباعد لأن التفاصل فى جهة تلاحق الجرايات فى طول النهر لا فى العرض فإن كانت النجاسة واقفة فالحكم ما سبق إلا ما أمام النجاسة فإن الماء يجريعليها وينفصل عنها فهو نجس فيما دون القلتين فإذا انتهى إلى حد القلتين فوجهان قال صاحب التلخيص هو طاهر لأن بين المغترف وبين النجاسة قلتين وقال ابن سريج هو نجس فإن امتد الجدول فراسخ إلى أن يجتمع فى حوض قدر قلتين وهو الصحيح لأن جريات الماء متفاصلة فلا تحصل الكثرة إلابالركود إما إن كانت النجاسة مائعة فإن غيرت الماء فالقدر المتغير كنجاسة جامدة وإن انمحقت لا ينجس الماء وإن كان قليلا لأن الأولين ما زالوا يتوضئون ويستنجونمن الأنهار الصغيرة هذا فى الأنهار المعتدلة أما النهر العظيم الذى يمكن التباعد فيه عن جميع جوانب النجاسة بقدر قلتينفصاعدا الذى قطع به معظم الأئمة أنه لا يجتنب فيه إلا حريم النجاسة وهو الذى تغير شكله بسبب النجاسة وهذا الحريم مجتنب فى الماء الراكد أيضا فرع الحوض إذا كان يجري الماء فى وسطه وطرفاه راكدان فللطرفين حكم الراكد وللمتحرك حكم الجاري فلو وقعت نجاسة فى الجاري فلا ينجس الراكد إذا لمنوجب التباعد وإن كان الجاري قليلا وإن وقعت فى الراكد وهو أقل من القلتين فهو نجس والجاري يلاقي فى جريانه ماء نجسا فإن كان يختلط به ما يغيره لو خالفه لونه فينجسه الفصل الرابع فى كيفية إزالة النجاسة وحكم الغسالة والنجاسة لا تخلو إن كانت حكمية فيكفي إجراء الماء على جميع موارد النجاسة وإن كانت عينية فلا بد من إزالة عينها فإن بقي طعم النجاسة لم يطهر فإنه يدل على بقاء العين وإن بقي اللون بعد الحت والقرض فهو معفو عنه لتعذر إزالته بخلاف إزالة الطعم وإن بقيتالرائحة فوجهان أصحهما أنه كاللون لأنها تعبق بالثوب إذا كانت فائحة ويعسر إزالتها ثم يستحب الاستظهار فى العينية والحكمية بعد حصول الطهارة بغسلة ثانية وثالثة وهل تقف الطهارة على عصر الثوب فيه وجهان يبتنيان على أن الغسالة طاهرة أو نجسةفإن قلنا يجب العصر ففي الاكتفاء بالجفاف وجهان ووجه المنع أنا نقدر انتقال النجاسة بالعصر ولا يزول بالجفاف إلا بلل الماءهذا إذا أورد الماء على النجاسة فإن أورد الثوب النجس على ماء قليل نجس الماء ولم يطهر الثوب وقال ابن سريج يطهر لأن الملاقاة لا تختلف بأن يكون الثوب موردا للماء أو واردا عليه وزاد عليه فقال لو كان فى إجانة ماء نجس فكوثر بصب ماء قليل عليه صار الكل طاهرا بناء على أن غسالة النجاسة طاهرة ثم قضى بأن الثوب لو وقع في ماء قليل بتحريك الريح نجس الماء فظن به أنه يشترط النية فى إزالة النجاسة هذا كلهفي الثوبأما الأرض إذا أصابتها نجاسة إن كانت جامدة ترفع عينها وإن كانت مائعة كالبول يفاض الماء عليه بحيث تحصل به الغلبة على النجاسة وقال أبو حنيفة هذا زيادة فى النجاسة وهو مخالف لقوله عليه السلام صبوا عليه ذنوبا من الماء لما بال الأعرابي فى المسجد ثم إن لم نوجب عصر الثوب طهر بالافاضة وإلا فنضوب الماء في الأرض كالعصر في الثوب فيطهر قبل الجفاف وللشافعي رضي الله عنه قول قديم في أن الأرض إذا جفت عن البول بالشمس عادت طاهرة ولا تفريع على هذا القول فعلى هذا الآجر الذى عجن بماء نجس فإنه طاهر على القديم لأن تأثير النار آكد من تأثير الشمس وعلى الجديد لو نقع فى الماء لم يطهر باطنه بخلاف اللبن فإنه يطهر إذا يصب الماء فيه ولكن إذا أفيض الماء على الآجر قال القفال يطهر ظاهره وهذا حسن إن لم يختلط به جرم النجاسة وقال أبو حامد لا يطهر وهذا لا يتجه إذا لم يختلط به جرم النجاسة بأن كان معجونا بماء نجس فإن الماء يجري على ظاهره ولا محالة فيطهرهذا كله في النجاسة المطلقة سوى المخففة والمغلظة أما المخففة فبول الصبي قبل أن يطعم الطعام يكفي فيه رش الماء بحيث يصيب جميع موارد النجاسة ولا يشترط الإجراء والغسل بخلاف الصغيرة لما روي أن الحسن أو الحسين رضي الله عنهما بال فى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لبابة بنت الحارث أأغسل إزارك فقال عليه السلام إنما يغسل من بول الصبية ويرش على بول الغلاممنهم من قاس الصبية عليه وهو غلط لمخالفته النص أما المغلظة فنجاسة الكلب فيغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا للخبر وفى معنى لعابه عرقه وروثة وسائر أجزائه خلافا لأبي حنيفة وفي إلحاق الخنزير به قولان من حيث إنه مخصوص بالتغليظ كالكلب إلا أن الاختلاط به لا يقع غالبا هذا منشأ التردد ثم خاصية هذه النجاسة العدد والتعفير أما العدد فلا يسقط إلا إذا غمس الإناء فى ماء كثير ففيه وجهان أحدهما لا يسقط وفاء بالتعبد والثاني يسقط لأنه عاد إلى حالة لو كان عليها ابتداء لم ينجس وأما التعفير فاختلفوا في معناه منهم من قال هو تعبد محض لا يعلل ومنهم من قال هو معلل بالاستطهار بغير الماء ليكون فيه مزيد كلفة وتغليظومنهم من قال هو معلل بالجمع بين نوعي الطهور فعلى هذا الخلاف تخرج أربعة فروع الأول الصابون والأشنان هل يقوم مقام التراب فمن محض التعبد لم يجوز عند وجود التراب واختلفوا عند عدمه فمنهم من جوز لأن الاستطهار أيضا مقصود مع كون المستعمل ترابا فعند العجز يقتصر على الممكن ومن علل بالاستطهار بشيء آخر جوز استعماله فى كل حال ومن علل بالجمعبين نوعي الطهور لم يجوز وقد قيل يجوز في الثوب لا في الإناء لأن التراب يفسد الثوب وهو بعيد الثاني التراب النجس اكتفى به من علل بالاستطهار ولم يجوزه من مال إلى التعبد أو إلى الجمع بين نوعي الطهور الثالث إذا مزج التراب بالخل فهو جائز عند من يعلل بالاستطهار أو بالجمع بين نوعي الطهور وهو ممتنع عند من يميل إلى التعبد الرابع الغسلة الثامنة لا تقوم مقام التعفير إلا على وجه بعيد في أن الماء أولى بالتعفير من التراب فأما إذا ذر التراب على المحل بعد الغسل لم يجز بل ينبغي أن يكدر به الماء حتى يصل بواسطته إلى جميع أجزائه هذا حكم الكلب أما الهرة فسؤرها طاهر ولكن إذا أكلت فأرة ثم ولغت فى ماء قليل ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه نجس لتيقن نجاسة الفم مع أنه لم يتيقن زوالها والثاني أنه طاهر لعموم الحاجة وقوله عليه السلام إنها من الطوافين عليكم والطوافات الثالث أنها إن غابت واحتمل ولوغها في ماء كثير فطاهر وإلا فنجس أما الفأرة إذا وقعت فى ماء قليل وخرجت حية فلا يحكم بنجاسة الماء على الأظهر ولا مبالاة بتقدير النجاسة على محل النجو منها بخلاف الآدمي إذا استنقع في ماء قبل الاستنجاء بالماء فإنه ينجس الماء القليل فإن الأولين لم يلتفوا إلى تقدير ذلك في الفأرة هذا كيفية الغسل فى النجاسات أما الغسالة ففيها ثلاثة أقوال القديم أنه طاهر أبدا ما لم يتغير والجديد أنه إن طهر المحل فطاهر ما لم يتغير وإن لم يطهر المحل فنجس فكان حكمها حكم المحل بعد الغسل والثالث وهو مخرج أن حكمها حكم المحل قبل الغسل تخريجا من رفع الحدث فعلى هذا لو أصابت قطرة من غسالة الكلب في الكرة الثالثة ثوبا فلا يغسل على القديم ويغسل على الجديد أربعا لأنه فى حكم المحل بعد الغسل ويعفر إن كان التعفير قد بقي وعلى القول المخرج يغسل خمسا لأن حكمه حكم المحل قبل الغسل فرع المستعمل في النجاسة إذا حكمنا بطهارته هل يستعمل في الحدث فيهوجهان كالوجهين في المستعمل في الحدث أنه هل يستعمل فى الخبث الباب الثالث في الاجتهاد بين النجس والطاهر ومهما استبهم طاهر بنجس وجب الاجتهاد والبناء على غالب الظن وقال بعض أصحابنا له أن يستعمل أي الماءين شاء لأنه استيقن الطهارة وشك فى النجاسة وهو ضعيف لأن يقين الطهارة عارضه يقين النجاسة وقال المزني يتيمم ولا يجتهد وإن كان الاجتهاد فى ثوبين صلى صلاتين فيهما ثم للاجتهاد شرائط ستة الأول أن يكون للعلامة مجال فى المجتهد فيه كما إذا اشتبه إناء نجس بطاهر أو ثوب نجس بطاهر فإن اشتبهت أخت من الرضاع بأجنبية فلااجتهاد لأنه لا علامة ولو اشتبه لحم مذكاة بميتة فلا اجتهاد أيضا على الأصح الثاني أن يكون فى المجتهد فيه أصل مستصحب كالماء النجس مع الماء الطاهر فإن كان معه بول أو ماء ورد واشتبه بالماء فالأظهر منع الاجتهاد فالاجتهاد ضعيف فى النجاسات فلا بد وأن يعتضد بالاستصحاب الثالث أن لا يقدر على الوصول إلى اليقين فإن قدر على الخلاص بيقين في موضع آخره كما إذا كان على شط البحر ففي جواز الاجتهاد وجهان وجه الجواز أنه يقين فى غير محل الاجتهاد فلا يمنع وعليه يخرج ما إذا كان أحد الإناءين ماء مستعملا أو ماء ورد إذ استعمالهما ممكن جميعا وكذا إذا اشتبه الثياب ومعه ماء يغسل به ثوبه الرابع أن تكون النجاسة مستيقنة فى أحد الإناءين فإن كان مشكوكا فيها فلا حاجة إلى الاجتهاد بل يأخذ باليقين السابق وإن كانت النجاسة غالبة على الظن فيلتحق بمحل الشك أو باليقين فعلى وجهين أحدهما أنه لا حاجة إلى الاجتهاد لأن اليقين لا يرفع بالشك كالطهارةمع الحدث والثاني أنه يجتهد لأن غلبة الظن لها تأثير فى النجاسات فإنها مطلوب بالاجتهاد بخلاف الأحداث فإنه لا مدخل للاجتهاد فيها وعلى هذا يخرج جواز الصلاة فى ثياب مدمن الخمر والنصاري والقصابين والتوضؤ من أواني الكفرة المتدينين في باستعمال النجاسة والصلاة فى المقابر المنبوشة ومع طين الشوارع فإن الغالب فى الكل النجاسة نعم يعفى من طين الشوارع عما يتعذر الاحتراز عنهومهما أخبره عدل بلوغ الكلب فى أحد الإناءين فهذا كاليقين فلا يحتاج إلى الاجتهاد وإن قال أحدهما نجس لم يلزمه القبول إذا المذاهب مختلفة في أسباب النجاسة فلعله اعتقد النجاسة فيما ليس بنجس وقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لو رأى ظبية تبول فى ماء فانتهى إلى الماء وهو متغير فلا يدري أنه من طول المكث أو البول أخذ بنجاسته إحالة علىالسبب الظاهر الخامس أن يكون المجتهد بصيرا فالأعمى يجتهد في وقت الصلاة بالأوراد ولا يجتهد فى القبلة وهل يجتهد في الأواني فعلى وجهين لتردد الأواني بين الأصلين ويدرك الأعمى نجاسة أحد الإناءين بولوغ الكلب بنقصان الماء واضطرابه وابتلال طرف الإناء السادس أن تلوح له علامة فى اجتهاده فإن تأمل لم يظهر له علامة تيمموصلى وأعاد الصلاة لأنه تيمم ومعها ماء مستيقن الطهارة وإن كان عاجزا لجهله ولكن الجهل ليس بعذر فإن صب الماء قبل التيمم سقط القضاء وهو معذور فى صبه بخلاف ما إذا كان الماء طاهرا فإن ذلك لا يسقط القضاء فى أحد الوجهين لأنه متعتد بالصب فروع ثلاثة الأول إذا صب أحد الإناءين قبل الاجتهاد أو غسل أحد الثوبين فهل يجوزله الأخذ بالطهارة بالظاهر في الثاني فعلى وجهين أحدهما نعم لأنه بقي شاكا فى نجاسته مع يقين الطهارة والثاني لا إذ كان الاجتهاد واجبا قبل الصب فبعده كذلك ولو أصاب أحد كميه نجاسة وأشكل فاجتهد وغسل ما أدى إليه اجتهاده ففي صحة صلاته وجهان ومنشأ المنع أن هذا اجتهاد خال عن الاستصحاب فهو كماء الورد مع الماء الثاني إذا أدى اجتهاده إلى أحد الإناءين فصلى به الصبح فأدى اجتهاده عند الظهر إلى الثاني ولم يبق من الأول شيء نص الشافعي رضي الله عنه أنهيتيمم ولا يستعمل الآخر لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وخرج ابن سريج قولا أنه يستعمله ويورده على جميع موارد الأول لئلا يكون مصليا مع يقين النجاسة وهو الأصح لأن هذه قضية مستأنفة فلا يؤثر فيها الاجتهاد الماضي فإن فرعنا عن النص لم يقض صلاته الأولى وهل يقضي الثانية فيهوجهان وجه القضاء أن معه ماء اطاهرا بحكم الاجتهاد فكان كالطاهر باليقين إذا التبس عليه وجه الاجتهاد وعلى مذهب ابن سريج لا قضاء في الصلاتين قطعا كما إذا صلى إلى جهتين باجتهادين ولم يتعين الخطأ في أحدهما الثالث ثلاثة أواني واحد منها نجس اجتهد فيها ثلاثةواستعمل كل واحد واحدا وصلوا ثلاث صلوات بالجماعة كل واحد إمام فى واحدة قال صاحب التلخيص لا يصح لكل واحد ما كان مقتديا فيه لأنه شاك فى صحة صلاة إمامه فصار كالمقتدي بالخنثى وقال أبو إسحاق الصلاة الأولى صحيحة لكل واحد فى اقتدائه الأول وفى الاقتداء الثاني بطلت إحدى صلاتيه فيلزمه قضاؤهما ليتفصي عنه بيقين وقال ابن الحداد الاقتداء الثاني في حق كل واحد باطل لأن فيه يتعين تقديرالنجاسة الباب الرابع فى الأواني وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول فى المتخذ من الجلود وكل جلد طاهر يجوز اتخاذ الأواني منه وطهارة الجلد بالذكاة والدباغ أما الذكاة فتطهر جلد كل ما يؤكل لحمه وأما الدباغ فيطهر كل جلد إلا جلد الكلب والخنزير وفروعهما خلافا لأبي حنيفة فإنه عمم أثر الدباغ والذكاة جميعا وأما الآدمي فلا ينجس بالموت على الصحيح وإن قيل بنجاسته ففي دباغ جلده تردد لأنه معصية ثم كيفية الدباغ إحالة باستعمال الشث والقرظ واستعمال الأشياءالحريفة المنتزعة للفضلات المعفنة فلا يكفي تجميد الفضلات بالتتريب والتشميس خلافا لأبي حنيفة وهل يجب استعمال الماء في أثناء الدباغ ليصل إلى باطن الجلد وجهان يعبر عنهما بأن المغلب على الدباغ الإحالة أم الإزالة ثم إذا فرغ من الدباغ فهل يجب إفاضة الماء المطلق على ظاهر الجلد وجهان أحدهما يجب لإزالة أجزاء الشث والقرظ فإنها نجسة لاصقة بالمحل والثاني لا لأنه قال عليه الصلاة والسلام أيما إهاب دبغ فقد طهر علق الطهارة بمجرد الدباغ ومن يوجب استعمال الماء في أثناء الدبغ يجوز أن يكون متغيرا بالشث والقرظ ومن يوجب بعد الدباغ فلا يجوز ذلك فرع إذا دبغ الجلد طهر ظاهره وباطنه وجاز بيعه إلا فى قول قديم مستنده موافقة مالك رحمه الله فإنه قال يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فأما جواز الأكل منه ففيه ثلاثة أوجه أحدها الجواز لأنه طاهر غير مضر ولا محترم فجاز أكله والثاني المنع لقوله عليه الصلاة والسلام إنما حرم من الميتة أكلها والثالث الفرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه الفصل الثاني فى الشعور والعظام وفي الشعر والصوف والريش قولان أحدهما وهو المنصوص هاهنا أنها تنجس بالموت والإبنابة تبعا للأصل فى حكم الحياة والموت والثاني وهو منصوص فى الديات أنها لا تنجس بموت الأصل فإنها خالية عن الحياة وأما العظام ففيه طريقان منهم من قطع بنجاستها بالموت لأنها تتألم ولأن الودك فيها نجس فيدل على نجاسة الظرف إذ لا حياة في الودك ومنهم من طرد القولين التفريع إن ألحقناها بالجمادات فجميع الشعور طاهرة إلا شعر الكلب والخنزير على أحدالوجهين وإن حكمنا بنجاستها فشعور ما يؤكل لحمه لا تنجس بالجز لمسيس الحاجة إليها في المفارش وجلد الميتة إذا دبغ وعليه شعره ففيه وجهان أحدهما أنه نجس لأن الدباغ لا يؤثر إلا في الجلد الثاني أنه يطهر تبعا كما ينجس بموته تبعا وأما شعور الآدمي فقد نقل إبراهيم البلدي أن الشافعي رضي الله عنهرجع عن تنجيسه وهو الصحيح وإن حكم بنجاسته ففي شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهان الفصل الثالث فى أواني الذهب والفضة وهى محرمة الاستعمال على الرجال والنساء لقوله صلى الله عليه وسلم فى الذي يشرب فى آنية الذهب والفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم وفيه ست مسائل الأولى أن هذا نهي تحريم لتأكده بالوعيد ومن أصحابنا من قال أنه نهي كراهية وهو بعيد الثانية أن التحريم غير مقصور على الشرب بل في معناه وجوه الانتفاع خلافا لداود وتزيين الحوانيت به من وجوه الانتفاع المحرم على أصح الوجهين وإذابطلت منفعته من كل وجه حرم اتخاذه فلا قيمة على كاسره الثالثة أن هذا التحريم لا يتعدى إلى الجواهر النفيسة كالفيروزج والياقوت لأن المفاخرة بهما لا يدركها إلا الخواص وفيه وجه آخر أنه يتعدى لعموم المعنى ولا خلاف في أن الزجاج لا يلتحق به وكذا ما نفاسته في صنعته الرابعة إذا موه الإناء بالذهب لم يحرم على أظهر المذهبين لأن المموه لا يخفى وفيه وجه آخر أنه يحرم لما فيه من تخييل المفاخرة الخامسة تضبيب الإناء بالذهب فى محل يلقى فم الشارب محظور على الأظهر وإن لم يلق وكان صغيرا على قدر الحاجة جاز لأجل الحاجة وإن كان كبيرا فوق الحاجة حرم وإن وجد أحد المعنيين فوجهان ومعنى الحاجة أن يكون على قدر حاجة الشعب لا أن يعجز عن التضبيب بغيره فإن ذلك يجوز استعمال أصل الإناء وحد الصغير ما لا يظهر على البعد السادسة في الآنية الصغيرة كالمكحلة وظرف الغالية تردد هذا إتمام قسم المقدمات القسم الثاني في المقاصد وفيه أربعة أبواب الباب الأول فى صفة الوضوء وفيه فرائض وسنن أما الفرائض فست الأول النية والنظر فى أصلها ووقتها وكيفيتها الأول النظر في أصلها وفيه ثلاث مسائل الأولى أن طهارة الأحداث تفتقر إلى النية كالوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة لا تفتقر إلى النية وقال أبو حنيفة لا نية إلا في التيمم الثانية أن أهلية النية شرط فلا يصح وضوء الكافر وغسله وإن نوى وكذا المرتد ولو توضأ ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يبطل وضوؤه وفي التيمم وجهان لأنه طهارة ضعيفة تبطل برؤية السراب الثالثة الذمية تحت المسلم تغسل عن الحيض لحق الزوج فإن أبت أجبرت فلو أسلمت بعد الغسل ففي وجوب الإعادة للصلاة وجهان أحدهما يجب لأنها اغتسلت بغير النية وإنما جاز فى حق الوطء للضرورة والثانية لا يجب لأنه استقل بأحد المقصودين كالزكاة في حق الممتنع فأما الكافرة إذا لم يكن لها زوج أو المسلمة إذا امتنعت فأجبرت على الغسل فعليهما الإعادة لأجل الصلاة لانتفاء الضرورة في الموضعين النظر الثاني في وقت النية وهو عند حالة غسل الوجه فلو غربت بعد ذلك لا يضر والأكمل أن يقرنها بأول سنن الوضوء فإن غربت قبل غسل الوجه فوجهان أحدهما الأجزاء لاتصاله بجزء من العبادة والثاني لا لأنه لم يتصل بالفرض النظر الثالث فى كيفية النية وهي على ثلاثة أوجه الأول أن ينوي رفع الحدث فهو كاف على الإطلاق فلو عين بعض الأحداث بالرفع ففيه أربعة أوجه أحدها أنه يرتفع على الإطلاق لأن الحدث لا يتجزأ فرفع بعضه رفع كله والثاني أنه لا يرتفع فإن بقاء بعضه بقاء كله ولم ينو رفع البعض والثالث إن نوى رفع الحدث الأول صح فإن ما بعده ليس بحدث الرابع إن لم ينف ما عدا المعين صح مطلقا وإن نفي رفع الآخر فليس الإثبات أولى من النفي فيبقى الحدث ولو غلط من حدث إلى حدث فكان محدثا من البول فقال نويت رفع حدث النوم ارتفع حدثه لأن الأسباب جنس واحد في حق الحدث الوجه الثاني إن نوى استباحة الصلاة أو ما لا يستباح إلا بالضوء كمس المصحف للمحدث أوة المكث في المسجد للجنب فهو كاف وإن نوى ما لا يستحب فيه الوضوء كاستباحة دخول السوق وزيارة الأمير فلا يصح وإن ما يستحب الوضوء له كقراءة القرآن للمحدث وعبور المسجد للجنب فوجهان ولو نوى تجديد الوضوء أو غسل الجمعة فالمذهب أن الحث لا يرتفع لأنه ليس مستحبا لأجل الحدث بخلاف الحدث قراءة القرآن فإن الوضوء مستحب فيه لأجل الحدث ولو نوى استباحة صلاة معينة كالصبح ونفي غيرها ففيه ثلاثة أوجه في الثالث يباح له ما عينه دون غيره وهو الأضعف لأن الحدث لا يتجزأ بقاء وارتفاعا فرع من استيقن الطهارة وشك فى الحدث فله الأخذ بالطهارة فلو تطهر احتياطا ثم تبين الحدث ففي وجوب الإعادة وجهان ووجه الوجوب أن نية الاستباحة لم تكن جازمة لتردده فى الحدث الوجه الثالث أن ينوي أداء الوضوء أو فريضة الوضوء فهو جائز بخلاف ما إذا نوى فرض التيمم فإن الوضوء قربة مقصودةولذلك يستحب تجديده بخلاف التيمم وهل يشترط أن يضيف الوضوء إلى الله تعالى فيه وجهان يجريان في النية في سائر العبادات فروع خمسة الأول لو نوى بوضوئه رفع الحدث والتبرد جميعا صح على الأظهر لأن التبرد حاصل قصد أو لم يقصد وإن نوى التبرد فى أثناء الطهارة فإن كان قبل غروب النية لم يضر على الأظهر وإن كان بعد غروبها وجهان أحدهما أنه يقطع حكم النية السابقة لأنها بقيت حكما وهذه وجدت حقيقة والثاني أنه لا يضر لأن بقاءها حكما كبقائها حقيقة الثاني أن الجنب يوم الجمعة لو نوى بغسله الجمعة ورفع الجنابة حصلا على الأصح كمن يصلي الصبح وتحية المسجد ولو اقتصر على نية الجنابة ففي حصول غسل الجمعة قولان ولو اقتصر على غسل الجمعة لا يحصل به رفع الجنابة على الأصح الثالث لو أغفل لمعة في الغسلة الأولى فانغسلت فى الثانية وهو على قصد التنفل هليرتفع الحدث فيه وجهان ووجه المنع أن نية الفرض باقية حكما وقصد التنفل موجود حقيقة فلا يتأدى الفرض به الرابع فى تفريق النية على أعضاء الوضوء وجهان أظهرهما المنع لأنها عبادةواحدة فتشملها نية واحدة الخامس المستحاضة ومن به سلس البول لا يكفيه نية رفع الحدث لأن الحدث فى حقه دائم وتكفي نية استباحة الصلاة على أصح الوجهين لأنه المقصود وفيه وجه أنه يجب الجمع بين نية رفع الحدث والاستباحة وإليه ذهب الخضري فقال نية رفع الحدث للحدث السابق والاستباحة للأحق الفرض الثاني غسل الوجه وفيه مسألتان إحداهما أن حد الوجه من مبتدأ تسطيح الجبهة إلى منتهى ما يقبل من الذقن فى الطول ومن الأذن إلى الأذن فى العرض فلا يدخل فى الحد النزعتان على طرفي الجبين ولا موضعالصلع من الرأس وفي موضع التحذيف خلاف وظاهر المذهب أنه من الوجه ولذلك تعودت النساء تنحية الشعر عنه وهو القدر الذي إذا وضع طرف الخيط على رأس الأذن الطرف والثاني على زاوية الجبين وقع فى جانب الوجه وأما موضع الغمم فإن استوعبا جميع الجبهة وجب إيصال الماء إليه وإن أخذ بعض الجبهة فوجهان أحدهما أنه يجب لأنه مقبل فى جهة الوجه والثاني لا لأنه في تدوير الرأس الثانية يجب إيصال الماء إلى منابت الشعور الأربعة الحاجبان والأهداب والشاربان والعذاران وهما الخطان الموازيان للأذنين لعلتين إحداهما أنها خفيفة في غالب الأمر والثانية أن بياض الوجه محيط بها من الجوانب وأما اللحية فإن كانت خفيفة يجب إيصال الماء إلى منابت ما وقع فى حد الوجه والخفيفة ما يتراءى منها البشرة للناظر فى مجلس التخاطب أو ما يصل الماء إليه من غير مزيد تكلف وإن كانت كثيفة فلا يجب إلى فى حق المرأة لأن اللحية لها نادرة ثم هل تجب إفاضة الماء على ظاهر اللحية الخارجة عن حد الوجه فيه قولان أحدهما نعم لأنه مقبل عند التخاطب فيسمى وجها والثاني لا لخروجه عن حد الوجه أما العنفقة الكثيفة ففي إيصال الماء إلى منابتها وجهان إن عللنا فى الشعور الأربعة بالخفة غالبا فهي خفيفة غالبا وإن عللنا بإحاطة البياض فلا الفرض الثالث غسل اليدين مع المرفقين وفيه ثلاثة فروع الأول لو قطع يده من الساعد وجب غسل الباقي من الساعد وإن قطع فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده فإن تطويل الغرة سنةفتبقى وإن سقط الفرض وإن قطع من المفصل فقولان أحدهما أنه لا يجب غسل عظم العضد لأن المرفق عبارة عن عظم الساعد وقد زالأو لأن غسل العضد كان تابعا وقد سقط المتبوع وهذا القول نقله المزني والثاني نقله الربيع وهو أنه يجب لأن المرفق عبارة عن مجتمع العظام وغسل الكل أصل لا تبع ومن الأصحاب من قطع بالوجوب وغلط المزني فى النقل وتكلف تأويله الفرع الثاني لو نفذ سهم فى كفه وبقي متفتقا وجب إيصال الماء إلى باطنه وإن تكشطت جلدة من الساعد وتدلت وجب استيعابها بالغسل وإن التصقت ببعض الساعدأجرى الماء على المتجافي من غير فتق فإن ارتفعت إلى العضد والتصقت يجب غسلها أيضا نظرا إلى أصله وقال العراقيون لا يجب غسل ما في حد العضد لأنه صار من العضد وإن تدلت من العضد فلا يجب غسله وإن التصقت بالساعد يجب غسل ظاهر ما التصق بدلا عما استتر من الساعد ولا يجب غسل باقيه نظرا إلى أصله ويحتمل على رأي العراقيين أن يجب غسل ما يحاذي الساعد وإن لم يلتصق الفرع الثالث لو نبتت يد زائدة من الساعد يجب غسلها وإن كانت الزائدة لا تتميز عن الأخرى وجب غسلهما وإن نبتت من فوق المرفق لم تغسل فإن دخل رأسها فى حد الساعد نص الشافعي رضي الله عنه في الأم على أنه يغسل ما يحاذي الساعد لحصول اسم اليد ومحاذاة بعض محل الفرض وهذا فيه احتمال الفرض الرابع مسح الرأس والنظر فى قدره ومحله وكيفيته أما قدره فما ينطلق عليه الإسم ولو على بعض شعرة من الرأس وقيل أنه لا يجزئ أقل من ثلاث شعرات وقدره أبو حنيفة رضي الله عنه بالربع ومالك أوجب الاستيعاب أما كيفيته فهو مد البلل على جزء من الرأس ولو غسل أجزأه لأنه فوق المسح ولكن لا يستحب وهل يكره فيه تردد والأظهر أنه لا يكره وغسل الخف بدل المسح مكروه ولكن مسح الرأس يستحب فيه التكرار بخلاف الحق وهو تقريب من الغسل ولو وضع الماء على الرأس ولم يمده فوجهان اختار القفال أنه لا يجزئ لأنه منوط بالإسم وذلك لا يسمى مسحا والأظهر الجواز لحصول الإبلال كما يجزئ الغسل وإن لميسمى مسحا وأما محله فهو الرأس وكل شعر كائن فى حد الرأس فإن مسح على شعر متجعد يخرج محل المسح بالمد عن حد الرأس لم يجز ولو حلق الشعر الذي مسح عليه لم تلزمه الإعادة خلافا لإبن خيران الفرض الخامس غسل الرجلين مع الكعبين وعند الشيعة الواجب هو المسح الفرض السادس الترتيب خلافا لأبي حنيفة وفيه فروع أربعة الأول لو نسي الترتيب لا يجزئه وفيه قول قديم أنه يجزئه وكذلك في ترك الفاتحة ناسيا وهو ضعيف الثاني إذا انغمس المحدث في ماء ونوى رفع الحدث فيه وجهان أحدهما لايجزئ لانعدام الترتيب والثاني يجزئ لعلتين إحداهما أن الغسل حط عنه تخفيفا فإذا اغتسل صار الجميع كالعضو الواحد فأشبه الجنب والثانية أن الماء يلاقي أعضاءه في لحظات متعاقبة فيترتب رفع الحدث وعلى هذا لو تنكس فأوصل الماء إلى أسافله ثم إلى أعاليه خرج على العلتين الثالث الجنب الذي ليس بمحدث لا وضوء عليه وهو الذي لف على قضيبه خرقة وغيب الحشفة وإن كان محدثا يكفيه الغسل واندرجت الطهارة الصغرى تحت الكبرى وفي مراعاة الترتيب فى أعضاء المحدث وجهان أحدهما يجب لأنه لا ترتيب فى الغسل حتى يندرج تحته والثاني لا يجب لأن الترتيب هيئة لهذه الطهارة وقد اندرج أصل الطهارة فسقط حكم الهيئة الرابع إذا خرج منه بلل ولم يدر مني أو مذي لا يلزمه الغسل لأنه لا يتيقن الجنابة ولكن يتخير إن شاء توضأ مع الترتيب وغسل الثوب وإن شاء اغتسل وترك غسل الثوب أخذا بأنه مني فإن توضأ ولم يغسل الثوب وصلى فيه لم يصح على المذهب وفيه وجه لا يعتد به وقيل أيضا لو توضأ منكسا جاز لأن الترتيب غير مستقين وهو خطأ لأن الترتيب لا يسقط إلا بالغسل القول في سنن الوضوء وهي ثماني عشرة الأولى السواك لقوله عليه الصلاة والسلام السواك مطهرة للفم مرضاة للرب عز وجل ثم آلته قضبان الأراك وكل خشن يزيل القلح ولا يكفي السواك بالإصبع لعدم الإسم ووقته عند الصلاة وإن لم يتوضأ لقوله عليه الصلاة والسلام صلاةبسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك وعن الوضوء وإن لم يصل وعند تغير النكهة بالنوم أو بطول الأزم أو أكل ما له رائحة كريهة ولا يكره إلا بعد الزوال للصائم لقوله عليه الصلاة والسلام لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وكيفيته أن يستاك عرضا وطولا وإن اقتصر على أحدهما فعرضا كذلك كان يستاك رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية التسمية وهي مستحبة فى ابتداء الوضوء لقوله عليه الصلاة والسلام ولا وضوء لمن لم يسم الله ومعناه لا وضوء كاملا الثالثة غسل اليدين ثلاثا قبل إدخالهما فى الإناء لقوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده وإن تيقن طهارة يده ففي بقاء الاستحباب وجهان الرابعة والخامسة المضمضة والاستنشاق فى الوضوء والغسل جميعا ثم نقل المزني أنه يأخذ غرفة لفيه وأنفه هكذا روى عبد الله بن زيد منوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقل البويطي أنه يغرف لفيه غرفة ولأنفه غرفة وهكذا روى عثمان وعليمن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل به وقيل الأقل ما نقله المزني والأكمل ما نقله البويطي التفريع إن أخذ لكل واحدة غرفة قدم المضمضة على الاستنشاق وهذا التقديم مستحبأو مستحق فعلى وجهين وإن أخذ غرفة واحدة فوجهان أحدهما يخلط فيتمضمض ويستنشق مرة ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة لأن اتحاد الغرفة يدل على أنهما فى حكم عضو واحد والثاني وهو الأظهر أن يقدم المضمضة ثم يستحب المبالغة فيهما بتصعيد الماء بالنفس إلى الخياشيم والرد إلى الغلصمة إلا أن يكون صائما فيرفق كما ورد في الحديث السادسة التكرار مستحب في الممسوح والمغسول فلو شك أنه غسل ثلاثا أو مرتين أخذ بالأقل كنظيره فى ركعات الصلاة وقال الشيخ أبو محمد يأخذ بالأكثر حذارا من أن يزيد فإنه بدعة وترك سنة أهون من اقتحام بدعة السابعة تخليل اللحية إذا كانت كثيفة الثامنة تقديم اليمنى على اليسرى التاسعة تطويل الغرة العاشرة استيعاب الرأس بالمسح وكيفيته أن يبل جميع الكفين ويلصق أطراف الأصابع من إحدى اليدين بالأخرى ويبدأ بمقدم رأسه ويردهما إلى القفا ثم يعيدهما إلى مقدمة الرأس ليبتل كلا وجهي الشعر فإن لم يكف فلا فائدة في الإعادة وإن عسر تنحية العمامةكمل المسح بالمسح على العمامة ولو اقتصر على مسح العمامة لم يجز الحادية عشرة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد وكيفيته أن يدخل مسبحته فى صماخي أذنيه ويدير إبهاميه على ظاهر أذنيه ثم يضع الكفين على الأذنين استظهارا والتكرار محبوب فيه أيضا الثانية عشرة مسح الرقبة لقوله عليه الصلاة والسلام مسحالرقبة أمان من الغل الثالثة عشرة تخليل أصابع الرجلين وإن كانت مفتوحة وكيفيته أن يخلل باليد اليسرى من أسفل أصابع الرجل اليمنى ويبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى ويختم بالخنصر من اليسرى الرابعة عشرة الموالاة وفيها قول قديم أنها واجبة وحد التفريق الكثير أن تجف الأعضاء مع اعتدال الحال والهواء ثم إذا طال الزمان فهل تجب إعادة النية فعلى وجهين أحدهما تجب لأنه انقطع حكم النية بطول الزمان والثاني وهو الأقيس أنه لا تجب لأنه لم يجر قطع يضاد النية الخامسة عشرة ألا يستعين في وضوئه بغيره فالأجر على قدر النصب وقد استعان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وكان عليه جبة كمها ضيق فعسر عليه الإسباغ منفردا السادسة عشرة أن لا ينشف الأعضاء لإبقاء أثر العبادة وقد نشف رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فتبين جوازه وكان يواظب على تركه فبين به الأفضل وقيل إنه يستحب لأن فيه تصاونا عن التصاق الغبار السابعة عشرة ألا ينفض يده لقوله عليه الصلاة والسلام إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم الثامنة عشرة الدعاء وهو أن يقول عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليدين اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني بشمالي وعند مسح الرأس اللهم حرم شعري وبشري على النار وعند مسح الأذن اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وعند غسل الرجل اللهم ثبت قدمي على الصراط وعند الفراغ أشهد أن لا إله الله وحده لاشريك له وأن محمدا عبده ورسوله سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقد ورد فيها الأخبار الدالة على كثرة فضلها الباب الثاني فى الاستنجاء وفيه أربعة فصول الفصل الأول فى آداب قضاء الحاجة وهي سبعة عشر أن يبعد عن أعين النظارين في الصحراء وأن يستتر بشيء إن وجد وأن لا يكشف عورته قبل الإنتهاء إلى موضع الجلوس وأن لا يستقبل الشمس و القمر وأن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وهو واجب إلا إذا كان في بناءوإن استتر في الصحراء براحلته جاز وكذا بذيله على أحد الوجهين وأن يتقي الجلوس في متحدث الناس وأن لا يبول في الماء الراكد ولا تحت الأشجار المثمرة ولا فى الجحرة وفيها أخبار وأن يتقي المحل الصلب ومهاب الرياح فى البول استنزاها من رشاشه وأن يتكئ فى جلوسه على الرجل اليسرى وإن كان فى بنيان يقدم الرجل اليسرى فى الدخول واليمنى فى الخروج وأن لا يستصحب شيئا عليه اسم الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام ولا يدخل ذلك البيت حاسر الرأس وأن يقول عند الدخول بسم الله أغوذ بالله من الخبيث المخبث الشيطان الرجيم وعند الخروج الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني وأبقى على ما ينفعني وأن يعد النبل قبل الجلوس وأن لا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة وأن يستبرئ عن البول بالتنحنح والنتر وإمرار اليد على أسفل القضيب الفصل الثاني فيما يستنجى عنه وهى كل نجاسة ملوثة خارجة عن المخرج المعتاد نادرا كان أو معتادا جاز الاقتصار فيه على الحجر إذا لم ينتشر إلا ما ينتشر من العامة ويستوي فيه البول والغائط والرجل والمرأة ونقل الربيع أنه إن كان فى جوف مقعدته بواسير أنه لم يجز الاستنجاء إلا بالماء فمن الأصحاب من جعل هذا قولا وعلل القولين بأن الاعتبار بالخارج أو المخرج ومن الأصحاب من أول ما نقله الربيع وقطع بما نقله المزني فإن البحث عن النجاسات مع أن المخرج معتاد فيه عسر واختار القفال فيما حكاه الفوراني أنه إن خرج غير المعتاد خالصا لم يكف الحجر وقال العراقيون لا يكفي الحجر فى دم الحيض الموجب للغسل وعدوا المذي من النجاسات النادرة ونقل المزني أنه يستنجي ما لم يعد المخرج ونقل الربيع أنه يستنجي ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين فمنهم من جعل النصين قولين آخرين ومنهم من قطع بما ذكرناه وهو المنصوص فى القديم وأول هذه النصوص فرع لو خرجت حصاة جافة أو دودة غير ملوثة ففي وجوب الاستنجاء وجهان ووجه إيجابه أنه لا ينفك عن لوث وإن قل الفصل الثالث فيما يستنجى به فإن استنجى بالماء فليكن طهورا وإن اقتصر على الحجر فليكن طاهرا منشفا غير محترم ولا يختص بالحجر لأن ما عداه في معناه احترزنا بالطاهر عن الروث والعين النجسة فإنها تزيد المحل نجاسة أجنبية فيتعين حينئذ الماء بعد استعمالها وبقولنا منشف عن الزجاج الأملس لأنه يبسط النجاسة فإن نقلها عن محلها تعين الماء وفى التراب والحممة اختلاف نص والوجه القطع بالجواز فيما لا يتفتت بالاستعمال والمنع في الرخو تنزيلا بالنصن على اختلاف حالين وبقولنا غير محترم عن المطعومات وما كتب عليه شيء محترم والعصفورة الحية والاستنجاء بيد الغير كل ذلك محرم في وجوب عادة الاستنجاءوجهان ووجه الوجوب أن الرخص لا تستفاد بالمعاصي والعظم من المطعومات وقال صلى الله عليه وسلم إنه طعام إخوانكم من الجن أما الجلد فقد نقل حرملة منع الاستنجاء به ونقل البويطي جوازه ونقل الربيع منعه قبل الدباغ دون ما بعده فقيل إنه أقوال والصحيح الجواز وحمل المنع على جلد الدسم قبل الدباغ الذي لا يقلع النجاسة كما نقله الربيع فرع الحجر المستعمل لا يستعمل ثانيا وإن غسل إلا بعد الجفاف لأن تلك الرطوبة تصير نجاسة فتكون كنجاسة أجنبية الفصل الرابع في كيفية الاستنجاء وفيه مسائل أربعة الأولى أن العدد شرط لقوله صلى الله عليه وسلم فليستنج بثلاثة أحجار فإن لم يحصل الإنقاء فليستعمل رابعة فإن حصل أوتر بخامسة لأن الإيتار مستحب وقال مالك يكفي ولو بواحدة إذا حصل الإنقاء وقال أبو حنيفة لا حاجة إلى الحجر ولا إلى الماء بل يعفى عن هذه النجاسة ثم يتأدى العدد بأن يستنجي بحجر له ثلاثة أحرف بثلاث مسحات متفاصلة الثانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بواحد ويدبر بواحد ويحلق بالثالث وقال فى حديث آخر خجر للصفحة وحجر اليمنى للصفحة اليسرى وحجر للوسط فاختلف الأصحاب منهم من أخذ بالحديث الأول واجب استعمال كل حجر فى جميع المحل إذ به يتحقق العدد وأول الثاني بأن البداية بالصفحة اليمنى ومنهم من أخذ بالرواية الثانية لأنها مصرحة بالتخصيص وإنما مراعاة العدد بالإضافة إلى جملة المحل لا إلى كل جزء ثم الأصح أن هذا خلاف فى الأحب وقيل إنه خلاف في الوجوب الثالثة ينبغي أن يضع الحجر على موضع طاهر ويدير فإن أمر ونقل النجاسة تعين الماء وإن لم ينقل فوجهان الصحيح جوازه لأن تكليف الإدارة يضيق باب الرخصة ولا يخلوا كل استنجاء عن نقل يسير فيتسامح به الرابعة الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر وفيه نزل قوله تعالى { رجال يحبون أن يتطهروا } وأن يستنجي باليسار فإن أخذ القضيب بيد والحجر بأخرى فليحرك اليد اليسرى فالاستنجاء بالمتحرك والله أعلم بالصواب الباب الثالث في الأحداث وفيه فصلان الفصل الأول في أسبابها وهي أربعة السبب الأول خروج الخارج من أحد السبيلين ريحا كان أو عينا نادرا أو معتادا طاهرا أو نجسا وقد تخرج الريح منالإحليل لاسترخاء الأسر فكل ذلك ينقض الوضوء والخارج من غير السبيلين بالفصد والحجامة والقيء والقهقهة في الصلاة وغيرها كل ذلك لا ينقض الوضوء خلافا لأبي حنيفة ولا وضوء مما مسته النار خلافا لأحمد فرع لو انفتحت ثقبة تحت المعدة وانسد المسلك المعتاد وخرجت منها النجاسةالمعتادة انتقض الطهر لأنه في معنى المنصوص ولو كان السبيل المعتاد منفتحا أو كان السبيل منسدا ولكن الثقبة فوق المعدة فقولان منشؤهما التردد في أنه هل هو في معناه أم لا التفريع حيث حكمنا بانتقاض الطهر فلو كان الخارج نادرا فقولان فمحل القطع عند اجتماع ثلاثة أمور أن يكون السبيل المعتاد منسدا وأن تكون الثقبة تحت المعدة وأن يكون الخارج معتادا فعند فقد بعض هذه المعاني يثور التردد وحيث حكم بالانتقاض ففي جواز الاقتصار على الحجر ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين المعتاد وغيره وكأنا نرى الاقتصار على الحجر أبعد من القياس من انتقاض الطهر وفي انتقاض الطهر بمسه ووجوب الغسل بالإيلاج فيه وحل النظر إليه تردد ولا يتعدى التردد من أحكام الأحداث إلى خصائص أحكام الوطء السبب الثاني زوال العقل فإن حصل بغشية أو إغماء أو جنون أو سكر انتقض الطهر قائما كان أو قاعدا وإن حصل بالنوم انتقض إلا إذا كان قاعدا ممكنا مقعدته من الأرض فلو تجافى بمقعدته انتقض ولو تمايل وانتبه وكان التنبه قبل التجافي لم ينتقض وإن كان بعده انتقض إذ يتيسر به خروج حدث لا يشعر به وقال المزني النوم كالإغماء فينتقض الوضوء بكل حال وهو ضعيف لما روى أن طلحة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمن هذا وضوء وكان قد نام قاعدا فقاللا أو تضع جنبك وقال أبو حنيفة النوم على هيئة من هيئات المصلين لا ينقض الوضوء ونقل البويطي فى القديم وهو ضعيف السبب الثالث اللمس قال الله تعالى { أو لامستم النساء } فحمله أبو حنيفة رضي الله عنه على المجامعة وحمله الشافعي على الجس باليد ثم فيه فروع أربعة الأول اللمس وفاقا من غير قصد ناقض للوضوء للعموم خلافا لمالك وحكى صاحب التقريب وجها فيه تشوفا إلى رعاية المعنى الثاني الملموس وفيه قولان أحدهما لا ينتقض طهره اقتصارا على الظاهر فإنه ما لمس والثاني ينتقض تشوفا إلى المعنى لأن الملامسة مفاعلة ولا خلاف أن المرأة إذا كانت هي اللامسة انتقض طهرها لأنها في معنى الرجل الثالث في المحرم والميتة والصغيرة التي لا تشتهى قولان أصحهما أنه لا ينتقض تشوفا إلى المعنى والعجوز الهرمة ينتقض الوضوء بلمسها فلكل ساقط لاقط الرابع في الشعر والظفر خلاف وكذا في العضو المبان منها والصحيح أنه لا ينتقض لانتفاء المعنى وهو الظاهر إذ لا يقال لمس النساء السبب الرابع مس الذكر قال عليه الصلاة والسلام من مس ذكره فليتوضأ وفي معناه من مس ذكر غيره وكذلك المرأة إذا مست فرجها ولو لمس حلقة دبره قال في القديم لا ينقض وفي الجديد ألحقه بالمنصوصوقال في فرج البهيمة في الجديد لا ينتقض بمسه وفي القديم ألحقه به وأما الصغير والميت فينتقض الطهر بمس ذكرهما لوجود اسم الذكر قال الشيخ أبو محمد هذا يدل على تحريم النظر إلى فرج الصغير فيحمل ما روي من تقبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم زبيبة الحسن أو الحسين على جريانه وراء الثوب فأما الذكر المبان ففيه وجهان وأما محل الجب فينقض الوضوء بمسه ثم هذا كله في المس بالكف فإن كان برأس الأصابع فوجهان لأنه خارج عن سمت الكف ولكنه من جنس بشرة الكف وإن كان بما بين الأصابع فالصحيح أنه لا ينتقض فرع إذا مس الخنثى من نفسه فرجيه انتقض طهره فإن مس أحدهما فلا لاحتمال أنه عضو زائد وإن مس أحدهما وصلى ثم توضأ ومس الآخر وصلى فإحدى صلاتيه باطلة قطعا وهل يقضي فيه وجهان أحدهما أنه يقضيهما جيمعا كمن فاتته صلاة من صلاتين والثاني لا يقضيهما لأن لكل صلاة حكمها فهو كما لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين أما إذا مس رجل فرج الخنثى إن مس ذكره انتقض وإن مس فرجه لم ينتقض والمرأة إن مست فرجه انتقض وإن مست ذكره لم ينتقض لاحتمال أنه عضو زائد ولو أن خنثيين مس أحدهما من صاحبه الفرج ومس الآخر الذكر فقد انتقضت طهارة أحدهما لا بعينه بكل حال ولكن تصح صلاتهما ويأخذ كل واحد منهما باحتمال الصحة كما إذا قال الرجل إن كان هذا الطائر غرابا فامرأتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق وأشكل دام الحل لكل واحد منها فإن قيل وبما يتبين حال الخنثى قلنا بثلاثة طرق أحدهما خروج الخارج من أحد الفرجين فإن بال بفرج الرجال أو أمنى فرجل وإن بال بفرج النساء أو حاضت فإمرأة وإن أمنى بفرج الرجال وحاض بفرج النساء فمشكل وإن بال بفرج الرجال وحاض بفرج النساء قيل التعويل على المبال لأنه أدوم وقيل مشكل الثانية نبات اللحية ونهود الثدي فيه خلاف والأظهر أنه لا عبرة بهما لأن ذلك لا يعد نادرا على خلاف المعتاد ولا خلاف أن عدم نبات اللحية وعدم نهود الثدي فى أوانهما لا نظر إليه ولا نظر إلى ما قيل من تفاوت عدد الأضلاع فلا أصل له فى الشرع والتشريح الثالثة أن يراجع الشخص ليحكم بميله فإن أخبر لا يقبل رجوعه إلا أنيكذبه الحس بأن يقول أنا رجل ثم يلد ولدا قاعدة يقين الطهارة لا يرفع بالشك ولا يقين الحدث يرفع بشك الطهارة لقوله عليه الصلاة والسلام إن الشيطان ليأتي أحدكم وهو في صلاته فينفخ بين أليتيه ويقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا فإن غلب على ظنه الحدث فلا تعويل عليه لأن العلامات تندر في الأحداث فلا مجال للاجتهاد فيها بخلاف النجاسات واستثنى صاحب التلخيص من هذا أربع مسائل إحداها أن الناس لو شكوا فى انقضاء وقت الجمعة صلوا الظهر وإن كان الأصل بقاء الوقت وعلته وأن الأصل وجوب الأربع فلا يعدل إلى الجمعة إلا بيقين الثانية إذا شك فى انقضاء مدة المسح لم يمسح وسببه أن الأصل غسل الرجل فلا عدول إلا بيقين الثالثة إذا انتهى المسافر إلى مكان وشك أنه وطنه أم لا أخذ بأنه وطنه الرابعة لو شك أنه نوى الإقامة أم لا لم يترخص بالقصر لأن الأصل الإتمام وأبدى بعض الأصحاب خلافا في المسألتين الأخيرتين دون الأوليين وهو بعيد فرع إذا تيقن أنه بعد طلوع الشمس توضأ وأحدث ولم يدر أيهما سبق قال صاحب التلخيص يسند الوهم إلى ما قبله فإن انتهى إلى الحدث فهو الآن متطهر لأنه تيقن طهرا بعده وشك فى الحدث بعد الطهر وإن انتهى إلى الطهر فهو الآن محدث لما ذكرناه ومنهم من قال إن انتهى إلى طهر فمتطهر وإن انتهى إلى حدث فمحدث والظنان الطارئان يتعارضان والصحيح هو الأول الفصل الثاني فى حكم الحدث وهو المنع من الصلاة والطواف وسجود التلاوة ومس المصحف وحمله ويستوي فى المس الجلد والحواشي ومحل الكتبة نعم في الخريطة والصندوق والغلاف والعلاقة وجهان ولو قلب الأوراق بقضيب فيه وجهان أصحهما المنع لأنه حامل للورقة ولو قلب بطرف اليد وهي مستورة بالكم فحرام لأن التقليب باليد حرام وأما الحمل فهو محرم إلا إذا كان في الصندوق ومعه أمتعة فوجهان ووجهالتجويز أنه غير مقصود ولا يحرم مس كتاب فيه بسم الله ولا كتب التفسير والفقه ولا الثوب لطرازه ولا الدرهم لنقشه وكذا كل ما لم يكتب للدراسة فأما لوح الصبيان فلا وإن كتب للدراسة لأن فيه مشقة والأصح أنه لا يجب على المعلم تكليف الصبي المميز الطهارة لمس المصحف واللوح فإن في حفظها عليهم عسرة أما الجنابة فكالحدث ونزيد هاهنا تحريم قراءة القرآن والمكث في المسجد أما العبور فلا ثم لا فرق في القراءة بين آية أو بعضها إلا أن يأتي بها على قصد الذكر كقوله بسم الله والحمد لله والمذهب أن الحائض كالجنب وحكى أبو ثور عن أبي عبد الله أنه كان لا يحرمعليها القراءة إما لحاجة التعليم وإما خيفة النسيان فقيل أراد بأبي عبد الله الشافعي رضي الله عنه وقيل أراد به مالكا رضي الله عنه ولا بأس للجنب بأن يجامع ويأكل ويشرب ولكن يستحب له أن يتوضأوضوءه للصلاة ويغسل فرجه عند الجماع فقد ورد فيه الحديثوروي أن رجلا سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جنبا فضرب يده على الجدار وتيمم ثم أجاب تعظيما للسلام فعلى هذا لو تيمم المحدث لقراءة القرآن معوجود الماء كان جاريا على وفق الحديث ولا يجوز ذلك في صلاة الجنازة فإن الطهارة فيه واجبة وفضل ماء الجنب طاهر وهو الذي مسه الجنب والحائض والمحدث خلافا لأحمد رحمه الله تعالى الباب الرابع فى الغسل والنظر فى موجبه وكيفيته النظر الأول فى الموجب وهي أربعة الأول الحيض والنفاس وسيأتي حكمهما فى موضعهما الثاني الموت وسيأتي فى الجنائز الثالث الولادة فإذا انفصل الولد دون النفاس فالأصح وجوب الغسل لأنه إذا أوجب بخروج الماء وهو أصل الولد فبأن يجب بنفس الولد أولى وقيل إنه لا يجب لأن الأحداث لا تثبت قياسا الرابع الجنابة وهي المقصودة بالذكر ويحصل بالتقاء الختانين وخروج المني قالت عائشة رضي الله عنها إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا ونعني بالالتقاء التحاذي فإن ختان المرأةفوق المنفذ يقال التقى الفارسان إذا تحاذيا ثم ليس المقصود الختان فلو قطعت الحشفة فغيب مثل الحشفة كفى وكذلك إذا ولج في فرج ميت أو بهيمة أو في غير المأتى ولا ختان فيه وفي وجوب إعادة غسل الميت إذا أولج فيه خلاف أما خروج المني فموجب الغسل وصفته أنه أبيض ثخين دفاق يخرجبدفعات وشهوة ويعقب خروجه فتور وتشبه رائحتة رائحة الطلع فلو فقد من هذه الصفات التلذذ بخروجه بأن يخرج بمرض وجب الغسل خلافا لأبي حنيفة وكذا إن خرج بعد الغسل من بقيه الأول خلافا لمالك لأن بقية الصفات معرفة كونه منيا وكذا لو خرج على لون الدم لاستكثار الجماع وجب الغسل فخواصه ثلاث التلذذ ورائحة الطلع والتدفق بدفعات فإن وجد واحد من هذه الصفات كفى فلو تنبه من النوم ووجد رائحة الطلع من البلل لزمه الغسل وإن لم ير إلاالثخانة والبياض فلا يلزمه لأنه مثل الودي فإن كان الودي لا يليق بطبع صاحب الواقعة أو تذكر فى النوم نشاطا وتلذذ فهو غالب ظن يحتمل أن يطرح كما فى الأحداث ويحتمل أن يخرج على الخلاف فى النجاسات إذا قابل الغالب الأصل لأن المني مجال العلامات كالنجاسات وأما المرأة فمنيها أصفر رقيق ولا يعرف فى حقها إلا من الشهوة فإذا تلذذت لخروج الماء اغتسلت لما روي أن إم سليم إم أنس بن مالكقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل على إحدانا غسل إذا هي احتلمت فقالت عائشة رضي الله عنها فضحت النساء فضحك الله أو تحتلم المرأة فقال عليه الصلاةوالسلام تربت يمينك فمم الشبه إذن إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أعمامه وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أخواله ثم قال لإم سليم نعم عليها الغسل إذا رأت الماء فأما إذا خرج مني الرجل من المرأة بعد أن اغتسلت فلا يلزمها الغسل إلا إذا كانت قضت وطرها فيغلب اختلاط منيها به فيجب الغسل بحكم الغالب وهذا يدل على أن لغلبة الظن أثرا النظر الثاني فى كيفية الغسل وأقل واجبه أمران أحدهما النية فإن نوى استباحة الصلاة أو رفع الجنابة أو قراءة القرآن كفى وإن نوى رفع الحدث مطلقا فالصحيح جوازه وإن نوت الحائض بغسلها استباحة الوطء جاز وقيل لا لأن الوطء موجب للغسل والثاني الاستيعاب فلا يجب فيها المضمضة والاستنشاق خلافا لأبي حنيفة ويجب إيصال الماء إلى منابت الشعور وإن كثفت ونقض الضفائر إن كان الماء لا يصل إلى باطنها دون النقض كقوله صلى الله عليه وسلم بلوا الشعر وانقوا البشرة فإن كل تحت شعرة جنابة أما الأكمل فيستحب فيه ستة أمور الأول أن يغسل أولا ما على بدنه من أذى ونجاسة إن كانت الثاني أن يتوضأ بعد ذلك وضوءه للصلاة وإن لم يكن محدثا ويتصور ذلك بتغيب الحشفة مع حائل أو بسبق المني على الطهارة وهل يؤخر غسل الرجلين في وضوئه إلى آخر الغسل فيه قولان لاختلاف الروايتين عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالث يتعهد معاطف بدنه ومنابت شعوره بعد وضوءه ثم يفيض الماء على رأسه ثم على ميامنه ثم على مياسره الرابع التكرار ثلاثا كما فى الوضوء والأظهر أن تجديد الغسل لا يستحب فإنه لا ينضبط بخلاف الوضوءوفيه وجه الخامس إذا اغتسلت من الحيض فيستحب لها أن تستعمل فرصة من مسك إماطة للرائحةأو ما يقوم مقامه فإن لم تجد فالماء كاف السادس الدلك وهو مستحب وماء الغسل والوضوء غير مقدر وقد يرفق بالقليل فيكفي ويخرق بالكثير فلا يكفي كتاب التيمم وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول فيما يبيح التيمم وهو العجز عن استعمال الماء لقوله تعالى { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ولقوله عليه الصلاة والسلام التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج ولكن للعجز سبعة أسباب السبب الأول فقد الماء وللمسافر فيه أربعة أحوال الحالة الأولى أن يتحقق عدم الماء حواليه فيتيمم من غير طلب إذ لا معنى للطلب مع اليأس الحالة الثانية أن يتوهم وجود الماء حواليه فيلزمه أن يطلبه من مواضع الخضرة ومنزل الرفاق ويتردد إلى حد يلحقه غوث الرفاق عند الحاجة ولا يلزمهأكثر من ذلك ثم يختلف ذلك باختلاف البقاع والأحوال فليجتهد المكلف فيه رأيه فلو أدى صلاة بهذا الطلب ودخل وقت صلاة أخرى ففي وجوب إعادة الطلب وجهان أولاهما أنه لا يجب لأن غلبة الظن باقية الحالة الثالثة أن يتيقن وجود الماء فى حد القرب فيلزمه أن يسعى إليه وحد القرب إلى حيث يتردد إليه المسافر للرعي والاحتطاب وهو فوق حد الغوث فإن انتهى البعد إلى حيث لا يجد الماء فى الوقت فلا يلزمه وإن كان بين الرتبتين فقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه يلزمه الوضوء إنكان على يمين المنزل ويساره ونص فيما إذا كان قدامه على صوب مقصده أنه لا يلزمه فقيل قولان بالنقل والتخريج وهو الأصح أحدهما أنه يجب لأنه علق التيمم بالفقد وهذا غير فاقد والثاني لا يجب لأنه فى الحال فاقد ومنهم من فرق بين النصين وقال يمين المنزل ويساره منسوب إليه وعادة المسافر التردد إليه وأما التقدم ثم العود قهقرى فليس بمعتاد وروي أن ابن عمر تيمم فقيل له أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليكفقال أو أحيي حتى أدخلها ثم دخل المدينة والشمس حية ولم يقض الصلاة التفريع إن قلنا يجوز التيمم فما الأولى نظر إن تيقن وجود الماء قبل مضي الوقت فالأولى التأخير للوضوء وإن توقعه بظن غالب فقولان أحدهما التعجيل أولى كما أن تعجيلها أولى من تأخيرها لحيازة فضيلة الجماعةإذ فضيلة الأولى ناجزة والأخرى موهومة والثاني التأخير أولى لأن للوضوء رتبة الفرائض فبجبره تنجبر فضيلة الوقت الحالة الرابعة أن يكون الماء حاضرا كماء البئر إذا تنازع عليه النازحون وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد فوات الوقت نص الشافعي رضي الله عنه أنه يصبر إذ لا تيمم مع وجود الماء ونص فى الثوب الواحد يتناوب عليه جماعة العراة أنه يصبر ولا يصلي عاريا ونص فى السفينة فيها موضع واحد يمكن القيام فيه أنه يصلي قاعدا ولا يصبر وقال أبو زيد المروزي وجماعة من المحققين لا فرق بل فيهما قولان بالنقل والتخريج أحدهما الصبر لأن القدرة حاصلة والثاني التعجيل لأن القدرة بعد الوقتلا تأثير لها في صلاة الوقت وهو جار فيما لو لاح للمسافر ماء في حد القرب وعلم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة ولا جريان له في المقيم بحال حتى إذا ضاق عليه الوقت وعلم فواته لم يتيمم هكذا قاله الأصحاب ومن الأصحاب من قرر النصين وفرق بأن أمر القعود أسهل ولذلك يجوز تركه فى النفل مع القدرة بخلاف التيمم وكشف العورة فرعان أحدهما لو وجد ماء لا يكفيه لوضوئه فقولان أحدهما أنه فاقد فيتيمم والثاني واجد فيستعمل لأن المقدور لا يسقط بالمعسور كما لو كان بعض أعضائه جريحا فإن قلنا يستعمل فيقدمه على التيمم حتى يكون فاقدا عند التيمم الثاني لو صب الماء قبل الوقت ثم تيمم فى الوقت لم يقض ولو صب الماء بعددخول الوقت أو وهب من غير عوض للمتهب ففي القضاء وجهان وجه وجوبه أنه عصى بصبه والهبة مع حاجة إلى الوضوء والرخص لا تناط بالمعاصي بخلاف ما قبل الوقت فإنه لا حاجة وبخلاف ما لو جاوز شط النهر فى أول الوقت لأنه لا لم يضيع ثم الصحيح أنه لا يلزمه إلا قضاء تلك الصلاة لأنه فى حق غيرها صب قبل وقته وقيل يلزمه قضاء ما يغلب إمكان أدائه بوضوء واحد السبب الثاني أن يخاف على نفسه أو ماله لو توضأ بأن كان بينه وبين الماء سبع أو سارق فله التيمم وفيه مسألتان إحداهما لو وهب منه الماء أو أعير منه أو أقرض ثمن الماء وهو موسر فعليهالقبول إذ المنة لا تثقل فيها وهل يجب الإبتداء بسؤال هذه الأمور فيه وجهان لأن السؤال أصعب على ذوي المروعات وإن هان قدر المسئول فأما إذا وهب منه الدلو أو ثمن الماء لم يلزمه القبول لعظم المنة فيه الثانية لو بيع الماء بغبن لم يلزمه شراؤه وكذا إن بيع بثمن المثل ولكن عليه دين مستغرق أو احتاج إليه لنفقة سفره فى ذهابه وإيابه فلا يلزمه شراؤه وفى قدر ثمن المثل ثلاثة أوجه أحدها أنه أجرة نقل الماء فبه تعرف الرغبة فى الماء وإن كان مملوكا على الأصح هذا أعدل الوجوه وقيل يعتبر بحال السلامة واتساع الماء وقيل تعتبر الحالة الراهنة وضرورتها السبب الثالث إن احتاج إليه لعطشه فى الوقت أو لتوقع العطش فى ثاني الحال أو لعطش رفيقه فى الوقت أو لعطش حيوان محترم فكل ذلك يبيح التيمم وتوقع عطش الرفيق فى المآل فيهنظر قال الشافعي رضي الله عنه ولو كان معه ماء فمات ورفقاؤه محتاجون إليه لعطشهم يمموه وشربوا الماء وصرفوا ثمنه إلى ورثته لأن مثل الماء لا قيمة له فى ذلك الموضع فى غالب الأمر فكان العدول إلى القيمة أولى فرع إذا سلم ماء إلى وكيله وقال سلمه إلى أولى الناس به فحضر جنب وحائض وميت فالميت أولى لأنه آخر عهده والأحياء يتيممون ومن عليه النجاسة أولى من الجنب والحائض إذ لا بدل لإزالة النجاسة وفيه مع الميت وجهان والجنب مع الحائض يتساويان وقيل الحائض أولى لأن حدثها أغلظ ولو اجتمع محدث وجنب فالجنب أولى إلا أن يكون الماء على قدر الوضوء فالصحيح أن المحدث أولى لاكتفائه به ولو انتهى هؤلاء إلى ماء مباح فى سفر فمن سبق إلى الماء فهو ملكه وإن تساووا فهو فى يدهم والمالك إن كان محدثا أولى بماء ملكه من الجنب السبب الرابع العجز بسبب الجهل وفيه أربع صور أحدها أن ينسى الماء فى رحله بعد أن كان علمه فتيمم وصلى قضى الصلاة خلافا لأبي حنيفة وفيه قول قديم كما في نسيان الفاتحة وترتيب الوضوء ناسيا الثانية إذا أدرج في رحله ماء ولم يشعر به فطريقان أحدهما القطع بأن لا قضاء إذ لا تقصير والثاني تخريجه على القولين كما في النسيان الثالثة لو أضل الماء في رحله مع توهم وجوده فإن لم يمعن في الطلب لزمه القضاء وإن أمعن حتى غلب ظن الفقد ففي القضاء قولان كالقولين فيمن أخطأ في اجتهاده في القبلة الرابعة لو أضل رحله في جنح ليل لزمه القضاء إن لم يمعن فيالطلب وإن أمعن فطريقان أحدهما أنه يجب القضاء كما إذا أضل الماء في رحله والثاني القطع بأن لا قضاء لأن الرحل أضبط للماء من المخيم للرحل فلا تقصير فرع لو رأى بئرا بالقرب بعد التيمم فهو كما إذا وجد الماء في رحله في صورة الجهل وصورة النسيان جميعا السبب الخامس المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه فوت الروح أو فوت عضو مبيح للتيمم وإن لم يخف عاقبته ولكن يألم به من برد أو حر أو جرح لم يجز التيمم وإن خاف منه مرضا مخوفا فالصحيح أنه يباح التيمم وإن لم يخف إلا شدة الضنى وبطء البرء فوجهان منشؤهما أن الضرر الظاهر هل يكفي أم لا بد من خوف فوات والأصح أن الضرر الظاهر يكفيلأن هذا أشق من طلب ماء من فرسخ ونصف فرسخ وذلك لا يجب ولو خاف بقاء شين قبيح فإن لم يكن على عضو ظاهر لم يتيمم وإن كان فوجهان لأنه ضرر ظاهر السبب السادس إلقاء الجبيرة بانخلاع العضو وهو كالمرض فيجب غسل ما صح من الأعضاء والمسح على الجبيرة بالماء وهل ينزل المسح منزلة مسح الخف فى تقدير مدته وسقوط الاستيعاب وجهان أحدهما نعم قياسا عليه والثاني لا بل يجب الاستيعاب لأنه مبني على الضرورةفيراعي فيه أقصى الإمكان والتقدير لا يعرف إلا بتوقيف فى المدة ثم يتيمم مع الغسل والمسح على أظهر الوجهين وقيل إنه لا يتيمم كما لا يتيمم مع المسح على الخف وهل يمسح على الجبيرة بالتراب فيه وجهان أصحهما أنه لا يجب لأن التراب ضعيف لا أثر له على ساتر وفى تقديم الغسل على التيمم ثلاثة أوجه أحدها أنه يجب كما لو وجد ماء لا يكفي لتمام الطهارة والثاني لا حجر فيه فإن التيمم للجراحة وهي قائمة وثم لفقد الماء فلا بد من إفنائه أولا والثالث أنه لا ينتقل إلى عضو ما لم يتمم تطهير العضو الأول فلو كان الجراحة على يده فيغسل وجهه ثم يديه ويمسح على الجبيرة ثم يتيمم ثم يمسح رأسه ويغسل رجليه السبب السابع العجز بسبب جراحة فإن لم يكن عليه لصوق فلا يمسح على محل الجرح وإن كان عليه لصوق فيمسح على اللصوق كالجبيرة وهلى يلزمه إلقاء اللصوق عند إمكانه فيه تردد للأصحاب ويتقدم عليه التردد فى وجوب لبس الخف على من وجد من الماء ما يكفيه لو مسح على الخف ولا يكفيه لو غسل فرعان أحدهما أنه تجب إعادة التيمم عند كل صلاة ولا تجب إعادة الغسل ولا إعادة مسح الجبيرة الثاني إذا توهم الاندمال وفتح الجبيرة فإذا هو مندمل فهو كنزع الخف فى غسل ذلك العضو وتدارك سائر الأعضاء وإن كان الجرح قائما فوجهان فى إعادة التيمم أحدهما نعم كما لو رأى سرابا والثاني لا إذ طلب الإندمال غير واجب بخلاف طلب الماء الباب الثاني فى كيفية التيمم وله سبعة أركان الركن الأول نقل التراب الطهور إلى الوجه واليدين فلو ضرب اليد على حجر صلد ومسح وجهه لم يجز خلافا لأبي حنيفة ثم ليكن المنقول ترابا طاهرا خالصا مطلقا أما قولنا تراب فيندرج تحته الأعفر وهو الأسود الذي يستعمل فى الدواة والأصفر والأحمر وهو الطين الإرمني والأبيض وهو المأكول من التراب لا الجص والسبخ وهو الذي لا ينبت لا الذي يعلوه ملح والملحليس بتراب والبطحاء هو التراب اللين فى مسيل الماء ويخرج الزرنيخ والنورة وسائر المعادن لأنه لا يسمى ترابا وقولنا طاهر يخرج منه أن التراب النجس لا يتيمم به إذ الطهور ما يكون طاهرا في نفسه وقولنا خالص يخرج عليه التراب المشوب بالزعفران والدقيق فلا يجوز التيمم به فإن كان الزعفران مغلوبا لا يرى فيجوز التيمم على وجه كالزعفران اليسير في الماء وعلى الثاني لا لأن الماء بلطافته يجري على مواضع الزعفران وقولنا مطلق يخرج عليه أن سحاقة الخزف أصلها تراب ولكن لا يسمى ترابا فلا يتيمم به وفى الطين المأكول إذا شوي ثم سحق وجهان لأن الشي فيه قريب اختلف نص الشافعي رضي الله عنه فى الرمل والأصح تنزيله على حالين فإن كان عليه غبار جاز وإلا فلا وفي التراب المستعمل وهو الذي التصق بوجه المتيمم وجهان وجه التفريق بينه وبين الماء أن التراب لا يرفع الحدث الركن الثاني القصد إلى الصعيد فلو تعرض لمهب الرياح ثم مسح وجهه لم يجز لأن التيمم عبارة عن القصد وحكى صاحب التقريب فيه وجها آخر قياسا على الوضوء ولو يممه غيره بغير إذنه فهو كالتعرض للريح وإن كان بإذنه وهو عاجز وإلا فوجهان الركن الثالث النقل فلو كان على وجهه تراب فردده عليه بالمسح لم يجز إذ لا نقل وإن نقل من سائر أعضائه إلى وجهه ويديه جاز وإن نقل من يده إلى وجهه جاز لوجود النقل وفيه وجه آخر أنه لايجوز لأن أعضاء التيمم فى حكم عضو واحد ولو معك وجهه فى التراب فالصحيح جوازه لوجود القصد والنقل وإن لم يكن بواسطة اليد الركن الرابع النية ولا بد منها وفيه مسألتان إحداهما إن نوى رفع الحدث فلا يصح لأن التيمم لا يرفع الحدث ولذلك يجب الغسل على الجنب عند رؤيته الماء وقال ابن سريج يرفع الحدث فى حق فريضة واحدة الثانية إذا نوى استباحة الصلاة جاز فإن نوى الاستباحة عن الحدث وهو جنب أو بالعكس لم يضر لأنه غلط فيما يستغني عن ذكره ثم له أربعة أحوال إحداها أن ينوي استباحة الصلاة مطلقا فالمذهب صحة تيممه للفرض والنفل جميعا وقيل يقتصر على النفل كالمصلي إذا نوى الصلاة وهو بعيد الثانية أن ينوي استباحة الفرض والنفل فالصحيح جوازهما وقيل لا بد من تعيين الفرض المقصود وهو بعيد الثالثة إذا نوى الفرض كان له أن يؤدي به النفل بطريق التبعية على الأصح نعم لو خرج وقت الفريضة ففي النفل بذلك التيمم وجهان لفوات وقت المتبوع ولو تنفل قبل الفريضة فقولان مشهوران أصحهما الجواز وهو نصه فى الأم ووجه المنع أن التابع لا يقدم الرابعة إذا نوي النفل ولم يتعرض للفرض فهل يصلي للفرض فيه قولان مشهوران فإن قلنا لا يؤدي الفرض فهل يؤدي النفل فوجهان ووجه المنع أن النفل تابع فلا يفرد وهو ضعيف إذ حاجة المسافر تمس إلى النوافل مفردا فرع لو نوى استباحة فريضتين فسدت نيته على وجه وصح فى حق فرض واحد على الوجه الثاني الركن الخامس مسح الوجه ويجب فيه الاستيعاب ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعور وإن خفت للعسر وقال أبو حنيفة لو أغفل ربع الوجه لجاز الركن السادس مسح اليدين إلى المرفقين وقال مالك إلى الكوعين وهو قول قديم ثم تخفيف التراب مستحب وطريق الاستيعاب مع التخفيف والاقتصار على ضربتين فإنه سنة أن يضرب ضربة لا يفرج فيها أصابعه ويمسح وجهه ويستوعب إذ سعة الوجه قريب من سعة الكفين وفى الضربة الثانية يفرج أصابعه ثم يلصق ظهر أصابع يده اليمنى ببطون أصابع يده اليسرى بحث لا يجاوز أطراف الأنامل من إحدى اليدين عرض المسبحة من الأخرى ثم يمر يده اليسرى من حيث وضعها على ظاهر ساعده اليمنى ثميقلب بطن كفه اليسرى على بطن ساعده اليمنى ويمرها إلى الكوع ويجري بطن إبهامه اليسرى على ظهر إبهامه اليمنى ثم يفعل باليسرى كذلك ثم يمسح كفيه ويخلل بين أصابعه فإن لم يحصل الاستيعاب زاد ضربة ثالثة ولو فرج الأصابع فى الضربة الأولى قال القفال لا يصح لأن غبار الضربة الثانية لا يصل إلى تلك البشرة وهو بعيد فإنه تضييق للرخصة الركن السابع الترتيب كما ذكرناه فى الوضوء وكذا حكم الموالاة الباب الثالث فى أحكام التيمم وهى ثلاثة الحكم الأول أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع فى الصلاة بل بظن الماء عند رؤية السراب أو طلوع الركب لأنه يجب الطلب وتقديم الطلب شرط التيمم بخلاف ما إذا ظن المتيمم العاري ثوبا فلم يكن لا يبطل تيممه لأن طلبه ليس من شرط التيمم أما بعد الشروع فلا تبطل الصلاة خلافا لأبي حنيفة والمزني وفيه وجه آخر مخرج من وجهين ذكرهما ابن سريج فى المستحاضة إذا انقطع دمها في أثناءالصلاة وظاهر المذهب الفرق لأن حدث المستحاضة يتجدد ولا بدل له فإذا قلنا لا تبطل صلاته ففيه أربعة أوجه أحدها أن الأولى أن يقلب فرضه نفلا حتى يتدارك فضيلة الوضوء والثاني أن الأولى أن يتم الصلاة والثالث أن الأولى أن يخرج من الصلاة حتى لا يكون مصليا مع وجود الماء والرابع أنه ليس له أن يخرج ولا أن يقلب نفلا بل يلزمه الاستمرار وهذا بعيد إذ الوقت إذا كان متسعا فالشروع ليس بملزم إذا لم يكنخلل فكيف إذا كان ولذلك نص الشافعي رضي الله عنه أن المنفرد إذا أدرك جماعة يقطع الصلاة فكيف يقطع الفرض لأجل الفضيلة لولا جوازه وكذا المسافر يصبح صائما فله أن يفطر ولا يلزمه بالشروع وهذا القائل يقول المتنفل إذا رأى الماء تبطل صلاته فإنه لا مانع من الخروج والصحيح أنه يتمم كما فى الفرض نعم لو كان نوى أربعا فهل يلزمه الاقتصار على أقل صلاة أو كان نوى ركعتين فهل يمتنع أن يزيد فيجعلهما أربعا فعلى وجهين مشهورين الحكم الثاني فيما يؤدي بالتيمم وفيه أصلان للشافعي رضي الله عنه الأول أنه لا يجمع بين فرضين بتيمم واحد لأنه طهارة ضرورة نعم يجمع بين النوافل وبين فرض ونوافل لأن النوافل تابعة وهى في حكم جنس واحد قطعت بتسليمات أو جمعت تحت تحريمة واحدة وعليه أربعة فروع الأول الجمع بين منذور وفريضة أو منذورتين يخرج على أنه يسلك بالمنذور مسلك واجب الشرع حتى لا يجوز القعود فيه مع القدرة أو مسلك جائزه وفيه قولان الثاني نص على الجمع بين فريضة وصلاة جنازة أو بين صلاتي جنازة ونص على منع القعود فيها مع القدرة فيه قولان بالنقل والتخريج منشؤهما أنهما تلحق بالفرائض أو النوافل وقيل إذا تعين عليه لم يجمع ومنهم من قرر النصين وقال هي فى حكم نافلة ولكن القيام أعظم أركانها والقعود يغير صورتها فلا يحتمل مع القدرة الثالث أن لا يجمع بين ركعتي الطواف وصلاة أخرى إن قلنا أنهما فريضتان على قول وهل يجمع بينهما وبين الطواف من حيث إنه كالجزء التابع له فعلى وجهين الرابع من نسي صلاة من خمس صلاوات مبهمة فعليه خمس صلوات قال الخضري يتيمم لكل صلاة والصحيح أن يكفيه تيمم واحد لأن المقصود بالوجوب واحد فعلى هذا لو نسي صلاتين من يوم وليلة فإن شاء تيمم خمسا واقتصر على خمس صلوات وهى رأي صاحب التلخيص وإن شاء اقتصر على تيممين يؤدي بأولهما الأربعة الأولى من الخمس وهي الصبح والظهر والعصر والمغرب ثم يتيمم ويصلي الأربعة الأخيرة وهيالظهر والعصر والمغرب والعتمة فيكون متفضيا عن العهدة بيقين فلو أدى بالتيمم الأول الأربعة الأخيرة لم يجز لاحتمال أن الفائتة ظهر وعشاء والعشاء في النوبة الأولى لم تصادف إلا تيمما مستعملا وفي النوبة الثانية ما صلى العشاء الأصل الثاني أنه لا يتيمم لصلاة قبل دخول وقتها خلافا لأبي حنيفة لقوله عليه الصلاة والسلام أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت وإنما تدركصلاة الخسوف بالخسوف وصلاة الاستسقاء ببروز الناس إلى الصحراء وصلاة الميت بغسل الميت والفائتة بتذكرها وفى النوافل الرواتب وجهان أحدهما أنه لا يتأقت تيممها لأن التأقيت فيها غير مقصود بل هي تابعة فروع ثلاثة أولها لو تيمم لفائتة ضحوة النهار فلم يؤدها فأراد أن يؤدي الظهر بعد الزوال جاز عند ابن الحداد لأن التيمم لم يكن مستغنى عنه فى وقت فعله بخلاف ما إذا نوى به استباحة الظهر قبل الزوال وقال أبو زيد لا يجوز لتقدمه على وقته الثاني لو تيمم للظهر فى وقته ثم تذكر فائتة فأراد أداءها على الأصح ومنهم من خرج على الوجهين لأن وقت الفائتة بالتذكر الثالث لو تيمم للنافلة ضحوة فأراد أن يؤدي الظهر بعد الزوال به إذا قلنا يجوز أداء الفرض بمثل هذا التيمم ففيه من الخلاف ما في الفائتة وأولى بالمنع لأن هذا التيمم لم يستعقب إباحة فرض مقصود الحكم الثالث فيما يقضى من الصلوات المؤداة على نوع من الخلل والضابط فيه إن كان بسبب عذر إذا وقع دام فلا قضاء فيه كصلاة سلس البول والمستحاضة وصلاة المريض قاعداأو مضطجعا وصلاة المسافر بتيممه وإن لم يكن العذر دائما نظر فإن لم يكن عنه بدل وجب القضاء كمن لم يجد ماء ولا ترابا فصلى على حسب حاله أو المربوط على خشبة إذا صلى بالإيماء أو من على جرحه أو عضده أو محجمه نجاسة إذ لا بدل لإزالة النجاسة ويستثني عن هذا الصلاة فى حال المسابغة إذ لا قضاء فيها رخصة بنص القرآن فأما إذا كان لها بدل كتيمم المقيم فى الحضر أو التيمم لإلقاء الجبيرة أو تيممالمسافر بعذر البرد فيه قولان وروي أن عليا رضي الله عنه كسر زنده فألقى الجبيرة عليه وكان يمسح عليها ولم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء الصلاة وتوقف الشافعي فى صحة هذا الحديث ولعل أولى القولينبسقوط القضاء وقد قال المزني كلا صلاة وجبت فى الوقت فلا قضاء لها وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى كل صلاة تفتقر إلى القضاء فلا تؤدي فى الوقت وهما قولان معزيان إلى الشافعي رضي الله عنه فرع العاري إذا صلى إن كان ممن لا يعتاد الستر فلا قضاء عليه وإن كان ممن يعتاده ولكن عجز فقضاؤه ينبني على أنه يتمم الركوع والسجود أم لا وفيه ثلاثة أوجه أحدها لا حذرا من كشف السوأتين والثاني نعم حذارا من ترك السجود والثالث يتخير بينهما وكذا الأوجه فى المحبوس فى موضع نجس إن سجد سجد على النجاسة وكذا من ليس معه إلا إزار نجس وهو بين أن يصلي عاريا أو نجسا فإن قلنا لا يتمم السجود فالأصح وجوب القضاء وإن قلنا يتم فالأصح أنه لا يقضي وبه قطع صاحب التقريب على الإطلاق وعلل بأن وجوب الستر لا يختص بالصلاة باب المسح على الخفين وهو رخصة لم ينكرها إلا الروافض الذين أثبتوا المسح على الرجل ودليله قول صفوان بن عسال المرادي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن والنظر فى شرط المسح وكيفيته وحكمه الأول في الشرط وله شرطان الأول أن يلبس الخف على طهارة تامة قوية احترزنا بالتامة عما إذا غسل رجله اليمنى وأدخلها الخف قبل غسل الثانية فلا يعتد بهذا اللبس وكذلك إذا لبس قبل الغسل ثم صب الماء في الخف لم يجز لأن كل ما شرط الطهارة فيه شرط تقديمها بكمالها عليه واحترزنا بالقوية عن طهارة المستحاضة فإنها لو توضأت ولبست ولم تصل بهذاالوضوء ثم أحدثت فأرادت أن تمسح لتصلي به فريضة واحدة ونوافل كما كانت تصلي بوضوئها لم يجز ذلك على أحد الوجهين لضعف طهارتها وعلى الوجه الثاني يصح في حق صلاة واحدة كما في الوضوء ولا زيادة على صلاة واحدة بالإجماع حتى لو توضأت وصلت فريضة واحدة ثم لبست لم تنتفع بهذا اللبس فى حق الفرائض والجريج إذا تيمم وغسل الصحيح فطهارته كطهارةالمستحاضة في بناء اللبس عليه الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساترا قويا مانعا للماء من النفوذ حلالا فهذه أربعة قيود المراد بالأول أن الخف ينبغي أن يكون ساترا إلى ما فوق الكعبين فلو تخرق وبدا جزء من محل الفرض لم يجز المسح عليه خلافا لمالك فإنه جوز وهو قول قديم والملبوسالمشف كالزجاجة مثلا يجوز المسح عليه والملبوس المشقوق القدم الذي يشد محل الشق منه بشرج فيه تردد والصحيح جواز المسح لمسيس الحاجة إليه فى العادة وأما الثاني فالمراد به أن يقوى بحيث يتأتى التردد عليه فى المنازل على الحوائج وإن كان لا يداوم المشي عليه فلا يجوز المسح على الجورب ولا على اللفاف ولا جوربالصوفية ويجوز المسح على خف من حديد وإن عسر المشيء فيه لضعف اللابس والمراد بكونه مانعا للماء احترازا عن المنسوج فإنه وإن كان قويا ساترا فينفذ الماء منه إلى القدم وفيه وجهان والصحيح جواز المسح عليه لوجود الستركما إذا انثقبت طهارة الخف وبطانته فى موضعين غير متوازيين والمراد بكونه حلالا المسح على الخف المغصوب فإنه ممنوع على أحسن الوجهين لأنه مأمور بالنزع والمسح إعانة على الاستدامة وقيل إنه يبيح كالتوضؤ بالماء المغصوب فإنه يرفع الحدث فرع الجرموق الضعيف فوق الخف لا يمسح عليه وإن كان قويا والخف ضعيف فهو الخف والآخر لفاف فيجوز المسح عليه وإن كانا قويين لم يجز المسح على الجرموق فى القول الجديد لأنه يبعد أن يجعل بدلا على البدل والحاجة لا تمس إليه إلا نادرا فليدخل اليدين في الخفين وليمسح على الأسفل والقول القديموهو مذهب المزني أنه يجوز المسح لأنه من مرافق السفر ثم تقديره أن يكون كظهارة الخف أو يكون بدلا عن الرجل والأسفل لفافا أو يكون بدلا عن الخف الأسفل فهذه ثلاثة احتمالات تتفرع منها مسائل أربع الأولى إن لبس الجرموق على طهارة كاملة فله المسح عليه وإن لبس على الحدث فوجهان أحدهما الجواز لأنه فى حكم ظهارة ألصقت بعد اللبس والثاني لا لأنه بدل عن الخف أو الرجل فليلبس على طهارة فأما إذا لبسهما على طهارة المسح فإن جوزنا على الحدث فهذا أولى وإن منعنا فوجهان مأخذهما ضعف طهارة المسح كطهارة المستحاضة الثانية لو نزع الجرموقين بعد المسح عليهما فوجهان أحدهما لا يلزمه شيء وكأنه نحى الطهارة بعد المسح والثاني يلزمه إما المسح على الخف لأنه بدل عنه أو غسل الرجل إن جعل بدلا من الرجل الثالثة لو لبس فى إحدى رجليه جرموقا ليمسح عليه وعلى الخف الآخر فوجهان أحدهما أنه يجوز فأنه كطاقة من الخف والثاني لا يجوز لأنه كالجمع بين البدل والمبدل إن جعلناه مبدلا عن الخف وإن جعلناه بدلا عن الرجل فالأصح جوازه لأن الخف الثاني مستقل بنفسه الرابعة إذا مسح عليهما ثم نزع أحدهما فإن جعلناه كطاقة لم يضر تركه وإن قدرناه بدلا عن الرجل أو الخف لزم نزع الآخر حتى لا يكون جمعا بين البدل والمبدل وقد ثبت لذلك الخف حكم اللفاف إذا مسح على سائره بخلاف ما إذا لم يلبس إلا أحد الجرموقين النظر الثاني فى كيفية المسح وأقله ما يطلق عليه الإسم مما يوازي محل الفرض فلو اقتصر على الأسفل فظاهر النص منعه لأنه لم يؤثر الاقتصار عليه والباب باب الرخصة وقدر أبو حنيفة المسح بثلاثة أصابع أما الأكمل فالمسح والغسل وتكرار المسح مكروهان وقصد الاستيعاب ليس بسنة إذ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه مسح على الخف خطوطا ولكن يستحب أن يمسح على الخف وأسفله والموازي للعقب فهل يستحب عليه المسح فيه خلاف النظر الثالث فى حكمه وهو إباحة الصلاة بغير حصر ولكن إلى إحدى غايتين الغاية الأولى مضي يوم وليلة من وقت الحدث الواقع بعد اللبس فى حقالمقيم ومضي ثلاثة أيام ولياليهن فى حق المسافر وقال مالك لا يتقدر فرعان الأول إذا لبس المقيم على الطهارة ثم سافر قبل الحدث أتم مدة مسح المسافرين وفاقا لأنه العادة ولو أحدث فى الحضر فكذلك لأنه لا حجر فى الحدث وقال المزني يقتصر على مدة المقيمين لأن أول المدة من وقت الحدث وقد وقع فى الحضر أما إذا مسح فى الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين خلافا لأبي حنيفة ولو مسح فى السفر ثم أقام اقتصر على مدة المقيمين تغليبا للإقامة فإن كان قد استوفاه فى السفر اقتصر عليه وقال المزني يوزع فإن كان قداستوفى فى يومين وليلتين فبقي له ثلث المدة فيستوفي ثلث مدة المقيمين وعلى هذا القياس منهاجه الثاني لو شك فلم يدر أمسح فى الحضر أم لا أو شك فلم يدر انقضت المدة أم لا أخذ بالأسوأ وهو أنه مسح وانقضى إذ الأصل الغسل فلا يترك إلا باستيقان المرخص الغاية الثانية لو نزع الخفين أو أحدهما فإنه يوجب غسل القدمين وهل يوجب استئناف الوضوء قيل إنه مبني على المولاة وقال القفال لا بل القولان جرايان مع قرب الزمان ومأخذه أن المسح هل يرفع الحدث وفيه خلاف فإن قلنا لا يرفع فيكفي الغسل وإن قلنا يرفع فقد عاد الحدث بالنزع وهو في عوده لا يتجزأ فيجب الاستئناف فرع لو لبس فرد خف وكانت الرجل الأخرى ساقطة من الكعب جاز المسح ولو بقي بقية فلا يجوز المسح ما لم يوار تلك البقية بساتر كتاب الحيض وفيه ستة أبواب الباب الأول فى حكم الاستحاضة والحيض أما الحيض فسنه مأخوذ من سن البلوغ وفيه ثلاثة أوجه أحدها أول السنة التاسعة والثاني أول السنة العاشرة والثالث إذا مضى ستة أشهر من التاسعة وإنما عول فى هذا الوجود فإن رأت الدم قبل هذا فهو دم فاسد لا دم حيض وأما مدة الحيض فأكثرها خمسة عشر يوما وأقلها يوم وليلة وأقل مدة الطهر خمسة عشر يوما وأكثرها لا حد له ونص فى موضع فى أقل الحيض على يوم فقيل أراد بليلته وقيل بالاختصار عليه وأما أغلب الحيض فست أوسبع وأغلب الطهر أربع وعشرون أو ثلاث وعشرون وهو تتمة الدور ومستند هذه التقديرات الوجود المعلوم بالاستقراء قال الشافعي رأيت امرأة لم تزل تحيض يوما وقال أبو عبد الله الزبيري فى نسائنا من تحيض يوما وليلة وفيهن من تحيض خمسة عشر يوما وكذلك قال عطاء فعلى هذا لو وجد في عصر آخر امرأة تحيض أقل من ذلك أو أكثر فثلاثة أوجه أحدها لا يعتبر لأن بحث الأولين أوفى والثاني يعتبر لأن معولهم على الوجود والثالث كل قدر قال به بعض العلماء جاز اعتماده وما لا يوافق مذهب ذي مذهب فلا ولا خلاف أنها لو رأت يوما دما ويوما نقاء وهكذا على التعاقب فلا يجعل كل يوم طهرا كاملا بل حكمه ما يأتي في باب التلفيق أما حكم الحيض فهو المنع من أربعة أمور الأول كل ما يفتقر إلى الطهارة كسجود الشكر وسجود التلاوة والطواف والصلاة فلا يصح من الحائض ولا يجب عليها قضاء الصلاة ولا تصح طهارة الحائض إلاغسلها لأجل الإحرام والوقوف بعرفة لأنه للنظافة الثاني الاعتكاف بل العبور فى المسجد حرام عليها فإن أمنت التلويث ففي العبور المجرد وجهان الثالث الصوم فهو ممنوع والقضاء واجب بخلاف الصلاة الرابع الجماع وهو محرم بالنص قال الله تعالى { فاعتزلوا النساء في المحيض } والاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز وفي الاستمتاع بما تحت الإزار مما سوى الجماع وجهان ويشهد للإباحة قوله عليه الصلاة والسلام افعلوا كل شيء إلا الجماع وللتحريم قول عائشة رضي الله عنها قالت كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مضجعه فحضت فانسللت فقال مالك أنفست قلت نعم فقال خذي ثياب حيضتك وعودي إلى مضجعك ونال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا ما تحتالإزار فرع إن جامعها والدم عبيط تصدق بدينار وفي أواخر الدم يتصدق بنصف دينار وهو استحباب لحديث ضعيف ورد فيه أما الاستحاضة فلا تمنع الصلاة والصوم ولكن حكمها حكم سلس البول فعليها أن تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ولا تؤدي بوضوء واحد أكثر من فريضة واحدة ومن النوافل ما شاءت كالمتيمم وفي وجوب المبادرة ثلاثة أوجه أحدها يجب لتقليل الحدث والثاني لا كالمتيمم والثالث لها فسحة ما دام وقت الصلاة باقيا وعليها أن تلتجموتستثفر وعليها تجديد العصابة لكل فريضة إن نزل الدم إلى ظاهرها وإن لم يظهر فوجهان أصحهما أنه يجب كالوضوء فإن باطن العصابة نجس واحتمل للضرورة ولو زالت العصابة بعد الفريضة بنفسها وكان ذلك بسبب زيادة نجاسة فتمنع من النوافل لأن ذلك منسوب إلى تقصيرها فرع إذا شفيت قبل الشروع فى الصلاة لزمها استئناف الوضوء وإن شفيت في أثناء الصلاة فوجهان أحدهما أنها كالمتيمم إذا رأى الماء فيستمر والثاني وهو الأصح أنها تتوضأ وتستأنف لأن الحدث متجدد ولا بدل له وقد خرج فى المتيمم من المستحاضة وجه والمذهب هو الفرق وإن شفيت بعد الصلاة فلا شيء عليها ولو انقطع بعد الوضوء بساعة تتسع لوضوء وصلاة فلم تصل يلزمها استئناف الوضوء السابق على الانقطاعلتقصيرها ولو انقطع في الحال وهي لا تدري أيعود أم لا إن كان لا يبعد منعادتها العود فلها الشروع فى الصلاة من غير استئناف الوضوء ولكن إن دام الانقطاع فعليها القضاء وإن بعد ذلك من عادتها فعليها استئناف الوضوء في الحال فإن شرعت من غير استئناف ولم يعد لم تصح الصلاة وإن عاد فوجهان لأنها شرعت على تردد الباب الثاني في المستحاضات وهن أربع المستحاضة الأولى مبتدأة مميزة وهي التي لم تسبق لها عادة ولكن انقسم دمها إلى القوي والضعيف فهي تتحيض فى الدم القوي وتستحيض في الضعيف بشرط أن لا ينقص القوي عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يوما وبشرط أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يوما والأصل فيه ما روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت إني أستحاض فلا أطهر فقال عليه الصلاة والسلام إنما هو عرق انقطع إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسليوصلي وفي رواية ودم الحيض أسود بحراني محتدم ذو دفعات له رائحة تعرف والمحتدم اللذاع للبشرة لحدته وله الرائحة الكريهة والبحراني ناصع اللون والتعويل على اللون لا على الرائحة والاحتدام فرعان الأول محل الاتفاق مبتدأه رأت السواد أولا خمسة مثلا ثم أطبقت الحمرة أو الصفرة فلو رأت أولا خمسة حمرة ثم خمسة سوادا ثم استمرت الحمرة ففيه ثلاثة أوجه الأول أن النظر إلى لون الدم لا إلى الأولية فالأسود هو الحيض والثاني أنه يجمع إذا أمكن إلا إذا زاد السواد مع الحمرة على خمسة عشر يوما الثالث أنها فاقدة للتمييز وسيأتي حكمها فعلى هذا لو رأت خمسة حمرة وعشرة سوادا ثم أطبقت الحمرة فعلى الأولعشرة السواد حيض والحمرة قبلها دم فساد وعلى الثاني جميع الخمس عشرة حيض فلو كان السواد أحد عشر فعلى الأول السواد حيض وعلى الثاني هي فاقدة للتمييز قيل إنها تقتصر على أيام الحمرة لقوه مجرد الأولية وهو بعيد فإن كان السواد ستة عشر فقد تعذر الجمع وتجريد السواد فهي فاقدة للتمييز لأن تجريد الأولية وجه ضعيف الثاني أن القوة والضعف إضافة فالصفرة بعد الحمرة كالحمرة بعد السواد فلو رأت خمسة سوادا ثم خمسة حمرة ثم أطبقت الصفرة فالحمرة المتوسطة ملحقة بالسواد فى كونها حيضا لضعف ما بعدها على أحد الوجهين وعلى الوجه الثاني هي ملحقة بالصفرة فلو رأت خمسة سوادا وأحد عشر حمرة فالحيض هو السواد على وجه إلحاق الحمرة بالصفرة وعلى الوجه الآخر تعذر الجمع فيتعين الرجوع إلى السواد وفيه وجه أنها فاقدة للتمييز وكان السواد قد أطبق على ستة عشر يوما تنبيهات ثلاثة الأول المبتدأة إذا فاتحها الدم الأسود خمسة ثم تغير إلى الضعيف فلا تغتسل ولا تصلي بل تتربص فلعل الضعيف ينقطع دون الخمسة عشر فيكون الكل حيضا فإن جاوز واستمر الدم فإذ ذلك نأمرها بتدارك ما فات في أيامالضعيف نعم في الشهر الثاني كما انقلب الدم إلى الضعيف تغتسل إذ بان استحاضتها في الشهر الأول والاستحاضة علة مزمنة طويلة البقاء فلا تخرج على أن العادة هل تثبت بمرة الثاني أنها لو شفيت قبل خمسة عشر فى بعض الأدوار فجميع ذلك الدم حيض مع الضعيف لانقطاعه دون أقل المدة كما لو وقع مثلا فى الدور الأول الثالث إذا رأت المبتدأة أولا خمسة عشر يوما دما أحمر ثم أطبق السواد فقد تركت الصلاة في النصف الأول من الشهر رجاء الانقطاع وتترك فى النصف الثاني رجاء استقرار التمييز لظهور الدم القوي إذا فرعنا على أنه لا ينظر إلى الأولية فلا تعهد امرأة تؤمر بترك الصلاة شهرا كاملا إلا هذه للانتظار الذي ذكرناه المستحاضة الثانية المبتدأة التي ليست مميزة إما بإطباق لون واحد أو بفقد شرط من شرائط التمييز ففيها قولان أحدهما أنها ترد إلى أقل مدة الحيض يوما وليلة احتياطا للعبادة فإنه المستيقن والثاني أنها ترد إلى أغلب عادات النساء لقوله عليه الصلاة والسلام لبعض المستحاضات تحيضي فى علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن وقوله فى علم الله معناه فما أعلمك الله من عاداتهن التفريع إن رددناها إلى الأغلب فلا خيرة بين الست والسبع لكن تتبع العادة فإنكانت عادات النسوة دون الست ردت إلى الست وإن كانت فوق السبع ردت إلى السبع لتعيين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذين العددين هذا هو المشهور وقيل إن العادة تتبع بقدرها والتعيين جرى وفاقا ثم العبرة بأي نسوة فوجهان أحدهما تعتبر بنساء البلدة والثاني بنساء العشيرة من الجانبين فإن رددناها إلى الأقل فى الحيض ففي الطهر ثلاثة أوجه أحدها أنه ترد إلى الأقل كما فى الحيض وهذا ضعيف إذ الرد إلى أقل الحيض احتياط والثاني أنه ترد إلى تسع وعشرين يوما تتميما للدور والثالث وهو الأقرب وهو أنها ترد إلى أغلب العادات وليكن إلى أربع وعشرينفإن الاحتياط فيه أكثر منه فى ثلاثة وعشرين ثم الوقت الذي حكم بطهرها فيه ماذا تفعل فعلى قولين أصحهما أن حكمها حكم الطاهرات المستحاضات والثاني أنها تحتاط احتياط المتحيرة كما سيأتي إن شاء الله المستحاضة الثالثة المعتادة وهي التي استحيضت بعد عادات منظومة فترد إلى عادتها في قدر الحيض وميقاته لما روي أن أم سلمة استفتت لبعضالمستحاضات فقال عليه الصلاة والسلام مريها فتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل فإذن المستفاد من العادة قدر الحيض ووقته ولتغير العادة صور الأولى كانت تحيض خمسا وتطهر بقية الشهر فجاءها دور وحاضت ستا وطهرت بقية الشهر ثم استحيضت فى الشهر الآخر فالمذهب أنها ترد إلى الست لأنها ناسخة وفيه وجه أن العادة لا تثبت بمرة واحدة وهو مذهب أبي حنيفة والصحيح الأول لأن إمكان ما عهد على القرب ولو بمرة أظهر من إمكان ما سلف الثانية كانت تحيض خمسا فحاضت فى دور آخر ستا وفي دور ثالث سبعاواستحيضت في الرابع فترد إلى السبع على الظاهر لأنه الناسخ وعلى الوجه الآخر وجهان أحدهما الرد إلى الخمس فإنه المتكرر والثاني إلى الست لأن السبع تشتمل على الست فقد تكرر الست الثالثة تغير الميقات بالتأخر بأن كانت تحيض خمسة فى أول الشهر فجاءها دور فحاضت في الخمسة الثانية واستحيضت فقد صار الدور خمسا وثلاثين فإليه ترد على الصحيح ولا نبالي بالأولية وإن قلنا لا تثبت العادة بمرة فتقيم دورها ثلاثين كما عهد ولا نبالي بفوات الأولين وقيل لا بد من مراعاة الأولية وهؤلاء اختلفوا منهم من قال ينقص من طهرها خمسة أيام في هذا الشهر بأن نحيضها هذه الخمسة الثانية ونطهرها بقية الشهر عشرين يوما ثم تعود إلى أول الشهر فنحيضها خمسة ونطهرها خمسة وعشرين أبدا وقال أبو إسحاق المروزي لا نحيضها خمسة في هذا الشهر أصلا لفوات أوله بل نجعل الدم استحاضة فإذا جاء أول الشهر حيضناها خمسا وأقمنا الأدوار القديمة على وجهها الرابعة إذا تقدم الحيض إلى الخمسة الأخيرة من الشهر فقد صار الدور خمسا وعشرين مرة واحدة فلا يخفى أمره إن أثبتنا العادة بمرة واحدة أو لم تثبت ولكن لم نبال بالأولية وإن تشوفنا إلى الأولية أمكن أن نجعل هذه الخمسة استحاضة ثم نحيضها فى الخمسة الأولى من الشهر الثاني وهو مذهب أبي إسحاق وعند غيره نحيضها في هذه الخمسة وفي خمسة من أول الشهر فنزيد فى حيضها مرة واحدة ثم تعود إلى القانون السابق الخامسة إذا عاجلها الحيض بحيث عاد النقاء إلى أربعة عشر فعلى مذهب الجميع لا بد وأن نخلف يوما من أول الدم ونجعله استحاضة تتمة للطهر ثم التفصيل بعده كما سبق بأن نقيم دورها عشرين إذا أثبتنا العادة بمرة واحدة إذ لا يمكن أن يجعل تسعة عشر فجعل الخامس عشر طهرا ضرورة أولا نثبت بمرة فتقيم دورها القديم من الوقت ولا نبالي بالأولية أو نتشوف إلى الأولية بأن نجعل بقية الشهر استحاضة والله أعلم المستحاضة الرابعة المعتادة المميزة وهي التي أطبق الدم عليها وسبقت لها عادة معلومة واختلف لون الدم فإن طابق قوة الدم أيام العادة فذاك وإن أختلفت بأن كانت عادتها خمسة فرأت عشرة سوادا والباقي حمرة ففيه ثلاثة أوجه أحدها الحكم بالعادة لأنه مجمع عليه وفي الحكم بالتمييز خلاف ولأن الثقة بالعادة أولى والثاني أن التمييز أولى لأنه علامة ناجزة فإن العادة قد انقضت والثالث أنه يجمع بينهما فنحيضها فى العشر بالعلتين فإن رأت خمسة حمرة وأحد عشر سوادا فقد عسر الجمع فثلاثة أوجه أحدها أن نجرد العادة والآخر أن نجرد التمييز والآخر أنهما يتدافعان فهي كمبتدأة لا تمييز لها فرعان الأول المبتدأة إذا رأت خمسة سوادا ثم أطبق الدم على لون واحد ففي الشهر الثاني نحيضها خمسا لأن التمييز أثبت لها عادة فلو تمكنت بعد ذلك من التمييز مرة أخرى ولكن رأت السواد في العشرة فترد إلى العشرة ولا يخرج على الخلاف في إثبات العادة بمرة لأن هذه عادة تمييزية فينسخها مرة واحدة كغير المستحاضة إذا تغيرت عادتها القديمة مرة واحدة فإنا نحكم بالحالة الناجزة الثاني قال الشافعي رضي الله عنه الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض وذلك فيما يوافق أيام العادة وما وراء عادتها إلى تمام خمسة عشر فيه ثلاثة اوجه أحدها أنها حيض لأنها مدة الإمكان كأيام العادة والثاني لا لقول بنت جحش كنا لا نعتد بالصفرة وراء العادة شيئا والثالث إن كان ما تقدمها من الصفرة دم قوي ولو لحظة فهو حيض لقوتهوإن كان الكل صفرة فتقتصر على أيام العادة فيه فأما المبتدأة إذا رأت الصفرة أولا فمردها أعني اليوم والليلة أو الست والسبع كأيام العادة في حق المعتادة أو كما وراء العادة فيه وجهان الباب الثالث في المستحاضة المتحيرة وهي التي نسيت عادتها قدرا ووقتا وفيها قولان أحدهما أنها كالمبتدأة في قدر الحيض أما وقته فردها إلى أول الأهلة فإنه مبادئ أحكام الشرع وهذا مزيففإن اختصاص الحيض بأول الهلال لا يقتضيه طبع ولا شرع فالقول الصحيح أنها مأمورة بالاحتياط والأخذ بأسوأ الاحتمالات فى أمور سبعة الأول أن لا يجامعها زوجها فى كل حال لاحتمال الحيض الثاني أن لا تدخل المساجد ولا تقرأ القرآن إلا في الصلاة إلا على وجه بعيد في أن الحائض تقرأ خيفة النسيان وهذه أولى الثالث إذا طلقت انقضت عدتها بثلاثة أشهر ولا يقدر تباعد حيضها إلى سن اليأس أخذا بأسوأ الاحتمالات لأنه تشديد عظيم الرابع أنها تصلي وظائف الأوقات لاحتمال الطهر وتغتسل لكل صلاة لاحتمال انقطاع الدم ثم لا تغتسل لصلاة إلا بعد دخول وقتها والأصح أن المبادرة لا تجب عليها بعد الغسل إذ الانقطاع لا يتكرر بعد الغسل بخلاف الأحداث فى حق المستحاضة الخامس يجب عليها أن تصوم جميع شهر رمضان لاحتمال دوام الطهر ثم عليها أن تقضي ستة عشر يوما لاحتمال دوام الحيض خمسة عشر يوما وانطباقه على ستة عشر يوما بطريانه فى وسط النهار وقال الشافعي رضي الله عنه تقضي خمسة عشر يوما وكأنه لم يخطرله تقدير الطريان في وسط النهار السادس إذا كان عليها صوم يوم واحد قضاء فلا تبرأ ذمتها بيوم واحد ولا بيومين فإنها لو عمدت إلى ستة عشر يوما وصامت من أولها يوما ومن آخرها يوما فربما انطبق حيض على الستة عشر بالطريان نصف النهار فإن جعل بين اليومينخمسة عشر يوما فطرا فعلعهما وقعا في طرفي حيض وكان الطهر في أيام الفطر فسبيلها أن تصوم ثلاثة أيام وتعمد إلى سبعة عشر يوما تصوم يوما في أوله وتفطر يوما ثم تصوم يوما ثم تصوم السابع عشر فتخرج عما عليها بيقين لأنه إن طرأ الحيض في اليوم الأول انقطع قبل الآخر وإن انقطع على الآخر لم يكن طارئا في الأول وإن وقع الأول والأخير في طرفي حيضتين فالوسط في نقاء بينهما والضبط فيه أن يقدر الشهر نصفين وهو الدور بكماله في تقديرنا وتصوم يومين من أول الشهر في النصف الأول بينهما فطر فتصوم اليوم الثالث في النصف الأخير وتؤخره عن أول النصف الأخير بقدر أيام الفطر بين اليومين الأولين فإن خللت بينهما يومين فلتصم الثالث في الثامن عشر وإن كان المتخللثلاثا ففي التاسع عشر وإذا فعلت ذلك فكيفما قدم الحيض أو أخر وقع يوم النقاء فإن كان عليها قضاء يومين فتضعف فيصير أربعة وتزيد يومين فيصير ستة وتصوم ثلاثة ولاء من أول الشهر وثلاثة ولاء من أول النصف الثاني فيقع اثنان لا محالة في الطهر إما الأول وإما الثاني وإما من كل واحد منهما يوم وإن كان الواجب ثلاثة أيام أو أربعة أو خمسة فيضعف وتزيد يومين إلى أربعة عشر يوما فيضعف وتزيد يومين فيصير ثلاثين يوما فتصوم جميع الشهر ويحصل لها أربعة عشر كما ذكرناه فى شهر رمضان فإن كان القضاء خمسة عشر يوما فعلت بأربعة عشر يوما ما ذكرناه ثم لا يخفى حكم الواحد الزائد كما مضى السابع إذا أدت وظائف الصلوات في وقتها لم يلزمها القضاء إذ الشافعي رضي الله عنه سكت عن قضاء الصلاة وصرح بقضاء الصوم مع أن القياس التسوية ولكن لعله رأى الحرج شديدا فى قضاء الصلوات وقال أبو زيد المروزي لا بد من القضاء في قول الاحتياط وسبيل قضاء الصلوات ما ذكرناه في الصوم فإن كان عليها مائة صلاة فتضعف وتزيد صلاتين فتكون مائتين وصلاتين فتأتي بالنصف وهي مائة صلاة وصلاة فى أول الثلاثين من أي وقت شاءت ثم تأتي بالنصف الآخر في أولالنصف الثاني من الشهر وهو أول السادس عشر فتخرج عما عليها بيقين وإنما استغنينا فى الصلاة بزيادة صلاتين على الضعف لأن الانقطاع في واحد لا يفسد ما مضى منالصلوات وإن كانت الصلاة مختلفة الأجناس مثل قضاء عشرين يوما فهي مائة صلاة من كل جنس عشرون صلاة فتضعف وتزيد عشر صلوات وهي صلاة يومين وليلتين فتصلي المائة عشرين عشرين فى أول الثلاثين ثم تصلي الصلوات العشر في الخمسة عشر بعد المائة بساعة فما فوقها ثم تترك في السادس عشر ساعة تسع صلاة ثم تعيد المائة من الأجناس فتبرأ ذمتها وإنما زدنا عشرة لأن الانقطاع ممكن في صلاتين متماثلتين في كلا الطرفين وكذا الطريان وإذا فسدت الصلاتان المتماثلتان من يومين وليلتين فسبيل قضائهما قضاء صلاةاليومين والليلتين ووراء ما ذكرناه طرق في القضاء فصلناه فى المذهب البسيط الباب الرابع فى المتحيرة وهي التي تحفظ شيئا والأصل في الباب أن كل وقت لا يحتمل الطهر فهو حيض بيقين وكل وقت لا يحتمل الحيض فهو طهر بيقين وإن احتمل كلاهما فإن احتمل انقطاع الدم يلزمها الغسل لكل صلاة وإن لم يحتمل الانقطاع فيلزمها الوضوء لكل صلاة وتحتاط على التفصيل السابق وفصول الباب ثلاثة الفصل الأول فيما إذا لم تحفظ قدر الطهر والحيض وفيه صور أربعة إحداها إذا قالت أحفظ أن ابتداء الدم كان أول كل شهر فيوم وليلة من أول كل شهر حيض بيقين وبعده يحتمل الانقطاع إلى انقضاء الخامس عشر فتغتسل لكل صلاة وبعده إلى آخر الشهر طهر بيقين فتتوضأ لكل صلاة الثانية قالت حفظت أن الدم كان ينقطع آخر كل شهر فأول الشهرإلى المنتصف طهر بيقين ثم بعده يتعارض الاحتمال فلا يحتمل الانقطاع لأن في آخره حيضا بيقين فتتوضأ وتصلي إلى انقضاء التاسع والعشرين واليوم الأخير بليلته حيض يقين الثالثة قالت كنت أخلط شهرا بشهر حيضا بحيض فلحظة من آخر الشهر الأول ولحضة من أول الشهر الثاني حيض بيقين ثم بعده يحتمل الانقطاع إلى قبيل غروب الشمس من اليوم الخامس عشر بلحظة فتغتسل لكل صلاة ثم لحظة من آخر الخامس عشر ولحظة من أول السادس عشر طهر بيقين ثم بعده إلى انقضاء التاسع والعشرين يحتمل الحيض ولا يحتمل الانقطاع فلتتوضأ لكل صلاة الرابعة إذا قالت كنت أخلط الشهر بالشهر وكنت اليوم السادسطاهرا فلحظة من أول الشهر ولحظة من آخره حيض بيقين ثم بعده يحتمل الحيض وانقطاعه إلى انقطاع الخامس فتغتسل وتصلي ثم اليوم السادس طهر بيقين إلى انقضاء الخامس عشر ولحظة من ليلة السادس عشر ثم بعده يحتمل الحيض ولا يحتمل الانقطاع إلى قبيل غروب الشمس من آخر الشهر الفصل الثاني فى الضالة ولها حالتان الأولى أن تحفظ قدر الحيض ولا تحفظ الأيام التي كانت فيها فإذا قالت أضللت خمسة في شهر وأحفظ أني كنت لا أخلط شهرا بشهر فتتوضأ لكل صلاة إلى انقضاء الخامس ثم تغتسل عند كل صلاة إلى انقضاء الشهر فإذا جاءها شهر رمضان تصوم كله ثم تقضيخمسة ولو قالت أضللت خمسة في شهر وكنت اليوم الخامس حائضا بيقين فتتوضأ لكل صلاة إلى انقضاء الرابع ثم اليوم الخامس حيض بيقين ثم تغتسل لكل صلاة إلى انقضاء التاسع ثم هي طاهرة بيقين إلى آخر الشهر الحالة الثانية أن تحفظ الأيام التي أضلتها والتي أضلت فيها ولها صور أربعة إحداها أن تقول أضللت عشرة في عشرين من أول الشهر فالعشر الأخير طهر بيقين وجميع العشرين من أول الشهر يحتمل الحيض والطهر نعم لا يحتمل الانقطاع في العشر الأول فتتوضأ لكل صلاة ويحتمل في العشر الثاني فتغتسل لكل صلاة والضابط أنا نقدم الحيض إلى أقصى الإمكان ونؤخرها إلى أقصى الإمكان فما يخرج من التقديرين طهر بيقين وما يندرج تحتهما حيض بيقين وما يندرج تحت أحدهما دون الآخر فهو مشكوك فيه نعم لا يحتمل الانقطاع في مدة التقديم ويحتمل في مدة التأخير الصورة الثانية قالت أضللت خمسة عشر في عشرين من أول الشهرفالخمسة الثانية والثالثة من الشهر حيض بيقين لأنها تندرج تحت تقدير التقديم والتأخير جميعا ولا يحتمل الانقطاع في خمسة عشر من أول الشهر ويحتمل في الخمسة الأخيرة من العشرين وأما العشر الأخيرة فهي طهر بيقين الصورة الثالثة إذا قالت أضللت عشرة في عشرين من أول الشهر وكنت اليوم العاشر حائضا فليس لها حيض بيقين إلا ذلك اليوم وأحد عشر من آخر الشهر طهر بيقين الصورة الرابعة أن تقول كنت اليوم الخامس عشر حائضا فهي حائض في الحادي عشر إلى انقضاء الخامس عشر بيقين لأنه داخل في التقديرين وهذه التصورات لا حصر لها وفي هذا القدر مقنع والله أعلم الفصل الثالث في العادة الدائرة وفيه مسألتان الأولى إذا اتسقت عادتها فكانت تحيض فى شهر ثلاثا وفي الثاني خمسا وفي الثالث سبعا ثم تعود إلى الثلاث ثم إلى الخمس ثم إلى السبع وتكرر ذلك ثم استيض ففي ردها إلى العادة الدائرة وجهان منهم من قال لا يثبت بها عادة لاختلاف المقادير فكأنها مبتدأة إذا استحيضت ومنهم من قال تثبت به عادة فترد إليها فإن قلنا لا ترد إلى العادة الدائرة فثلاثة أوجه أحدهما أنها كالمبتدأة والثاني أنها ترد إلى القدر الأخير قبل الاستحاضة بناء على أن العادة تثبت بمرة واحدة والثالث أنها ترد إلى الثلاثة إن استحيضت بعد الخمسة لأنها متكررة في الخمسة الثانية إذا كانت الأقدار ما سبق من ثلاث وخمس وسبع ولكن لا على الاتساق فإن قلنا إن العادة المتسقة لا ترد إليها المستحاضة فهذه أولى وإن قلنا ترد فهذه كالتي نسيت النوبة المقدمة على الاستحاضة بالعادة الدائرة وحكمها الاحتياط فعليها بعد الثلاث أن تغتسل لأن الثلاث حيض بيقين ثم بعد الثالثة تتوضأ لكل صلاة إلى انقضاء الخامس ثم تغتسل مرة أخرى وتتوضأ لكل صلاة إلى انقضاء السابع ثم تغتسل ثم هي طاهرة إلى آخر الشهر والله أعلم الباب الخامس في التلفيق والكلام فى قسمين الأول غير المستحاضة وهي التي انقطع دمها يوما يوما ولكن انقطع على الخمسة عشر ففيها قولان المنصوص في مواضع عدة وهو الأصح ومذهب أبي حنيفة أنه يسحب حكم الحيض على أيام النقاء ويجعل ذلك كالفترات بين دفعات الدم لأن الطهر الناقص فاسد كالحيض الناقص ولكن يسحب حكم الحيض على النقاء بشرطين أحدهما أن يكون النقاء محتوشا بدمين في الأيام الخمسة عشر حتى يثبت لها حكم الحيض فيتعدى إلى النقاء بينهما حتى لو رأت يوما وليلة وأربعة عشر نقاء ورأت في السادس عشر دما فالنقاء مع ما بعده من الدم طهر لأنه ليس محتوشا بالحيض في المدة الشرط الثاني في قدر الحيض المحيط بالنقاء وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا بد وأن يكون كل دم يوما وليلة حتى يستقل بنفسه فيسري والثاني أنه لا يعتبر بل لو رأت ساعة دما في أول النوبة وساعة في آخر الخامس عشر كان النقاء المتخلل حيضا والأعدل اختيار أبي بكر المحمودي وهو أن يشترط أن يكون جميع الدماء الواقعة في الخمسة عشر يوما وليلة لا ينقص عنها حتى يسري إلى النقاء حكمه فرع المبتدأة إذا انقطع دمها فتؤمر بالعبادة في الحال فإذا استمر التقطع ففي الدور الثالث لا تؤمر بالعبادة وفي الدور الثاني يبنى على أن العادة هل تثبت بمرة أم لا وفيه وجهان غريبان أحدهما أنها تؤمر أبدا عند النقاء بالعبادة ثم إن عاد الدم تبين البطلان فالعادة لا تؤثر في ترك العبادة مع النقاء ولهذا إذا استحيضت هذه لم تلتقط أيام الحيض من دورها حتى يتخللها أيام الطهر على قول التلفيق أيضا الثاني أنه إذا تكرر التقطع في النوبة الأولى في الخمسة عشر فتستفيد منه التوقف فى العبادة لأنه تكرر التقطع في هذه النوبة وعند هذا فجميع ما تؤثر فيه العادة وما لا تؤثر فهو أربعة أقسام الأول ما يثبت بمرة واحدة وهي الاستحاضة فإنا في الدور الثاني نأمرها بالعبادة بعد انقضاء مدة العادة لأنها علة مزمنة إذا نزلت دامت الثاني ما لا يثبت وإن تكررت العادة كالمستحاضة إذا كانت عادتها تقطع الدم فإنا وإن حكمنا بالتلفيق لا تلتقط من أيام الاستحاضة وكذلك إذا ولدت ولدين وهي ذات جفاف ثم استحيضت في الثالثة فلا يصير عدم النفاس عادة بل يقال هذه مبتدأة في النفاس وكذلك لو حاضت عشرا وطهرت خمس سنين ثم كذلك مرات ثم استحيضت فلا نديم طهرها إلى هذا الحد وعند هذا يعسر ضبط مرده فقال القفال غاية الدور تسعون يوما الحيض منها خمسة عشر فما دونه والباقي طهر لأنه اكتفى في عدة الآيسة بثلاثة أشهر فلو تصور أن يزيد الدور عليه لما اكتفى به وهذا متعلق في هذا المضيق لا بأس به فعلى هذا لو حاضت خمسة وطهرت خمسا وثمانين ثبت به الدور إما مرة أو مرتين فإن زاد المجموع على التسعين فلا الثالث ما اختلف في أن العادة وإن تكررت هل تؤثر فيه كالعادة الدائرة المتسقة وغير المتسقة والتوقف بسبب تقطع الدم كما ذكرناه الرابع ما يثبت بالعادة بمرتين وفي ثبوته بالمرة الواحدة خلاف كما في قدر الحيض إن لازم أول الدور فإن استأخر ففيه تصرف أبو إسحاق المروزي والقول الثاني إنا لا نسحب حكم الحيض على النقاء لأنه تغيير للحقيقة بل نحكم باللقط والتلفيق والنظر على هذا القول في ثلاثة أمور الأول أن مجموع الدماء في خمسة عشر لو نقص عن يوم وليلة فلا حيض لهاوإن اكتفينا به على القول الأول لأنها صارت حيضا بانضمام الطهر إليها فكلمت المدة وهاهنا لا تكتمل فأما إذا كان مجموع الدماء يوما وليلة ولكن ينقص عند آحاد الدماء فالمذهب الصحيح أنه حيض يفرق على الطهر كما يفرق الطهر على الحيض وعلى هذا لو كانت تحيض نصف يوم وتطهر نصف يوم فتصلي في وقت النقاء وتترك في وقت الحيض ولا يبقى مع هذا التقدير لأقل الحيض وأقل الطهر معنى النظر الثاني في قدر النقاء وليكن ذلك زائدا على الفترات المعتادة بين دفعات الدم حتى يمكن أن تجعل نقاء مستقلا النظر الثالث في الغسل عند ظهور النقاء فإن كان الدم المتقطع أقل من يوم وليلة لم تغتسل إن قلنا إن مجموع الدماء لو بلغ يوما وليلةيكون حيضا ففي الغسل وجهان أحدهما لا يجب بالشك إذ ربما لا يعود ما يتم به حيضا والثاني يجب لأنه دم في زمان إمكان الحيض ولا يخرج عن كونه حيضا إلا بخلو الخمس عشر عن دم يتممه فلتغتسل بناء على النقاء المشاهد والقسم الثاني فى المستحاضات وهن أربع الأولى المعتادة فإذا كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وعشرين فجاءها دور وأطبق الدم معالتقطع فكانت ترى الدم يوما وليلة والنقاء كذلك فعلى قول السحب نحيضها خمسة من أول الدور ولاء لأن النقاء فيه محتوش بالدم وعلى قول اللقط وجهان أحدهما نحيضها الأول والثالث والخامس لأنا لا نجاور في اللقط أيام العادة والثاني أنا نحيضها خمسة كاملة ونجاوز أيام العادة فنضم إلى ذلك السابع والتاسع وعلى الوجهين في الدور الأول نأمرها بأن تتحيض أيام الدم إلى خمسة عشر إذ يتصور أن ينقطع قبل الخمس عشر فلا تكون مستحاضة وتتفرع على الوجهين صور إحداها أنها لو كانت ترى دما يومين ويومين نقاء فإن التقطنا من أيام العادة حيضناها الأول والثاني والخامس وفي الخامس وجه ضعيف أنه ليس بحيض لاتصاله بالسادس وهو استحاضة وإن جاوزنا أيام العادة كملنا الخمسة بضم السادس والتاسع إليها الثانية لو كانت ترى يومين دما وأربعة نقاء وهكذا فإن لم تتجاوز أيام العادة حيضناها اليومين الأولين فقط وإن تجاورنا كملنا الخمسة بما بعدها وعلى السحب نحيضها اليومين الأولين فقط لأن النقاء بعده ليس محتوشا بحيضتين الثالثة إذا كانت تحيض يوما وليلة وتطهر تسعة وعشرين فاستحيضت في دور فكانت ترى يوما دما وليلة نقاء وهكذا فعلى قول السحب فيه إشكال فإن اليوم الواحد ليس بحيض كامل والليلة ليست محتوشة بدمين في وقت الحيض فلا يمكن تكميل اليوم به وإن ضممنا إليه اليوم الثاني كنا جاوزنا وقت العادة والمجاوزة على قول السحب محال وقال أبو إسحاق لا حيض لها لاستحالة الأقسام كلها وقال أبو بكر المحمودي نعود إلى قول اللقط في هذه الصورة للضرورة فإن شطر عمرها دم فكيف لا نحيضها قال الشيخ أبو محمد يحتمل أن نسحب حكم الحيض على ليلة النقاء ونضم اليوم الثاني إليه فيكون قد ازداد حيضها وذلك أقرب من التلفيق على قول ترك التلفيق فأما إذا فرعنا على قول اللقط وجاوزنا أيام العادة في اللقط فلا إشكال فإنا نستوفي مدة العادة وإن لم نجاوز فلا طريق إلا مذهب المحمودي وهو مجاوزة أيام العادة والرجوع إلى الوجه الآخر هذا كله كلام في الدور الأول من استحاضة ذات التلفيق أما الدور الثاني إن انطبق فيه الدم على أول الدور على ترتيبه فى الأول لم يختلفالحكم وإن اقتضى تعاقب الحالين تراخى الدم عن أول الدور الثاني فيتصدى نظر أبي إسحاق الرد إلى أول الدور ونظر الأصحاب إلى الدم وبيانه بصور ذكرناها في المذهب البسيط المستحاضة الثانية المبتدأة فإذا انقطع دمها يوما يوما فإذا رأت النقاء في اليوم الثاني صامت وصلت هكذا تفعل مهما رأت النقاء إلى خمسة عشر فإذا جاوز الدم ذلك فتبين أنها استحاضة وفي مردها قولان فإن ردت إلى يوم وليلة نحيضها على قول السحب واللقط يوما وليلة ثم لا يلزمها إلا قضاء تسعة أيام في رمضان لأنها صامت سبعة في أيام النقاء من جملة الشطر الأول ولولا ذلك النقاء لما لزمها إلا ستة عشر فإذا احتسبنا منها سبعة بقيت تسعة وقد نص الشافعي رضي الله عنه في موضع على لزوم قضاء الصوم كله فتحصلنا على قولين واختلف في أصله قال القفال أصله أن المبتدأة فيما وراء المرد هل يلزمهاالاحتياط إلى خمسة عشر أم لها حكم الطاهرات فنص الشافعي رضي الله عنه تفريعا على الاحتياط وذلك يجري في كل شهر فلذلك قال الشافعي وكذلك نفعل في المستقبل وإن رددناها إلى الغالب فالقول في مردها كالقول في المعتادة ستا أو سبعا وجميع التفريعات يعود المستحاضة الثالثة المميزة وهي التي ترى يوما دما قويا ويوما دما ضعيفا فإن انقطع القوي على الخمسة عشر وأطبق الضعيف بعده فجعلنا الضعيف نقاء على قول اللقطوحيضانها ثمانية أيام وعلى السحب حيضناها خمسة عشر يوما لإحاطة السواد بالضعيف المتخلل فإذا استمر تعاقب السواد والحمرة في جميع الشهر فقد فقدت التمييز لفوات الشرط فهو كما لو أطبق لون واحد ولا تلتقط من أيام الشهر خمسة عشر يوما سوادا بالاتفاق فلم يجوز أحد تفريق الحيض على الطهر وإن جوزوا تفريق الطهر على الحيض فهذا يقوي قول السحب المستحاضة الرابعة الناسية وفيها صور إحداها المتحيرة التي لا تحفظ شيئا إذا انقطع دمها يوما يوما فعلى قول السحب خرج أمرها على القولين في الاحتياط فإن أمرناها بالاحتياط فحكمها حكم من أطبق الدم عليها إذ ما من نقاء إلا ويحتمل أن يكون حيضا وإنما يفارقها في أنا لا نأمرها بتجديد الوضوء في وقت النقاء لأن الحدث في صورته غير متجدد ولا نأمرها بتجديد الغسل إذ يستحيل تقدير وقوع الانقطاع في حالة انتقاء الدم وعلى قول اللقط يغشاها زوجها في أيام النقاء وهي طاهرة فيها فى كل حكم وأيام الدم يسلك فيها مسلك الاحتياط الثانية إذا قالت أضللت خمسة في عشرة من أول الشهر وتقطع دمها يوما يوما فعلى قول السحب تنحصر حيضتها في التسعة من أول الشهر لأنه تكون نقية في العاشرة فليس محتوشا بدمين في المدة ومع الانحصار في التسعة ليس لها حيض بيقين وإن زاد أيام الحيض على نصف محل الضلال بخلاف ما إذا أضلت خمسة فى تسعة غير ذات التلفيق لأن العشرة هاهنا محل الضلال على التحقيق إلا أنا في تقدير التأخير نرد الخمسة إلى ثلاثة إذ السادس نقاء وكذا العاشر فينتقص القدر بذلك فنقول ليس لها يقين حيض وعليها الغسل في آخر الخامس وآخر السابع والتاسع ومن أصحابنا من قال تغتسل لكل صلاة في أيام الدم إذ يتصور الانقطاع في الوسط وهو فاسد إذ من ضرورته أن يقدر الابتداء في وسط النقاء وهو محال إذ كل نقاء ليس محتوشا بحيضتين لا يجعل حيضا على قول السحب هذا كله على قول السحب فأما على قول اللقط فإن لم نجاوز محل العادة فلا نجاوز العشرة والتفريع كالتفريع على قول السحب إلا في الغسل فإنه يجب على الخمسة الأولى إذ كل منقطع حيض وما بعده طهر على هذا القول فإن جاوزنا العادة فلا بد من تحيضها خمسة فيحتمل الأول والثالث والخامس والسابع والتاسع ويحتمل في حساب التأخير السابع والتاسع والحادي عشر والثالث عشر والخامس عشر فيدخل السابع والتاسع في الحسابين فهما حيض بيقين وحكم الأيام الأخيرة ما سبق الباب السادس في النفاس والكلام في قسمين الأول في النفساء غير المستحاضة وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في قدر النفاس وأكثره ستون يوما وأغلبه أربعون يوما وأقله لحظة والتعويل فيه على الوجود وقال المزني أقله أربعة أيام لأن أكثره مثل أكثر الحيض أربع مرات الفصل الثاني في الدم قبل الولادة ولا شك أن الحامل قد ترى الدم على أدوار الحيض وهل له حكم الحيض ففيه قولان مع القطع بأنه لا يتعلق به مضي العدة فإن قلنا إنه حيض فلو كانت تحيض خمسا وتطهر خمسا وعشرين فحاضت خمستها وولدت قبل مضي خمسة عشر من بعض الحيض فما بعد الولادة نفاس ونقصان الطهر قبله لا يقدح فيه أما تلك الخمسة فهل تنعطف عليها الأصح أنه لا تنعطف لأن تخلل الولادة أعظم من الفصل بين الدمينمن تخلل طهر كامل ولو اتصلت الولادة بآخر الخمسة وجعلناها حيضا فلا نعدها من النفاس ولا نقول هو نفاس سبق وكذلك إذا بدت مخايل الطلق فظهر الدم قبل الولادة وفي هذه الصورة وجه أنه من النفاس وهو بعيد نعم ظهر اختلاف الأصحاب فيما ظهر مع ظهور الولد قبل انفصاله هل يثبت له حكم النفاس الفصل الثالث في الدم بين التوءمين وفيه وجهان أصحهما أنه نفاس لأنه على أثر الولد الأول والثاني أنه كدم الحامل لأنه قبل فراغ الرحم إلا أنه أولى بأن يجعل حيضا فإن قلنا إنه نفاس فما بعد الولد الثاني أيضا نفاس ولكنهما نفاسان أو نفاس واحد في حكم المقدار فيه وجهان أصحهما أنه نفاسان وإن قلنا إنه نفاس واحد فلو تمادى ما بعد الأول ستين يوما قال الصيدلاني ما بعد الولد الثاني ينقطع عنه بالاتفاق فيكون نفاسا مفردا القسم الثاني في النفساء المستحاضات وهن أربع الأول المعتادة فإذا ولدت مرة أو مرتين ونفست أربعين يوما فإذا استحيضت رددناها إلى الأربعين فما بعد ذلك دم فساد إلى أن تعود إلى أدوارها في الحيض فتكمل بعد الأربعين طهرها المعتاد فقدر النفساء كحيضة ولو ولدت مرات وهي ذات جفاف ثم ولدت واستحيضت فهي كالمبتدأة وعدم النفاس لا يثبت لها عادة الثانية المبتدأة إذا استحيضت ترد إلى لحظة على قول أو إلى الأربعين وقال المزني ترد المبتدأة إلى أكثر النفاس وهو تحكم الثالثة المميزة فيجري فيها ما يجري في الحائض إلا أن الستين في هذا المقام بمثابة خمسة عشرة في أدوار الحيض فلا ينبغي أن يزيد الدم القوي عليه فرع المميزة إذا رأت يوما وليلة سوادا ثم استمرت الحمرة سنة فصاعدا فقياس التمييز أنها طاهرة في الجميع ويحتمل أن لا تخلي كل تسعين يوما من حيض تلقيا مما ذكره القفال الرابعة المتحيرة إذا نسيت عادتها في النفاس فعلى قول ترد إلى الاحتياط وعلى قول إلى المبتدأة كما في الحيض والرد ها هنا إلى المبتدأة أولى لأن أول وقته معلوم بالولادة فرع إذا انقطع الدم على النفساء عاد الخلاف في التلفيق فلو طهرت خمسة عشر يوما ثم عاد الدم ففي العائد وجهان أحدهما أنه نفاس لوقوعه في الستين والثاني أنه حيض قال الصيدلاني هذا الخلاف فيه إذا لم يجاوز العائد ستين فإن جاوز قطعنا بأنه حيض التفريع إن قلنا إن العائد نفاس ورأينا ترك التلفيق فالأشهر أن مدة النقاء حيض وإن بلغ خمسة عشر ومنهم من قال تستثنى هذه الصورة على قول السحب إذ يبعد تقدير مدة كاملة في الطهر حيضا وعليه يخرج ما إذا ولدت ولم تر الدم إلى الخمسة عشر في أن الدم الواقع في الستين هل هو نفاس أم لا والله أعلم كتاب الصلاة وفيه سبعة أبواب قال الله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقال النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس وقال الصلاة عماد الدين فمن تركها فقد هدم الدين وافتراض الصلوات الخمس مجمع عليها وقد كان التهجد بالليل واجبا في ابتداء الإسلام فنسخ إلا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر في الصلاة تحصره أبواب الباب الأول في المواقيت وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في وقت الرفاهية للصلوات الخمس والأصل فيه ما رواه ابن عباس عنه عليه السلام أنه قال أمني جبريل عليه السلام عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وصلى بي العصر حين كان ظل كل شئ مثله وصلى بي المغرب حين أفطر الصائموصلى بي العشاء حين غاب الشفق وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثم عاد فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شئ مثله وصلى بي العصر حين صار ظل كل شئ مثليه وصلى بي المغرب كصلاته بالأمس وصلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل وصلى بي الصبح حين كاد حاجب الشمس يطلع ثم قال يا محمد الوقت ما بين هذين فنبدأ بصلاة الظهر تأسيا بجبريل عليه السلام ويدخل وقتها بالزوال وهو عبارة عن ظهور زيادة الظل في جانب المشرق بعد تراجعه من جانب المغرب فإذا صار ظل الشخص مثله من موضع الزيادة خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وتمادى إلى غروب قرص الشمس وللظهر وقتان وقت الفضيلة وهو أوله ووقت الاختيار بعد ذلك إلى آخره وللعصر أربعة أوقات وقت الفضيلة في الأول ووقت الاختيار بعده إلى أن يصير الظل مثليهوهو منتهى بيان جبريل ووقت الجواز بعده إلى الاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار ودليل الزيادة على بيان جبريل قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر وذهب الإصطخري إلى أن الوقت لا يزيد على بيان جبريل فإن قيل صلى جبريل العصر في اليوم الأول حين صلى فيها الظهر في اليومالثاني فليثبت اشتراك بين الوقتين قلنا ذهب مالك إلى أن مقدار أربع ركعات مشترك وحمل الشافعي رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم صلى العصر على انطباق ابتدائه في المثل الأول وقوله صلى الظهر على انطباق التحلل عليه كما يقال بلغ البلد إذا دخلها وبلغ إذا قاربها فأما المغرب فيدخل وقته بغروب الشمس ويعلم في قلل الجبال بإقبال الظلام وانهزام الضوء وقال عليه الصلاة والسلام إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم وأشار إلى المشرق والمغرب ثم في وقت المغرب قولان أحدهما أنه يمتد إلى غروب الشفق وإليه ذهب أحمد بن حنبل لما روي أنه عليه الصلاة والسلام صلى المغرب عند اشتباك النجوم والثاني أنه إذا مضى بعد الغروب وقت وضوء وأذان وإقامة وقدر خمس ركعات فقد انقضى الوقت لأن جبريل صلى في اليومين في وقت واحد وعلى هذا لا بأس بتناول لقمة أو لقمتينيسكن بها سورة الجوع فرع لو شرع في الوقت ومده حتى مضى هذا القدر فإن قلنا إن مثل هذه الصلاة مقضية في غير المغرب ففي المغرب وجهان أحدهما أنه مؤداة لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة الأعراف في المغرب فدل أن آخره غير مقدر فأما العشاء فيدخل وقته بغيبوبة الشفق وهي الحمرة دون الصفرة والبياض الذى يزول بعد الحمرة ثم يمتد وقت الاختيار إلى ثلث الليل على قول لبيان جبريل عليه السلام وإلى النصف على قول لقوله عليه الصلاةوالسلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى نصف الليل فيدل ذلك على الاستحباب فأما الصبح فيدخل وقته بطلوع الفجر الصادق ويتمادى وقت اختياره إلى الإسفار ووقت جوازه إلى الطلوع ولا نظر إلى الفجر الكاذب وهو يبدو مستطيلا ثم ينمحق ويبدو الصادق مستطيرا ثم لا يزال الضوء يزداد قال عليه الصلاة والسلام لا يغرنكم الفجر المستطيل وكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير فرع لا يقدم أذان صلاة على وقتها إلا أذان الصبح قال سعد القرظ كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشتاء لسبع بقي من الليل وفي الصيف لنصف سبع وقيل إذا خرج وقت اختيار العشاء دخل وقت أذان الصبح وهو بعيد ثم الأولى أن يؤذن مؤذنان أحدهما قبل الصبح والآخر بعده ولو اقتصر على ما قبل الصبح أجزأه قواعد ثلاثة الأولى تجب الصلاة عندنا بأول الوقت وجوبا موسعا خلافا لأبي حنيفة ثم لو مات في أثناء الوقت قبل الأداء هل يلقى الله عاصيا فيه وجهان ولو أدى في آخر الوقت ووقع بعضه خارج الوقت فهي مؤداة نظرا إلى ابتدائها على وجه ومقضية نظرا إلى تمامها على وجه والواقع في الوقت مؤدى والباقي قضاء على وجه ثالث فإن جعلناه قضاء لم يجز التأخير إليه قصدا ولم يمتنع صحته بنية الأداء كالمحبوس إذا اجتهد في الوقت ونوى الأداء فكان في غير الوقت لم يلزمه الإعادة الثانية تعجيل الصلوات في أوائل الأوقات أفضل عندنا قال عليه الصلاة والسلام أول الوقت رضوان الله وآخره عفوالله قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه رضوان الله أحب إلينا من عفو الله قال الشافعي رضي الله عنه العفو يوشك أن يكون للمقصرين وحيازة فضيلة الأولية بأن يشتغل بأسباب الصلاة كلما دخل الوقت وقيل لا بد من بعد تقديم الأسباب حتى ينطبق التكبير على أول الوقت فهي الأولية وقيل تتمادى فضيلة الأولية إلى النصف من بيان جبريل عليه السلام ويستثنى عن فضيلة التعجيل العشاء والظهر ففي العشاء قولان في قوليستحب التأخير لقوله عليه الصلاة والسلام لولا أن أشق على أمتي الحديث وأما الظهر فالإبراد به مستحب في شدة الحر لقوله صلى الله عليه وسلم أشتكت النار إلى ربها فقالت قد أكل بعضي بعضا فأذن لها في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدون في البرد من زمهريرها وأشد ما تجدون من الحر من حرها فإذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ثم قيل إن الإبراد سنة للأمر الوارد وقيل هورخصة وحده أن يتمكن الماشون إلى الجماعات من المشي في الظل واختلفوا في أنه هل يختص بالبلاد الحارة وفي أن من يمشي في كن إلى الجماعة هل يستحب له واختلفوا في الجمعة على وجهين وجه المنع أن فواتها خطر ولا بد من تقديم الخطبة فالبدار أولى الثالثة من اشتبه عليه الوقت يجتهد ويتبين ذلك بالأوراد وغيرها ثم يصلي فإن وقع في الوقت أو بعدها فلا قضاء وإن كان قبل الوقت وأدرك الوقت صلى وإن تبين بعد انقضاء الوقت فقولان وكذا في طلب شهر رمضان فرع إذا أمكنه أن يصبر إلى درك اليقين ففي جواز الاجتهاد في الحال وجهان ووجه الجواز أن عمر رضي الله عنه أفطر بالاجتهاد وغلط وكان قادرا على الصبر الفصل الثاني في وقت أرباب الأعذار ونعني بالعذر الجنون والصبى والحيض والكفر ولها ثلاثة أحوال إحداها أن يخلو عنها آخر الوقت فإن بقي قبل غروب الشمس ما يسع ركعة فزال العذر وجب العصر وفاقا ولو بقي ما يسع تكبيرة فقولان أقيسهما وهو مذهب أبي حنيفة أنه يلزم لأن هذا القدر يتسع الإلزامولسنا نعتبر وقت الأداء والثاني وهو اختيار المزني أنه لا يدركه لقوله عليه الصلاة والسلام ومن أدرك ركعة قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر وما دونها ليس في معناها فإن مدرك ركعة من الجمعة مدرك لها بخلاف مدرك التكبيرة هذا حكم العصر أما الظهر فيلزم أيضا بإدراك وقت العصر لأنه وقته في حق المعذور بالسفر وهذا العذر أشد ولكنه بكم يصير مدركا فيه قولان أحدهما بما يصير به مدركا للعصر والثاني لا بد من زيادة أربع ركعات على ذلك ليتصور الفراغ من الظهر فعلا ثم لزوم العصر بعده وهل تعتبر مدة الوضوء مع ذلك فعلى قولين وهذه الركعات الأربع في مقابلة الظهر أو العصر فعلى قولين مخرجين هذا إذا زال العذر قبل أداء الصلاة فإن زال بعده وذلك يتصور في الصبي يصلي ثم يبلغ والوقت باق فلا يلزمه القضاء خلافا لأبي حنيفة فلو صلى الظهر فبلغ ووقت الجمعة قائم قال ابن الحداد تلزمه الجمعة وهو غلط عند الأكثرين ومنهم من وجهه بأن الصبي مضروب على ترك حضور الجمعة والمتعدي بالظهر قبل الجمعة لا يصح ظهره على وجه ولو بلغ الصبي بالسن في أثناء الصلاة أتمها ولو بلغ في أثناء يوم من رمضان وهو صائم فلا قضاء عليه ومنهم من علل بوقوعه عن الفرض ومنهم من علل بأنه لم يدرك وقتا يتصور فيه الشروع في العبادة وتظهر فائدة الخلاف في الصبي المفطر إذا بلغ وللعراقيين وجه أن الصبي تلزمه إعادة الصلاة وإن بلغ بعد الأداء الحالة الثانية أن يخلو أول الوقت فإذا طرأ الحيض فإن مضى من الوقت قبلهما يسع الصلاة لزمته وإن كان أقل فلا بخلاف آخر الوقت فإن الشروع في آخر الوقت يمكن إتمامه بما بعد الوقت وهاهنا لا يمكن في زمان الحيض وخرج ابن سريج قولا إنه لا تلزمه ما لم يدرك جميع الوقت أو آخره وأما العصر فلا يلزم بإدراك جزء من أول الظهر لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر ما لم يقع الفراغ من فعل الظهر بخلاف وقت العصر وذهب أبو يحيى البلخي إلى أن أول الظهر في إدراك العصر كآخر العصر في إدراك الظهر الحالة الثالثة أن يعم العذر جميع الوقت فيسقط القضاء بالحيض والجنون والكفر والصبى ولا تلتحق الردة بالكفر بل يجب القضاء على المرتد نعم الصبيوإن لم يكن عليه قضاء ولكن يؤمر بالصلاة بعد سبع سنين ويضرب على تركها بعد عشر سنين والإغماء في معنى الجنون قل أو كثر أما الشكر وزوال العقل بسبب محرم كشرب بنج أو تردية من مكان فلا يسقط القضاء فرع لو سكر ثم جن فالأصح أنه لا يلزمه إلا قضاء ما فاته في وقت السكر وقيل يجب قضاء أيام الجنون لاتصاله بالسكر ولو ارتد ثم جن يلزمه قضاء ما فات في وقت الردة وقيل يجب قضاء ما فات في الجنون لأن حكم الردة مستمر في الجنون ولو ارتدت أو سكرت ثم حاضت لا يلزمها قضاء أيام الحيض لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة وعن الحائض عزيمة الفصل الثالث في الأوقات المكروهة وهى خمسة اثنان منها يتعلق بالفعل فهما من قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس ووجه تعليقها بالفعل أنه يتمادى بالبدار إلى الفرض في أول الوقتويقصر بالتأخير وثلاث منها تتعلق بالوقت وهو وقت طلوع الشمس والاستواء والغروب قال عليه الصلاة والسلام إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها وإذا غربت فارقها ونهى عن الصلاة في هذه الأوقات فأما المنوط بالطلوع فمن وقت بدو إشراق الشمس إلى طلوع قرصها وقيل يمتد إلى استيلاء سلطان الشمس لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا ارتفعت فارقهاوأما الاستواء فعبارة عن وقت وقوف الظل قبل ظهور الزيادة أما الغروب فتدخل كراهيته باصفرار الشمس إلى تمام الغروب ويستثنى من هذه الكراهية من الصلوات ما لها سبب ومن الأيام الجمعة ومن البقاع مكة أما الأول فلما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى قيس بن قهد يصلي بعدالصبح فقال ما هذا فقال ركعتا الفجر فلم ينكر ففي معناهما كل ما له سبب كالفائتة وصلاة الجنازة وسجود التلاوة وتحية المسجد وأما ركعتا الإحرام فيكره لأن سببها الإحرام وهو عذر متأخر وفي الاستسقاء تردد لأن تأخيره ممكن وأما استثناء الجمعة فلما روى أبو سعيد الخدري أنه نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة فقيل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس فيقصد طرده بركعتين وقيل إنه لا يختص به بل هو خاصية يوم الجمعة فأما استثناء مكة فلما روي عن أبي ذر أنه أخذ بعضادتي الكعبة وقال من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة ولذلك لا يكره الطواف في سائر الأوقات لقوله عليه الصلاة والسلام يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت في أي ساعة شاء من ليل أو نهار قاعدة لو تحرم بالصلاة في وقت الكراهية ففي الانعقاد وجهان أحدهما نعم كالصلاة في الحمام والدار المغصوبة والثاني لا كصوم يوم العيد فإن قلنا لا تنعقد لم تلزم بالنذر فأما أداء المنذورة فيها فجائز لأن النذر سبب كالقضاء الباب الثاني في الأذان الأذان سنة مؤكدة وقيل إنه فرض كفاية ولو امتنع عنه أهل بلدة يقاتلون عليه فإنه من شعائر الإسلام والصحيح أنهم لا يقاتلون لأنه سنة والأصل فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام شاور أصحابه في أمارة ينصبونها لحضور الجماعات فذكر النار والناقوس فذكر النصارى والمجوس فتفرقوا عن غير اتفاق رأي فقال عبد الله بن زيد الأنصاري كنت بين النائم واليقظانإذ نزل ملك من السماء عليه ثياب خضر وبيده ناقوس فقلت أتبيع هذا الناقوس مني فقال وما تصنع به مني فقلت أضرب به في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أو لا أدلك على خير من ذلك فقلت بلى فاستقبل القبلة وقال الله أكبر وسرد الأذان ثم استأخر غير بعيد فأقام فأصبحت وحكيت الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رؤيا صدق إن شاء الله ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك فقلت ائذن لي مرة واحدة فأذنت بإذنه فلما سمع عمر صوتي خرج يجر رداءه وهو يقول والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل ما أرى فقال الحمد لله فذاك أثبت ثم أتاه بضعة عشر من الصحابة قد رأي كلهم مثل ذلك هذا تمهيد الباب ومقصوده يحصره ثلاثة فصول الفصل الأول في المحل الذي يشرع فيه الأذان وهو جماعة الرجال في كل مفروضة مؤداة وفي الضابط قيود أربعة الأول الجماعة فالمنفرد في بيته أو في سفر إذا لم يبلغه نداء المؤذن فيه قولان الجديد أنه يؤذن ويقيم لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي سعيد الخدري إنك رجل تحب البادية والغنم فإذا دخل وقت الصلاة فأذن وارفع صوتك فإنه لا يسمع صوتك شجر ولا مدر ولا حجر إلا شهد لك يوم القيامة وفي القديم لا يشرع لأن مقصوده الإبلاغ فيختص بالجماعة وقيل إن كان يرجو حضور جمع يؤذن وإلا فلا وكان الخدري يرجو حضور غلمانه ثم الصحيح أنه يستحب رفع الصوت وإن كان منفردا أما إذا بلغه نداء البلد فالخلاف مرتب وأولى أن لا يؤذن اكتفاء بالنداء العام وإن أذن فأولى بألا يرفع الصوت القيد الثاني الرجال ففي أذان المرأة في الانفراد والجماعة ثلاثة أقوال أحدها أنها تؤذن وتقيم والثاني لا والثالث تقيم ولا تؤذن ثم هى ممنوعة عن رفع الصوت منع تحريم القيد الثالث المفروضة فلا أذان في جماعة النوافل كصلاة الخسوف والاستسقاء والجنازة والعيد بل ينادى الصلاة جامعة القيد الرابع المؤداة أما الغائبة ففيها ثلاثة أقوال الجديد أنه يقيم لها ولا يؤذن لأن الإقامة للشروع والأذان للإبلاغ والقديم أنه يؤذن ويقيم نظرا إلى حرمة الصلاة ونص في الإملاء أنه إن كان يرجو جماعة أذن وإلا اقتصر على الإقامة فإن قلنا يؤذن فلو كان يؤدي فوائت فلا يؤذن إلا مرة واحدة لا سبيل إلى موالاة أذانين في وقت واحد ولو قدم العصر إلى وقت الظهر يؤذن للظهر أولا ويقيم للعصر بعده ولا يؤذن فإن أخر الظهر إلى وقت العصر فإن قلنا يؤذن كالفائتة فيؤذن للظهر ثم يقيم للعصر بعده وإن قلنا لا يؤذن للفائتة فلا يؤذن للظهر لأنها كالفائتة ثم لا يؤذن للعصر أيضا كيلا تنقطع الموالاة بين الصلاتين ويشهد له أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة بأذان وإقامتين وأخر المغرب إلى العشاء بمزدلفة بإقامتين فرع الجماعة الثانية في المسجد المطروق هل يؤذن لها فيه قولان نقلهما صاحب التقريب أحدهما لا فإن كل واحد من الجمع مدعو بالأذان الأول مجيب والثاني نعم لأن الدعوة الأولى تمت بالإجابة الأولى ثم إذا قلنا هاهنا وفي المنفرد إنه لا يؤذن ففي الإقامة خلاف الفصل الثاني في صفة الأذان ويشرع فيه أمور خمسة الأول الأذان مثنى مع الترتيل والإقامة فرادى مع الإدراج بأخبار صحت فيه وقال أبو حنيفة الإقامة كالأذان إلا في الترتيل وبالغ مالك في الإفراد واكتفى بقوله الله أكبر مرة واحدة الثاني الترجيع مأمور به لقول أبي محذورة علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشرة كلمة وكيفيته أن يذكر كلمتي الشهادة مع خفض الصوت مرتين ثم يعود إليه ويرفع الصوت والأصح أنه ليس ركنا إذ لا إبلاغ فيه الثالث التثويب في أذان الصبح مشروع على القديم وقال في الجديد أكره ذلك لأن أبا محذورة لم يحكه والفتوى على القديم لأنه صح عن أبي محذورة وإن لم يبلغ الشافعي رضي الله عنه تم المشهور أنه ليس ركنا وجها واحدا وفيه احتمال الرابع القيام واستقبال القبلة في جميع الأذان مشروع وهل يعتد بالأذان دونهما فعلى وجهين ينظر في أحدهما إلى حصول مقصود الإبلاغ دونهما وفي الثاني إلى استمرار الخلق عليه كما في القيام في الخطبتين والقعود بينهما وعلى الوجهين يستحب أن يقول حي على الصلاة مرتين ملتفتا إلى اليمين بحيث لا يحول صدره على القبلة وفي حي على الفلاح إلى اليسار واختار القفال أنه يقسم الحيعلتين على الجهتين أما رفع الصوت فركن إذ لا يحصل الإبلاغ دونه ثم لا تتأدى سنة هذا الشعار إلا بأن يعم صوت المؤذنين جميع أطراف البلد الخامس يشترط الترتيب والموالاة في كلمات الأذان فإن عكسها لم يعتد به وإن طول السكوت في أثنائها فقولان ووجه البطلان أنه يكاد يفوت مقصود الإبلاغ به فإن قلنا لا يبطل فلو تكلم في مثل تلك المدة فقولان ولو بنى عليه غيره فقولان مرتبان لزيادة اللبس ولو ارتد وطال الزمان فقولان مرتبان على السكوت ولو قصر الزمان فقولان ووجه البطلان أن الردة تحبط ما مضى من العبادة ولو تكلم في أثناء الأذان بكلام يسير لم يضر إلا إذا رفع صوته على حد الأذان ففيه تردد لأنه يجر لبسا الفصل الثالث في صفات المؤذن والمشروط ثلاث صفات أن يكون مسلما عاقلا ذكرا فلا يعتد بأذان الكافر ويتصور ذلك منه إذا كان عيسويا يعتقد أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى العرب ولا يعتد بأذان المجنون والسكران المخبط ويصح أذان الصبي المميز ولا يعتد بأذان المرأة أعني أذان الإبلاغ للرجال إذ رفع الصوت محرم عليها والصفات المسنونة ثلاث الأولى الطهارة فيعتد بأذان الجنب والمحدث مع كراهية وكراهية الجنب أشد والكراهية في الإقامة أشد الثانية أن يكون صيتا حسن الصوت ليكون أرق لسامعيه الثالثة أن يكون عدلا ثقة لإشرافه على بيوت الناس ولتقلده عهدة مواقيت العبادات مسائل ثلاثة بها ختام الباب الأولى أن الإمامة أفضل من التأذين على الأصح لأنه صلى الله عليه وسلم واظب على الإمامة ولم يؤذن وقيل سبب ذلك أنه لو قال حي على الصلاة للزم الحضور وقيل سببه أنه لو قال أشهد أن محمدا رسول الله لخرج عن جزل الكلامولو قال أشهد أني رسول الله لتغير نظم الأذان الثانية يستحب أن يكون في المسجد المطروق مؤذنان أحدهما للصبح قبل الفجر والآخر بعده كعادة بلال وابن أم مكتوم وإذا كثر المؤذنون فلا يستحب أن يتراسلوا بل إن وسع الوقت ترتبوا وإن ضاق أذنوا آحادا في أقطار المسجد ثم إنما يقيم من أذن أولا فإن تساووا أقرع بينهم ووقت الإقامة منوط بنظر الإمام ووقت الأذان منوط بنظر المؤذن ولو سبق المؤذن الراتب أجنبي بالأذان لم يستحق ولاية الإقامة على الأصح الثالثة للإمام أن يستأجر على الأذان من بيت المال إذا لم يجد متطوعا وهل لآحاد الناس ذلك فيه خلاف ووجه المنع أن الفائدة لا تختص به فليس له بذل المال عوضا عما لا يحصل له الباب الثالث في استقبال القبلة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبل الصخرة من بيت المقدس مدة مقامه بمكة وهي قبلة الأنبياء وكان يقف بين الركنين اليمانيين إذ كان لا يؤثر استدبار الكعبة فلما هاجر إلى المدينة لم يمكن استقبالها إلا باستدبار الكعبة وعيرته اليهود وقالوا إنه على ديننا ويصلي إلى قبلتنا فسأل الله تعالى أن يحوله إلى الكعبة فنزل قوله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية ثم للاستقبال ثلاثة أركان الصلاة التى فيها الاستقبال والقبلة والمصلي الركن الأول الصلاة ويتعين الاستقبال في فرائضها من أولها إلى آخرها إلا في شدة الخوف حال القتال ولا يجوز أداء الفرائض على الراحلة وأما المنذور فجائز إن قلنا يسلك به مسلك جائز الشرع لا مسلك واجبه والأصح أن صلاة الجنازة لا تقام على الراحلة لأن الركن الأظهر فيها القيام ثم ليس منع الفرض على الراحلة للانحراف عن القبلة فقط بل لو صلى على بعير معقول أو في أرجوحة معلقة بالحبال لم تجز لأنها غير معدة للقرار بخلافالسفينة الجارية والزورق المشدود على الساحل لأنها كالسرير والماء كالأرض والسفينة الجارية تمس حاجة المسافر إليها إذ الخروج إلى الساحل متعذر للصلاة وفي صلاة المقيم ببغداد في الزواريق الجارية مع تمام الاستقبال والأفعال تردد واحتمال أما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل راكبا وماشيا رخصة وترغيبا في تكثير النوافل روى ابن عمر رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي على راحلته أني توجهت به دابته وروي أنه صلى الله عليه وسلم أوتر على البعير فاستدل به الشافعي رضي الله عنه على أنه غير واجب في السفر القصير قولان أحدهما جواز التنقل على الراحلة لمسيس الحاجة والثاني لا لأنه تغير ظاهر لهيئة الصلاة فتختص بالطويل لا القصير وذهب الإصطخري إلى جواز ذلك للمقيم وهو خلاف نص الشافعي رضي الله عنه ثم نظر في استقبال القبلة للمتنفل وكيفية أحواله أما الاستقبال ففي ابتداء الصلاة أربعة أوجه أحدها أنه يجب الاستقبال عند التحريم لأنه لا عسر فيه بخلاف الدوام فأشبه النية والثاني أنه لا يجب لأن هذه الحاجة تعم جميع الصلاة الثالث أن العنان والزمام إذا كان بيده وجب لتيسره وإن كانت الدابة مقطرة فلا الرابع أن وجه الدابة إن كانت إلى القبلة فلا يجوز تحريفها وإن كان إلى الطريق فلا يلزمه تحريفها إلى القبلة وإن كان إلى غيرهما فلا بد من التحريف فليحرفها إلى القبلة ثم ليستبد في الطريق ثم من أوجب في الابتداء تردد في وقت السلام كما في النية أما دوام الصلاة فلا يجب الاستقبال فيها لكن صوب الطريق بدل عن القبلة فلو كان راكب تعاسيف فلا يتنفل أصلا لأن الثبوت في جهة لا بد منهفلو كان لمقصده صوب ولكن لم يسلك طريقا معلوما فقولان فرع لو انحرفت الدابة في أثناء الصلاة عن صوب الطريق نظر فإن كان بتحريفه عمدا ولو في لحظة بطلت صلاته وإن كان ناسيا للصلاة وتدارك مع قصر الزمان لم تبطل وإن طال ففيه خلاف ومثله جار في الاستدبار ناسيا ثم إذا لم تبطل يسجد للسهو وإن كان بجماح الدابة بطل إن طال الزمان كما إذا أمال المستقبل إنسانوإن قصر الزمان فوجهان في الإمالة والظاهر أنه في الجماح أنه لا يبطل لأن جماح الدابة عام ثم هاهنا لا يسجد للسهو إذ لا تقصير منه أما كيفية الأفعال فإن كان في مرقد فليتم الركوع والسجود وإن كانعلى سرج أو رحل فينحني لهما ويجعل السجود أخفض من الركوع ولا يلزمه أن ينحني بحيث يساوي الساجد على الأرض ولا أن تمس جبهته شيئا لأن نزقات الدابة لا تؤمن أما الماشي فيتنفل عندنا خلافا لأبي حنيفة وحكم استقباله حكم راكب بيده زمام دابته ونقل عن الشافعي رضي الله عنه أن الماشي يركع ويسجد ويقعد ويستقر لابثا في هذه الأركان ولا يمشي إلا في حالة القيام قارئا وخرج ابن سريج قولا أنه لا يلبث ويقتصر على الإيماء بالسجود والركوع كيلا يتعطل مقصود السفر فرعان الأول لو مسي في نجاسة قصدا فسدت صلاته بخلاف ما لو وطئ فرسه نجاسة ولا يكلف الماشي أن يبالغ في التحفظ عن النجاسات اليابسة فإن ذلك مما يكثر في الطرق الثاني لو عزم على الإقامة وهو في أثناء الصلاة فليس له أن يتمم راكبابل عليه أن ينزل ويتمم وإن لم يعزم على الإقامة وهو متردد لحاجته في البلد أو واقف على رجله فله أن يتمم الركن الثاني القبلة وفيها مسائل تتشعب من موقف المستقبل الموقف الأول جوف الكعبة فالواقف فيها له أن يستقبل أي جدار شاء ولهم عقد الجماعة متدابرين مستقبلين للجدران ولو استقبل الباب وهو مردود صح لأنه من أجزاء البيت وإن كان مفتوحا والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل جاز وإن كانت أقل فلا ولو انهدمت الكعبة والعياذ بالله فوقف في وسط العرصة لم تصح صلاته إلا أن يكون بين يديه شجرة أو بقية من حيطان البيت وخرج ابن سريج قولا إنه يصح صلاته لأن بين يديه أرض الكعبة وهو مستعل عليها الموقف الثاني سطح الكعبة ولا تصح الصلاة عليها إن لم يكن بين يديه شئ شاخص من نفس الكعبة كسترة أو خشبة لأنه لا يسمى مستقبلا بخلاف ما لو وقف على أبي قبيس والكعبة تحته فإنه يسمى مستقبلا لخروجه منها ولو وضع بين يديه شيئا لا يكفيه لأنه ليس جزءا ولو غرز بين يديه خشبة فوجهان لأن المثبت بالغرز قد يعد من أجزاء البناء الثالث الواقف في المسجد يلزمه محاذاة الكعبة فلو وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن ففي صحة صلاته وجهان ولو امتد صف مستطيل قريب من البيت فالخارجون عن سمت البيت ومحاذاته لا صلاة لهم وهؤلاء بعينهم قد يفرض تراخيهم إلى آخر باب المسجد فتصح صلواتهم لحصول صورة الاستقبال من حيث الاسم الرابع الواقف بمكة خارج المسجد ينبغي أن يسوي محرابه بناء على عيان الكعبة فإن دخل بيتا ولم يقدر على معاينة الكعبة لتسوية القبلة فله أن يستدل على الكعبة بما يدل عليه الخامس الواقف بالمدينة ينزل محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه منزلة الكعبة إذ لا يمكن الخطأ فيه ولا يجوز الاجتهاد فيه بالتيامن والتياسر أما في سائر البلاد فيجوز الاعتماد على المحراب المتفق عليه والظاهر جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر وقيل إن ذلك ممنوع الركن الثالث في المستقبل فإن كان قادرا على معرفة جهة القبلة يقينا لم يجز له الاجتهاد فإن عجز عن اليقين اجتهد فإن عجز عن الاجتهاد بالعمى فليقلد شخصا مكلفا مسلما عارفا بدلائل القبلة أما المجتهد فليس له أن يقلد غيره فإن ضاق عليه الوقت وهو مار في نظره فهو كمن يتناوب مع جمع على بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت وقد ذكرنا حكمه وإن ارتج عليه طريق الصواب وتحير ففي تقليدهخلاف واختيار المزني جوازه لأنه الآن كالأعمى ومنهم من منع لأنه ناظر والتقليد لا يليق به فإن قلنا لا يقلد فيصلى على حسب حاله ثم يقضي كالأعمى إذ لم يجد من يرشده والأصح أنه يقلد ولكن يقضى لأن هذا عذر نادر أما البصير الجاهل بالأدلة فيبتنى أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل يتعين وفيه خلاف فإن قلنا يتعين فالتقليد لا يسقط القضاء عنه لأنه مقصر وإن قلنا إنه لا يتعين فهو كالأعمى هذا بيان محل التقليد والاجتهاد فأما حكم الاجتهاد فإنه إذا بنى عليه لم يلزمه قضاء الصلاة إلا إذا تعين له الخطأ وبان جهة الصواب ففي القضاء قولان أحدهما لا يجب لأنه أدى ما كلف وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني والثاني أنه يجب لأنه فات المقصود والقولان جاريان في الاجتهاد في الأواني والثياب وكذا في وقت الصوم والصلاة إن بان له أنه أداهما قبل الوقت فأما إذا وقع بعد الوقت فلا قضاء هذا فيمن عجز عن درك اليقين في الوقت فأما من اجتهد في أول الوقت وهو متمكن من الصبر فالأوجه أن يقال اجتهاده صحيح بشرط الإصابة وسلامة العاقبة أما إذا بان الخطأ يقينا ولم تظهر له جهة الصواب إلا بالاجتهاد ففيالقضاء قولان مرتبان وأولى بأن لا يجب لأن الخطأ أيضا ممكن في القضاء فأشبه خطأ الحجيج يوم عرفة أما إذا تغير حاله في الصلاة بأن تيقن أنه مستدبر للكعبة فإن أوجبنا القضاء بطلت صلاته ولزمه الاستئناف وإن قلنا لا قضاء فقولان أحدهما أنه يتحول إلى الجهة الأخرى والثاني أنه يستأنف لأن الجمع في صلاة واحده بين جهتين مستنكر ولو تبين بالاجتهاد أنه مستدبر فحكمه حكم التيقن أما إذا ظهر الخطأ يقينا أو ظنا ولكن لم تظهر جهة الصواب فإن طال زمان التحير بطل وإن قصر فقولان ثم حد الطول أن يمضي ركن أو وقت مضي ركن والقصر دون ذلك فإن عجز عن الدرك بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته وإن قدر على ذلك ففي البطلان قولان مرتبان وأولى بالبطلان لأجل التحير ثم مدة القرب تعتبر بما إذا صرف وجهالمصلي عن القبلة قهرا هذا كله في الخطأ في الجهة فإن بان له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا هليؤثر فيه خلاف مبني على أن المطلوب جهة الكعبة أو عينها هكذا قاله الأصحاب وفيه نظر لأن الجهة لا تكفي بدليل القريب من الكعبة إذ خرج عن محاذاةالركن فإنه لا تصح صلاته مع استقبال الجهة ومحاذاة العين أيضا ليس بشرطفإن الصف الطويل في آخر المسجد لو تزاحفوا إلى الكعبة خرج بعضهم عن محاذاة العين وتصح صلاتهم فكيف الصف الطويل في أقصى المشرق فلعل مراد الأصحاب أن بين موقف المحاذي الذى يقول الحاذق فيه إنه على غاية السداد وبين موقفه الذى يقال فيه إنه خرج عن اسم الاستقبال بالكلية مواقف يقال فيها إن بعضها أسد من بعض وإن كان الكل سديدا فطلب الأسد هل يجب فيه وجهان أحدهما نعم لإمكانه والثاني لا لأن حقيقة المحاذاة في المسجد ممكن ثم لم تجب اكتفاء بالاسم فكذا هاهنا فروع أربعة الأول لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات فالنص أنه لا قضاء قولا واحدا لأن الخطأ لم يتعين وخرج صاحب التقريب أنه يقضي الكل كما لو نسي ثلث صلوات من أربع صلوات الثاني إذا صلى الظهر باجتهاد فهل يلزمه استئناف الاجتهاد للعصر فعلى وجهين ينظر في أحدهما إلى تعدد الصلاة وإمكان تغير الاجتهاد وفي الثاني إلى اتحاد القبلة واتحاد المكان الثالث إذا أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين فلا يقتدي أحدهما بالآخر الرابع إذا تحرم المقلد بالصلاة فقال له من هو دون مقلده أو مثله أخطأ بك فلان لم يلزمه قبوله وإن كان أعلم منه فهو كتغير اجتهاد البصير في أثناء الصلاة ولو قطع بخطئه وقال القبلة وراءك وهو عدل فيلزمه القبول لأن قطعه أرجح من ظن غيره ولو قال بصير للأعمى المتلبس بالصلاة أنت مستقبل الشمس وعلم الأعمى أن القبلة ليست في جهة الشمس فعليه قبوله لأن هذا إخبار عن محسوس لا اجتهاد الباب الرابع في كيفية الصلاة وأفعال الصلاة تنقسم إلى أركان وأبعاض وسنن وهيئات أما الأركان فأحد عشر التكبير والقراءة والركوع والاعتدال منه مع الطمأنينة فيهما والسجود والقعدة بين السجدتين مع الطمأنينة والتشهد الأخير والقعود فيه والصلاه على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام وأما النية فبالشروط أشبه كاستقبال القبلة والطهارة ولو كانت النية ركنا لافتقرت إلى نية وأما الأبعاض فيما ينجبر تركه بسجود السهو وهو أربعة القنوت والتشهد الأول والقعود فيه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على أحد القولين وأما الهيئات فما لا يجبر تركها بالسجود كتكبير الانتقالات والتسبيحات فلنورد هذه الأركان بسننها على ترتيبها القول في النية والنظر في ثلاثة أمور الأول في أصل النية والصلاة بالاتفاق مفتقرة إلى النية في ابتدائها ولا يضر غروبها في أثناء الصلاة نعم لو طرأ ما يناقض جزم النية بطل وذلك من ثلاثة أوجه الأول لو أن يجزم نية الخروج في الحال أو في الركعة الثانية أو يتردد فيالخروج بطلت صلاته ولو تردد في الخروج عن الصوم لم يبطل ولو جزم نية الخروج فوجهان والفرق أن الصوم ليس له عقد وتحرم وتحلل ولذلك ينتهي بمجرد غروب الشمس فلا يؤثر فيه مجرد القصد الثاني أن يعلق نية الخروج بدخول شخص ففي بطلانه في الحال وجهان أحدهما أنه يبطل لأنه ناقض حزم النية والثاني لا لأنه ربما لا يدخل ذلك الشخص وهو في الحال مستمر والثالث أن يشك في نية الصلاة فإن مضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة كركوع أو سجود بطلت صلاته لأنه ذلك لا يعتد به ولا سبيل إلى إعادته وفيه احتراز قراءة الفاتحة ومد الطمأنينة في الركوع وإن لم يمض ركن وقصر الزمان لم تبطل وإن طال فوجهان كالوجهين في الكلام الكثير مع النسيان النظر الثاني في كيفية النية أما الفرض في العبارة عن نيته أن يقول أؤدي الظهر فرض الوقت لله تعالى فيتعرض بقوله { أودية } لأصل الفعل وللأداء وهذا بشرط أن يخطر بقلبه كونه في الوقت إذ الأداء قد يعبر به عن القضاء ويتعرض بالفرضية لنفي النفل وتمييز الظهر عن العصر وغيره بذكر الظهر وكل ذلك واجب إلا الفرضية والإضافة إلى الله تعالى ففيهما وجهان ووجه كونه سنة أن صلاة الظهر لا تقع إلا فرضا لله تعالى ثم هذه النية محلها القلب وليس فيها نطق ونظم حروف لا بالقلب ولا باللسان نعم يستحب مساعدة اللسان القلب فيها وقد قال الشافعي ينعقد إحرام الحج بمجرد النية من غير لفظ بخلاف الصلاة فغلط من ظن أنه شرط اللفظ في الصلاة فإنه أراد به الفرق بين التكبير والتلبية أما النوافل فرواتبها يجب فيها التعيين بالإضافة وغير الرواتب تكفي فيها نيةالصلاة مطلقة ولو نرى الفرض قاعدا وهو قادر على القيام لم ينعقد فرضه وهل ينعقد نفلا فيه قولان أحدهما لا لأن ما نواه لم ينعقد فكيف يحصل غيره والثاني نعم لأن التعذر في وصف الفرضية فيبقى أصل الصلاة ويشهد لذلك نص الشافعي رضي الله عنه على جواز قلب الفرض نفلا وهذا الخلاف جار فيمن تحرم بالظهر قبل الزوال والمسبوق إذا وقع تحرمه في الركوع أو قلب المصلي ظهره عصرا أو وجد العاجز خفة في الصلاة فلم يقم فإن الفرض يفوت في هذه الصورة في بقاء النفل قولان النظر الثالث في وقت النية وهو وقت التكبير قال الشافعي رضي الله عنه ينوي مع التكبير لا قبله ولا بعده وذكر فيه ثلاثة أوجه أحدها أن يبسط النية على التكبير بحيث ينطبق أوله على أوله وآخره على آخره والثاني أن تقرن بهمزة التكبير ثم هل يشترط استدامتها إلى آخر التكبير فيه فوجهان والثالث أنه يتخير بين التقديم والبسط لأن الأولين تساهلوا فيه والتحقيق فيه أن النية قصد ولكن شرطه الإحاطة بصفات المقصود وهو كون الصلاة ظهرا وأداء وغير ذلك وربما يعسر إحضار علوم متعددة في وقت واحد فالمقصود أن يتمثل له إحضار هذه المعلومات عند أول التكبير ويقرن القصد به ويستديم العلم إلى آخر التكبير وكذا القصد أي لا يغفل ولا يعرض عن قصده فإن لم يتم كله إلا عند آخر التكبير ففي جوازه تردد ووجه الاكتفاء أن آخر التكبير وقت الانعقاد ومن شرط الاقتران بالأول نظر إلى أول سبب الانعقاد ومن خير رفع هذه المضايقة وهو الأولى بدليل تساهل الأولين فيه القول في التكبير وسننه والنظر في القادر والعاجز أما القادر فيتعين عليه أن يقول الله أكبر بعينه من غير قطع ولا عكس ومعنى التعيين أنه لو قال الله أجل أو الرحمن أعظم لا يقوم مقامه وكذاترجمته خلافا لأبي حنيفة ولو قال الله أكبر صح لأنه أتى بالواجب وزاد ما لم يغير المعنى والنظم ولو قال الله الجليل أكبر فوجهان لأن الزيادة مفيدة مغيرة للنظم والعكس أن يقول الأكبر الله فالنص أنه لا يجوز ونص في قوله عليكم السلام أنه يجوز فقيل لأن ذلك يسمى تسليما وهذا لا يسمى تكبيرا وقيل قولان بالنقل والتخريج مأخذهما أن الترتيب هل هو شرط بين الكلمتين أما العاجز فيأتي بترجمته ولا يجزئه ذكر آخر لا يؤدي معناه بخلاف العاجز عن الفاتحة فإنه يعدل إلى ذكر آخر لا إلى ترجمتها لأن مقصودهاالنظم المعجز وقد فات وهذا المعنى مقصود ظاهر فرع البدوي يلزمه أن يقصد بلدة لتعلم كلمة التكبير ولا يلزمه ذلك عند فقد الماء لأجل الوضوء لأن التعلم يبقى والوضوء يعرض الانتقاض وفيل بالتسوية لأن التسوية في حقه كالتيمم أما سنة التكبير فرفع اليدين معه وهو متفق عليه حالة التحرم وهيئتها أن يترك الأصابع منشورة ولا يتكلف ضمها وتفريجها وفيها ثلاث مسائل الأولى في قدر الرفع ففي قول يرفع إلى حذو المنكبين رواه أبو حميدالساعدي في عشرين من جملة الصحابة والثاني أنه يرفع بحيث تحاذي أطراف أصابعه أذنيه وكفاه منكبيه وقيل إن الشافعي رضي الله عنه لما قدم العراق اجتمع عنده العلماء فسئلعن أحاديث الرفع فإنه روي أنه رفع حذو منكبيه وحذو أذنيه وحذو شحمة أذنيه فقال أرى أن يرفع بحيث يحاذي أطراف أصابعه أذنيه وإبهامه شحمة أذنيه وكفيه منكبيه فاستحسن ذلك منه في الجميع بين الروايات الثانية في وقت الرفع أوجه فقيل يرفع غير مكبر ثم يبتدئ التكبيرعند إرسال اليد وهي رواية الساعدي وقيل يبتدئ الرفع مع التكبير فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء اليد إلى مقرها وهذه رواية وائل بن حجر وقيل إنه يكبر ويداه قارتان حذو منكبيه ولا يكبر في الرفع والإرسال وهي رواية ابن عمر ثم قال المحققون ليس هذا اختلافا بل صحت الروايات كلها فنقبل الكل ونجوزها على نسق واحد الثالثة إذا أرسل يديه وضع إحداهما على الأخرى تحت صدره ويأخذ الكوع من اليسرى بيمناه ويبسط أصابع اليمنى في عرض المفصل أو في صوب ساعده واليمنى عليه مكرمة بالحمل القول في القيام وهو ركن وحده الانتصاب مع الإقلال فلو اتكأ على شئ أو انحنى لم يعتد به ولا بأس بالإطراق فإن عجز عن الإقلال انتصب متكئا فإن عجز عن الانتصاب قام منحنيا فإن لم يقدر إلا على حد الراكعين قعد فإن عجز عن الركوع والسجود دون القيام قام وأومى بالركوع والسجود وقال أبو حنيفة سقط عنه القيام لأن المقصود منه النزول إلى الركوع ولو عجز عن القيام قعد ولا يتعين في القعود هيئة للصحة ولكن الإقعاء منهي عنه وهو أن يجلس على وركيه فينصب فخذيه وركبتيه قال عليه الصلاة والسلام لا تقعوا إقعاء الكلب ثم في الهيئة المختارة قولان أحدهما الافتراش كالتشهد الأول والثاني التربيع واختار القاضي حسين أن ينصب ركبته اليمنى كالذي يجلس بين يدي المقرئ ليحصل به مفارقة جلسات التشهد ثم هذا القاعد إن قدر على الارتفاع إلى حد الركوع يلزمه ذلك في الركوع وإن لم يقدر فيركع قاعدا وينحني مقدارا تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام وأقل ركوعه أن ينحني بحيث تقابل جبهته ما وراء ركبته من الأرض فيحصل الأقل بأول المقابلة والكمال بتمامها بحيث يحاذي جبهته محل السجود ولو عجز عن السجود قرب الجبهة من الأرض إلى قدر الإمكان ويجب أن يجعل السجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر إلا على أكمل الركوع فيأتي به مرتين ولا يلزمه الاقتصار في الركوع على الأقل لإظهار التفاوت بل ذلك واجب فيما يجاوز أكمل الركوع أما إذا عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن مستقبلا بجميع مقاديم بدنه القبلة كالذي يوضع في اللحد وقيل إنه يصلي مستلقيا على قفاه وأخمصاه إلى القبلة ثم يومئ بالركوعوالسجود فإن عجز فيومئ بالطرف فإن لم يبق في أجفانه حراك فيمثل الأفعال في قلبه حتى إن خرس لسانه يجري القراءة على قلبه وذلك كله لقوله عليه الصلاة والسلام إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وقال أبو حنيفة إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة فروع ثلاثة الأول إذا وجد القاعد خفة في أثناء الفاتحة فليبادر إلى القيام وليترك القراءة في وقت النهوض قبل الاعتدال وإذا اعتدل فلا يلزمه استئناف الفاتحة ولو عجز في أثناء القيام قعد وعليه مداومة القراءة في حالة الانحناء إلى القعود لأنه أقرب إلى القيام وإن وجد خفة بعد الفاتحة لزمه القيام ليهوي إلى الركوع ولا تلزمه الطمأنينة بخلاف ما لو اعتدل عن الركوع وخف قبل الطمأنينة فإنه يلزمه الاعتدال والطمأنينة فيه فإن خف في الركوع قبل الطمأنينة وجب أن يرتفع منحنيا كذلك إلى حد الركوع إذ لو انتصب قائما ثم عاد إلى الركوع كان قد زاد ركوعا وإن خف بعد الطمأنينة فالظاهر أنه لا يجب الارتفاع راكعا لأنه تم الركوع قاعدا الثاني القادر على القعود ينتفل مضطجعا مومئا على أحد الوجهين وتشبيها للنفل في حق القادر بالفرض في حق العاجز ولا يسوغ ذلك في الوجه الثاني لأن ذلك يجر إلى تجويز الإيماء بالقلب وإنما احتمل ذلك لضرورة الفريضة فلا يحتمل في النفل بالقياس الثالث من به رمد وقال الأطباء إنه لو اضطجع أياما أفادت المعالجة ففيه خلاف وقد وقع ذلك لابن عباس فاستفتى عائشة وأبا هريرة رضي الله عنهما فلم يرخصا له لقدرته على القيام في الحال والأقيس جوازه فإنخطر العمى شديد وقد جوزنا القعود بأدني مرض يسلب الخشوع فليجوز الاضطجاع بما يقرب من حد الضرورة كما جوزنا للمريض التيمم عند خوفه على نفسه من شدة الضنى القول في القراءة والأذكار والنظر في الفاتحة وسوابقها ولواحقها أما السوابق فدعاء الاستفتاح عقيب التكبير وهو مشهور والتعوذ بعده من غير جهر إلا في قول قديم وأما استحباب التعوذ في كل ركعة فوجهان من حيث إن الصلاة في حكم شئ واحد ولكن كل ركعة كالمنقطع عما قبلها أما الفاتحة فالنظر في القادر والعاجز أما القادر فتلزمه أمر خمسة الأول أن أصل الفاتحة متعين على الإمام والمأموم في الصلاة السرية والجهريةإلا في ركعة المسبوق وقال أبو حنيفة تقوم ترجمتها وغيرها من السور مقامها وخالف قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقال لا تجب القراءة على المأموم أصلا وهو الذى نقله المزني ولكن في الصلاة الجهرية الثاني تجب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم إذ روى البخاري أنهصلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن آية منها ثم التسمية عندنا آية من أول كل سورة كتبت فيها ولكنها آية مستقلة أم هى مع أول السورة آية ففيهقولان وذكر الصيدلاني القولين في أنها هل هى من القرآن في أول كل سورة سوى الفاتحة والمشهور هو الأول الثالث كل حرف من الفاتحة ركن فلو ترك تشديدا فهو ترك حرف ولو أبدل حرفا بحرف لم يجز ولو أبدل الضاد بالظاء ففيه تردد لقرب المخرج عسر التمييز الرابع رعاية الترتيب فيها شرط فلو قرأ النصف الأخير أولا لم يجز لأن الترتيب ركن في الإعجاز فأما التشهد إذا قدم المؤخر منه ولم يغير المعنى فهو قريب من قوله عليكم السلام الخامس الموالاة شرط بين كلماتها فلو قطعها بسكوت طويل وجب الاستئناف إلا على وجه بعيد ذكره العراقيون ولو تخللها تسبيح يسير انقطع الولاء بخلاف ما لو كرر كلمة من نفس الفاتحة فإن ذلك لا يعد انتقالا إلى غيرها ولذلك لو قرأ الفاتحة مرات لم يضر بخلاف تكرير الركوع وفيه وجه ضعيف أنه كالركوع فرعان الأول لو قال الإمام { ولا الضالين } فقال المأموم { آمين } لا تنقطع به الفاتحة إذا كان في أثنائها وفيه وجه آخر أنه تنقطع والأول أظهر لأنه إذا جرى له سبب لم يعتد انتقالا وهذا الخلاف يجري فيما إذا سأل أو استعاذ الله عند قراءة الإمام آية رحمة أو عقاب أو سجد مع الإمام عنده قراءة الإمام آية سجدة فإن هذه الأسباب متقاضية الثاني لو ترك الموالاة ناسيا نقل العراقيون أنه لا يضر وللشافعيرضي الله عنه قول في القديم أنه لو ترك الفاتحة ناسيا لم يضر لأن النسيان عذر كالسبق ولكن ليس هذا تفريعا عليه إذ فرق بينه وبين ترك ترتيبه ناسيا ويتأيد ذلك بأنه لو طول ركنا قصيرا لم يضر وإن انقطعت به موالاة الأركان وأما العاجز وهو الأمي ففيه أربع مسائل الأولى أنه لا تجزيه ترجمته بل إن قدر فيأتي بسبع آيات من القرآن متوالية لا تنقص حروفها عن حروف الفاتحة فإن نقص الحروف دون عدد الآيات ففيه وجهان فإن عجز عن آيات متوالية فتجزئه آيات متفرقة فإن لم تكن آحادها مفهمة كقوله تعالى { ثم نظر } لم يبعد أن يرد إلى الأذكار فإن لم يحسن إلا آية واحدة فيأتي بها وتأتي الأذكار بدلا عن البقية وقيل إنه يكرر الآية سبعا فتكفيه فإن لم يحسن من القرآن شيئا فيأتي بتسبيح وتهليل كقوله سبحان الله والحمد لله وما فيه ثناء على الله ويراعي مساواة الحروف وفي الدعاء المحض اختلاف في أنه هل يقوم مقام التسبيح الثانية إذا لم يحسن النصف الأول من الفاتحة فيأتي أولا بالذكر بدلا منه ثم يأتي بما يحسن منها الثالثة إذا تعلم الفاتحة في أثناء الصلاة قبل قراءة البدل لزمته وإن كان بعد الركوع لم تلزمه وإن كان قبل الركوع وبعد الفراغ فوجهان ووجه الوجوب بقاء مظنة القراءة ولو كان في أثناء البدل لزمه ما بقي من البدل وفي لزوم الاستئناف خلاف والأصح أنه يجب الرابعة إذا قرأ الأمي دعاء الاستفتاح وقصد به بدل الفاتحة جاز وإن قصد به الاستفتاح لم تسقط به القراءة فعليه الإعادة ولو أطلق ففي سائر الأذكار تردد ذكره صاحب التقريب في أنه هل يشترط قصد البدلية واشتراطه في دعاء الاستفتاح أوجه لأن قرينة الحال تصرفه إلى الاستفتاح أما لواحق الفاتحة فشيئان الأول التأمين فهو مستحب عقيب الفراغ للمأموم والمنفرد وفيه لغتان القصر والمد والميم مخففة على اللغتين وهو صوت وضع لتحقيق الدعاءومعناه ليكن كذلك كقولهم صه للأمر بالسكوت ثم اختلف نص الشافعي رضي الله عنه في جهر الإمام به وقيل إن كان في القوم كثرة جهروا ليبلغ الصوت وإلا فلا وقيل فيه قولان أحدهما نعم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمن أمن من خلفه حتى كان للمسجد ضجة والثاني لا كسائر الأذكار وأما الضجة فهي هينمة حصلت من همس القوم عند كثرتهم وقيل إنه إن لم يجهر الإمام جهر المأموم وإن جهر الإمام ففي المأموم قولان ثم المستحب أن يؤمن مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لأنه يؤمن لقراءته لا لتأمينه وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا قال الإمام { ولا الضالين } فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينهتأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر الثاني السورة ويستحب قراءتها للإمام والمنفرد في ركعتي الفجر والأوليين من غيرهما وهل تستحب في الثالثة والرابعة قولان منصوصان الجديد أنها تستحب لقول أبي سعيد الخدري حزرنا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأوليين من الظهر فكانت قدر سبعين آية وحزرناها في الركعتين الأخريين فكان علىالنصف من ذلك والقول الثاني وعليه العمل أنه لا تستحب لأن مبناهما على التخفيف أما المأموم فلا يقرأ السورة في الجهرية بل يقرأ الفاتحة في سكتة الإمام بعد الفاتحة ثم يستمع السورة وإن لم يبلغه صوت الإمام فوجهان القياس أنه يقرأ لأنه كالمنفرد عند فوات السماع والثاني لا لقوله صلى الله عليه وسلم إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها القول في الركوع وأقله أن ينحني إلى أن تنال راحتاه ركبتيه لو مدهما بالانحناء لا بالانخناس ويطمئن بحيث ينفصل هويه عن ارتفاعه فلو زاد بالانحناء لم يحسب ذلك بدلا عن الطمأنينة ولا يجب عندنا ذكر في الركوع خلافا لأحمد لأن الركوع يخالف المعتاد بصورته لا كالقيام والقعود وأما في الأكمل فهيئته أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه كالصفيحة الواحدة وينصب ركبتيه ويضع كفيه عليهما ويترك الأصابع على جبلتها منشورة نحو القبلة ويتجافى عند ذلك مرفقاه عن جنبيه ولا يتجاوز فيالانحناء الاستواء وإذا ابتدأ الهوي وقال الله أكبر رافعا يديه عندنا خلافا لأبي حنيفة ثم للشافعي رضي الله عنه قولان أحدهما أن يمد التكبير إلى أن يستوي راكعا كيلا يخلو هويه عن الذكر والثاني الحذف حذارا عن التغيير بالمد وهو جار في تكبيرات الانتقالات كلها والذكر المشهور سبحان ربي العظيم وبحمده ثم إن كان إماما لم يزدعلى ثلاث وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت أنت ربي خشع سمعي وبصري ومخي وعظميوعصبي وما استقلت به قدمي لله رب العالمين القول في الاعتدال إذا رفع الرأس من الركوع رفع اليدين فيعدل قائما وقد انتهت يداه إلى منكبيه ثم يخفض يديه بعد الاعتدال وأقله الاعتدال والطمأنينة ويستحب أن يقول سمع الله لمن حمده عند الرفع ثم يقول ربنا لك الحمد يستوي في الإمام والمأموم والمنفرد وروي أنه عليه الصلاة والسلامقال ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شئ بعده أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد كلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد فإن كان في صلاة الصبحاستحب القنوت في الركعة الأخيرة خلافا لأبي حنيفة لما روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا ثم كلماته مشهورة وهي متعينة ككلمات التشهد ثم قال العراقيون إذا نزل بالمسلمين نازلة وأرادوا القنوت في الصلوات الخمس جاز وإن لم تنزل فقولان وقيل إن لم تنزل لم يجز وإن نزل فقولان وهو أقرب واختلفوا في الجهر به في الصلاة الجهرية والظاهر أن الجهر مشروع ثم إذا جهر الإمام أمن المأموم وإن لم يسمع صوته فيؤمن أو يقرأ فيه وجهانثم يستحب أن يرفع يديه ويمسح بهما وجهه في آخره القول في السجود والاعتدال عنه أما أقله فالكلام في الموضوع على الأرض وكيفية الوضع وهيئة الساجد أما الموضوع فالجبهة ولا يقوم غيرها مقامها ثم يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم وفي وضع اليدين والركبتين والقدمين قولان أحدهما يجب لقوله عليه الصلاة والسلام أمرت أن أسجد على سبعة آراب والثاني لا لأن السجود عبارة عن وضع الجبهة ففيه تمكين أعز الأعضاء من التراب فإن أوجبنا فلا يجب كشف القدمين والركبتين ويجب كشف الجبهة وفي اليدين قولان أحدهما يجب لقول خباب بن الأرت شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشكنا أي لم يزل شكوانا والثاني لا يجب لأن التواضع حصل بالوضع ثم لا يكفي في الوضع الإمساس مع إقلال الرأس بل لا بد وأن يرخي رأسه قالت عائشة رضي الله عنها رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجوده كالخرقة البالية ثم في كشفالجبهة يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم ولو سجد على طرفه أو على كور عمامته أو طرف كمه الذى يتحرك لم يجز أما هيئة الساجد وهو التنكس بحيث يكون أسافله أعلى من أعاليه فلو سجد على وسادة وكان رأسه مساويا لظهره فيه وجهان لفوات التنكس ولو كان به مرض يمنعه من التنكس فهل يجب عليه وضع وسادة ليضع الجبهة عليها فيها وجهان أظهرهما الوجوب لأن صورة السجود بالوضع لابالتنكس والطمأنينة أيضا واجبة في السجود أما الأكمل فليكن أول ما يقع على الأرض منه ركبتاه وقال أبو حنيفة بل يداه ثم يستحب أن يكبر عند الهوى ولا يرفع اليد ويقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات ويضع الأنف على الأرض مع الجبهة مكشوفا ويفرق ركبتيه ويجافي مرفقيه عن جنبيه بحيث يرى عفرة إبطيه ويقل بطنه عن فخذيه ويضع يديه منشورة الأصابع على موضعهما في رفع اليدين وأصابعهما مستطيلة في جهة القبلة مضمومة ولا يؤمر بضم الأصابع إلا هاهنا ونقل المزني أنه يضع أصابع رجليه بحيث تكون رءوسها في قبالة القبلة أما المرأة فتترك التخويه والتجافي في الركوع والسجود ثم يكبر عند الاعتدال ويجلس مفترشا بين السجدتين ويضع يديه قريبا من ركبتيه منشورة الأصابع ويقول اللهم اغفر لي واجبرني وعافني وارزقني واهدني ويطمئن في جلوسه ثم يسجد سجدة أخرى مثلها فإن كان يستعقب ذلك قياما فيجلس جلسة خفيفة للاستراحة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهض حتى يستوي قاعدا ثم يبتدئ التكبير بحيث ينتهي عند استوائه جالسا أو يستوي جالسا ثم ينهض مبكرا إلى القيام فيه خلاف ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في صلاته وضع يديه على الأرض كما يضعالعاجن فرع إذا خر الهاوي إلى السجود على وجهه اعتد به لأن الهوي غيرمقصود وإن خر على جنبه واستد على قصد السجود اعتد به وإن قصدالاستقامة وصرف فعله عن السجود فلا يعتد بسجوده لأنه غير نية الأصل وإن لم يخطر له أمر الصلاة وقصد الاستقامة غافلا فالنص أنه لا يعتد به كما لو صرفه عن السجود ذاكرا وفيه وجه مخرج يجري نظيره في اتباع الغريم في الطواف ثم إذا لم يعتد بسجوده فيكفيه أن يعتدل جالسا ثم يسجد ولا يلزمه القيام على الظاهر القول في التشهد والقعود أما القعود في التشهد الأول فمسنون على هيئة الافتراش وفي الأخير على هيئة التورك لأن الافتراش هيئة مستوفز للحركة حتى نقول المسبوق يفترش في التشهد الأخير للإمام ولو كان على الإمام سجود سهو هل يفترش فيه خلاف والافتراش أن يضجع الرجل اليسرى ويجلس عليها وينصب القدم اليمني ويضع أطراف الأصابع على الأرض والتورك أن يضجع رجله كذلك ثم يخرجها من جهة يمينه ويمكن وركه من الأرض ثم يضع اليد اليسرى على طرف الركبة منشورة مع التفريج المقتصد وأطراف الأصابع مسامية للركبة وأما اليد اليمنى فيضعها كذلك لكن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى ويرسل المسبحة وفي الإبهام أوجه قيل يرسلها أيضا وقيل يحلق الإبهام والوسطى وقيل يضمها إلى الوسطى المقبوضة كالقابض ثلاثة وعشرين ثم يرفع مسبحته عند قوله لا إله إلا الله مع الهمزة من قولهإلا الله وهل يحركها عند الرفع فيه وجهان فأما التشهد فواجب في الأخير خلافا لأبي حنيفة والصلاة على الرسول واجب معهوعلى الآل قولان والتشهد الأول مسنون وفي الصلاة على الرسول فيه قولان لأنه مبني على التخفيف فإن أوجبنا الصلاة على الآل في الأخير ففي كونها سنة في الأول قولان ثم أكمل التشهد مشهور وكلماته متعينة وأما الأقل فهو التحيات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وسلامعلينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأسقط العراقيون كلمة أشهد في الكرة الثانية وكان الشافعي رضي الله عنه جعل الأقل ما رآه متكررا في جميع الروايات وأما ابن سريج فإنه أوجز بالمعنى وقال التحيات لله سلام عليك أيها النبي سلام على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله ثم يقول بعد التشهد اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ثم يستحب بعده أن يقول كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ثم يستحب بعده الدعاء ويختصر إذا كان إماما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تمام للتشهد ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه والأولى أن يكون سؤاله لأمور الآخرة فرع العاجز عن التشهد يأتي بترجمته كتكبيرة التحرم والعاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال وتكبيرات الانتقالات وغيرها من الأذكار ففي الإتيان بترجمتها خلاف قيلبالمنع لأن العجمية مبطلة وترك الذكر ليس بمبطل والثاني يأتي بها كالتكبير والثالث ما يجبر تركه بسجود السهو يأتي بترجمته ومالا فلا القول في السلام لا يقوم مقام التسليم غيره من أضداد الصلاة عندنا خلافا لأبي حنيفة وأقله أن يقول السلام عليكم مرة واحدة وهل تشترط نية الخروج وجهان ولو قال سلام عليكم وجهان في إقامة التنوين مقام الألف واللام ولو قال عليكم السلام فطريقان كما سبق أما الأكمل فأن يقول السلام عليكم ورحمة الله والتسليمة الثانية تسن ونص في القديم على أنه لا تسن ونقل الربيع أنه إن كان إماما في جمع متعين يقتصر على تسليمة واحدة وإن كثر الجمع فتسليمتان ثم إن سلم واحدة فتلقاء وجهه وإن سلم تسليمتين فيلتفت حتى يرى خداه أي يرى من كل جانب خد واحد ثم ينوي بالسلام السلام على من على يمينه من الجن والإنس والملائكة وكذا من الجانب الآخر والمقتدون ينوون الرد عليه ولو أحدث في التسليمة الثانية لم تبطل الصلاة لأنها واقعة بعد الصلاة تابعة هذا تمام كيفية الصلاة خاتمة من فاته صلوات فلا ترتيب عليه في قضائها وقال أبو حنيفة يلزمه تقديم الأول فالأول إلا إذا زاد على صلاة يوم وليلة نعم رعاية الترتيب بين الفائتة والمؤداة عندنا مستحبة فيقدم الفائتة إن اتسع الوقت لهما وإلا قدم المؤداة وسبب التقديم أن لا يتساهل في القضاء بالتأخير ولو تذكر فائتة وهو في مؤداة أتم التي هو فيها ثم اشتغل بالقضاء الباب الخامس في شرائط الصلاة ونواقضها والشرائط ست الأول الطهارة عن الحدث فهو شرط في الابتداء والدوام حتى لوأحدث في الصلاة عمدا أو سهوا بطلت صلاته ولو سبقه الحدث بسبق بول أو مني أو مذي أو خروج ريح بطلت صلاته على الجديد وعلى القديم لا تبطل صلاته لما روي مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قال من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم ولأنه لو انحل إزاره عن عورته فرده على القرب أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفضها لم تبطل صلاته قولا واحدا ولو كان ذلك قصدا لبطل مع قصر الزمان وعلى هذا القول إذا طرأ ناقض بغير قصده ولا تقصيره فله التدارك بخلاف ما لو انقضت مدة المسح في أثناء الصلاة لأنه مقصر بابتداء الصلاة في آخر مدة المسحولا تخرق خفه فوجهان لأنه قد ينسب إلى تقصير لذهوله عن ضعف الخف والمتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لم تبطل صلاته لأن الصلاة مانعة من الاستعمال فانتفت القدرة ثم من سبقه الحدث يطلب الماء ويتوضأ ولا يتكلم ولا يحدث عمدا وبعد وضوئه لا يعود إلى مكانه الأول فإنه فعل مستغن عنه بل يبني على مكانه خلافا لأبي حنيفة ولو سبقه الحدث في الركوع قبل الطمأنينة فليعد إليه وإن كان بعدها فلا لأن سبق الحدث لا يبطل ما مضى ولو طير الريح الثوب وافتقر في الإعادة إلى فعل كثير خرج ذلك على قولي سبق الحدث الشرط الثاني طهارة الخبث والنظر في أطراف الأول فيما عفي عنه من النجاسات وهي أربعة الأولى الأثر على محل النجو بعد الاستجمار على الشرط المعلوم فلو حمل المصلى إنسانا قد استجمر ففيه وجهان أحدهما الجواز لأنه معفو عنه والأصح المنع لأنه معفو على محل نجو المصلي للحاجة ولا حاجة إلى الحمل ولو حمل طيرا لم تبطل صلاته لأن ما في البطنليس له حكم النجاسة قبل الخروج وما على منفذه لا مبالاة به ومنهم من قطع بالبطلان لأن منفذ نجاسته لا يخلو عن النجاسة وفي إلحاق البيضة المذرة بالحيوان تردد فإن النجاسة فيها أيضا مستترة خلقة فلا تفارقه إلا في الحياة ويطرد ذلك فيمن حمل عنقودا استحال باطن حباته خمرا وكذا في كل استتار خلقي ولا يجري في القارورة المصممة الرأس خلافا لابن أبي هريرة الثانية طين الشوارع المستيقن نجاسته يعفي عنه بقدر ما يتعذر الاحتراز عنه فإن انتهى إلى حد ينسب صاحبه إلى سقطة أو نكبة من دابة لم يعف عنه وكذا ماعلى أسفل الخف من نجاسة لا يخلو الطريق عن مثلها في حق من يصلي مع الخف الثالثة دم البراغيث معفو عنه إلا إذا كثر كثرة يندر وقوعه وربما يختلف ذلك باختلاف الأوقات والأماكن فإن الحاجة تختلف به والاجتهاد فيه إلى رأي المكلف فإن رآه مجاوزا لحد الحاجة فليغسل وإن رآه على حد الحاجة فليصل معه وإن تردد احتمل أن يقال الأصل العفو إلا فيما علم كثرته أو يقال الأصل المنع إلا فيما تحققت الحاجة إليه وطريق الاحتياط لا يخفى والميل إلى الرخصة أليق هاهنا بالفقه الرابعة دم البثرات وما ينفصل منها من قيح وصديد يعفى عنها للحاجة نقل عن ابن عمر أنه دلك بثرة على وجهه فخرج منها الدم وصلى ولم يغسل وإن أصابه من بدن غيره فوجهان أصحهما المنع لإمكان الاحتراز وأما لطخات الدماميل والقروح والفصد فما يدوم منها غالبا يلحق بدمالاستحاضة وما لا يدوم يلحق بدم الأجنبي لأن وقوعها نادر ومال صاحب التقريب إلى إلحقاها بدم البثرات وهو متجه النظر الثاني فيما يطهر عن النجاسة وهو ثلاثة الثوب والبدن والمكان أما الثوب فقد ذكرنا كيفية غسله فإن تيقن نجاسة أحد الثوبين اجتهد وقال المزني يصلي في الثوبين صلاتين وقال في الإنائين إنه يتيمم ولا يجتهد فروع ثلاثة الأول لو أصاب أحد كميه نجاسة وأشكل فأدى اجتهاده إلى أحدهما فغسله ففي صحة صلاته فيه وجهان ووجه المنع أنه استيقن نجاسة الثوب ولم يستيقن طهارته وكذا الخلاف لو وقع ذلك في ثوبين ولكن صلى فيهما جميعا الثاني لو غسل أحد الثوبين وصلى في الآخر من غير اجتهاد ففي صحة صلاتهوجهان ولو أشكل محل النجاسة فغسل نصفه ثم غسل النصف الثاني قال صاحب التلخيص لم يطهر لاحتمال أن تكون النجاسة على وسط الثوب فإذا غسل النصف الثاني فينعكس أثر النجاسة على النصف الأول لاتصاله به الثالث إذا ألقى طرف عمامته على نجاسة بطلت صلاته سواء كان ذلكالطرف يتحرك بحركته أو لا يتحرك ولو قبض على حبل أو طرف عمامة فإن كان يتحرك الملاقي للنجاسة بحركته بطلت صلاته وإلا فوجهان لأنه لا ينسب إليه لبسا بخلاف العمامة ولو شدعلى وسطه كان كما لو قبض على طرفه ولو كان تحت رجله فلا بأس لأنه ليس حاملا ولا متصلا ولو كان طرف الحبل على عنق كلب فهو كما إذا كان على نجاسة إن بعد منه وإن كان قريبا بحيث لو لم يتعلق بالكلب لكان هو حامله فوجهان مرتبان وأولى بالمنع ولو كان متعلقا بساجور في عنق الكلب فأولى بالجواز ولو كان في عنق حمار وعلى الحمار نجاسة فوجهان ويظهر هاهنا وجه الجواز المحل الثاني الذى يجب تطهيره عن النجاسة البدن وقد ذكرنا كيفية غسله وتتعلق به مسألتان الأولى إذا وصل عظما نجسا في محل كسر وجب نزعه فإن كان يخاف الهلاك فالمنصوص أنه يجب نزعه لأنا نسفك الدم في مقابلة ترك صلاة واحدة وهذا يبطل الصلاة عمره وفي قول مخرج أنه لا يحب لأن النجاسة تحتمل بالأعذار وخوف الهلاك عظيم ثم إنما ينقدح النص إذا كان متعديا في الابتداء بأن وجد عظما ظاهرا وإذا لم يستتر العظم باللحمفإن استتر بعد إيجاب النزع ثم قال الشافعي رضي الله عنه إذا مات قبل النزع فقد صار ميتا كله أي لا ينزع وهو إشارة إلى نجاسة الآدمي بالموت وقيل بوجوب النزع لأنا تعبدنا بغسله فهو كالحي أما من شرب الخمر وغسل فاه صحت صلاته لأن ما في الجوف لا حكم له المسألة الثانية في وصل الشعر وقد قال صلى الله عليه وسلم لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة الوشر تحديد أطراف السن والوشم نفر الأطراف بالحديدة وتسويدها وأما الوصل فإن كان الشعر نجسا فهو حرام وإن كان شعر آدمي فإن كان شعر امرأة أجنبية فيحرم لأن زوجها ينظر إليها وإن كان شعر رجل حرم عليها النظر فيه على قولنا بتحريم النظر إلى العضو المبان وإن كان شعربهيمة فإن لم تكن ذات زوج فهي متعرضة للتهمة فيحرم عليها وإن كانت ذات زوج يحرم للخداع ولقوله عليه الصلاة والسلام المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وإن كان بإذن الزوج فوجهان أحدهما المنع لعموم الحديث ولأن ذلك تصرف في الخلقة بالتغيير والثاني الجواز وهو القياس إذ لا معنى للتحريم إلا سبب التزوير ولا خلاف في جواز تجعيد الشعر وتصفيف الطرة وفي إلحاق تحمير الوجنة بوصل الشعر تردد للصيدلاني المحل الثالث المكان فينبغي أن يكون ما يماس بدنه طاهرا وهو موقع الأعضاء السبعة في السجود وكذا ما يماس ثوبه ولو كان على طرف البساط نجاسة فلا بأس ولو كان ما يحاذي صدره في السجود نجسا وكان لا يماسه فوجهان ووجه المنع أنه كالمنسوب إليه ولو بسط إزارا سخيفا على موضع نجس إن كانت المنافذ بحيث لا تمنع الملاقاة لم تصح الصلاة وفي مثله في الفرش على الحرير تردد فإن النظر فيه إلى غالب ما يلاقي وذلك يحل العتابي الذى قطنه غالب ومما يصل بمكان الصلاة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة أماكن المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وبطن الوادي والحمام وظهر الكعبة وأعطان الإبل وفي مسلح الحمام تردد بناء على أن العلة خوف رشاش النجاسة أو أنه بيت الشيطان فعلى العلة الأخيرة تكره وأما أعطان الإبل فليس المراد بها المرابض التى يكثر فيها البعر فإن ذلك موجود في مرابض الغنم من النجاسة ولا كراهة ولكن الإبل تزدحم على المنهل ذودا حتى إذا شربت استيقت فلا يؤمن نفارها وتفرقها في ذلك الموضع قال صلى الله عليه وسلم في الإبل إنها جن خلقت من جن أما ترى إذا نفرت كيف تشمخ بأنافها خاتمة من استصحب النجاسة عمدا بطلت صلاته فإن كان جاهلا ففي وجوب القضاء قولان ولو علم النجاسة ثم نسيها فقولان مرتبان وأولى بالإعادة منشأ القولين أن الطهارة عنها من قبيل الشرائط فلا يكون الجهل في تركها عذرا أو استصحابها من قبيل المناهي فلا يعد الناسي مخالفا والقول الجديد أنه من الشروط ومعتمد القديم ما روي أنه عليه الصلاة والسلام خلع نعله في أثناء الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال بعد الفراغ أخبرني جبريل أن على نعلك نجاسة الشرط الثالث ستر العورة وهو واجب في غير الصلاة وفي وجوبه في الخلوة تستر عن أعين الملائكة والجن تردد ولكن في غير وقت الحاجة وأما المصلي في خلوة فيلزمه التستر والنظر في العورة والساتر وأما العورة من الرجل فما بين السرة والركبة ولا تدخل السرة والركبة فيه على الصحيح وأما الحرة فجميع بدنها عورة في حق الصلاة إلا الوجه واليدين إلى الكوعين الظهر والكف وظهر القدم عورة وفي إخمصيها وجهان أما الأمة فما يبدو منها في حالة المهنة كالرأس والرقبة وأطراف الساق والساعد فليس بعورة وما هو عورة من الرجل عورة منها وفيما بين ذلك وجهان أما الساتر فهو كل ما يحول بين الناظر ولون البشرة فلا يكفي الثوب السخيف الحاكي للون البشرة ولا الماء الصافي والزجاج ويكفي الماء الكدر والطين ولو لم يجد ثوبا فهل يكلف التطيين فعلى وجهين فروع أربعة الأول إذا كان القميص متسع الذيل ولا سراويل صحت الصلاة فإنما يجب التستر من الفوق ومن الجوانب ولو لم يكن مزرورا بحيث لو ركع انكشفت عورته لم تصح صلاته فإن كان كثافة لحيته تمنع من الرؤية فوجهان ووجه المنع أن الساتر ينبغي أن يكون غير المستتر ويجري الخلاف فيما لو وضع اليد على ثقبة في إزاره الثاني إذا بدا من عورته قدر يسير بطلت صلاته وقال أبو حنيفة لا تبطل ما لم يظهر من العورة الكبرى مثل درهم ومن الصغرى الربع فلو وجد خرقة لا تفي إلا بإحدى السوأتين قيل يستر القبل فإن السوأة الأخرى مستترة بانضمام الأليتين وقيل يستر الدبر لأنه أفحش في السجود والأولى التخيير ولا ينبغي أن يترك السوأة ويستر الفخد فإن الفخد تابع في حكم العورة كالحريم له الثالث في عقد جماعة العراة قولان أحدهما أنها سنة ثم يغضون البصر ويقف الإمام وسط الصف كإمام النساء والثاني أن تركها أولى احتياطا للعورة الرابع لو عتقت الأمة في أثناء الصلاة وكان الخمار بالقرب تسترت واستمرت وإن كان بعيدا فعلى قولي سبق الحدث فإن فرعنا على القدم فمكثت حتى أتي بالخمار في مثل تلك المدة التى كانت تمشي إليه فيحتمل أن يقال هذا أولي لترك الأفعال ويحتمل أن يقال التشاغل بالتدارك أولى من التعطل الشرط الرابع ترك الكلام فكلام العامد مبطل للصلاة وإن قل فإن كان مفهما فالحرف الواحد مبطلكقوله ق و ع من وقى و عى وإن كان غير مفهم فلا يبطل إلا بتوالي حرفين ولا تبطل بصوت غفل من غير حرف وهل تبطل بحرف واحد بعدها مدة فيه تردد وفي التنحنح ثلاثة أوجه أحدها أنه يبطل صلاته إلا إذا كان مغلوبا أو امتنعت القراءة عليه فتنحنح وعلى هذا إن تنحنح لأجل امتناع الجهر فوجهان الثاني نقله ابن أبي هريرة عن الشافعي رضي الله عنه أن التنحنح لا يبطل أصلا لأنه ليس من جنس الكلام الثالث قال القفال لو كان مطبقا شفتيه لا يبطل لأنه لا يكون على هيئة الحروف وإن كان فاتحا فاه بطل والأول هو الأصح هذا في غير المعذور أما أعذار الكلام فخمسة الأول أن يتكلم لمصلحة الصلاة فتبطل صلاته خلافا لمالك ويدل عليه أمر التنبيه على سهو الإمام بالتسبيح والتصفيق مع أن تنبيهه من مصلحة الصلاة الثاني النسيان وهو عذر في قليل الكلام لحديث ذي اليدين خلافا لأبي حنيفة وفي كثرة وجهان وتعليل وجه البطلان لمعنيين أحدهما انخرام نظم الصلاة والثاني وقوع ذلك نادرا وعلى الأخير يبطل الصوم بالأكل الكثير الثالث الجهل بتحريم الكلام عذر في حق قريب العهد بالإسلام لأحاديث وردت فيه وليس عذرا في حق غيره والجهل بكون الكلام مبطلا مع العلم بالتحريم لا يكون عذرا والجهل بكون التنحنح مبطلا أو ما يجري مجراه فيه تردد والأصح أنه عذر الرابع لو التفت لسانه بكلمة بدرت منه فهذا عذر وأبو حنيفة يوافق ذلك لأنه لا يزيد على سبق الحدث الخامس لو أكره على الكلام في الصلاة ففي بطلانها قولان كما لو أكره علىالأكل في الصوم فرعان الأول إذا قال وقد استأذن جمع على بابه { ادخلوها بسلام آمنين } إن قصد القراءة لم تبطل صلاته وإن قصد الخطاب المجرد بطل وإن قصدهما جميعا لم تبطل عندنا خلافا لأبي حنيفة الثاني السكوت الطويل ذكر القفال فيه وجهين أصحهما أنه لا يبطل لأنه ليس يخرم نظم الصلاة والثاني أنه يبطل لأنه يقطع الولاء بين أفعال الصلاة وعلى هذا لو كان ناسيا فطريقان أحدهما أنه على الوجهين في الكلام الكثير والثاني أنه كالكلام القليل وهو الأصح النظر الخامس ترك الأفعال الكثيرة فلو مشى ثلاث خطوات بطلت صلاته وكذا إذا ضرب ثلاث ضربات وأما الفعل القليل فإن كان من جنس الصلاة كركوع أو قيام فهو مبطل وإن لم يكن من جنسها فلا لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ أذن ابن عباس وأداره من يساره إلى يمينه وأدرك أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع فركع ثم خطا خطوة واتصلبالصف فقال عليه الصلاة والسلام زادك الله حرصا ولا تعد وقال عليه الصلاة والسلام إذا مر المار بين يدي أحدكم فليدفعه فإن أبى فليدفعه فإن أبي فليقاتله فإنه شيطان فدل على جواز الفعل القليل وهذا الدفع ليسبواجب والمرور ليس بمحظور ولكنه مكروه وإنما المبالغة لتأكيد الكراهة وليكن للمصلي حريم يمنع المار بأن يستقبل جدارا أو سارية أو يبسط مصلى أو ينصب خشبة بعيدة منه بقدر ما بين الصفين فتكون العلامة مانعة من المرور ولو خط في الأرض خطا مال في القديم إلى الاكتفاء به وكتب ذلك فيالجديد ثم خط عليه فلو قصر المصلي وترك العلامة فهل له منع المار فعلى وجهين يلتفت في أحدهما إلى التقصير وفي الثاني إلى عموم الخبر ومهما لم يجد المار سبيلا سواه فلا يدفع الحال فإن قيل ما حد الفعل القليل قلنا غاية ما قيل فيه إنه الذى لا يعتقد الناظر إلى فاعله أنه معرض عن الصلاة وهذا لا يفيد تحديدا فقد تردد القفال فيتحريك الإصبع على التوالي في حساب أو إدارة مسبحة أو في حكة وأصناف الأفعال كثيرة فليعول المكلف فيه على اجتهاده ولو قرأ القرآن من المصحف وهو يقلب الأوراق أحيانا لم يضره وقال أبو حنيفة إن لم يحفظ القرآن على ظهر قلبه لم يجز الشرط السادس ترك الأكل وهو مبطل قل أو كثر لأنه يعد إعراضا عن الصلاة ولو كان يمتص سكرة من غير مضغ فوجهان منشأ الخلاف أن الواجب هو الإمساك أو ترك فعل الأكل خاتمة شرط المكث في المسجد عدم الجنابة فيجوز للمحدث المكث وللجنب العبور ولا يلزمه في العبور انتحاء أقرب الطرق وليس له التردد في حافات المسجد من غير غرض وليس للحائض العبور عند خوف التلويث وكذا من به جراحة نضاخة بالدم فإن أمنت التلويث فوجهان لغلط حكم الحيض والكافر يدخل المسجد بإذن آحاد المسلمين ولا يدخل بغير إذن على أظهر الوجهين فإن كان جنبا فهل يمنع من المكث فعلى وجهين أحدهما نعم كالمسلم والثاني لا لأنهم لا يؤاخذون بتفصيل شرعنا الباب السادس في أحكام السجدات وهي ثلاثة الأولى سجدة السهو وهي سنة عندنا وعند أبي حنيفة واجبة والنظر في مقتضيه ومحله الأول المقتضي وهو قسمان ترك مأمور وارتكاب منهي أما المأمورات فالأركان لا تجبر بالسجود بل لا بد من التدارك وإنما يتعلق السجود من جملة السنن بما يؤدي تركه إلى تغيير شعار ظاهر خاص بالصلاة وهي أربعة التشهد الأول والجلوس فيه والقنوت في صلاة الصبح والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول وعلى الآل في التشهد الثاني إن رأيناهما سنتين ولا يتعلق السجود بترك السورة ولا بترك الجهر وسائر السنن ولا بترك تكبيرات صلاة العيد وإن كان شعارا ظاهرا ولكنه ليس خاصا في الصلاة بل يشرع في الخطبة وغيرها في أيام العيد وعلق أبو حنيفة بالسورة وتكبيرات العيد وترك الجهر فرع لو تعمد ترك هذه الأبعاض ففي السجود وجهان أحدهما أنه يسجد لأنه أحوج إلى الجبر من الساهي والثاني لا لأنه يجبر مع العذر والعامد غير معذور أما المنهيات فما يبطل الصلاة عمده يتعلق السجود بسهوه وما لا فلا ومواضع السهو ستة نوردها على ترتيب الصلاة الأول إذا نقل ركنا إلى غير محله كما لو قرأ الفاتحة أو التشهد في الاعتدال من الركوع فقد جمع بين النقل وتطويل ركن قصير فالظاهر أنه يبطل عمده ويقتضي السجود سهوه وفيه وجه بعيد أنه لا يبطل فأما إذا وجد النقل إلى ركن طويل أو تطويل القصير بغير نقل ففي البطلان وجهان أحدهما نعم كنقل الركوع والسجود والثاني لا لأن القراءة كالجنس الواحد وعلى هذا هل يسجد بسهوه فوجهان وجه قولنا يسجد أنه تغيير ظاهر وكما لا يبعد أن يناط السجود بترك ما ليس بواجب من السنن لا يبعد أن يناط بترك ما ليس بمبطل من المنهيات وهذا استثناء عن الضبط الذى ذكرناه في المنهيات ولو نقل القراءة إلى القعود بين السجدتين فالمشهور وهو اختيار ابن سريج أنه ركن طويل كالقعود للتشهد وقال الشيخ أبو علي لا يبعد تشبيه بالاعتدال عن الركوع لأن المقصود الظاهر منه الفصل بين السجدتين الموضع الثاني إذا نسي الترتيب فما جاء به قبل أوانه غير معتد به وكأنه ارتكب منهيا سهوا ولو ترك سجدة من الأولى وقام إلى الثانية فلا يعتد من سجدتيه في الثانية إلا بواحدة يتم بها الركعة الأولى ولو ترك أربع سجدات من أربع ركعات كذلك فلم يحصل له إلا ركعتان إذ حصل من كل ركعتين ركعة فيصلي ركعتين ويسجد للسهو وقال أبو حنيفة يكفيه أن يقضي أربع سجدات في آخر صلاته ولو ترك ثماني سجدات لم يجوز القضاء جميعا بل قال ما لم تتقيد الركعة بسجدة واحدة لم يعتد بها فرعان الأول لو ترك سجدة من الأولى وثنتين من الثانية وواحدة من الرابعة فقد حصل له من الثلاثة الأولى ركعة تامة حصلت الركعة الأخيرة بلا سجدة فليسجد ثانية وليصل ركعتين وإن نسي أربع سجدات ولم يدر من أين تركها فليسجد سجدة وليصل ركعتين أخذ بهذا التقدير الذى هو أسوأ التقديرات الثاني إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة فليجلس للسجود فإن كان قد جلس بين السجدتين على قصد الفرض لم يلزمه إلا السجود وإن كان جلس علىقصد الاستراحة فيبنى على الخلاف في أن الفرض هل يتأدى بنية النفل وإن لم يكن جلس بعد السجدة الأولى فالأظهر أنه يجلس مطمئنا ثم يسجد وفيه وجه أن الفصل بين السجدتين قد حصل بالقيام فيغنيه ذلك عن الجلوس الموضع الثالث إذا قام قبل التشهد الأول ناسيا فإن انتصب لم يعد لأنه لابس فرضا فإن عاد مع العلم بطلت صلاته وإن ظن الجواز لم تبطل لكن يسجد للسهو ولو كان مأموما وقد قعد الإمام وقام المأموم إلى الركعة الثالثة فهل يرجع فعلى وجهين أحدهما نعم لأن القدوة أيضا واجبة والثاني لا لأن سبق الإمام بركن واحد لا يبطل الصلاة ولا خلاف أنه لو قام عمدا لم تبطل صلاته ولم يجز له الرجوع إلى موافقة الإمام كما لو رفعرأسه قبل الإمام قصدا ورجع إلى السجود مع العلم بطلت صلاته وإن ظن أن الإمام رافع رأسه فرفع ففي جواز العود وجهان أما إذا تذكر ترك السجود قبل الانتصاب فيرجع ثم يسجد للسهو إن كان قد انتهى إلى حد الراكعين لأنه زاد ركوعا وإن كان دون حد الركوع فلا يسجدوإن ارتفع غير منحن وصار أقرب إلى القيام منه إلى القعود رجع وفي السجود نظر قال الصيدلاني يسجد لأنه فعل كثير من جنس الصلاة ويحتمل أن يقال إن الخطوتين تزيد عليه فلا تبطل الصلاة بعمده بخلاف الانتصاب والركوع فإنهما من جنس واجبات الصلاة الموضع الرابع إذا جلس عن قيام الركعة الأخيرة للتشهد قبل السجود فإذا تذكر بعد التشهد تدارك السجود وأعاد التشهد وسجد للسهو لأنه زاد قعودا طويلا في غير وقته ولو ترك السجدة الثانية فتشهد ثم تذكر تداركها وأعاد التشهد ولا يسجد لأن الجلوس بين السجدتين ركن طويل إلا إذا قلنا إنه قصير أو قلنا مجرد نقل الركن يبطل فأما إذا جلس عن قيام ولم يتشهد فإن طول سجد للسهو وإن كان خفيفا فلا لأن جلسة الاستراحة معهودة في الصلاة وهذا يساويها وإن لم يكن في محله بخلاف الركوع والسجود الموضع الخامس إذا تشهد في الأخيرة وقام إلى الخامسة ناسيا لم تبطلصلاته وإن كثرت أفعاله الزائدة لأنه من جنس الصلاة فلا تضر مع النسيان ولكن إذا عاد فالقياس أنه لا يعيد التشهد بل يسجد للسهو ويسلم ولكن ظاهر النص أنه يتشهد وعلل ابن سريج بعلتين إحداهما رعاية الولاء بين التشهد والسلام والثانية أن لا يبقى السلام منفردا غير متصل بركن من أحد الجانبين والمعنيان ضعيفان وفرع على المعنيين ما إذا هوى إلى السجود قبل الركوع فإن حاذرنا بقاء السلام فردا فيكفيه أن يرتفع إلى حد الراكعين وإن راعينا الولاء فينبغي أن يقوم ويركع عن القيام ليتصل الركوع بقيام يعتد به الموضع السادس إذا شك في أثناء الصلاة في عدد الركعات أخذنا بالأقل وسجد للسهو لاحتمال الزيادة ولو سلم ثم شك ففيه ثلاثة أقوالأحدها أن ذلك محطوط عنه لأن الشك يكثر بعد الفراغ فلا سبيل إلى تتبعه والثاني أنه كالشك في الصلاة فإن الأصل أنه لم يفعل فإن قرب الزمان قام إلى التدارك وسجد للسهو لأنه سلم في غير محله وإن طال الزمان فلا وجه إلا القضاء والاستئناف والقول الثالث وهو من تصرف الأصحاب أنه إذا شك بعد تطاول الزمان فلا يعتبر لأن من تفكر في صلاة أمسه فيتشكك فيها وغن قرب الزمان يعتبر وليس من الشك أن لا يتذكر كيفية صلاته السابقة بل الشك أن يتعارض اعتقادان على التناقض بأسباب حاضرة في الذكر توجب تناقض الاعتقاد قواعد أربعة الأولى من شك في السهو فإن كان شكه في ترك مأمور سجد للسهو إذ الأصل أنه لم يفعله وإن شك في ارتكاب منهي لم يسجد لأن الأصل أنه لميرتكب ولو علم السهو وشك في أنه هل سجد له أم لا فالأصل أنه لم يسجد ولو سجد للسهو فلم يدر أسجد سجدتين أم واحدة أخذ بالأقل لأن الأصل عدمها فيسجد سجدة أخرى ثم لا يسجد لهذا السهو لأنه يجبر نفسه وغيره والأخذ باليقين مطرد إلا في مسألة وهي من شك أصلى ثلاثا أو أربعا أخذ بالأقل وسجد لورود الحديث وإن كان الأصل أنه لم يزد قال الشيخأبو علي سبب السجود أنه إن لم يزد فقد أدى الرابعة مع تجويز أنها خامسة فتطرق إليه نقص حتى لو تيقن قبل السلام أنها رابعة سجدا أيضا لوجود التردد في نفس الركعة وأنكر الشيخ أبو محمد تعليله وتفريعه وقال لا يسجد إذا زال التردد قبل السلام الثانية إذا تكرر السهو لم يتكرر السجود بل يكفي لجميع أنواع السهو سجدتان وقال ابن أبي ليلى لكل سهو سجدتان وهو لفظ الخبر لكن معناه تعميم السجود على أنواع السهو كما يقال لكل ذنب توبة فلا يتكرر سجود السهو إلا إذا أداه في غير محله كما إذا سجد في صلاة الجمعة ثم بان لهم أن الوقت خارج تمموها ظهرا وأعادوا السجود وكذا المسافر إذا قصر وسجد فتبين له انتهاء السفينة إلى دار الإقامة أتم وأعاد السجود وكذا المسبوق إذا سجد لسهو الإماممتابعة أعاد في آخر صلاة نفسه على رأي فرع لو ظن سهوا فسجد ثم تبين أنه لم يكن سهو فقد زاد إذا سجدتين قال بعض المحققين يسجد الآن لزيادة السجدتين قال الشيخ أبو محمد ذلك السجود سجود سهو من وجه وجبر لنفسه من وجه كالشاة من الأربعين فإنها تزكي نفسها وبقية النصاب الثالثة إذا سها المأموم لم يسجد بل الإمام يتحمل عنه كما يتحمل عنه سجود التلاوة ودعاء القنوت والجهر في الجهرية والقراءة واللبث في القيام من المسبوق وكذا التشهد الأول عن المسبوق بركعة واحدة فإن ثانيته ثالثة الإمام ولا يقعد فيها نعم لو سلم الإمام وسلم المسبوق ناسيا قام إلى التدارك وسجد لسهوه بالسلام بعد مفارقة الإمام فرع لو سمع صوتا فظن أن الإمام سلم فقام ليتدارك ثم عاد إلى الجلوس والإمام بعد في الصلاة فكل ما جاء به سهو لا يعتد به ولا يسجد لأن القدوة مطردة فإذا سلم الإمام فليتدارك الآن وإن تذكر في القيام أن الإمام لم يتخلل فليرجعإلى القعود أو لينتظر قائما سلامه ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة الرابعة إذا سها الإمام سجد وسجد المأموم لمتابعته فلو ترك قصدا بطلت صلاته لمخالفته ولو ترك الإمام السجود فظاهر النص أن المأموم يسجد ثم يسلم لأن سجوده لسهو الإمام ولمتابعته جميعا ومذهب البويطي والمزني وطائفة من الأصحاب أنه لا يسجد لأنه يسجد لمتابعة الإمام فرع إذا سهى الإمام بعد اقتداء المسبوق سجد ويسجد المأموم معه للمتابعة وإن لم يكن آخر صلاته هذا هو الظاهر وهل يعيد في آخر صلاته فيه قولان يلتفتان على أنه يسجد للسهو أو لمتابعته وإن لم يسجد الإمام فظاهر النص أنه يسجد في آخر صلاة نفسه وإن كان الإمام سهى قبل اقتدائه فهل يلحقه حكمه كما بعد الاقتداء ظاهر المذهب أنه يلحقه النظر الثاني في محل السجود وكيفيته وظاهر النص الجديد أنه يسجد سجدتين بعد التشهد قبل السلام وقال مالك إن كان السهو نقصانا فهو قبل السلام وإن كان زيادة فبعده وقال أبو حنيفة يسجد بعد السلام ومذهب مالك قول قديم والتخيير بين التقديم والتأخير قول ثالث ومستند الأقوال تعارض الأخبار ولكن كان آخر سجود الرسول صلى الله عليه وسلم قبل السلام فكأنه ناسخ لغيره ثم هذا الاختلاف في الولى أو الوجوب فيه وجهان فإن فرعنا على أنه قبل السلام فلو سلم عامدا قبل السجود فقد فوت على نفسه وإن سلم ناسيا وتذكر على القرب فهل يسجد فيه وجهان أحدهما لا لأنه مسنون والسلام ركن جرى محللا والثاني نعم وكأن السلام موقوف فإن عن له السجود بان أنه لم يتحلل حتى لو أحدث في السجود بطلت صلاته وإن عن له أن لا يسجد بان أنه كان محللا لو طال الزمان ثم تذكر تبين أنه كان محللا إذ تعذر التدارك وإن فرعنا على أنه بعد السلام فهل يفوت بطول الفصل وجهان أصحهما أنه يفوت لأنه من التوابع كالتسليمة الثانية والثاني لا لأنه جبران فيضاهي جبرانات الحج السجد الثانية سجدة التلاوة وهي سنة مؤكدة وقال أبو حنيفة إنها واجبة ومواضعها في القرآن أربع عشرة آية وليس في صورة ص سجدة خلافا لأبي حنيفة وفي الحج سجدتان وقال صلى الله عليه وسلم من لم يسجدهما لم يقرأهما وقال أبو حنيفة فيها سجدة واحدة وأثبت ابن سريج سجدة ص والقول القديم أن السجدات إحدى عشرة إذ روى ابن عباس رضي الله عنه أنه ما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المفصل بعد ما هاجر ولكن روى الشافعي رضي الله عنه بإسناده في الجديد أنه عليه الصلاة والسلام سجد في سورة { إذا السماء انشقت } قد رواه أبو هريرة وقد أسلم بعد الهجرة بسنتين ثم هذه السجدات مشروعة في حق القارئ والمستمع أيضا إذا كان متطهرا فإن لم يسجد القارئ لم يتأكد الاستحباب في حق المستمع وهذا في غير الصلاة أما في الصلاة فلا يسجد المأموم إلا لقراءة إمامه إذا سجد متابعة له ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الإمام ومن قرأ آية من مجلس واحد مرتين فهل تشرع السجدة الثانية له فيه وجهان فإن قيل وما كيفية هذه السجدة قلنا هى سجدة واحدة تفتقر إلى شرائط الصلاة كالاستقبال والطهارة والستر وفي أقلها ثلاثة أوجه الأصح أنها سجدة فردة يستحب أن يكبر عند الهوى إلى الأرض وقيل لا يستحب وهو بعيد والثاني أنه لا بد من التحرم بالتكبير والنية وسجدة وسلام وفي التشهد وجهان فإن قلنا لا يجب ففي استحباب التشهد وجهان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجود التلاوة يقول سجد وجهي للذى خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته وروي أنه قال اللهم اكتب لي عندك بها أجرا واجعلها لي عندك ذخرا واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود الثالث أن التحرم لا بد منه أما السلام فلا هذا في غير الصلاة أما المصلي فيكفيه سجدة واحدة ويستحب في حقه تكبير الهوي ولا يستحب رفع اليد وفي غير الصلاة قال العراقيون يستحب رفع اليد لأنه تكبيرة التحرم فرع إذا كان محدثا في حال التلاوة أو كان متطهرا وترك السجود حتى طال الفصل ففي قضائها قولان كما في النوافل ذكرهما صاحب التقريب وقال ما لا يتقرب به ابتداء لا يقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء وهذا إشارة إلى أن المتقرب بسجدة من غير سبب جائز وكان الشيخ أو محمد شدد النكير على فاعل ذلك وهو الصحيح فعلى هذا يبعد القضاء السجدة الثالثة سجدة الشكر وهي مسنونة عند مفاجأة الإنسان نعمة أو دفع بلية ولا يستحب لاستمرار نعمة ولو بشر بولد في صلاته فسجد بطلت صلاته بخلاف التلاوة فإن لها تعلقا بالصلاة ثم إن رأى فاسقا وسجد شكرا على دفع المعصية فليظهره فلعله يرعوي وإن رأى مبتلى فلا يظهره كي لا يتأذى به فرع سجود التلاوة في أثناء الصلاة يؤدى على الراحلة فأما في غير الصلاة فهل يؤدى على الراحلة فيه خلاف كما في صلاة الجنازة لأن أظهر أركانه تمكين الجبهة من الأرض وينمحي بالإيماء وكذا الخلاف في سجود الشكر الباب السابع في صلاة التطوع وفيه فصلان الأول في السنن الرواتب تبعا للفرائض وهو إحدى عشرة ركعة ركعتان قبل الصبح وركعتان قبل الظهر وركعتان بعده وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء والوتر ركعة وزاد آخرون ركعتين أخريين قبل الظهر وزاد بعضهم أربع ركعات قبل العصر فيصير العدد سبع عشرة على وفق عدد الفرائض ولم يواظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سنة قبل العصر حسب مواظبته على ركعتين قبل الظهر واستحب بعض الأصحاب ركعتين قبل المغرب أما الوتر فسنة وقال أبو حنيفة واجب وأحكامه خمسة الأول أنه عليه الصلاة والسلام أوتر بواحدة وثلاث وخمس وكذا بالأوتار إلى إحدى عشرة والنقل متردد في ثلاث عشرة فلو زاد على هذا العدد ففي صحة إيتارهوجهان وجه المنع أن هذه سنة مؤكدة فيتبع في حدها التوقيف كركعتي الصبح ووجه الجواز أن اختلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على فتح الباب الثاني إذا زاد على الواحدة ففي التشهد وجهان أحدهما أنه يتشهد تشهدين في الأخيرتين والثاني أنه يتشهد في الأخيرة تشهدا واحدا كيلا يشتبه بالمغرب إن كان ثلاثا وكل ذلك منقول والكلام في الأولى نعم لو تشهد في كل ركعة فهذا لم ينقل الثالث الأفضل في عدد الركعات ماذا فيه أربعة أوجه أحدهما أنه ثلاثة موصولة أفضل فإن الركعة المفردة ليست صلاة عند قوم فليحترز عن شبهة الخلاف الثاني أن ركعة فردة أولى من ثلاثة موصولة بل من إحدى عشرة موصولة لأنه صح مواظبته على الفردة في آخر التهجد الثالث أن ثلاثة مفصولة بسلامين أفضل من ثلاثة موصولة ولكن الواحدة ليست أفضل من ثلاثة موصولة الرابع أن الإمام تستحب في حقه الموصولة لاختلاف اعتقاد المقتدين به حتى تصح صلاته في كل مذهب الحكم الرابع حق الوتر أن يكون موترا لما قبله فلو أوتر بواحدة قبل الفرض لم يصح وتره على المذهب ولو أوتر بواحدة بعد الفرض فوجهان ووجه المنع أن الموتر هو النفل وكأنه مقدمة مشروطة لصحة الوتر فإن وصل بهما تسليمة واحدة نوى بالكل الوتر وإن لم يصل نوى سنة ثم يصير وترا بما بعدها وليكن الوتر آخر صلوات المتهجد كان عمر رضي الله عنه لا يوتر وينام ثم يقوم ويصلي ويوتر وكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر ثم ينام ويقوم ويتهجدووتره سابق فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا أخذ بالحزم عنى به أبا بكر وهذا أخذ بالقوة عنى به عمر وكان ابن عمر يوتر ثم إذا انتبه صلى ركعة وجعل وتره شفعا ويتهجد ثم أعاد الوتر وسمى ذلك نقض الوتر واختار الشافعي فعل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه الخامس القنوت مستحب في الوتر في النصف الأخير من رمضان بعد رفع الرأس من الركوع وقال أبو حنيفة يقنت قبل الركوع في الوتر جميع السنة وقال مالك بعد الركوع في جميع شهر رمضان وفي الجهر بالقنوت خلاف والعادة قراءة { سبح اسم ربك الأعلى } و { قل يا أيها الكافرون } في الأوليين وقراءة سورة الإخلاص والمعوذتين في الأخيرة وقيل إن عائشة رضي الله عنها روت ذلك الفصل الثاني في غير الرواتب وهى تنقسم إلى ما يشرع فيه الجماعة كالعيدين والخسوفين والاستسقاء وهي أفضل مما لا جماعة فيه وأفضلها العيدان لتأقيتهما ثم الخسوفان أما الرواتب فأفضلها الوتر وركعتا الفجر وفيهما قولان أحدهما أن الوتر أفضل لأنه عليه الصلاة والسلام قال وإن زادكم صلاة هى خير لكم من حمر النعم والثاني ركعتا الفجر أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها فأما ما عدا الرواتب مما لا تشرع الجماعة فيها كصلاة الضحى وتحية المسجد وركعتي الطواف وسائر التطوعات التى لا سبب لها وفي التراويح ثلاثة أوجه أحدهما أن الجماعة أولى تأسيا بعمر رضي الله عنه والثاني الانفراد أولى لأن الأستخلاء بصلاة الليل أبعد من الرياء والثالث أنه إن كان لا يخاف الكسل ويحفظ القرآن فالانفراد أولى وإلا فالجماعة وقد قال صلى الله عليه وسلم فضل تطوع الرجل في بيته على تطوعه في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في بيته وروي أنه قال صلاة فيمسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي وأفضل من ذلك كل رجل يصلي في زاوية بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله قواعد ثلاثة الأولى التطوعات التى لا سبب لها لا حصر لركعاتها فإن تحرم بركعة جاز له أن يتمها مائة بتسليمة واحدة إن تحرم بمائة جاز له أن يقتصر على واحدة فما فوقها وله أن يتشهد بين كل ركعتين أو في كل ركعة أو في آخر الصلاة فقط والأولى من التطوعات مثنى مثنى على نهج الرواتب الثانية في قضاء النوافل ثلاثة أقوال أحدهما أنها تقضى قياسا على الفرائض والثاني لا والأصل أن القضاء يجب بأمر مجدد فأما الفرائض فإنها ديون لازمة والثالث ما تأقت بوقت ولم يتبع فريضة كصلاة العيد والضحى يقضى والتوابع لا تقضى فإن فرعنا على القضاء فالصحيح أنه يقضى أبدا وقيل إن فائت النهار يقضى بالنهار وفائت الليل بالليل ولا يتجاوز ذلك وقيل تقضى نافلة كل صلاة ما لم يدخل وقت فريضة أخرى أما ركعتا الصبح فتؤدى بعد فعل الصبح ولا يكون قضاء فإن تقديمه أدب الثالثة يؤدي النافلة قاعدا مع القدرة على القيام وفي الاضطجاع خلاف ولو قال لله علي أن أقوم في كل نافلة لم يلزمه كما لو التزم الإتمام والصوم في السفر فإن هذا تغيير الشرع فخلاف ما لو قال لله علي أن أصلي أربع ركعات قائما فإن ذلك يلزمه ولو لم يقل قائما وقلنا النذر ينزل على واجب الشرع لا على جائزه يلزمه كتاب الصلاة بالجماعة وحكم القدوة والإمامة وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في فضل الجماعة الباب الثاني في صفات الأئمة الباب الثالث في القدوة الباب الأول في فضل الجماعة وهى مستحبة غير واجبة إلا في صلاة الجمعة وهي واجبة عند داود وأحمد وقال بعض أصحابنا هى فرض على الكفاية وفيها خمس مسائل الأولى الجماعة في الجمع الكثير أفضل إلا إذا تعطل في جواره مسجد فإحياؤه ولو بجمع قليل أفضل الثانية تحوز المرأة فضل الجماعة اقتدت برجل أو امرأة قال عليه الصلاة والسلام تقف إمام النساء وسطهن وكانت عائشة رضي الله عنها تفعل كذلك وقال أبو حنيفة الانفراد والجماعة في حقها سواء الثالثة وردت رغائب في فضيلة التكبيرة الأولى وذلك بشهود المقتدي تحرم الإمام واتباعه له وقيل مدرك الركوع مدرك لفضيلتها وقيل لا بد من إدراك القيام أما فضيلة الجماعة فتحصل بأن يدرك الإمام في الركوع الأخير ولا تحصل بما بعده لأنه ليس محسوبا له في صلاته الرابعة إذا أحس الإمام بداخل في الركوع فمده ليدركه الداخل فثلاثة أقوال أحدها أن ذلك لا يجوز بل لو طول بطلت صلاته والثاني أنه لا يبطل ولكن يكره والثالث أنه يستحب ولكن بشرط أن لا يظهر التطويل وأن لا يميز بين داخل وداخل الخامسة من صلى في جماعة لم يستحب له إعادتها في جماعة أخرى عل الصحيح فأما المنفرد فيعيد بالجماعة ثم الفرض أيهما فيه قولان أحدهما أنه الأولى لسقوط الخطاب به وعلى هذا لا ينوى في الثانيةالفرضية بل يكون ظهرا نفلا كما في حق الصبي وقيل إن كان في المغرب يزيد ركعة حتى لا يبقى وترا فإن الأحب في النوافل الشفع الثاني أن الفرض أحدهما لا بعينه يحتستب الله تعالى أيهما شاء فعلى هذا ينوي الفرض في الثاني قاعدة لا رخصة في ترك الجماعات إلا بعذر عام كالمطر مع الوحل والريحالعاصفة بالليل دون النهار أو خاص مثل أن يكون مريضا أو جائعا أو ممرضا أو هاربا من السلطان أو مديونا معسرا يحذر الحبس أو حافظ مال أو منشد ضالة أو عليه قصاص يرجو العفو عند سكون الغليل أو كان حاقنا وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحدكم وهو زناء وروى وهو ضام وركيه أي حاقنا وقيل إنه إذا ألحقته الحاجة بحيث تبطل الخشوع لم تصح صلاته الباب الثاني في صفات الأئمة وفيه فصلان الفصل الأول فيمن يصح الاقتداء به وكل من لا تجزئ صلاته عن وجوب القضاء فلا يصح الاقتداء به كمن لم يجد ماء ولا ترابا ولو اقتدى به مثله ففيه تردد ومن صحت صلاته في نفسه صح الاقتداء به إلا المقتدي والمرأة والأمي فيصح الاقتداء بالصبي والرقيق والمتيمم والمريض القاعد ويقف المقتدي قائما ويصح الاقتداء بالأعمى وهو أولى من البصير لأنه أخشع خلافا لأبي حنيفة أما المقتدي فهو تابع فلا يقتدى به وأما المرأة فلا يقتدي الرجل بها وإن كان محرما ولا بالخنثى ولا يقتدي الخنثى بالخنثى فإن اقتدى بخنثى ثم بان بعد الصلاة كونه رجلا فأصح القولين وجوب القضاء لأن التردد منع الصحة في الابتداء أما المرأة فتقتدي بالرجل وبالخنثى ولا بأس بحضور العجوز المسجد ووقوفها في آخر الصف ومن العلماء من كره ذلك أما الأمي وهو الذى يحسن الفاتحة أو شيئا منها فيصح اقتداء الأمي به ولا يصح للقارئ الاقتداء به عل الجديد لأنه بصدد تحمل الفاتحة عن المسبوق ويجوز في القديم وهو مذهب المزني وهو مقتضى قياس الاقتداء بالمتيمم والمريض وخرج قول ثالث إنه لا يجوز في الجهرية على قولنا إن المأموم في الجهرية لا يقرأ ويجوز في السرية فرعان أحدهما من يحسن النصف الأول من الفاتحة لا يقتدي بمن لا يحسن إلا النصف الأخير لأنه أمي في بعض ما يحسنه المقتدى والأمي في حرف كالأمي في الكل الثاني لو تبين بعد الصلاة أنه كان أميا لم يلزمه القضاء كما لو بان كونه جنبا أو محدثا ولو بان كونه امرأة أو كافرا لزمه القضاء لأن ذلك مما تظهر علامته غالبا ولا يعرف بصلاته كونه مسلما ما لم يسمع منه كلمة الشهادة ولو بان كونه زنديقا فوجهان لأن ذلك يخفى في غالب الأمر الفصل الثاني فيمن هو أولى بالإمامة قال عليه السلام يؤمكم أقرؤكم فإن لم يكن فأعلمكم بالسنة فإن لم يكن فأقدمكم سنا إلا أن الأفقه مقدم على الأقرأ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أكثر والفقيه أيضا مقدم على المشهور بالورع لذلك وإن كان الورع مقدما عل الفقيه الفاسق وقدم رسول الله صلى عليه وسلم الأقرأ إذ كان أقرأهم في ذلك العصر أفقههم فأحق الخصال الفقه ثم ظهور الورع ثم السن والنسب وفيهما قولان أحدهما تقديم النسب لقوله عليه الصلاة والسلام قدموا قريشا والثاني تقديم السن لقوله عليه الصلاة والسلام أقدمكم سنا فإن تساوت هذه الصفات فيرجح بحسن المنظر ونظافة الثوب ومن كره القوم إمامته كره له ذلك وأما باعتبار المكان فالوالي أولى من المالك والمالك أولى من غيره والمستأجر أولى من المالك والسيد أولى من العبد الساكن وفي المستعير والمعير تردد للأصحاب والله تعالى أعلم الباب الثالث في شرائط القدوة وشروطها المتابعة قصدا وفعلا وموقفا ويرجع ذلك إلى شروط ستة الأول أن لا يتقدم في الموقف على الإمام فإن فعل بطلت صلاته على الجديد خلافا لمالك ولا تبطل بتقدمه صلاة الإمام ولا بتقدم المرأة إذا اقتدت خلافا لأبي حنيفة ولو ساواه جاز ولكن التخلف قليلا أحب ثم التعويل على مساواة الكعب فإن المشط قد يطول والمستحب إذا كانوا ثلاثة أن يصطفوا خلفه والواحد يقف على يمينه والاثنان يصطفان عندنا وقال ابن مسعود يقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ولو أم برجل وامراة وقف الرجل عن يمينه والمرأة خلفه ولو أم بامرأة وخنثى وقفت المرأة خلف الخنثى ومما يستحب في الموقف أن لا يقف الداخل منفردا إذا وجد صفا فليدخل الصف أو يجذب إلى نفسه واحدا منهم إن ضاق الصف وحق المجرور أن يساعده وصلاةالمنفرد في الصف مكروهة صحيحة وقال أحمد هى باطلة فرع لو وقفوا حول الكعبة أو داخل البيت متقابلين صحت صلاتهم إذ لا يظهر فيه التقدم وقد قيل ينبغي أن يكون المأموم أقرب إلى الكعبة في جهته من الإمام الشرط الثاني أن يجتمع المأموم والإمام في مكان واحد فلا يبعد تخلفه ولا يكون بينهما حائل لتحصل نسبة الاجتماع والمواضع ثلاثة موضع بنى للصلاة فهو جامع وإن اختلف البناء وبعد التخلف فهو كالمسجد فلو وقف على السطح الإمام في بئر في المسجد صح ولو كانا في بيتين في المسجد أو مسجدين متجاورين وبينهما باب لافظ مفتوح أو مردود وصح الموضع الثاني الساحة التى لا يجمعها حائط فينبغي أن يكون المأموم فيها على حد قرب وهو غلوة سهم ما بين مائتي ذراع إلى ثلثمائة لأن المكان إذا اتسع كان هذا اجتماعا وقيل إنه مأخوذ من مسافة بعد المقابلين في غزوة ذات الرقاع عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا مقتدين وحكم الصلاة مستمر عليهم ويمكن حد ذلك بما يبلغ المأموم فيه صوت الإمام عند الجهر المعتاد وهذا جار في الأملاك والبيوت الواسعة وقيل إنه يشترط اتصال الصف في الملك وهو بعيد فرع إذا كان بين الإمام والمأموم شارع مطروق أو نهر لا يخوض فيه غير السابح ففي انقطاع الاجتماع به وجهان أما النهر الذى يخوض فيه السابح فلا يقطع الاتصال الموضع الثالث الأبنية المملوكة وبها تلتحق المدارس والرباطات فإذا وقفا في بناءين لم يصح إلا باتصال محسوس كما إذا تواصلت المناكب على الباب المفتوح بين البنائين فلو بقي على العتبة مقام واقف لم يحز وإن تخلل فرجة لا تتسع لواقففالأصح الجواز ولو تقدم على الصف المتصل في البناء الذى ليس فيه الإمام لم تصح صلاته ولو وقف وراءهم صح فأما إذا كان الاتصال بتلاحق الصفوف بأن كان البناء الآخر وراء الإمام لا على طرق جنبيه فإن زاد ما بين الصفين على ثلاثة أذرع لم يصح وإن لم يزد فوجهان بخلاف اتصال المناكب فإن ذلك اتصال محقق وقال العراقيون اختلاف البناء لا يضر إذا لم يكن بينهما جدار حائل فروع ثلاثة الأول البحر كالموات فلو كان في سفينتين مكشوفتين وبينهما أقل من غلوة سهم جاز فإن ما بينهما بحوض السفينة لا كالنهر على الأرض وقال الإصطخري لا يحوز إلا إذا كانت إحداهما مربوطة بالأخرى بحيث يؤمن من التباعد الثاني إذا اختلف الموقف ارتفاعا وانخفاضا فهو كاختلاف البناء فلا بد مناتصال محسوس وهو أن يلقى رأس المتسفل ركبة العالي تقديرا لو قدر لكل واحد منهما قامة معتدلة الثالث إذا اختلف البقاع بأن وقف الإمام في المسجد والمأموم في ملك فهو كما لو كانا في بناءين مملوكين وإن كان المأموم في موات ولا حائل فيعتبر غلوة سهم من موقف الإمام على وجه ومن آخر المسجد على وجه ولو كان بينهما حائل يمنع البصر والوصول كالجدار لم يجز على الأصح وما يمنع الوصول دون البصر كالشباك أو البصر دون الوصول كالباب المردود فوجهان والباب المغلق كالجدار الشرط الثالث نية الاقتداء فلو تابع من غير النية بطلت صلاته ولا يجب على الإمام نية الإمامة ولكن لا ينال الثواب إذا لم ينو ولا يجب على المأموم تعيين الإمام ولو عينه وأخطأ بطل بخلاف الإمام إذا عين المقتدي وأخطأ ولو ربط المقتدي نيته بالحاضر وقال نويت الاقتداء بزيد الحاضر فإذا هو عمرو ففي الصحة وجهان كما إذا قال بعت هذه الرمكة فإذا هى نعجة واختلاف نية الإمام والمأموم لا يضر فيجوز اقتداء المتنفل بالمفترض وعكسه وفي الأداء بالقضاء وعكسه وإن كان أحدهما ظهرا والآخر عصرا خلافا لأبي حنيفة الشرط الرابع توافق الصلاتين في النظم فلا يصح الاقتداء في الرواتب بمن يصلي على الجنازة أو صلاة الخسوف لتعذر المتابعة وقيل إنه يصح ثم عند المخالفة ينفرد فراغ الإمام مما يخالف وهو بعيد نعم لو اختلف عدد الركعات فإن كان صلاة المأموم أطول جاز ويكون كالمسبوق إذا أسلم الإمام وإن كان أقصر كما لو اقتضى في الصبح بمن يصلي الظهر فوجهان أصحهما الصحة ثم إذ قام الإمام إلى الثالثة تخير فإن شاء سلم وإن شاء صبر حتىيعود إليه الإمام فيسلم معه ولا يقال يقوم ويوافق ولا يحتسب له لأن ذلك لا يحتمل في ركعات مستقلة الشرط الخامس الموافقة وهو أن لا يشتغل بما تركه الإمام من سجود تلاوة أو قعود للتشهد الأول فإن فعل بطلت صلاته فأما جلسة الاستراحة فلا بأس وأما القنوت فلا بأس به أيضا إن أدرك الإمام في السجود إذ ليس فيه إلا تخلف يسير الشرط السادس المتابعة وهو أن لا يتقدم على الإمام ولا يتخلف عنه تخلفا كثيرا ولا يساوقه بل يتابعه فإن ساوق لم يضر إلا في التكبير فإن ابتداء تكبيره ينبغي أن يكون بعد فراغ الإمام على العادة والمستحب أن يكبر الإمام إذا ظن استواء الصفوف بعد قوله استووا رحمكم الله والناس يسوون صفوفهم بعد فراغ المؤذن من الإقامة وقال أبو حنيفة يسوون عند قوله حي على الصلاة ويكبر الإمام عند قوله قد قامت الصلاة والصحيح أن السلام كسائر الأركان فيجوز المساوقة فيه وقال الشيخ أبو محمد هو كالتكبيرة أما التخلف إن كان بركن واحدا لم يبطل وإن كان بركنين بطل لو لم يركع حتى سجد الإمام بطلت صلاته قطعا ولو لم يركع حتى رفع رأسه من الركوعفوجهان أحدهما يبطل لأن الاعتدال أيضا ركن فقد سبق بركنين والثاني لا لعلتين إحداهما أنه ليس ركنا مقصودا فعلى هذا لا تبطل ما لم يلابس السجود قبل ركوع المأموم الثانية أن الاعتدال إنما يكون سابقا به إذا فرغ عنه لا بالشروع فيه فعلى هذا إذا هوى للسجود قبل ركوعه بطلت صلاته وإن لم يلابس السجود بعد وحكم التقدم كالتخلف وقال الشيخ أبو محمد التقدم بركن واحد يبطل لأنه لا يليق بالمتابعة كالتقدم في المكان وهو بعيد في المذهب هذا كله إذا تأخر بغير عذر فإن كان معذورا كالمسبوق إذا أدرك بعض الفاتحة فثلاثة أوجه أحدها يترك الفاتحة ويركع لأن السبق يسقط كل الفاتحة فبعضها أولى والثاني يتمم لأنه التزم الخوض والثالث إن اشتغل بدعاء الاستفتاح فقد قصر فليتدارك وإلا فليركع فإن قلنا بتدارك فرفع الإمام رأسه من الركوع قبل ركوعه فقد فاتته هذه الركعة وتبطل صلاته على أحد الوجهين لأن هذا الركوع قائم مقام ركعة فكأنه سبقه بركعة وهو بعيد فروع خمسة الأول المسبوق ينبغي أن يكبر للعقد ثم للهوي فإن اقتصر على واحد وقصد الهوي به لم ينعقد وإن قصد العقد انعقد بشرط أن يقع تكبيره في اعتداله وإن أطلق فالقياس أنه ينعقد لقرينة البداية ونقل العراقيون عن الشافعي رضي الله عنه أنه لا ينعقد لأنه قارنته قرينة الهوي ولا مخصص الثاني إذا نوى قطع القدوة في أثناء الصلاة فيه ثلاثة أقوال أحدها المنع وفاء بالملتزم والثاني الجواز لأنه نفل فلا يلزم بالشروع والثالث الجواز للمعذور بعذر يجوز ترك الجماعة به وعلى الأقوال إذ أحدث الإمام انقطعت القدوة ولم تبطل صلاة المأموم الثالث المفرد إذا أنشأ القدوة في أثناء الصلاة فالنص الجديد يدل على منعه والقديم على جوازه ويشكل على الجديد جواز الاستخلاف فإن فيه اقتداء بمن لم يقتد به وإنما منع الشافعي رضي الله عنه الاستخلاف في القديم ولكن ليس في الاستخلاف انتقال المنفرد إلى الاقتداء بل هو تبديل المقتدى به الرابع إذا شك المسبوق فلم يدر أن الإمام فارق حد الراكعين قبل ركوعه فقولان أحدهما أنه مدرك إذ الأصل بقاء الركوع والثاني لا إذ الأصل عدم الإدراك الخامس إذا كان مسبوقا فسلم الإمام نص الشافعي رضي الله عنه على أنه يقوم من غير تكبير وعلته أنه كبر في ارتفاعه عن السجود مع الإمام وهو الانتقال في حقه وقال الشيخ أبو حامد يكبر هاهنا للانتقال كتاب صلاة المسافرين وفيه بابان الباب الأول في القصر الباب الثاني في الجمع الباب الأول في القصر وهو رخصة جائزة عند وجود السبب والمحل والشرط والنظر الأول في السبب وهو كل سفر طويل مباح فهذه ثلاثة قيود الأول السفر وحده الانتقال مع ربط القصد بمقصد معلوم فالهائم وراكب التعاسيف لا يترخص وإن مشى ألف فرسخ وأمر السفر ظاهر وإنما الغموض في بدايته ونهايته أما البداية فهي الانفصال عن الوطن والمستقر والمستقر ثلاثة الأول البلد والانفصال عنه بمجاوزة السور فإن لم يكن له سور فبمفارقة البنيان فإن كان وراء البنيان خراب ففي اشتراط مجاوزته تردد ولا يشترط مجاوزة المزارع والبساتين التى يخرج إليها للتنزه الثاني القرية ولا بد فيها من مجاوزة البساتين والمزارع المحوطة دون التى ليست محوطة وإن اتصلت أبنية قرية بأخرى فالقياس أن يكفيه مجاوزة قريته ونقل العراقيون عن الشافعي رضي الله عنه أن ذلك لا يكفي الثالث الصحراء والانفصال عنها بمجاوزة الخيام والنادي والدمن وإن نزلوا على منهل أو محتطب فلا بد من مجاوزتهما إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين وإن تفرقت الخيام بحيث لا يستعين بعضهم ببعض فلكل حلة حكمها وقد قالالشافعي رضي الله عنه لو نزلوا في واد والسفر في عرضه فلا بد من جزعه وقال الأصحاب إن كانوا على ربوة فلا بد من الهبوط أو في وهدة فلا بد من الصعود فرع إذا رجع المسافر ليأخذ شيئا خلفه فلا يقصر في الرجوع ولا في مستقره فإن لم يكن المستقر وطنا بل أقام بها غريبا فأظهر الوجهين أنه كسفره أما نهاية السفر فتحصل بأحد أمور ثلاثة الأول الوصول إلى عمران الوطن الثاني العزم على الإقامة مطلقا أو مدة تزيد على ثلاثة أيام في موضع تتصور الإقامة به ولو في واد فإن كان لا يتصور فالأصح أنه يترخص لأن العزم فاسد الثالث الإقامة في صورتها إذا زادت على ثلاثة أيام انقطع الترخص ولايحسب في الثلاث يوم الدخول ويوم الخروج ثم المقيم فوق الثلاثة إذا كان عازما على أن يشغله ألا يتنجز في الثلاثة فلا يترخص كالمتفقه والتاجر تجارة كبيرة إلا إذا كان شغله قتالا ففيه قولان أحدهما يترخص لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما وروي سبعة عشر وروي عشرين والثاني لا لأنه مقيم والقتال المجدد لا يرخص في القصر وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل على عزمه الارتحال في كل يوم إن تنجز غرضه فإن قلنا يترخص ففي الزيادة على هذه المدة قولان الأقيس الجواز لأنه لو طال القتال على رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر على القصر ولما روي أن ابن عمر أقام على القتال بأذربيجان ستة أشهر وكان يقصر أما إذا كان عزمه الخروج في كل ساعة لو تنجز غرضه ولكن اندفع بعائق فإن كان غرضه القتال يرخص على الصحيح للخبر ومن منع حمل ذلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتنقل من موضع إلى موضع وإن كان غرضه غير القتال فقولان أحدهما المنع لأن هذا خاصية القتال وإلا فهو مقيم من حيث الصورة والثاني وهو اختيار المزني أنه يترخص لأنه منزعج بالقلب ولا فرق بين القتال وبين غيره في حكم القياس فرع لو خرج من بغداد يقصد الري فبدا له أثناء الطريق العود انقطع سفره فلا يقصر في الحال ما لم يفارق مكانه كمشي السفر ثم إن فارق وكان بينه وبين مقصده مرحلتان قصر وإلا فلا ولو انتقض عزمه في العود وأراد التمادي إلى الري ولم تبق مرحلتان لا يقصر وكذا لو غير عزيمته من الري إلى همدان انقطع ذلك السفر فليفارق مكانه ثم ليترخص القيد الثاني الطويل وحده مسيرة يومين وبالمراحل مرحلتان وبالأميال ثمانية وأربعون ميلا بالهاشمي كل ثلاثة أميال فرسخ وقال أبو حنيفة هو مسيرة ثلاثة أيام ثم رخص السفر ثمانية أربعة منها تتعلق بالقصير والطويل كالصلاة على الراحلة على أصح القولين وترك الجمعة والتيمم وأكل الميتة وأربعة تتلعق بالطويل القصر والفطر والمسح ثلاثة أيام والجمع في أصح القولين ثم الصوم أفضل من الفطر وفي القصر والإتمام قولان وقال الصيدلاني القصر أفضل وفي الفطر قولان لأن بدل الصوم يثبت في الذمة ونقصان القصر لا يثبت في الذمة ثم لطول السفر أربعة شرائط الأول أن يعزم عليه في الأول فلو خرج في طلب الآبق على عزم أن ينصرف مهما لقيه لم يترخص وإن مشى ألف فرسخ إلا إذا علم أولا أنه لا يلقاه قبل مرحلتين الثاني أن لا يحسب الإياب في طول السفر فلو كان مجموع الإيابوالذهاب مرحلتين لا يقصر لا ذاهبا ولا جائيا الثالث أن يكون طوله ضروريا فلو ترك الطريق القصير وسلك الطويل لم يقصر إلا إذا كان فيه غرض من أمن أو سهولة طريق وفي غرض التنزه والتفرج وجهان الرابع أن لا يعزم على الإقامة في الطريق فلو قصد سفرا طويلا على أن يقيم في كل مرحلة أربعة أيام لم يترخص القيد الثالث المباح فالعاصي بسفره لا يترخص كالآبق والعاق وقاطع الطريق لأن الرخصة إعانة ولا يعان على المعصية ومن عين مقصدا ولا غرض له لم يترخص لأنه عاص بإتعابه نفسه قال الشيخ أبو محمد من الأغراض الفاسدة طوف الصوفي إذا لم يكن له غرض سوى رؤية البلاد وفي جواز أكل الميتة والمسح يوما وليلة للعاص وجهان الأصح الجواز فإنه ليس من خصائص السفر فأشبه تناول المباحات أما العاصي في سفره بالشرب وغيره فيترخص فرع لو أنشأ سفرا مباحا ثم غير القصد إلى معصية فالنص أنه يترخص لأن الشروط إنما تعتبر عند ابتداء الأسباب وقد انعقد هذا السفر سببا مرخصا وكذا على العكس الآبق إذا توجه إلى سيده لم يترخص لفقد الشرط في الابتداء وخرج ابن سريج قولا أن النظر إلى الحال لا إلى الابتداء وهذا أوضح النظر الثاني في محل القصر وهو كل صلاة رباعية مؤداة في السفر أدرك وقتها في السفر والرباعية احتراز عن المغرب والصبح فلا قصر فيهما والمؤداة احتراز عن المقضية ولا قصر إذا قضى في السفر ما فات في الحضر ولو فات في السفر ففي قضائها ثلاثة أقوال أحدها وهو مذهب المزني جواز القصر إذ لم يجب إلا هذا القدر والثاني المنع لأنه هذه رخصة ووقت القضاء متسع الثالث إن قضى في السفر قصر وأما في الحضر فلا وإن تحلل حضر بين سفرين فوجهان فرع نص الشافعي رضي الله عنه أن المسافر في آخر الوقت يقصر ونص فيالحائض إذا أدركت أول الوقت أنه تلزمها الصلاة فقيل قولان بالنقل والتخريج أحد القولين أنه يلزم بأول الوقت الإتمام على المقيم وأصل الصلاة على الحائض لإدارك وقت الإمكان ولتغليب جانب الوجوب والثاني لا لأن الوجوب إنما يستقر بكل الوقت أو بآخره ومنهم من فرق بأن الحيض إذا طرأ كان ذلك القدر من الوقت بالإضافة إلى إمكانها كل الوقت بخلاف المسافر النظر الثالث في الشرط وهو اثنان الأول أن لا يقتدي بمتم فإن اقتدى به ولو في لحظة لزمه الإتمام ولو تردد في أن إمامة مسافر أو مقيم لزمه الإتمام وإن كلام مسافرا بمجرد التردد بخلاف ما لو شك أن إمامه هل نوى الإتمام لأن النية لا يطلع عليها وشعار المسافر ظاهر والظاهر من المسافر أن ينوي القصر فروع الأول لو اقتدى بمتم ثم فسدت لزمه الإتمام في الاستئناف لأنه التزم مرة بالشروع الثاني لو اقتدى بمن ظنه مسافرا ثم بان كونه مقيما لزمه الإتمام لأنه مقصر إذ شعار الإقامة ظاهر ولو بان أنه مقيم محدث قال صاحب التلخيص له القصر لأنه في الظاهر ظنه مسافرا وفي الباطن لم تصح قدرته وحكى الشيخ أبو علي وجها أنه يتمم ويلتفت على أن المسبوق هل يصير مدركا بالركوع إذا بان كون إمامه محدثا الثالث إذا رعف الإمام المسافر وخلفه المسافرون فاستخلف مقيما أتم المقتدون وكذا الراعف إذا عاد واقتدى بالمستخلف لأنه لم يكمل واحد صلاته حتى كان فيها في صلاة مقيم الشرط الثاني أن يستمر على نية القصر جزما في جميع الصلاة فلم ينو القصر ولا الإتمام لزمه الإتمام ولو شك في أنه هل نوى القصر ولو في لحظة لزمه الإتمام ولو قام الإمام على الثالثة ساهيا فشك أنه هل نوى الإتمام لزمه الإتمام بخلاف ما إذا شك في نية إمامه لأن النية لا يطلع عليها وحال المسافر ظاهرة القصر بخلاف ما إذا قام إلى الثالثة فإنه تأكد ظن الإتمام بالقيام أما القاصد إذا قام إلى الثالثة والرابعة سهوا فيسجد لسهوه ولا يعتد به إتماما بل لو قصد أن يجعله إتماما لزمه أن يقوم فيصلي ركعتين أخريين الباب الثاني في الجمع والجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في وقتيهما جائز بسببين السفر والمطر ونعني به السفر المباح وقال أبو حنيفة لا يجوز الجمع بالسفر وفي السفر القصير عندنا قولان أحدهما نعم فإن أهل مكة يجمعون بمزدلفة وسفرهم قصير والثاني لا كالقصر وأهل مكة يجمعون بعذر النسك ولذلك يجوز لأهل عرفة أيضا وليسوا مسافرين ومن علل بالسفر منع أهل عرفة من الجمع ويخرج أهل مكة على القولين ثم شرائط الجمع ثلاثة الأول الترتيب وهو تقديم الظهر على العصر مهما عجل العصر فإن أخر الظهر إلى وقت العصر ففي تقديمه وجهان ووجه الفرق أن العصر في وقته فلم يفتقر إلى تقديم غيره بخلاف العصر في وقت الظهر الثاني الموالاة عند التقديم فلا يحتمل الفصل بأكثر من قدر إقامة لتحقق صورة الجمع فأما في التأخير ففي الموالاة وجهان وفائدة اشتراطها في التأخير أن يصير الظهر فائتة لا يجوز قصرها إذا لم يصل العصر عقيبها الثالث نية الجمع عند التقديم في أول الصلاة الأولى أو في وسطها فلو نوى في أول الصلاة الثانية لم يجز وقال المزني يجوز لأن اتصالها به لا يزيد على اتصال سجود السهو ومعنى النية في التأخير أن لا يتركها على قصد التكامل والترك فيعصى به وتصير قضاء وقد تردد الأصحاب في أن الظهر المؤخر مع نية الجمع أداء أو قضاء والصحيح أنه أداء السبب الثاني المطر وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة من غير خوف ولا سفر وقال الشافعيرضي الله عنه ما أراه إلا من عذر المطر ولا خلاف أن الأوحال والرياح لا تلحق بالمطر وفي الثلج خلاف هذا في الجماعة أما من يصلي في بيته أو كان طريقه إلى المسجد في ركن ففي حقه وجهان ثم قال أصحابنا التقديم بعذر المطر جائز وفي التأخير وجهان لأنه بالتقديم يفرغ قلبه وفي التأخير لا يأمن انقطاع المطر فرع لو نوى الإقامة قبل صلاة العصر بطل الجمع ولو نرى في خلال العصر فوجهان ولو نوى بعد العصر وأدرك العصر فوجهان مرتبان وأولى بأن لا يبطل أما انقطاع المطر في أثناء الظهر والعصر بعد اتصاله بأول الصلاتين غير ضار وقال أبو زيد ينبغي أن يتصل المطر بالتحلل من الأول والتحرم بالثاني ليتحقق الجمع والاتصال هذا إذا كان ينقطع ويعود فلو انقطع ولم يعد فهو كما لو نوى المسافر الإقامة كتاب الجمعة وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في شرائطها الباب الثاني في بيان من تلزمه الجمعة الباب الثالث في كيفية أداء الجمعة الباب الأول في شرائطها وهي ستة الأول الوقت فلو وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة والمسبوق لو وقع آخر صلاته في وقت العصر فيه وجهان أحدهما أنها تصح لأنه تابع للقوم وقد صحت صلاتهم ولذلك حط شرط القدوة في الركعة الثانية عنه والثاني أن الجمعة فائتة لأن الإعتناء بالوقت أعظم بخلاف القدوة وانفضاض العدد فإنهما يتعلقان بغير المصلي فالأمر فيهما أخف الشرط الثاني دار الإقامة فلا تقام الجمعة في البوادي ولا عند الخيام لأنها معرضة للنقل وإن كان لإقامتهم أثر في قطع رخص السفر وإن كانت أبنيتهم من سعف وخشب جاز لأنهما لا ينقل ولا يشترط أن يعقد الجمعة في ركن أو مسجد بل يجوز في الصحراء إذا كان معدودا من خطة البلد فإن بعد عن البلد بحيث يترخص المسافر إذا انتهى إليه لم تنعقد إليه لم تنعقد الجمعة فيها بخلاف صلاة العيد فإنه لا يشترط فيها دار الإقامة ويشهدها الرجالة والركبان فالأحب فيها الخروج وقال أبو حنيفة لا يقام في القرى بل لا بد من مصر جامع بسوق قائم ونهر جار وسلطان قاهر الشرط الثالث أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى فلا تنعقد في بلد جمعتان لأنه إذا لم تجز إقامتها في كل مسجد كسائر الجماعات فالمقصود شعار الاجتماع ثم لا مرد بعد الواحد وقال أبو يوسف تصح جمعتان ولا تصح ثلاثة وهو تحكم فرعان أحدهما إذا كثر الجمع وعشر الاجتماع في مسجد واحد إما للزحمة وإما لنهر لا يخوض إلا السابح كدجلة فيجوز عقد جمعتين كما ببغداد ومنهم من علل حكم بغداد بأنها كانت قرى متفاصلة فحدثت العمارات الواصلة فاستمر الحكم القديم قال صاحب التقريب حكم العلة يقتضي أن يترخص المسافر عن قريته وإن لم يجاوز هذه العمارات استصحابا لما كان فإن لم يجوز له الترخص نظرا إلى ما ===========================ج222222222 اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الوسيط في المذهب المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد حدث فمقتضاه منع الجمعتين وما ذكره متجه فهو في محل التردد الثاني لو عقدت جمعتان فالسابقة هى الصحيحة إن كان فيها السلطان وإن كان السلطان في الثانية فوجهان وهذا التردد بعيد عند الشافعي رضي الله عنه إذ لا تعلق للجمعة عنده بالسلطان ولكن يصح للترجيح إذ لا يعجز كل شرذمة عن المبادرة بعقد جمعة فيفوتون على الباقين ثم النظر في السبق إلى تحريمة الصلاة وقيل إلى التحلل وقيل إلى أول الخطبة وهما ضعيفان أما إذا وقعتا معا تدافعتا وإن احتمل التساوق والتلاحق تدافعتا أيضا واستؤنفت الجمعة إذ لم يحصل لأحد براءة الذمة في حال وإن تلاحقا ولكن لم يعرف السابق فقولان أظهرهما التدافع إذ لم تحصل البراءة وحكى الربيع بن سليمان أنهم يصلون الظهر إذ صحت جمعة في علم الله تعالى قطعا أما إذا تعين السابق ثم التبس فالمذهب أن الجمعة فائتة وقيل بطرد القولين وهو بعيد الشرط الرابع العدد فلا تنعقد الجمعة عندنا بأقل من أربعين ذكورا مكلفين أحرارا مقيمين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا لحاجة وهل يشترط أن يكون الإمام زائدا على الأربعين فيه وجهان ومستند العدد أن المقصود الاجتماع ولم ينقل في التقدير خبر والأربعون أكثر ما قيل وقال جابر بن عبد الله مضت السنة أن في كل أربعين فما فوقها جمعة فاستأنس الشافعي به وبمذهب عمر بن عبد العزيز وبالاحتياط فرع إذا انفض القوم فله ثلاثة أحوال الأولى في الخطبة فلو سكت الإمام وعادوا على قرب أو مكانهم آخرون بنى عليه وإن مضى ركن في غيبتهم لم يعتد به لأن الخطبة واجبة الاستماع فلا بد من استماع أربعين جميع الأركان قولا واحدا وإن طال سكوت الإمام ففي جواز البناء قولان يقربان من قولي الموالاة في الوضوء الثانية أن ينفضوا بعد الخطبة وقبل الصلاة وطال الفصل ففي جواز بناء الصلاة قولان يعبر عنهما بأن الموالاة بين الخطبة والصلاة هل يشترط فإن قلنا تشترط فلا بد من إعادة الخطبة فإن لم تعد أثم المنفضون وفي إثم الخطيب قولان أحدهما لا لأنه أدى ما عليه وإنما الذنب للقوم والثاني نعم لأنه تمكن من الإعادة الثالثة أن ينفضوا في خلال الصلاة ففيه ثلاثة أقوال منصوصة أحدها أن تبطل الجمعة بنقصان العدد في لحظة كما في الوقت وكما في الخطبة فعلى هذا لو تأخر تكبير المقتدين إلى فوات الركوع لم تنعقد الجمعة وإن تأخر بحيث لم تفتهم الفاتحة انعقدت وإن تأخر بحيث التحقوا بالمسبوقين ففيه تردد والأصح المنع ولو انفضوا بعد الشروع ولحق الإمام أربعون على الاتصال ممن سمعوا الخطبة استمرت الصحة وإن لم يسمعوا فلا إلا إذا لحقوا قبل انفضاض السامعين فتستمر الجمعة وتستقل بهم وكانوا كثمانين سمعوا وانفض منهم أربعون والقول الثاني إن كمال العدد لا يشترط إلا في الابتداء للانعقاد وفي الدوام يكفي أن يبقى واحد لتبقى الجماعة والقول الثالث أنه لا بد وأن يبقى اثنان والإمام ثالثهم ليبقى أقل الجمع وخرج قول رابع إنه يصح وإن لم يبق إلا الإمام لأن الناقص كالمعدوم وخرج المزني خامسا وهو أنهم إن انفضوا في الأولى بطلت وفي الثانية لا فانفراد الإمام كانفراد المسبوق بركعة ثانية الشرط الخامس الجماعة فلا يصح الانفراد بالجمعة ولا يشترط حضورالسلطان في جماعتها ولا إذنه في جماعتهم خلافا لأبي حنيفة وفيه ثلاث مسائل الأولى في أحوال الإمام فإن كان العدد قد تم به فلا بد وأن يكون كاملا مصليا للجمعة وإن كمل العدد دونه فله أحوال الأولى أن يكون متنفلا أو صبيا فقولان أحدهما الصحة لأن الاقتداء في الفرض بالنفل جائز والثاني لا لأنه الأصل فاعتبار كماله ليكون في جمعة مفروضة أولى الثانية أن يكون محدثا ولم يعلم فقولان مرتبان وأولى بالبطلان لأن الإمام هاهنا ليس مصليا إلا أنه في حق المتقدي كالمصلي ولو أدرك المسبوق ركوع الركعة الثانية ففيه وجهان يرجع حاصلهما إلى أن المصلي خلف المحدث مع الجهل مقتد أو منفرد فإذا جعلناه منفردا لم تصح الجمعة به وإذا صححنا الجمعة لزم إلحاق المسبوق به الثالثة أن يكون الإمام عبدا أو مسافرا فهما في جمعة مفروضة فالصحيحالجواز وفيه وجه أنا إذا قلنا إن الإمام محسوب من الأربعين لا يصح بل تشترط فيه صفات الكمال الرابعة إذا قام الإمام إلى الثالثة في الجمعة ناسيا فأدركه مسبوق فيها فهذا مصل لكن فعله ليس محسوبا من الجمعة فهو كالمحدث في حقه إذ لم يعلم وقيل إنه لا يدرك الجمعة به لأن الحدث لا يعرف والزيادة تعرف فكان ككفر الإمام وأنوثته المسألة الثانية في الاستخلاف وقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في جواز أداء صلاة واحدة خلف إمامين بأن تبطل صلاة الأول بحدث أو غيره فيستخلف غيره في الباقي الجديد جوازه وقد نقل فيه الخبر واختلفوا في محل القولين منهم من أطلق ومنهم من خصص بالجمعة وقطع بجوازه في غيرها ولو خطب واحد وأم آخر فقولان مرتبان وأولى بالجواز فإن منعنا الاستخلاف تعذرت الجمعة إلا بالاستئناف إن كان حدث الإمام في الأولى وإن كان في الثانية فيتمونه جمعة ولا يضر انفرادهم في الثانية كالمسبوق وإن فرعنا على الجديد فله ثلاث شرائط الأول أن يستخلف من كان مقتديا به فلا يصح استخلاف من لم يشرع في الابتداء الثاني أن يستخلف على الفور فلو أدوا ركنا قبل استخلافه لم يجز الثالث أن يكون المستخلف قد سمع الخطبة على أحد الوجهين والأظهر أن ذلك لا يشترط لأنه شارك في الشروع في الجمعة ولا يشترط فيه ثلاثة أمور الأول أن يكون حدث الإمام سبقا بل لو تعمد واستخلف جاز خلافا لأبي حنيفة لأن سبق الحدث في الجديد مبطل كالعمد الثاني لا يشترط استئناف نية القدوة بل هو خليفة الأول فكأنه هو الثالث لا يشترط صدوره من الإمام بل لو قدم القول أو واحد منهم أو تقدم واحد بنفسه جاز وإن اجتمع تعيين القوم والإمام فلعل تعيين القوم أولى لأنهم المصلون ويجب عليهم التقديم في الركعة الأولى إذا لم يستخلف الإمام وإن كان في الركعة الثانية فلهم الخيرة بين الانفراد وبين التقديم فرع لو استخلف في الثانية مسبوقا بالأولى لكن بعد أن اقتدى به في الثانية لم يجز أن شرطنا سماع الخطبة وإن لم يشترط فقولان مأخذ المنع أنه ليس مصليا للجمعة فلا يصلح للخلافة لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة ولا هو إمام مستقل فإن جوزنا قال الشافعي رضي الله عنه هذه في حقه ركعة الأولى ولكن ينبغي أن يجلس للتشهد على ترتيب صلاة الإمام فإذا انتهى إلى التحلل قام إلى ما قصده من ظهر أو نفل وأومى إلى القوم ليتحللوا عن جمعتهم فإذا قام ما عليه لم يتم جمعته لأنه كان مقتديا في أول عقد الصلاة ولم يدرك مع الإمام ركعة على قول فإذا لم تصح جمعته فهل تصح ظهرا تخرج على أصلين أحدهما أن الظهر هل ينعقد بنية الجمع فإنه قد نوى الجمعة وفي خلاف والثاني الظهر قبل الفراغ من الجمعة هل يصح فإن تحرمه بالصلاة مقدم على فراغ القوم فإذا قلنا لا يصح ظهره فيكون نفلا أو باطلا إلى نظائر هذا في حق غير المستخلف خلاف فإن قلنا إنه باطل لم يكن تقرير هذا القول تفريعا على جواز استخلاف المسبوق ثم ينقدح أن يجعل نفلا فعلى هذا لو اقتدى بهذا المسبوق المستخلف مسبوق فهل يكون مدركا للجمعة ينبني على الاقتداء بالمتنفل هل يجوز في الجمعة فإن جوزنا فهو مدرك للجمعة وإن لم يكن إمامه في الجمعة لأنه نائب الأول في حق القوم وإن قلنا لا يجوز لم يكن المسبوق المقتدى به مدركا بخلاف القوم الأول فإنهم أدركوا ركعة مع الإمام من الجمعة والاقتداء في الثانية بالخليفة ليس واجبا فإن اقتدوا بمتنفل كانوا كالمقتدين في سائر الصلوات وهذا كله تصرف ابن سريج المسألة الثالثة في الزحام فإذا زوحم المقتدي عن سجود الركعة الأولى فليسجد على ظهر غيره على هيئة التنكيس فإن عجز عن التنكيس فله نية الانفراد في غير الجمعة لعذر الزحمة وفي الجمعة ينتظر التمكن وقيل إنه يومئ أو يتخير بين الإيماء والانتظار كتخير العاري بين الصلاة قائما أو قاعدا وهو ضعيف لأن دقيقة التخلف عن الإمام لا تقاوم ما بين السجود والإيماء فإن الإيماء ترك للسجود ثم له صورتان إحداهما أن يتمكن قبل ركوع الإمام فعند فراغه للإمام أربعة أحوال الأولى أن يكون قائما فيقرأ ويركع معه ولا يضره التخلف للعذر الثانية أن يكون راكعا فهل يلتحق بالمسبوق حتى تحط عنه الفاتحة في الركعة الثانية فوجهان مشهوران الثالثة أن يجد الإمام رافعا من الركوع فإن قلنا إنه كالمسبوق عند إدراك الركوع حتى لا يشتغل بالقراءة فهاهنا أيضا يتابع الإمام إلا أنه لا يكون مدركا هذه الركعة فيقوم بعد سلام الإمام إلى الثانية وإن قلنا ليس كالمسبوق فيشتغل بترتيب صلاة نفسه فكذلك يفعل هاهنا ثم يسعى خلف الإمام بحسب الإمكان والقدوة منسحبة عليه الرابعة لو سلم الإمام قبل فراغه من السجود فاتته الجمعة لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة تامة الصورة الثانية للمأموم أن لا يتمكن من السجود حتى يركع الإمام فإن أمرناه بالركوع موافقة فاته سجود الركعة الأولى ولم تنتظم صلاته وإن أمرناه بالسجود كثر تخلفه عن الإمام وجاوز الركوع الثاني وهو مرد الإدراك ففيه قولان لتعارض الإشكالين فإن قلنا يركع فركع فالمحسوب له الركوع الأول ليكون الحاصل ركعة ملفقة من ذلك الركوع وهذا السجود أو المحسوب الركوع الثاني ليتصل بالسجود وفيه وجهان فإن قلنا المحسوب هو الأول فركعة واحدة ملفقة هل تصلح لإدراك الجمعة بها وهي دون الركعة المنظومة في الجمعة فعلى وجهين فإن قلنا لا يدرك فقد فاتت الجمعة فرع لو خالف فلم يركع مع الإمام ولكن يسجد فإن كان عالما مستديما نية القدوة بطلت صلاته وإن قطع نية القدوة ففيه قولان كما في سائر الصلوات لأن الآن قد فاتت الجمعة وإن كان جاهلا فلا تبطل صلاته وسجوده سهو فيقدر كأنه لم يسجد فإن لحق الإمام في الركوع فقد عاد التفريع كما مضى وإن فات الركوع نظر فإن راعى ترتيب صلاة نفسه فإذا سجد في ركعته الثانية حصلت له ركعة ملفقة لوقوع السجدة بعد الركوع الثاني فإن قلنا يدرك بالملفقة فقد حصل السجود في قدوة حكمية فهل تصلح الحكمية لإدراك الجمعة فيه وجهان ومن منع جعل الركوع الثاني نهاية انسحاب حكم القدوة فإذا سجد قبله كان كالمقتدي حسا وإن كان بعده كان مقتديا حكما أما إذا تابع الإمام بعد الفراغ من سجوده الذى سها به فقد سجد الإمام حسا وتمت له ركعة ملفقة وقد ذكرناها أما إذا فرغنا على القول الثاني وهو أنه لا يركع مع الإمام بل يراعي ترتيب صلاة نفسه فإن خالف مع العلم وركع مع الإمام بطلت صلاته وإن كان جاهلا لم تبطلوحصل له بسجوده مع الإمام ركعة ملفقة وإن وافق قولنا وسجد فسجوده واقع في قدوة حكمية فيصلح للإدراك على أحد الوجهين فعلى هذا للإمام حالتان عند فراغه من السجود إن كان راكعا بعد وألحقنا المسبوق في الركعة الثانية بالمسبوق في الأولى فيركع معه وقد أدرك الركعتين وإن قلنا ليس كالمسبوق فالأظهر أنه يجري على ترتيب صلاة نفسه وكذا إذا وجده رافعا رأسه من الركوع لأنا في هذا القول أمرناه بترتيب صلاة نفسه مع كون الإمام راكعا فكيف فيما بعده تنبيهات الأول أنا حيث حكمنا بفوات الجمعة هل تنقلب صلاته ظهرا فيه قولان ينبنيان على أن الجمعة ظهر مقصور أو هى صلاة على حالها وفيه قولان فإن قلنا ظهر مقصور جاز أن يتأدى الظهر بتحريمة الجمعة كما يتأدى الإتمام بنية القصر وإن قلنا لا تتأدى ظهرا فهل تنقلب نفلا ينبني على أن من تحرم بالظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلا وفيه قولان فإن قلنا لا تنعقد صلاته نفلا فالقائل بهذا لا يأمره في مسائل الزحام بالفعل الذى أمرناه به إذا كان يفضي آخره إلى البطلان فإنه تفريع يرفع آخره أوله الثاني لو زوحم عن السجود في الركعة الثانية فإن لم يكن مسبوقا فيتدارك ولو بعد سلام الإمام لأنه أدرك ركعة مع وإن كنا مسبوقا ولم يتدارك قبل السلام فقد فاتت الجمعة الثالث النسيان هل يكون عذرا كالزحام فيه وجهان أحدهما نعم لأن النسيان والعمد في الأفعال الكثيرة على وتيرة واحدة في الصلاة والثاني لا لأن عذر النسيان نادر فلا ينتهض عذرا مرخصا في التخلف الشرط السادس الخطبة والنظر في ثلاثة أطراف الأول في أركانها وهي خمسة الأول الحمد لله ولا يقوم مقامه لفظ آخر بل يتعين ككلمة التكبير الثاني الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين لفظ الصلاة الثالث الوصية بتقوى الله ولا يتعين فيه لفظ إذ الغرض الوعظ والتحذير وأقله أن يقول أطيعوا الله قال الشافعي رضي الله عنه وأبواب المواعظ راجعة إلى الأمر بالطاعةوالزجر عن المعصية وفي أحدهما ما يشعر بالثاني فيكتفي به الرابع الدعاء للمؤمنين والمؤمنات وأقله أن يقول للحاضرين رحمكم الله ولا يكفي أن يقتصر في دعائه على حظوظ الدنيا الخامس قراءة القرآن وأقله آية واحدة ويحتمل أن لا يكتفي بآية لا تفهم كقوله تعالى { ثم نظر } ويكتفي بشضطر آية يفيد المعنى فأقل الخطبة أن يقول الحمد لله والصلاة على رسوله أطيعوا الله رحمكم الله ويقرأ معه آية والأركان الثلاثة الأول واجبة في الخطبتين والدعاء لا يجب في الثانية وفي اختصاص القراءة بالأولى وجهان وصاحب التلخيص لم يعد إلا الثلاث ولم ير الدعاء والقراءة ركنا ونقل ذلك عن إملاء الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة أقلها أن يقول الإمام في نفسه سبحان الله فرع لو أبدل الأركان بآيات تفيد معناها من القرآن فلا بأس ولو أبدل الكل ففيه نظر إذ يكاد يكون تغيرا للوضع فإن الذكر مقصود فيها كما في التشهد والقنوت إلا أنه لم يعين حتى لا يأنس الناس به فيسقط وقعه من نفوسهم الطرف الثاني الشرائط وهي سبعة الأول الوقت فلا بد من تأخيرها عن الزوال والثاني تقديمها على الصلاة كيلا يتفرق الناس بخلاف صلاة العيد الثالث القيام فيهما الرابع الجلوس بين الخطبتين مع الطمأنينة والمستند الاتباع فإن هذه الأمور لم تختلف مع اختلاف الأحوال الخامس طهارة الحدث والخبث والموالاة وفي جملة ذلك خلاف ووجه الاشتراط كتشبيههما بالصلاة لأنهما بدل ركعتين والأقيس أن لا يشترط الاستقبال السادس إن شرطنا الطهارة فلو سبق الخطيب حدث وأتى بركن فيه لا يجزيه فإن توضأ وعاد فإن قلنا الموالاة شرط فلا بد من الاستئناف وإن قصر الزمان أو قلنا لا موالاة ففي وجوب الاستئناف وجهان وجه الوجوب أنه يبعد أداء خطبة بطهارتين السابع رفع الصوت بحيث يسمع أربعين موصوفين بصفات الكمال فإنه لا فائدة في حضور بغير سماع فهو كحضور الأصم عقد النكاح وفي وجوب الإنصات وترك الكلام على من عدا الأربعين قولان أحدهما نعم لقوله تعالى { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قيل أراد به الخطبة سمى قرآنا لاشتماله عليه ولأنه يؤدي كلامهم إلى هينمة تمنع الأربعين عن السماع والقول الجديد أنه لا يجب السكوت كما لا يجب على الخطيب إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الخطبة لسليك الغطفاني لا تجلس حتى تصلي ركعتين وسأل ابن أبي الحقيق عن كيفية القتل بعد قفولهم من الجهاد ومن أصحابنا من طرد القولين في تحريم الكلام على الخطيب أيضا وهو بعيد للخبر ولان كلامه لا يفوت سماع ركن بحال التفريع إن قلنا يجب الإنصات ففي من لا يسمع صوت الخطيب وجهان لأنه ربما يتداعى إلى كلام السامعين وعلى وجوب الإنصات لا يسلم الداخل فإن سلم لا يجاب وفي تشميت العاطس وجهان لأنه غير مختار فإن قلنا لا يجب تشميت العاطس وفي رد السلام وجهان لأنه ترك المستحب اختيارا وعلى الأقوال يصلي الداخل تحية المسجد خلافا لأبي حنيفة ثم لا يحرم الكلام قبل أن يأخذ لنفسه مكانا ولا بين الخطبتين الطرف الثالث في السنن والآداب ويستحب للخطيب إذا انتهى إلى المنبر أن يسلم على من عند المنبر فإذا صعد المنبر أقبل على الناس بوجهه وسلم على الجميع ثم يجلس بعد السلام ويؤذن المؤذنبين يديه ولم يكن أذان سوى ذلك إلى زمن عثمان رضي الله عنه فلما كثر الناس في زمانه أمر المؤذنين أن يؤذنوا في أماكنهم فاطردت العادة كذلك ثم إذا فرغ المؤذن قام الخطيب وخطب ويشغل يديه كيلا يلعب بهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشغل إحدى يديه بحرف المنبر ويعتمد بالأخرى على عنزة أو سيف أو قوس فإن لم يجد الخطيب شيئا وضع إحدى يديه على الأخرى أو أرسلها ولا توقيف فيه ثم يخطب مستدبرا للقبلة فإن استقبلها وأسمع صح وكان تاركا للأدبثم يجلس بين الخطبتين قدر قراءة سورة الإخلاص ثم يقوم إلى الثانية فإذا فرغ ابتدأ النزول وابتدأ المؤذن الإقامة بحيث يوافق بلوغه المحراب الفراغ من الإقامة ويستحب أن تكون الخطبة بليغة قريبة من الأفهام خالية من الغريب مؤداة على ترتيل مائلة إلى القصر قال صلى الله عليه وسلم قصر الخطبة وطول الصلاة مئنة من فقه الرجل الباب الثاني في بيان ما تلزمه الجمعة وإنما تلزم المكلف الحر الذكر المقيم الصحيح فمن لم يتصف بهذه الصفات لم تلزمه الجمعة فإن حضر لم يتم العدة به إلا المريض لكنه ينعقد لهم إلا المجنون ولهم أداء الظهر مع الحضور بخلاف المريض لأن المريض كامل وفي العبد وجه أنه كالمريض ويلتحق بالمرض عذر المطر والوحل الشديد على الأصح وجميع ما ذكرناه من الأعذار في ترك الجماعة وعذر التمريض أيضا إذا كان المريض قريبا مشرفا على الوفاة وفي معناه الزوجة والمملوك إذ يعظم على القلب الغيبة وفي وقت الوفاة في حق هؤلاء دون الأجانب وإن لم يكن المريض مشرفا وكان يتفقده غيره لم يكن عذرا فإن كان يندفع بحضوره ضرر يعد دفعه من فروض الكفايات كان عذرا وإن لم يبلغ تلك الدرجة فثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين القريب والأجنبي فروع سبعة في الأعذار الأول من نصفه حر ونصفه رقيق كالرقيق وقيل إن جرت مهايأة وكانت الجمعة في نوبته وجب الحضور الثاني المسافر إذا عزم على الإقامة ببلدة أكثر من ثلاثة أيام لتفقه أو تجارة لزمه الجمعة ولم يتم العدد به لأنه ليس مستوطنا ولا مسافرا ولذلك قلنا أرباب الخيام لا جمعة لهم وليسوا مسافرين وفي الغريب المقيم مدة وجه أن العدد يتم الثالث أهل القرى يلزمهم الجمعة إن اشتملت القرية على أربعين من أهل الكمال ثم إن أحبوا دخلوا البلد للجمعة وإن أحبوا عقدوها في القرية وهي الأولى وإن نقص عددهم لا يلزمهم إلا إذا بلغهم نداء البلد من رجل جهوري الصوت واقف على طرف البلد في وقت هدوء الأصوات وركود الرياح الرابع العذر إذا طرأ بعد الزوال وقبل الشروع في الصلاة أباح الترك للجمعة إلا السفر فإنه لا ينشأ بعد الزوال لأن اختياره إليه ووجوب الجمعة ليس على التوسع فإنها تتضيق بمبادرة الإمام وفي جواز السفر قبل الزوال وبعد الفجر قولان أحدهما الجواز وهو الأقيس لأن الوجوب بالزوال والثاني لا لأن الصلاة منسوبة إلى اليوم وجميع اليوم منسوب إلى الصلاة ومنهم من حمل النص على التأكيد وقطع بالجواز قال الصيدلاني التردد في سفر المباح أما الواجب والطاعة فجائز لما روي أن عبد الله بن رواحة تخلف عن جيش جهزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلل بصلاة الجمعة لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم الخامس يستحب لمن يرجو زوال عذره أن يؤخر الظهر إلى فوات الجمعة وذلك برفع الإمام رأسه من الركوع الثاني وقيل عند طول المسافة يحصل إياسه عن اللحوق لو قصد فأما من لا يرجا زوال عذره كالزمن والمرأة فلا بأس بتعجيل الظهر في حقهم فإن زال عذر المعذور بعد الفراغ من الظهر فلا جمعه عليه وكذا الصبي إذا بلغ بعدالظهر وقبل فوات الجمعة لأنه أدى الوظيفة مرة وقال ابن الحداد يلزمه وهو غلط بناه على مذهب أبي حنيفة وزوال العذر في أثناء الظهر كرؤية المتيمم الماء في الصلاة السادس غير المعذور إذا صلى الظهر قبل الجمعة ففي صحته قولان مشهوران أحدهما لا لعصيانه به والثاني يصح ظهره ويعصى بترك الجمعة كما لو صلى بعد الجمعة فإن قلنا يصح فهل يسقط الخطاب بالجمعة فيه قولان أصحهما أنه لا يسقط ومعنى صحته أن الخطاب لا يتجدد به بعد فوات الجمعة وعلى هذا لو صلى الجمعة أيضا فالفرض أيهما فيه أربعة أقوال وهو الأول أو الثاني أو كلاهما أو أحدهما لا بعينه وهو الأصح فيحتسب الله ما شاء منهما السابع جماعة من المعذورين أرادوا عقد الجماعة في الظهر ففيه وجهان أحدهما لا تستحب لأنها شعار الجمعة في هذا اليوم والأقيس أنه يستحب ثم الأولى إخفاؤها الباب الثالث في كيفية أداء الجمعة وهي كسائر الصلوات وإنما تتميز منها بأربعة أمور الأول الغسل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غسل واغتسل وبكر وابتكر ولم يرفث خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ومعناه توضأ واغتسل وبكر إلى الصبح وابتكر إلى الجمعة ثم هذا الغسل يفارق غسل العيد في أنه لا يستحب إلا لمن حضر الصلاة وأنه لا يجزئ قبل الفجر وفي غسل العيد وجهان وقال الصيدلاني من عدم الماء يتيمم وهو بعيد لأن الغرض نفي الروائح الكريهة والتنظيف ولذلك كان أقربه إلي الرواح أحب إلينا والأغتسال المسنونة هى الغسل للجمعة وللعيدين ومن غسل الميت وللإحرام وللوقوف بعرفة ولمزدلفة ولدخول مكة وثلاثة أغسال أيام التشريق ولطواف الوداع على القول القديم وللكافر إذا أسلم غير جنب بعد الإسلام وقيل يقدم على الإسلام وهو بعيد إذ تأخير الإسلام لا وجه له والغسل عن الإفاقة من زوال العقل أيضا مستحب وذكر صاحب التلخيص الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام وقال هما اختياران لا يبلغان مبلغ السنن المتأكدة وأنكر معظم الأصحاب استحبابهما الثاني البكور إلى الجامع قال صلى الله عليه وسلم من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في الثانية فبقرة وفي الثالثة كبشة وفي ا لرابعة دجاجة وفي الخامسة بيضة والملائكة على الطرق يكتبون الأول فالأول فإذا أخذ الخطيب يخطب طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر الثالث التزين فيستحب فيه الثياب البيض للرجال واستعمال الطيب وأن يمشي على هينة والترجل أولى من الركوب ولا بأس بحضور العجائز لا في شهرة الثياب وعليهن اجتناب الطيب رأى أبو هريرة امرأة تفوح منها رائحة المسك فقال تطيبت للجمعة فقالت نعم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما امرأة تطيبت للجمعة لم يقبل الله صلاتها حتى ترجع إلى بيتها وتغتسل اغتسالها من الجنابة الرابع يستحب للإمام أن يقرأ في الأولى سورة الجمعة وفي الثانية إذا جاءك المنافقون قال الشافعي رضي الله عنه ولو نسى الجمعة في الأولى جمع بينها وبين سورة المنافقين في الثانية وقال في القديم يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية سورة الغاشية كتاب صلاة الخوف وهي أربعة أنواع النوع الأول صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم النوع الثاني صلاته صلى الله عليه وسلم بعسفان حيث لم تشتد الحرب النوع الثالث صلاة ذات الرقاع النوع الرابع صلاة شدة الخوف الأول صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن النخل إذ صدع أصحابه صدعين فصلى بطائفة ركعتين وسلم ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين هى له سنة ولهم فريضة وليس فيه إلا اقتداء مفترض بمتنفل وهو جائز من غير خوف النوع الثاني صلاته بعسفان حيث لم تشتد الحرب إذ كان العدو في جهة القبلة وكان خالد بن الوليد مع الكفار بعد فدخل وقت العصر فقالوا قد دخل عليهم وقت صلاة هى أعز عليهم من أرواحهم فإذا شرعوا فيها حملنا عليهم حملة فنزل جبريل عليه السلام وأخبره به فرتب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه صفين وصلى بهم فحرسه الصف الأول في السجود الأول ولم يسجدوا حتى قام الصف الثاني فسجد الحارسون ولحقوا وكذلك فعل الصف الثاني في الركعة الثانية وهذا إنما يتم إذا كان العدو في قبالة القبلة وليس فيها إلا التخلف عن الإمام بأركان وذلك لا يجوز إلا بعذر ثم لو اختص بالحراسة فريقان من أحد الصفين جاز ولو ابتدأ بالحراسة الصف الثاني جاز ولكن الحراسة بالصف الأول أليق قال الشافعي رضي الله عنه لو تقدم الصف الثاني في الركعة الثانية إلى الصف الأول وتأخر الصف الأول ولم يكثر أفعالهم كان ذلك حسنا ولو حرس في الثانية الحارسون في الأول فقولان أحدهما المنع لأنه يتكرر عليهم التخلف ولم يرخص الشرع إلا في مرة واحدة والأقيس الجواز إذا الأول انمحى أثره بتخلل فصل وإنما قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك التسوية بين الصفين النوع الثالث صلاة ذات الرقاع وهو أن يلتحم القتال فلا يحتمل الحال تخلف الكل واشتغالهم بالصلاة وكان ذلك في ذات الرقاع فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه صدعين وانحاز بطائفة إلى حيث لا تبلغهم سهام العدو وصلى بهم ركعة وقام بهم إلى الثانية وانفردوا بالركعة الثانية وسلموا وأخذوا مكان إخوانهم في الصف وانحازت الفئة المقاتلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم ينتظرهم واقتدوا به في الركعة الثانية فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للثانية قاموا وأتموا الركعة الثانية ولحقوا به وتشهدوا وسلم بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه رواية خوات بن جبير وليس فيها إلا الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية وانتظارالإمام للطائفة الثانية مرتين في القيام والتشهد وروى ابن عمر أنه لما قام إلى الثانية ما انفردوا بالركعة لكن أخذوا مكان إخوانهم في الصف وهم في الصلاة وانحاز الآخرون فصلوا ركعة فتحلل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى مكان إخوانهم وعليهم بعد ركعة ثم رجع الفريق الأول فأتموا الركعة الثانية منفردين ونهضوا إلى الصف وعاد الآخرون وأتموا كذلك وأخذ الشافعي رضي الله عنه برواية خوات بن جبير لمعنيين أحدهما أن الرواة لها أكثر وهو إلى الاحتياط وترك الأفعال المستغنى عنها أقرب والثاني أن رواية خوات مقيدة بذات الرقاع وهي آخر الغزوات ورواية ابن عمرمطلقة ومن أصحابنا من قال تصح الصلاة على وفق رواية ابن عمر لصحة الروايتين لكن الأولى رواية خوات وهو بعيد لأنه تخيير في أفعال كثيرة مستغنى عنها ثم النظر في هذه الصلاة في طرفين أحدهما في كيفيتها وقد تشككوا في ثلاثة مواضع الأول نقل المزني أن الإمام يقرأ بالطائفة الثانية الفاتحة وسورة ومعناه أنه يسكت قبله منتظرا وغلطه الأصحاب لا يسكت لكنهم إذا لحقوا مد القراءة بحيث تتسع عليهم قراءة الفاتحة وهو نقل الربيع وتوجيه قول المزني التسوية بين الفريقين فإنه يقرأ الفاتحة بالأولى فليقرأبالثانية الثاني هل يتشهد قبل لحوق الفرقة الثانية به أم يصبر حتى يعودوا فيه طريقان أحدهما أنه كالفاتحة والثاني أنه يتشهد إذ ليس يفوت التسوية بين الفريقين في التشهد الثالث أن مالكا ذهب إلى أن الفرقة الثانية يتشهدون مع الإمام ثم يقومون عند سلامه إلى الثانية قيام المسبوق وهو قول قديم ولا شك في جوازه ولكن ما رواه خوات جائز أيضا خلافا لمالك الطرف الثاني في تعدية النص إلى صلاة المغرب وصلاة الحضر والجمعة أما المغرب فليصل الإمام فيها بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة ثم إن انتظرهمفي التشهد الأول فجائز وإن انتظرهم في القيام في الركعة الثالثة فحسن لأن التطويل بالقيام أليق ونقل عن الإملاء أن الانتظار في التشهد أولى وروى عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين في ليلة الهرير وهو قول نقل عن الإملاء والصحيح الأول لأن في هذا تكليف الطائفة الثانية زيادة تشهد لا يحسب لهم أما الرباعية في الحضر فليصلي الإمام في الطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين فلو فرقهم أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة فهل يحرم الانتظار الثالث فعلى قولين فإن قلنا يحرم فهل تبطل به الصلاة فعلى قولين أحدهما يجوز ذلك كما جاز بالمرة الأولى والثانية والثاني لا لأنه رخصة فلا يزاد على محل النص فعلى هذا يمتنع الانتظار في الركعة الثالثة وما قبلها جرى على وجهه وقال ابن سريج تخريجا المنع يختص بالركعة الرابعة فإن الانتظار في الثالثة هو الانتظار الثاني للإمام بدلا من انتظاره في التشهد إلا أن المنتظر في التشهد ثم هو المنتظر في القيام بعينه وهاهنا المنتظر ثانيا غير المنتظر أولا وهذا لا يقدح في الصلاة وهو متجه أما الجمعة ففي إقامتها على هذا الوجه وجهان ووجه المنع أن العدد فيها شرط فكيف ينفرد الإمام بالثانية مع انفضاض الفرقة الأولى إلى عود الفرقة الثانية فرعان الأول في وجوب رفع السلاح في هذه الصلاة وصلاة عسفان قولان والوجه أن يقال إن كان في البعد عن السلاح خطر ظاهر فهو محرم في الصلاة وغيرها وإن كانت الموضوعة والمحمولة واحدة لتيسر أخذها في الحال فلا يحرم وإن لم يظهر في تنحية السلاح خلل فهذا محل الجزم ففي وجوب الأخذ به واستحبابه تردد وكيف ما كان فلا تبطل الصلاة بتركه لأن العصيان لا يتمكن من نفس الصلاة الثاني في السهو ولا شك أن سهو الطائفة الأولى في الركعة الأولى وسهو الطائفة الثانية في الركعة الثانية للإمام محمول وسهو الطائفة الأولى في ركعتهم الثانية غير محمول لانفرادهم ومبدأ الانفراد آخر الركعة الأولى وهو رفع الإمام رأسه من السجود أو أول الركعة الثانية وهو اعتداله في القيام فيه وجهان أما سهو الطائفة الثانية في ركعتهم الثانية وهم على عزم اللحوق بالإمام فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى آخر الأمر وفي الثاني إلى صورة التفرد في الحال وهما جاريان في المزحوم إذا سها وقت التخلف وفيمن انفرد ركعة وسها ثم انشأ القدوة في الثانية على أحد القولين النوع الرابع صلاة شدة الخوف وذلك إذا التحم الفريقان ولم يحتمل تخلف طائفة عن القتال فلا سبيل إلا الصلاة رجالا وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها إيماء بالركوع والسجود ولا تحتمل فيها الصيحة والزعقة للاستغناء عنها ولا تحتمل الضربات الكثيرة من غير حاجة وتحتمل القليلة مع الحاجة وفي الكثيرة مع الحاجة ينظر فإن كان في أشخاص فيحمتل ما لا يتوالى منها وإن كان في شخص واحد فلا يحتمل لكونه عذرا نادرا وفيه قول إنه يحتمل في الموضعين وهو منقاس لأن الواحد أيضا قد يدفع عن نفسه في بسلاحه ودرعه فيحتاج إلى الموالاة وفيه قول ثالث إنه لا يحتمل في الأشخاص أيضا لندور الحاجة وضيق باب الرخصة ومما يحتمل أيضا تلطخ السلاح بالدم مهما ألقاه عقيب التلطخ فإن أمسكه مختارا لزمهالقضاء وإن كابه حاجة إلى الإمساك فظاهر كلام الأصحاب وجوب القضاء أيضا لنذور العذر والأقيس أن لا يحب لأن أصل القتال وإن كان نادرا ألحق بالأعذار العامة في إسقاط القضاء مع الإيماء وترك الاستقبال هذه كيفية الصلاة والنظر الآن في السبب المرخص وهو خوف مخصوص ويتبين خصوصه بمسائل الأولى لو انهزم المسلمون لم يصلوا صلاة الخوف إلا إذا كان الكفار فوق الضعف فعند ذلك يجوز وإلا فالهزيمة محرمة والرخص لا تستفاد بالمعاصي فأما إذا انهزم الكفار لم يجز لنا صلاة الخوف في اتباع أقفيتهم لأنه لا خوف الثانية القتال المباح كالواجب في الترخص وذلك كالذب عن المال وقد نقل عن الشافعي رضي الله عنه أنه لو ركبه سيل ولم ينج ما له إلا بصلاة الخوف لم يصل وظاهر النصوص الجديدة خلافه وخرج من هذا أن قتل الصائل على المال لا يجوز وهو بعيد لأن المال كالنفس قال عليه الصلاة والسلام من قتل دون ماله فهو شهيد الثالثة لو تغشاه حريق أو غرق أو تبعه سبع أو مطالب بالدين وهو معسر خائف من الحبس عاجز عن بينة الإعسار فله صلاة الخوف وكذا من هرب من حق القصاص في وقت يتوقع من التأخير سكون الغليل وحصول العفو هكذا ذكره الأصحاب فرع لو خاف المحرم فوات الوقوف بعرفة فيصلي مسرعا في مشيه على وجه ويترك الصلاة على وجه وتلزمه الصلاة ساكنا على وجه ومن ومنشؤ التردد أنه من قبيل طلب شيء أو خوف فوات في محصل الرابعة لو رأى سوادا فظنه عدوا لا يطاق فصلى صلاة شدة الخوف فإذا هو إبل تسرح ففي وجوب القضاء قولان مشهوران ينظر في أحدهما إلى تحقق الخوف وفي الثاني إلىالخطأ في السبب والقولان جاريان في كل سبب جهله ولو عرفه لبطل الخوف كجهله بحصن على القرب منه أو نهر حائل بينه وبين عدوه فرعان الأول لو ركب في أثناء صلاته لهجوم خوف فبني على صلاته قال الشافعي لا يصح ولو انقطع الخوف فنزل وصلى بقية صلاته متمكنا صحت فظن المزني أن الفرق كثرة أفعال الركوب واعترض بأن ذلك يختلف بالأشخاص وقيل سببه أنه شرع في صلاة تامة فلا يتممها على النقصان وهو منقوض بمن مرض في أثناء صلاته فإنه يقعد في البقية ولكن أراد الشافعي رضي الله عنه ما إذا بادر الركوب أخذا بالحزم مع إمكان إتمام البقية قبل الركوب فإن فرض تحقق الخوف أو انقطاعه فلا فرق بين النزول والركوب بل إن قل فعله مع الحاجة لم يضر وإن كثر مع الحاجة فوجهان كما في الضربات المتوالية الثاني لبس الحرير وجلد الكلب والخنزير جائز عند مفاجأة القتال وليس جائزا في حالة الاختيار بخلاف الثياب النجسة وفي جلد الشاة الميتة وجهان يبتنيان على أن تحريم لبس جلد الكلب للتغليظ أو لنجاسة العين وكذلك في تجليل الخيل بجل من جلد الكلب تردد والظاهر جوازه وفي الاستصباح بالزيت النجس قولان فأما تسميد الأرض بالزبل فجائز لمسيس الحاجة كتاب صلاة العيدين وهي سنة مؤكدة على كل ما يلزمه حضور الجمعة والأصل فيه الإجماع والفعل المتواتر من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى { فصل لربك وانحر } قيل أراد به صلاة عيد النحر وذهب الإصطخري إلى أنها من فروض الكفايات وطردوا ذلك في جميع الشعائر وأقل هذه الصلاة ركعتان كسائر النوافل والتكبيرات الزائدة ليست من أبعاضهافلا يتعلق بتركها سجود السهو ووقتها ما بين طلوع الشمس إلى زوالها وشروطها كشرط سائر الصلوات وقال في القديم شرطها كشرط الجمعة إلا أن خطبتها تتأخر ويحوز أداؤها في الجبانة البارزة من خطة البلد فأما الأكمل فنذكر سوابقه ولواحقه على ترتيب الوجود وله سنن الأولى إذا غربت الشمس ليلة عيد الفطر يستحب التكبيرات المرسلة إلى أنيتحرم الإمام بصلاة العيد فالناس يصبحون مكبرين حيث كانوا وفي الطريق رافعي أصواتهم كذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونص في موضع أنهم يكبرون إلى خروج الإمام وقيل إنه قول آخر والصحيح أن المراد به تحرم الإمام لأنه يتصل به غالبا ونقل نص آخر أنه يدوم إلى آخر الخطبة وهل تستحب هذه التكبيرات إدبار الصلوات ليلة العيد وصبيحته فعلى وجهين ووجه المنع أن يتميز هذا الشعار عن شعار التكبيرات المقيدة في عيد النحر كما سيأتي الثانية إحياء ليلتي العيد قال عليه الصلاة والسلام من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب الثالثة الغسل بعد طلوع الفجر أما قبله فهل يجزئ فيه وجهان أحدهما لا كالجمعة والثاني نعم لأن أهل القرى يبكرون ليلا فيعر عليهم الغسل بعد الخروج فيجعل جميع الليل وقتا الرابعة التطيب والتزين بالثياب البيض للقاعد والخارج لأنه يوم السرور وأما العجائز فيخرجن في ثياب البذلة وقال أبو حنيفة لا يخرجن ويحرم على الرجال التزين بالحرير والإبريسم المحض وفيه مسائل الأولى المركب من الإبريسم وغيره فيه طريقان منهم من نظر إلى القلة والكثرة في الوزن ومنهم من نظر إلى الظهور فأحل الخز وحرم العتابي الثانية الثوب المطرز والمطرف بالديباج مباح كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب كذلك والمحشو بالإبريسم والحرير مباح إذ لا يعد لابسه لابس حرير فإن كانت البطانة من حرير لم يجز لأنه لم يحرم بسبب الخيلاء بل لأنه ترفه في خنوثة لا تليق بشهامة الرجال وأمر الحرير أهون من الذهب إذ المطرف بغير حاجة جائز والمضبب غير جائز الثالثة افتراش الحرير محرم على الرجال وفي تحريمه على النساء خلاف تلقيا من المفاخرة وفي تحريم إلباس الصبيان الديباج خلاف من حيث إن شهامة الصبي لا تأبي ذلك الرابعة حيث حرمنا الحرير أبحناه لحاجة القتال ولحاجة المحكة مع السفر ولو انفردت عن السفر وأمكن التعهد ففيه خلاف ووجه الجواز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لحمزة في الحرير لحكة كانت به ولم تخصص السنة الخامسة إذا اغتسل وتزين وتطيب فليقصد الصحراء ماشيا فهو أولى من الركوب وليبكر في عيد الأضحى ليتسع وقت الأضحية بعد الصلاة وليستأخر قليلا في الفطر ليتسع تفرقة الصدقات وليفطر في عيد الفطر قبل الصلاة وليمسك في عيد النحر حتى يصلي والصلاة في الصحراء أفضل إلا بمكة فإن اتسع المسجد ببلد آخر فوجهان أحدهما المسجد أولى كمسجد مكة والثاني لا لأن مكة مخصوصة بالشرف السادسة ينبغي أن يخرج القوم قبل الإمام ينتظرونه ولا بأس لوصلوا متنفلين فإذا خرج الإمام تحرم بالصلاة ولم ينتظر أحدا فإذا انتهى إلى المصلى نودي الصلاة جامعة وتحرم بالصلاة فيقرأ دعاء الاستفتاح أولا ثم يكبر سبعا سوى تكبيرة الإحرام والهوي ويقول بين كل تكبيرتين سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإذا فرغ منهاتعوذ وقرأ الفاتحة وسورة ق وفي الثانية يكبر خمسا زائدة كما مضى ثم يقرأ الفاتحة وسورة اقتربت ويستحب رفع اليدين في هذه التكبيرات وقال أبو حنيفة التكبيرات الزائدة ثلاثة في كل ركعة وقال مالك في الأولى ستة وفي الثانية خمسة وهو مذهب ابن عباس السابعة الخطبة بعد الصلاة وهي كخطبة الجمعة إلا في شيئين أحدهما أنه يكبر قبل الخطبة الأولى تسع تكبيرات وقبل الثانية سبع تكبيرات علىمثال الركعتين الثاني أن الخطيب في الجمعة كما صعد جلس لسماع الأذان وهاهنا يجلس للاستراحة إذ لا أذان وقال أبو إسحاق المروزي لا يجلس هاهنا الثامنة إذا فرغ من الخطبة انصرف إلى بيته من طريق آخر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من طريق ويعود من طريق فقيل كان يحذر من مكائد المنافقين وقيل ليستفتى في الطريقين وقيل كانيسلك أطول الطريقين في الذهاب لأنه قربة ثم من شارك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المعاني تأسى به ومن لم يشاركه في السبب ففي التأسي به في الحكم وجهان التاسعة يستحب في عيد النحر رفع الصوت بالتكبير عقيب خمس عشرة مكتوبة أولها الظهر من يوم العيد وآخرها الصبح من آخر أيام التشريق وهو مذهب ابن عباس وفيه قولان آخران أحدهما أنه يستحب عقيب ثلاث وعشرين صلاة أولها الصبح من يوم عرفة وآخرها العصر آخر أيام التشريق الآخر أنه يدخل وقته عقيب صلاة المغرب ليلة النحر ولم يتعرض في هذا النص للأخير والقول الثاني في الثلاث مذهب عمر وعلي رضي الله عنهما وإحدى الروايتين عن ابن عمر وابن مسعود ومذهب المزني واختيار ابن سريج وقيل مذهب الشافعي هو الأول وما عداه حكاية لمذهب الغير ثم اختلفوا في أربع مسائل الأولى أن إرسال هذه التكبيرات في هذه الأيام هل يستحب من غير صلاة كما اختلفوا في أن التكبيرات المرسلة ليلتي العيدين هل تستحب عقيب الصلاة الثانية أنها تستحب عقيب الفرائض وعقيب النوافل قولان الثالثة لو قضيت صلاة هذه الأيام في غيرها فلا يكبر ولو قضيت فيها كبر والتكبير مقضي أو مؤدى فيه قولان فإن قلنا مؤدى فلو قضى فيها صلاة غير هذهالأيام كبر عقيبها وإن قلنا مقضية فلا الرابعة إذا كبر الإمام خلف صلاة على خلاف اعتقاد المقتدي فقد تردد ابن سريج في أنه هل يوافق بسبب القدوة كما يوافق في القنوت من حيث إن توابع الصلاة من الصلاة وكيفية هذه التكبيرات أن يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا وقال أبو حنيفة مرتين ثم يقول بعده كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصرعبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله والله أكبر فروع أربعة الأول لو ترك تكبيرات الركعة ناسيا وتذكرها بعد القراءة فالمنصوص جديدا أنه لا يكبر لفوات وقته وقال في القديم يكبر لبقاء القيام ومن الأصحاب من طرد القول القديم في تدارك دعاء الاستفتاح الثاني إذا فات صلاة العيدين بزوال الشمس ففي قضائها أربعة أقوال أحدهما لا يقضي الثاني يقضي ولكن يوم الحادي والثلاثين إن فات يوم الثلاثين لأنه يحتمل هذا اليوم الأداء الثالث يقضي طول هذا الشهر الرابع أنه يقضي أبدا وقد سبق نظيره في النوافل الثالث إذا شهدوا على الهلال قبل الزوال أفطرنا وصلينا وإن أنشأوا الشهادة بعد الغروب يوم الثلاثين لم يصغ إليهم إذ لا فائدة إلا ترك صلاة العيد وإن أنشأوا بين الزوالوالغروب أفطرنا وبان فوات العيد فإن رأينا قضاءها فبقية اليوم أولى أو يوم الحادي والثلاثين فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى المبادرة وفي الثاني إلى أن تشبه وقت القضاءبالأداء وفيه وجه أنا نفطر ولا نحكم بفوات الصلاة فإن الغلط ممكن وهذا شعار عظيم لا يمكن تفويته فيصلي يوم الحادي والثلاثين بنية الأداء أما إذا شهدوا قبل الغروب ولكن عدلوا بالليل ففي فوات الصلاة وجهان أحدهما لا لأن النظر إلى وقت التعديل وقد عدل في غير وقته والثاني أن النظر إلى وقت الشهادة الرابع إذا كان العيد يوم الجمعة وحضر أهل القرى ممن يبلغهم النداء فالقياس أنه لا يجوز لهم الانصراف حتى يصلوا الجمعة وقال العراقيون الصحيح الجواز ورووا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرخص لأهل السواد في مثل هذا اليوم في الانصراف كتاب صلاة الخسوف وهي سنة في سائر الأوقات لأن لها سببا خلافا لأبي حنيفة ولما مات إبراهيم ولد النبي عليه الصلاة والسلام كسفت الشمس فقال بعض الناس إنها كسفت لموته فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الشمس والقمر لآيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة ثم أقل هذه الصلاة ركعتان ينوي فيها صلاة الخسوف ثم يقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يعتدل فيقرأ الفاتحة ثم يركع على ترتيب سائر الصلوات وكذلك يفعل في الثانية وفي كل ركعة قيامان وركوعان فلو تمادى الخسوف جاز أن يزيد ثالثا ورابعا على أحد الوجهين إذ روى أحمد بن حنبل أن الركوع في كل ركعة ثلاث فليحمل على صورة التمادي والقياس المنع إن لم يصح الخبر وكذا الوجهان في أنه بعد الفراغ هل يستأنف صلاة أخرى عند التمادي وكذا الوجهان في أنه هل يقتصر على ركوع واحد إن أسرع الانجلاء فأما الأكمل فهو أن يقرأ في القومة الأولى بعد دعاء الاستفتاح سورة الفاتحة والبقرة وفي الثانية الفاتحة وآل عمران وفي الثالثة الفاتحة والنساء وفي الرابعة المائدة أو مقدارها من القرآن وذلك بعد الفاتحة في كل قومة فأما الركوع فيسبح في الأول مقدار مائة آية وفي الثاني بقدر ثمانين وفي الثالث بقدر سبعين وفي الرابع بقدر خمسين وأما السجدات فلا يطولها ونقل البويطي عنه أنها على قدر الركوع الذي قبله ولا خلاف أن القعدة بين السجدتين لا تطول ثم إذا فرغ من الصلاة يستحب أن يخطب خطبتين كما في العيد إلا أنه لا يجهر في الكسوف بالقرآن لأنه نهاريويجهر بالخسوف لأنه بالليل والجماعة فيها مسنونة غير واجبة فروع ثلاثة الأول المسبوق إذا أدرك الركوع الثاني نقل البويطي أنه لا يكون مدركا لأن الأصل هو الأول وقال صاحب التقريب يصير مدركا للقومة التي قبلها فبقي عليه قيام واحد وركوع واحد والأول أصح الثاني تفوت صلاة الكسوف بالانجلاء وبغروب الشمس كاسفة وتفوت صلاة الخسوف بالانجلاء وبطلوع قرص الشمس ولا تفوت غروب القمر في جنح الليل خاسفا لأن الليل باق وسلطان القمر في جميعه وهل تفوت بطلوع الصبح فيه قولان الجديد أنه لا تفوت لبقاء سلطنة القمر بدوام الظلمة الثالث إذا اجتمع عيد وخسوف وخيف الفوات فالعيد أولى وإن اتسع الوقت فقولان أحدهما الخسوف أولى لأنه على عرض الفوات بالانجلاء والثاني العيد أولىلأنه سنة مؤكدة ربما يعوض عنها عائق ولو أنكر منجم وجود الكسوف يوم العيد لم نرده على قولنا إن الله على كل شيء قدير ولو اجتمع كسوف وجمعة قدمنا الجمعة إن خفنا فواتها وإلا فقولان كما في العيد ثم قال الشافعي رضي الله عنه يخطب للجمعة والكسوف خطبة واحدة يتعرض فيها للكسوف وللجمعة حتى لا يطول الوقت ولا بأس بوقوع الخطبة قبل صلاةالكسوف لأنها ليست من شرائطها وكذا يفعل عند اجتماع العيد والكسوف ولو اجتمع جنازة مع هذه الصلوات فهي مقدمة إلا مع الجمعة عند ضيق الوقت ففيه خلاف والأصح تقديم الجمعة ووجه تقديم الجنازة أن الجمعة لها بدل ثم قال الشافعي ولا يبرز بالناس لأنه ربما يفوت بالبروز ولا يصلى لغير الخسوفين من الآيات كالزلازل وغيرها كتاب صلاة الاستسقاء وهي سنة عرفت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة بدعة وسببها أن ينقطع ماء السماء أو العيون فتستحب عنده صلاة الاستسقاء ولو أخبرنا أن طائفة من المسلمين ابتلوا به فيسن لنا أن نستسقي لهم لأن المسلمين كنفس واحدة ثم إن سقوا يوم الخروج فذاك وإن تمادى كررنا ثانيا وثالثا كما يراه الإمام فإن سقواقبل الاستسقاء خرجوا للشكر والموعظة وفي أداء الصلاة للشكر وجهان وكذا في أدائها للاستزادة في النعمة ثم أقل هذه الصلاة كأقل صلاة العيد ووقتها وقتها وأكملها أن يأمر الإمام الناس بالتوبة والخروج من المظالم وأن يستحل بعضهم بعضاويأمرهم بالصوم ثلاثة أيام ثم يخرجون في الرابع في ثياب بذلة وتخشع بخلاف العيد ويستحب إخراج الصبيان وفي إخراج البهائم قصدا تردد ولا بأس بخروج أهل الذمة ويحازون إلى جانب ومن أصحابنا من قال هي كصلاة العيد إلا أنه يبدلالسورة في إحدى الركعتين فيقرأ { إنا أرسلنا نوحا } لاشتمالها على قوله تعالى { يرسل السماء عليكم مدرارا } ثم يخطب الإمام بعد الفراغ خطبتين كما في العيد لكن يبدل التكبيرات بالاستغفار ثم يلحقه بالدعاء في الخطبة الثانية ويستقبل القبلة فيهما ويستدبر الناس ثم يحول رداءه تفاؤلا بتحويل الحال وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقلب الأعلى إلى الأسفل واليمين إلى اليسار والظاهر إلى الباطن وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة فتعذر عليه لما حاول قلبها من الأعلى إلى الأسفل فترك فرأى الشافعي رضي الله عنه في الجديد الإتيان بما هم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ويستحب أن يدعو في الخطبة الأولى ويقول اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا طبقا سحا دائما اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء والضنك والجهد ما لا نشكو إلا إليك اللهم أنبت لنا الزرع وأدر لنا الضرع واسقنا من بركات السماء اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري واكشف عنا ما لا يكشفه غيرك اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا والله أعلم كتاب الجنائز والنظر فيه يتعلق بآداب المحتضر وبعسل الميت وتزيينه وتكفينه وحمل جنازته والصلاة عليه ودفنه والتعزية والبكاء عليه فتجري فيه على ترتيب الوجود اعتيادا القول في المحتضر من أشرف على الموت فليستقبل به القبلة وهو أن يلقى على قفاه وأخمصاه إلى القبلة وقيل إنه يلقى على جنبه الأيمن كما يفعل به في لحده ويستحب أن يلقن كلمتي الشهادة برفق من غير إضجار وأن تتلى بين يديه سورة يس وليكن هو في نفسه حسن الظن بالله عز وجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ثم إذا فاضت نفسه تغمض عيناه ويشد لحياه بعصابة كيلا يتشوه خلقه وتلين مفاصله كيلا يتصلب ويصان عن الثياب المدفئة فإنها يسرع إليه الفساد فيستر بثوب خفيف ويوضع على بطنه سيف أو مرآة كيلا يربو بطنه ولا يوضع عليه مصحف القول في الغسل والنظر في كيفيته وفي الغاسل أما الكيفية فأقله إمرار الماء على جميع الأعضاء كما في الجنابة وفي النية وجهان أحدهما لا تجب لتعذرها على المغسول والثاني أنها تجب على الغاسل وإنما الميت محل الغسل وعلى هذا يبتنى غسل الكافر ومن لفظه البحر وانغسلت أعضاؤه أما الأكمل فلتقدم عليه ثلاثة أمور الأول أن ينقل إلى موضع خال على لوح مهيأ لذلك ولا ينزع قميصه بل يغسل فيه وإن مست الحاجة إلى مس بدنه فتق الغاسل القميص وأدخل يده فيه وإن نزع القميص جاز ولكن يستر عورته إذ يحرم النظر إليها ويكره النظر إلى جميع بدنه إلا للحاجة الثاني أن يحضر ماء باردا كيلا يتسارع إليه الفساد وليكن طاهرا طهورا ولو استعمل السدر في بعض الغسلات جاز لكن المتغير بالسدر لا يتأدى به الغرض خلافا لأبي إسحاق المروزي وينبغي أن يعد موضعا كبيرا للماء وينحيه عن المغتسل بحيث لا يصل إليه رشاش الماء المستعمل الثالث أن يبدأ بالاستنجاء فليجلس الميت ويمسح يده على بطنه متحاملا بقوته لتنتفض الفضلات وعنده تكون المحجرة متقدة فائحة بالطيب ثم يرده إلى هيئة الاستلقاء ويلف خرقة على يده ويغسل إحدى سوأتيه مبالغا فيه ثم يبدل الخرقة ويغسل الأخرى وإن كان على بدنه نجاسة أزالها ثم يتعهد أسنانه ومنخريه بخرقة نظيفة مبلولة ويكون ذلك كالسواك ثم يوضئه ثلاثا مع المضمضة والاستنشاق فإن كانت أسنانه متراصة فلا يفتحها للمضمضة بل يوصل الماء إلى أفرة وإن كانت مفتوحة ففي إيصال الماء إلى داخل الفم تردد خيفة منتسارع الفساد ثم يتعهد شعره بمشط واسع الأسنان احترازا عن النتف ثم يبتدأ بالغسل وكيفيته أن يضجعه على جنبه الأيسر ويصب الماء على شقه الأيمن مبتدئا من رأسه إلى قدمه ثم يضجعه على الشق الأيمن وكذلك يفعل بالشق الأيسر وهي غسلة واحدة ثم يفعل ذلك ثلاثا ويمر في كل نوبة اليد على بطنه لخروج الفضلات فإن حصل النقاء بثلاث فذاك وإلا فخمس أو سبع ثم يبالغ في نشفه صيانة للكفن عن الرطوبة ويستعمل قدرا من الكافور لدفع الهوام فرعان أحدهما لو خرجت منه نجاسة بعد الغسل ففيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه يعيد الكل الثاني أنه يعيد الوضوء دون الغسل الثالث يقتصر على إزالة النجاسة الثاني لو احترق مسلم وكان في غسله ما يهرئه يممناه ولو كان عليه قروح وغسله يسرع إليه الفساد غسلناه لأن مصيره إلى البلى النظر الثاني في الغاسل ويجوز للرجال غسل الرجال وللنساء غسل النساء وعند اختلاف الجنس فلا يجوز إلا بزوجية أو محرمية ويجوز بملك اليمين للسيد في أمته ومستولداته وهل ويجوز لهما غسل السيد فوجهان أحدهما نعم كالزوجة والثاني لا لأنهما صارتا أجنبيتين بالعنق والانتقال إلى الورثة فرعان الأول لو ماتت امرأة ولم تجد إلا رجلا أجنبيا أو مات رجل ولم يجد إلا أجنبية تولى الغسل من حضر مع عض البصر وكذا الخنثى يتولى غسله إما الرجال وإما النساء استصحابا لحكم الصغر وقيل يتيمم في هذه الصور وفقد الغاسل كفقد الماء وهو بعيد الثاني إذا ازدحم جمع يصلحون للغسل على امرأة فالبداية بنساء المحارم ثم بعدهن بالأجنبيات ثم بالزوج ثم برجال المحارم وترتيب المحارم كترتيبهم في الصلاة هذه طريقة المراوزة وذكر العراقيون وجها في تقديم الزوج على نساء المحارم لأنه ينظر إلى ما لا ينظرون إليه ووجها في تقديم رجال المحارم على الزوج لأن النكاح منقطع بالموت ولا شك أن المسلم الأجنبي أولى من القريب المشرك هنا إذا تنافسوا فإن تواكلوا فللمتأخر أن يتعاطى الغسل قال الشيخ أبو محمد الترتيب بين الرجال والنساء واجب لا يدخله الخيرة أما التواكل بين الرجال أو بين النساء فغير ممتنع القول في التزيين وفي قلم أظفار الميت وحلق شعره الذى كان يحلقه ندبا في حال الحياة قولان أحدهما يستحب لقوله عليه الصلاة والسلام افعلوا بموتاكم ما تفعلون بأحيائكم والثاني لا لأن حكم الموت شامل لأجزائه فلا يفصل منه شئ أما المحرم فلا يحلق شعره ولا يخمر رأسه إن كان رجلا ووجهه إن كانت امرأة ولا يقرب طيبا وفي صيانة المعتدة عن الطيب وجهان ووجه الفرق أن امتناعها تحرز عن الرجال أو تفجع على الزوج وقد فات بالموت القول في التكفين وأحب الثياب إلى الله البيض ولبكن جنسه القطن أو الكتان أما الحرير فيحرم على الرجال ويكره للنساء لأجل السرف وأقل الكفن ثوب واحد ساتر لجميع البدن فلو أوصى بما دون ذلك لم ينفذ لأنه حق الشرع فأما الثاني والثالث فهو حق الميت ينفذ وصيته في إسقاطها والصحيح أن الورثة يلزمهم الثاني والثالث وهل للغرماء المنازعة فيها فيه وجهان أحدهما نعم لأن تبرئه ذمته أولى من الزيادة على واحد والثاني لا لأن ذلك من تجمله بعد الموت فهو كعمايتة ودراعته في حال حياته فأما المرأة إن لم تخلف مالا فهل يجب على زوجها تجهيزها فوجهان أحدهما لا لأن النكاح قد انتهى الثاني نعم لأن النكاح قد استقر وأوجب الإرث وهذه آخر حاجاتها في الكسوة فإن لم نوجب على الزوج فتكفين كل فقير من بيت المال ولكن بثوب واحد أو بثلاثة فيه وجهان الظاهر أنه ثوب واحد أما الأكمل فهو الثلاث في حق الرجال والزيادة إلى الخمس جائز من غير استحباب وفي حق النساء مستحب والزيادة على الخمس سرف على الإطلاق ثم إن كفن في خمس فعمامة وقميص وثلاث لفائف وإن كفن في ثلاث فثلاث لفائف من غير قميص ولا عمائم كلها سوابغ وإن كفنت في خمس فإزار وخمار وثلاث لفائف وفي قول تبدل لفافة بقميص وإن كفنت في ثلاث فثلاث لفائف وإنما التردد في القميص إذا كفنت في خمس أما كيفية الإدراج في الكفن فأن يفرش اللفافة العليا ويذر عليها الحنوط ويبسط عليها الثانية ويذر عليها الحنوط ويبسط الثالثة ويزاد في الحنوط ويوضع الميت عليها ثم يأخذ قدرا صالحا من القطن الحليج ويلف قدرا منه ويدسه في الأليتين ثم يبسط عليه قدرا عريضا من القطن ويشد الأليتين ويستوثق كيلا يخرج منه خارج ثم يعمد إلى المنافذ من العين والفم والأنف والأذن ويلصق بكل موضع قطنه عليها كافور ثم يلف الكفن عليه ويستحب أن يبخر الكفن بالعود وهو أولى من المسك وفي كون الحنوط واجبا أو مستحبا وجهان والصحيح أنه مستحب القول في حمل الجنازة والأولى أن يحمله ثلاثة ويكون السابق بين العمودين فإن لم يستقل بحمل الخشبتين فرجلان من جانبيه وهو بين العمودين فيكونون خمسة وقال أبو حنيفة الحمل بين العمودين بدعة ومن أراد أن يحمل الجنازة فليحملها من جميع جوانبها فيحمل على عاتقه الأيمن مقدمة الجنازة ثم يرجع إلى مقابله من مؤخرتها ثميفعل ذلك بالشق الآخر ثم المشي أمام الجنازة أفضل عندنا وقال أبو حنيفة خلفها أفضل وقال أحمد إن كان راكبا فخلفها وإن كان ماشيا فأمامها والمشي أفضل من الركوب والإسراع بالجنازة أولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان خيرا فإلى خير تقدمونه وإن كان غير ذلك فبعدا لأهل النار القول في الصلاة على الميت والنظر في أربعة أطراف الأول فيمن يصلى عليه وهو كل ميت مسلم ليس بشهيد فهذ ثلاثة قيود القيد الأول الميت وفيه مسألتان الأولى لو صادفنا عضو آدمي واحتمل كون صاحبه حيا لم نصل عليه وإن قطع بموت صاحبه غسلناه وصلينا عليه وواريناه بخرقة ودفناه وتكون هذه الصلاة على الميت الغائب وقال أبو حنيفة لا يصلى عليه إلا إذا وجد النصف الأكبر فإنه لا تجوز الصلاة على الغائب عنده الثانية السقط إن خرج واستهل فهو كالكبير وإن لم يظهر عليه التخطيط فيوارىفي خرقة ولا يغسل ولا يصلى عليه لأنه لم يتحقق حياته وإن ظهر شكل الآدمي ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كالكبير استدلالا بالشكل على الروح والثاني لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه لم تحقق حياته والثالث أنه يغسل ولا يصلى عليه والدفن يجب قولا واحدا والكفن لا يجب إكماله إلا إذا أوجبنا الصلاة وإن اختلج بعد الانفصال قليلا ثم سكن فالخلاف هاهنا مرتب وأولى بأن يعتقد حياته القيد الثاني الإسلام فلا يصلى قط على كافر ولا على مبتدع يكفر في بدعته وإن كان الكافر حربيا فلا يجب دفنه وأما الذمي فتحرم الصلاة عليه ولكن دفنه وتكفينه من فروض الكفايات وفاء بالذمة وفي كلام الصيدلاني إشارة إلى أنه كالحربي إذ لم يبق له ذمة بعد الموت فرع إذا اختلط موتى المسلمين بالمشركين نغسلهم ونكفنهم تقصيا عن الواجب ثم عند الصلاة نميز المسلمين عن الكافرين بالنية القيد الثالث الشهادة فلا يغسل شهيد ولا يصلى عليه والشهيد من مات بسبب القتال مع الكفار في وقت قيام القتال فهذه ثلاثة معان فإن كان في قتال أهل البغي أو مات حتف أنفه في قتال الكفار أو مات بعد انقضاء القتال بجراحة مثخنة أصابته في القتال أو قتله الحربي اغتيالا من غير قتال ففي الكل قولان أحدهما يثبت له حكم الشهادة للاشتراك في المعنى والثاني لا لأن لكل وصف من هذه الأوصاف أثرا ولا خلاف أن من أصابه في القتال سلاح مسلم أو وطأته دواب المسلمين فمات فهو شهيد ولا خلاف أن المجروح إذا كان يتوقع حياته فمات بعد انقضاء القتال فليس بشهيد وإنما القولان فيمن يقطع بأنه يموت إذا بقيت فيه حياة مستقرة فأما القتيل ظلما من مسلم أو ذمي أو المبطون أو الغريب إذا مات فهؤلاء يصلىعليهم وإن ورد فيهم لفظ الشهادة والقتيل بالحق قصاصا أو حدا ليس بشهيد فرعان أحدهما تارك الصلاة إذا قتل يصلى عليه قال صاحب التلخيص يطمس قبره ولا يكفن ولا يصلى عليه تحقيرا له وهو بعيد الثاني قاطع الطريق إذا صلب قيل لا يصلى عليه تغليظا والظاهر أنه يغسل ويصلى عليه وإن قلنا إنه يترك مصلوبا حتى يتهرى فالطريق أن نقتله أولا ونغسله ونصلي عليه ونصلبه في كفنه وكأن الهواء قبره وإن قلنا يقتل مصلوبا فينزل بعد القتل ويصلى عليه ويدفن ومن يرى أنه يقتل مصلوبا ويبقى فلا يتمكن من الصلاة فإن قيل فبماذا يفارق الشهيد غيره قلنا في أربعة أمور الأول الغسل فإنه حرام في حقه وإن كان جنبا لقوله عليه الصلاة والسلام زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما فاللون لون الدم والريح ريح المسك وخرج ابن سريج وجها في الجنب أنه يغسل الثاني الصلاة عليه حرام عندنا خلافا لأبي حنيفة ومن أصحابنا من قال جائز ولكنه غير واجب الثالث لا يزال دم الشهادة وهل يزال سائر النجاسات فيه ثلاثة أوجه أحدها نعم لأن المعفو عنه أثر الشهادة والثاني لا لأن إزالتها يؤدي إلى إزالة أثر الشهادة والثالث أنه إن كان يؤدي إلى الإزالة فلا يزال وإلا فيزال الأمر الرابع التكفين في حقه كهو في حق غيره إلا أن الثياب الملطخة بالدم لا ينزع ولو نزعه الوارث أو أبدله فلا يمنع وأما الدرع والثياب الخشنة فلا شك في نزعها الطرف الثاني فيمن يصلي والنظر في صفة الإمام وموقفه أما الصفة فالأولى بالصلاة القريب ولا يقدم على القرابة إلا الذكورة حتى يقدم صبي مراهق على امرأة والوالي يقدم على القريب في القديم ثم ترتيب الأقارب أن يبدأ بالأب ثم الجد ثم الابن ثم العصبات على ترتيبهم في الولاية ثم في تقديم الأخ من الأب والأم على الأخ من الأب طريقان أحدهما أن فيه قولين كما في النكاح والصحيح التقديم لأن لقرابة النساء مدخلا في الصلاة وكذلك إذا فقدنا العصبات قدمنا ذوي الأرحام والأولى تقديم المعتق عليهم كما في الإرث فرعان أحدهما أن السن والفقه إذا تعارضا في أخوين قالت المراوزة الأفقه أولى كما في سائر الصلوات وقال العراقيون نص الشافعي رضي الله عنه هاهنا يدل على أن السن أولى ونصه في سائر الصلوات يدل على أن الفقه أولى ففي المسألتين قولان بالنقل والتخريج ووجه تقديم السن هاهنا أن المراد الدعاء وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله يستحي أن يرد دعوة ذي الشيبة المسلم الثاني عبد فقيه وحر غير فقيه وأخ رقيق وعم حر ففي المسألتين وجهان ولعل التسوية أولى لتعادل الخصال وعند التسوية لا مرجع إلا إلى القرعة أو التراضي فأما الموقف فليقف الإمام وراء الجنازة عند صدر الميت إن كان رجلا وعند عجيزة المرأة كأنه يحاول سترها عن القوم فلو تقدم على الجنازة ففيه خلاف مرتب على تقدم المقتدي على الإمام وأولى بالجواز لأن الغائب قد يصلى عليه ويكون الميت وراء المصلي وإن كان ذلك بسبب الحاجة فلا بأس بإدخال الجنازة المسجد خلافا لأبي حنيفة فرعان الأول إذا اجتمع الجنائز فيجوز أن يفرد كل واحدة بالصلاة ويجوز أن يصلى على الجمع وفي كيفية الوضع وجهان الأصح أنه يوضع الكل بين يدي الإمام على هذه الصورة الثاني أنه يوضع صفا مادا في يمين الإمام على هذه الصورة الثاني أن قرب الجنازة من الإمام رتبة مطلوبة مستحق بالسبق مرة وبالتقدم في الرتبة أخرى فيوضع الرجل أولا ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة ولا يقدم بالحرية والرق ولكن بصفات دينية تزيد الرغبة في الصلاة عليه ولو سبقت جنازة امرأة فإذا ألحق رجل نحيت المرأة ولو سبق جنازة صبي لا تنحى بسبب رجل وذكر صاحب التقريب وجها أنه ينحى وعند تساوي الصفات فلا مرجع إلا إلى القرعة أو التراضي الطرف الثالث في كيفية الصلاة وأقلها تسعةأركان النية والتكبيرات الأربع والسلام والفاتحة بعد الأولى والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الثانية وفي الصلاة على الآل خلاف والدعاء للميت بعد الثالثة ركن وهو المقصود الأهم وقيل يكفي الدعاء للمؤمنين من غير ربط بالميت فلو زاد تكبيرة خامسة بطلت الصلاة على أحد الوجهين تشبيها لكل تكبيرة بركعة فأما الأكمل فيرفع السيد في التكبيرات عندنا خلافا لأبي حنيفة وفي دعاء الاستفتاح والتعوذ ثلاثة أوجه الأصح أنه لا يستحب الاستفتاح ويتعوذ لأنه من توابع القراءة ولا يجهر بالقراءة ليلا كان أو نهارا وقال الصيدلاني يجهر ليلا وفي استحباب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت تردد لأنه مبني على التخفيف والأصح الاستحباب ولم يتعرض الشافعي رضي الله عنه لذكر بين الرابعةوالسلام وروى البويطي أنه يقول اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده وفي تعدد السلام خلاف مرتب على سائر الصلوات والاقتصار هاهنا أولى فيسلم بتسليمة واحدة تلقاء وجهه وقيل يسلم ملتفتا إلى يمينه ويختم ووجهه مائل إلى يساره فيدير الوجه في تسليمه واحدة ولا خلاف في أنه لا يسجد في هذه الصلاة لسهو فروع ثلاثة الأول إن صلى شفعوي خلف من يكبر خمسا إن قلنا إن زيادة التكبير تبطل الصلاة فهي كالاقتداء بالحنفي وإن قلنا لا تبطل صحت القدوة ولكن في الموافقة في التكبير الزائد قولان جاريان في اختلاف فعل الإمام والمأموم وفي القنوت وتكبيرات العيدين أن الأولى المتابعة أم لا الثاني المسبوق يكبر كما أدرك وإن كان الإمام في القراءة وقال أبو حنيفة يصبر إلى أن يشتغل الإمام بالتكبيرة التى يستقبلها ثم لا بأس إن كان هو يقرأ بقية الفاتحة والإمام يصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو أول صلاة المسبوقولكن يساوق الإمام في التكبيرات فإذا سلم الإمام تدارك البقية ولا يبالي وإن رفعت الجنازة الثالث لو تخلف عن الإمام قصدا بتكبيرة بطلت صلاته لأنها كركعة وإذا لم يوافق فيما بين التكبيرتين لا يبقى للقدوة معنى الطرف الرابع في شرائط الصلاة وهي كسائر الصلوات وتتميز بأمور الأول أنه لا يشترط حضور ميت بل يصلى على الغائب خلافا لأبي حنيفة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي وقد مات بالحبشة وإن كانت الجنازة في البلد ففي صلاة من لم يحضرها خلاف لتيسر الحضور الثاني لا يشترط ظهور الميت بل تجوز الصلاة عليه بعد الدفن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسكينة بعد الدفن نعم لو دفنوا قبل الصلاة خرجوا ولكن تصح صلاتهم وصلاة الطائفة الثانية صحيحة عندنا خلافا لأبي حنيفة وليس ذلك تطوعا بل هو كما لو التحقوا بالجماعة الأولى وإنما التطوع أن يعيد الإنسان صلاة الجنازة وذلك غير مستحب ثم في مدة جواز الصلاة بعد الدفن خمسة أوجه أحدها أنه إلى ثلاثة أيام والثاني إلى شهر والثالث إلى انمحاق أجزائه والرابع أن من كان للصلاة أهلا يوم موته يصلى عليه ومن لا فلا الخامس أنه يجوز أبدا وعلى هذا فلا تجوز الصلاة على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال عليه الصلاة والسلام لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد الأمر الثالث أن هذه الصلاة فرض على الكفاية ويسقط الفرض بصلاة أربعة من الرجال صلوا جماعة أو آحادا وهل يسقط بجنس النساء فيه خلاف وقيل يكفي شخص واحد وقيل لا بد من ثلاث وقيل لا بد من أربع القول في الدفن الدفن من فروض الكفايات وأقله حفرة توارى بدن الميت وتحرسه من السباع وتكتم رائحته وأكمله قبر على قامة رجل ربع واللحد أولى من الشق قال النبي صلى الله عليه وسلم الشق لغيرنا واللحد لنا وليكن اللحد في جهة القبلة ثم توضع الجنازة على رأس القبر بحيث يكون رأس الميت عند مؤخر القبر فيسل الواقف داخل القبر الميت من قبل رأسه ويضعه في اللحد وقال أبو حنيفة توضع الجنازة بين القبلة والقبر عرضا ثم ترد قهقرى إلى القبر ثم قال الشافعي رضي الله عنه لا يدخل الميت قبره إلا الرجل فإن كان الميت امرأة فيتولى ذلك زوجها أو محارمها فإن لم يكونوا فعبيدها فإن لم يكونوا فخصيان فإن لم يكونوا فأرحام فإن لم يكونوا فالأجانب وذلك لأنهن يضعفن عن مباشرة هذا الأمر ثم إن كان المدفون صبيا استقل به واحد فإن زاد فليكن عددهم وترا ثم يضجعون الميت على جنبه الأيمن في اللحد قبالة القبلة بحيث لا ينكب ولا يستلقي وحسن أن يفضي بوجهه إلى تراب أو لبنة موضوعة تحت رأسه ولا يوضع رأسه على مخدة ثم ينصب اللين على فتح اللحد ويسد الفرج بما يمنع انهيار التراب عليه ثم يحثو كل من دنا ثلاث حثيات من التراب ثم يهال التراب عليه بالمساحي ولا يرفع نعش القبر إلا بمقدار شبر ولا يجصص ولا يطين ولو صب الحصى عليه فلا بأس ولو وضع حجر على رأس القبر للعلامة فلا بأس ثم تستطيع القبور عند الشافعي رضي الله عنه أفضل من تسنيمها لكن التسنيم الآن أفضل مخالفة لشعار الروافض حتى ظن ظانون أن القنوت إن صار شعارا لهم كان الأولى تركه هذا بعيد في أبعاض الصلاة وإنما نخالفهم في هيئات مثل التختم في اليمين وأمثاله ثم الأفضل أن يمكث المشيع للجنازة إلى أن يواري الميت قال صلى الله عليه وسلم من صلى على ميت وانصرف فله قيراط من الأجر ومن صلى واتبع الجنازة وشهد الدفن فله قيراطان فرعان الأول أنه لا يدفن في قبر واحد ميتان ما أمكن وإن اجتمع موتى في قحط وموتان جعلنا الرجلين والثلاثة في قبر واحد وقدمنا الأفضل إلى جدار اللحد فيقدم الأب على الابن والابن على الأم لمكان الذكورة ولأنه الأحسن في هيئة الوضع ولا يجمع بين الرجال والنساء فإن ظهرت الضرورة جعلنا بينهما حاجزا من التراب الثاني القبر محترم فيكره الجلوس والمشي والاتكاء عليه وليخرج الزائر منه إلا حد كان يقرب منه لو كان حيا ولا يحل نبش القبور إلا إذا انمحق أثر الميت بطول الزمان أو دفن من غير غسل فالظاهر أنه ينبش القبر ويغسل أو دفن في أرض مغصوبة وترك المالك إخراجه فإن حق الحي أولى بالمراعاة ولو دفن قبل الصلاة صلي عليه في القبر ولو دفن قبل التكفين فوجهان أظهرهما أنه لا ينبش لأن القبر ستره بخلاف الغسل فإن مقصوده لا يحصل بالدفن ولو دفن في كفن مغصوب فثلاثة أوجه أظهرهما أنه ينبش كالأرض المغصوبة وكما لو ابتلع لؤلؤة فإنه يشق بطنه لأجل ملك الغير والثاني أنه في حكم الهالك فيغرم القيمة إن أمكن وإلا فالنبش عند العجز عن القيمة لا بد منه والثالث أنه إن تغير الميت وأدى إلى هتك حرمته فلا ينبش وهو الأقيس وإلا فينبش القول في التعزية والبكاء والتعزية سنة قال عليه الصلاة والسلام من عزى مصابا فله مثل أجره ومقصوده الحمل على الصبر بوعد الأجر والتحذير من الوزر بإفراط الجزع وتذكير المصاب رجوع الأمر كله إلى الله تعالى ثم يعزى الكافر بقريبه المسلم والدعاء للميت ويعزى المسلم بقريبه الكافر ويكون الدعاء للحي فيقول جبر الله مصيبتك وألهمك الصبر ويستحب تهيئة طعام لأجل أهل الميت ولا يؤثر التعزية بعد ثلاث لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث أما البكاء فجائز من غير ندبة ونياحة وشق جيب وضرب خد فكل ذلك حرام لأنه يخالف الانقياد لقضاء الله تعالى بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض أولاده فقال سعد ما هذا فقال إنها رحمة وإن اللهيرحم من عباده الرحماء فإن قيل أليس قال إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه هكذا رواه عمر قلنا قال ابن عمر ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إنما قال يزاد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه حسبكم قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وكان الكفار يوصون بالبكاء والنياحة فلذلك زيد في عذابهم وقالت عائشة رضي الله عنها ما كذب عمر ولكنه أخطأ ونسي إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية ماتت ابنتها وهي تبكي فقال عليه الصلاة والسلام إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها باب تارك الصلاة تارك الصلاة يقتل قال عليه الصلاة والسلام من ترك صلاة متعمدا فقد كفر معناه عند الشافعي استوجب عقوبة الكافر وحكم أحمد بكفره وقال أبو حنيفة بخلى ولا قتل عليه ثم الصحيح أنه يقتل بصلاة واحدة إذا تركها عمدا وأخرجها عن وقت الضرورة فلا يقتل بصلاة الظهر إلا إذا غربت الشمسوفي مهلة الاستتابة ثلاثة أيام خلاف كما في استتابة المرتد وقد قيل إنه لا يقتل إلا إذا صار الترك عادة له وقيل إذا ترك صلاتين أو ثلاثة فكل ذلك تحكم ثم يقتل بالسين ويصلى عليه كما يصلى على المسلمين وقال صاحب التلخيص لا يرفع نعشه ولا يصلى عليه وهو تحكم لا أصل له والله أعلم كتاب الزكاة الأصل فيها من الكتاب قوله تعالى { وآتوا الزكاة } ومن السنة قوله عليه السلام بني الإسلام على خمس الحديث وقوله مانع الزكاة في النار والإجماع منعقد على وجوب الزكاة وهي بالإضافة إلى متعلقاتها ستة زكاة النعم والنقدين والتجارة والمعشرات والمعادن والفطرة النوع الأول الزكاة النعم والنظر في وجوبها وآدائها الطرف الأول في الوجوب وله ثلاثة أركان من يجب عليه وما يجب فيه وهو السبب والواجب أما من يجب عليه فلا يشترط فيه عندنا إلا الحرية والإسلام فتجب الزكاة على الصبي والمجنون ولا تجب على الكافر والرقيق أعني الكافر الأصلي وأما صفة الواجب وقدره فيتبين ببيان مقادير النصاب وإنما يطول النظر في الركن الثالث وهو ما يجب فيه وله ستة شرائط أن يكون نعما نصابا مملوكا متهيئا لكمال التصرف سائمة باقيا حولا الشرط الأول أن يكون نعما فلا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم ولا زكاة في البغال والحمير والخيل والرقق وقال أبو حنيفة في كل فرس أنثى سائمة دينار ولا زكاة في المتولدة من الظباء والغنم وقال أبو حنيفة إن كانت الأمهات من الغنم وجب الزكاة الشرط الثاني أن يكون نصابا أما الإبل ففي أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون ذكر وليس معه شيء فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة وإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنت لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة كل ذلك لفظ أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه كتبه في كتاب الصدقة لأنس بن مالك وبنت المخاض لها سنة وبنت اللبون لها سنتان وللحقة ثلاث وللجذعة أربع أما البقر فلا شيء فيه حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع وهو الذي له سنة ثم لا شيء حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة ثم لا شيء حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان ثم استقر الحساب ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة وهي التى لها سنتان وأما الغنم فقد روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة وفيه في الغنم في كل أربعين شاة إلى عشرين ومائة فإذازادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة والشاة الواجبة في الغنم هي الجذعة من الضأن أو الثنية من المعز والجذعة هي التي لها سنة واحدة وقيل ستة أشهر والثنية التى لها سنتان ثم يتصدى النظر في زكاة الإبل فيستة مواضع النظر الأول في إخراج الشاة عن خمس من الإبل وفيه ثلاث مسائل الأولى أن الواجب من حيث السن جذعة من الضأن أو الثنية من المعز ومن حيث النوع أعني تعيين الضأن من المعز فيه وجهان أحدهما أنه يعتبر غالب غنم البلد فإن كان الغالب الضأن أخرج الضأن كما تعتبر زكاة الفطر بغالب القوت على الأصح خلاف الشاة الواجبة في أربعين فإنه يعتبر بالمخرج منه لأنه من جنسه والثاني أنه يخرج ما شاء فإنه ينطلق عليه اسم الشاة ولم يجب إلا شاة كما يجري في الرقبة المطلقة في الكفاءة ما ينطلق الاسم عليه وكذا الشاة المذكورة في المناسك وقيل إنه يعتبر جنس غنم صاحب الإبل وهو بعيد الثانية لو أخرج جدعا ذكرا أو ثنيا ذكرا فيه وجهان أحدهما يجزئ اتباعا للاسم والثاني لا تنزيلا للمطلق هاهنا على المفصل في زكاة الغنم وهي الأنثى وهذا الخلاف جاء في شاة الجبران الثالثة لو أخرج بعيرا عن العشرين فما دونه يجزئ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فهو بأن يجزئ عن الأقل أولى ولا بأس وإن كانت قيمته أقل من الشاة وقال القفال لا يؤخذ ناقص القيمة وهو بعيد لأنه التفات إلى البدل ولم يوجد هذا بطريق البدلية وقيل إنه لا يجزئ بعير عن عشرة بل لا بد من حيوانين إما بعير وشاة وإما بعيران وهو أيضا بعيد لما ذكرناه من طريق الأولى وترددوا في أن البعير المخرج من الخمس هل كله فرض أو الفرض خمسه النظر الثاني في كيفية العدول عن بنت مخاض عند فقدها إلى ابن لبون وفيه أربع مسائل الأولى إن لم يكن في ماله بنت مخاض ولا ابن لبون تخير في الشراء لأنه مهما اشترى ابن لبون فقد صار موجودا دون بنت مخاض ويلزم أخذه وقال صاحب التقريب يتعين شراء بنت مخاض لاستوائهما في الفقد كاستوائهما في الوجود الثانية لو كان في ماله بنت مخاض معيبة فهي كالمعدومة فيؤخذ منه ابن لبون وإن كانت كريمة فلا يطالب بها قال القفال يلزمه شراء بنت مخاض لأنها موجودة في ماله وإنما نزل نظرا له فلا يؤخذ ابن لبون وقال غيره يؤخذ لأنها كالمعدومة إذ لا يجب تسليمها الثالثة الخنثى من بنات لبون تؤخذ بدلا عن بنت مخاض عند فقده لأنه بين أن يكون ذكرا أو أنثى وكلاهما مأخوذان وقيل إنه لا يؤخذ بدلا عن بنت مخاض لتشوه الخلقة بهذا النقصان الرابعة لو أخرج حقا بدلا عن بنت لبون عند فقدها أخذ جبرا لفوات الأنوثة بزيادة السن وقياسا على ابن لبون بالنسبة إلى بنت مخاض وقال صاحب التقريب يحتمل أنه لا يؤخذ لأنه بدل وليس منصوصا عليه النظر الثالث في الاستقرار فإذا زادت واحدة على مائة وعشرين ففيها ثلاث بناتلبون وفي انبساط الواجب على الواحدة وجهان أحدهما القياس أنه ينبسط والثاني أنه لا ينبسط حتى يكون في كل أربعين بنت لبون وعلى هذا بنى أنه لو زاد نصف بعير على مائة وعشرين وجب ثلاث بنات لبون وهو بعيد وأما أبو حنيفة فإنه قال يستأنف الحساب عند ذلك فيجب في كل خمس شاة وقال ابن خيران يتخير بين مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنهما النظر الرابع في اجتماع بنات اللبون والحقاق فإذا ملك مائتين من الإبل فهي أربع خمسينيات وخمس أربعينيات فإن لم يوجد في ماله إلا أحد السنين أخذ وإن فقد فله أن يشتري ما شاء على الصحيح وإن وجدا جميعا فالواجب إخراج الأغبط للمساكين لأنهما متساويان في الوجوب والوجود ولا بد من ترجيح فغرضالمساكين أولى ما يرجح به بخلاف الشاتين والدراهم في الجبران فإن لفظ الخبر دل على أن الخيرة للمعطي فيه وخرج ابن سريج قولا أنه يتخير هاهنا كما في الجبران ونقل العراقيون قولا أن الحقة تتعين لأن رغبة الشرع في زيادة السن أكثر منه في زيادة العدد فإنه لم يزد في العدد إلا بعد انقطاع الأسنان المعتبرة التفريع على النص إذا أخرج غير الأغبط فأخذ الساعي عمدا لم يقع الموقع وإن أخذه باجتهاده فوجهانفإن قلنا يقع الموقع ففي وجوب قدر التفاوت وجهان فإن قلنا يجب فإن لم يجد به شقصا أخذنا الدراهم فإن وجد فهل يجب شراء شقص فوجهان فإن قلنا يجب فيشتري من جنس الأغبط أو من جنس المخرج فوجهان فروع ثلاثة الأول لو أخرج حقتين وبنتي لبون ونصف ولم يجز للتشقيص فلو ملك أربعمائة فأخرج أربع حقاق وخمس بنات لبون فالأظهر الجواز وفيه وجه أنه لا يجوز التفريق في جنس المخرج الثاني لو جعل الحقاق الأربع أصلا ونزل إلى بنات المخاض وضم ثمانية جبرانات واتخذ بنات اللبون أصلا ورقي إلى الجذاع وطلب عشر جبرانات لا يجوز لأنه تخطى في الصورتين سنا واجبا هو أصل في نفسه وتكثير الجبران بغير حاجة لا يجوز الثالث لو كان في ماله حقة وأربع بنات لبون فجعل بنات اللبون أصلا وأخذ جبرانا للحقة جاز ولو جعل الحقة أصلا وأخرج معها ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات فالمذهب جوازه وقيل يمتنع لأنه يبقى في ماله بنت لبون وهو مستغن عن الجبران فيه النظر الخامس في الجبران وجبران كل مرتبة في السن عند فقد السن الواجب شاتان أو عشرون درهما منصوص عليه وإن رقي بسنين جمع بين جبرانين ولا مدخل للجبران في زكاة البقر وفيه أربع مسائل الأولى أن الخيرة إلى المعطى في تعيين الشاة أو الدراهم وفي الانخفاض لتسليم الجبران أو الارتفاع لأخذ الجبران قيل الخيرة فيه إلى المالك ومن أصحابنا من نقل نصا عن الإملاء أن المتبع الأغبط للمساكين كما في اجتماع الحقاق وبنات اللبونوهو بعيد لأنه أثبت ترفيها للمالك كيلا يحتاج إلى الشراء فلا يليق به إلا التخيير نعم لو كانت إبله مراضا فوجب بنت لبون فأخرج بنت مخاض مع جبران قبل ولو ارتقى إلى حقة وطلب جبرانا لم يجز لأنه ربما يزيد قيمة الجبران على المريضة الثانية لو وجب بنت مخاض فنزل إلى فصيل مع جبران لم يجز لأنه ليس ذلك سنا ولو وجبت جذعة فأخرج ثنية وطلب جبرانا فوجهان أحدهما له ذلك كسائر الأسنان والثاني لا لأن الثنية ليست من أسنان الزكاة الثالثة لو كان عليه بنت لبون فلم يجد وفي ماله حقة وجذعة فرقي إلى الجذعة وطلب جبرانين ففي جوازه وجهان وجه المنع أنه مستغن عن الجبران الثاني بوجود الحقة وكذا الخلاف إذا نزل من الحقة إلى بنت المخاض مع وجود بنت اللبون ولو رقي من بنت لبون إلى الجذعة مع وجود بنت مخاض فوجهان مرتبان وأولى بالجواز لأن القريب الموجود ليس في جهة الترقي الرابعة لا يجوز تفريق الجبران الواحد بإخراج شاة وعشرة دراهم ولو رقي سنينأو نزل وجمع بين عشرين درهما وشاتين جاز كما في كفاءة يمينين النظر السادس في صفة المخرج من حيث النقصان والكمال والنقصان خمسة المرض والعيب والذكورة والصغر ورداءة النوع كالمعز بالنسبة إلى الضأن فإن كان كل المال كاملا في هذه الصفات لم يؤخذ إلا الكامل وإن كان كل المال ناقصا فيؤخذ من جنسه إلا في نقصان الذكورة والسن فإن فيها وجهين أحدهما يؤخذ قياسا على غيره والثاني لا لأن اسم الشاة أو بنت لبون ينطلق على المريضة والمعيبة والرديئة ولا ينطلق على الذكر والفصيل وقد وجب بلفظ بنت لبون مثلا ولأنه يؤدي أخذ الذكر والصغير إلى التسوية بين القليل والكثير فيؤخذ من إحدى وستين واحدة ومن خمس وعشرين واحدةويؤخذ من ست وثلاثين ابن لبون ومن خمس وعشرين وهذا محال وفيه وجه ثالث أنه حيث يؤدي إلى التسوية فلا يأخذ إلا أنثى وكبيرة وإن جاوز هذا المقدار وأخذ من الصغار صغيرة أما إذا اختلف المال في هذه الصفات أما في صفة الذكورة والصغر فلا يأخذ إلا الأكمل فإذا كان في المال أنثى وكبيرة فلا يأخذ إلا الأنثى والكبيرة لأنه قال في خمس وعشرين بنت مخاض والغالب أن كل المال لا ينفك عن الصغير والذكر ولما روي أن عمر قال لمصدقه اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم وخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز فذلك عدل بين غذاء المالالمال وجباره الأكولة ما اتخذ للأكل والربى التى تربي ولدها والماخض الحامل وكل ذلك لا يؤخذ نظرا للمالك فإن تبرع به قبل وأما صفة المرض فإذا انقسم المال إلى صحيح ومريض لم يؤخذ إلا الصحيح نعم يؤخذ صحيح في أقل الدرجات حتى بالغ بعض أصحابنا وقال لو كان الصحيح واحدة والواجب شاتان صحيح فأخرجها مع مريضة لم يجز لأن المريضة تزكى المخرج معها وهي صحيحة وهذا سرف بل يقضى بأنه إذا لم يستبق شيئا من الصحيح جاز ثم يكتفى بصحيحة بقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان المملوك أربعين من الغنم كيلا يؤدي إلى الإجحاف به أما صفة العيب فإذا انقسم المال إلى معيب وصحيح فليخرج باعتبار القيمة ما يكون مساويا ربع عشر ماله في صورة الأربعين وإن كان الكل معيبا وبعضه أردأ قال الشافعي رضي الله عنه يخرج أجود ما عنده وقال الأصحاب يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الأصح وأما اختلاف النوع كالمعز والضأن والأرحبيةوالمهرية ففيه قولان أحدهما الأخذ بالأغلب لأن تمييز ذلك عسير وإن استويا فهو كاجتماع الحقاق وبنات اللبون والثاني أنه يأخذ من كل بقسطه حتى لو ملك عشرة أرحبية وعشرة مجيدية وخمسا مهرية فإنا نأخذ قيمة خمس ببنت مخاض أرحبية وخمس مجيدية وخمس مهرية ويشترى به صنفا من هذه الأصناف فخرج من هذا أنه مهما اختلف المال في الذكورة والأنوثة والصغيرة والكبيرة لا يأخذ إلا الكبيرة والأنثى وإن اختلف في المرض والعيب والسلامة فيأخذ بالنسبة من كل واحد وإن اختلف في النوع فقولان هذا بيان النصاب ولا زكاة على من لم يملك نصابا إلا إذا تم بالخلطة نصابا باب صدقة الخلطاء وفيه خمسة فصول الأول في حكم الخلطة وشرطها وحكم الخلطة تنزيل المالين منزلة ملك واحد في وجوب الزكاة وقدره وأخذه ثم قد يفيد ذلك تقليلا كمن خلط أربعين بأربعين لغيره فلا يلزمه إلا نصف شاة وقد يفيد تثقيلا كمن خلط عشرين بعشرين لغيره فيلزمه نصف شاة وأنكر أبو حنيفة أثر الخلطة ونفى مالك أثره فيما دون النصاب ودليل تأثير الخلطة قوله عليه السلام لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية والخليطان ما اجتمعا على الرعي والفحولة والحوض وللخلطة ستة شروط اتفقوا على اثنين منها الأول أن يكون الخليط أهلا لوجوب الزكاة فلا أثر للخلطة مع المكاتب والذمي الثاني اتحاد المسرح والمراح والمرعى والمشرع فإن التفريق في شئ من ذلك ينافي الخلطة في نفس المال الثالث اشتراك الراعي والفحل والمحلب وفيه وجهان من حيث إن الاستبداد به ليس تفريقا في نفس المال بل في تصرف متعلق بالمال ثم من شرط الاشتراك في المحلب لم يشترط على الصحيح خلط اللبن بل يكتفي أن تكون المحالب بينهم فوضى الرابع أن الاختلاط في جمع السنة هل يشترط فيه قولان كما سيأتي ذكرها الخامس أن القصد هل يراعى في الخلطة حتى لو اختلفت المواشي بنفسها أو تفرقت بنفسها من غير قصد المالك فهل يؤثر فيه وجهان كما سيأتي في العلف والإسامة السادس أن يكون ما فيه الخلطة نعما أما الثمار والزروع فهل تقاس الخلطة فيها على المواشي فيه ثلاثة أقوال أحدها نعم لأنه مال زكاة يحصل الرفق فيه بالخلطة كالمواشي والثاني لا لأن الخلطة في المواشي قد تزيد في الزكاة وقد تنقص وهاهنا لا يفيد إلا مزيدا فلم يكن في معناه الثالث أنه يثبت خلطة الشيوع دون خلطة الجوار إذ لا تتحد المرافق بالتجاور وغاية الممكن فيه اتحاد الناطور والنهر وأما الدراهم والدنانير فالمذهب أن خلطة الجوار لا تؤثر فيها إذ لا وقع لاتحاد الحانوت والحارس وفي خلطة الشيوع قولان الفصل الثاني في التراجع فإن كانت الأموال شائعة فلا حاجة إليه وإن كانت متجاورة مختلطة فالساعي يأخذ من عرض المال ما ينفق ثم يرجع المأخوذ منه بقيمة حصة خليطه فلو خلط أربعين من البقر بثلاثين لغيره فأخذ الساعي كلاهما من صاحب الأربعين رجع على الآخر بقيمة ثلاثة أسباع تبيع ومسنة وإن أخذهما من صاحب ثلاثين رجع على الآخر بأربعة أسباع ما أخذ منه وإن أخذ المسنة من صاحب الأربعين والتبيع من صاحب الثلاثين رجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على خليطه ورجع باذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه لأن جميع المالين كمال واحد وقال أبو إسحق المروزي إذا قدر الساعي على أن يعنيهما عن التراجع بأن يأخذ من كل واحد واجبه لزمه ذلك وما ذكره قادح في فقه الخلطة لأنه يبطل حكم اتحاد المالين الفصل الثالث في اجتماع الخلطة والانفراد في حول واحد فإذا ملك أربعين من الغنم غرة المحرم وملك غيره مثله في ذلك الوقت ثم خلطا غرة صفر فالقول الجديد أن الواجب في الحول الأول على كل واحد شاة تغليبا للانفراد وعلى القديم يجب نصف شاة نظرا إلى آخر الحول فأما إذا ملك الثاني غرة صفر وخلط غرة ربيع الأول فقد زاد تفرق أوائل الحولين فعلى الجديد تجب زكاة الانفراد في السنة الأولى إذا تمت على كل واحد ثم زكاة الخلطة بعدها وعلى القديم تجب زكاة الخلطة في الأولى والثانية على كل واحد نصف شاة إذا تمت سنته وخرج ابن سريج في اختلاف الحولين قولا ثالثا وهو أن الواجب أبدا زكاة الانفراد فإن الاتحاد قد تعذر بتفرق الأحوال وكان هذا شرط سابع في الخلطة ثم طرد هذا فيالواحد إذا اشترى أربعين ثم اشترى أربعين وجب في كل أربعين شاة عند تمام سنته أبدا ولا يجري فيما إذا اشترى عشرين ثم اشترى عشرين لأن الحول انعقد عليهما في وقت واحد فرعان أحدهما إذا ملك أحدهما أربعين وملك الآخر بعد شهر أربعين وكما ملك خلط فعلى القديم على كل واحد عند كمال سنته نصف شاة وعلى الجديد على الأول شاة وعلى الثاني نصف شاة فإنه كان خليطا في جميع سنته وذكر بعض أصحابنا أن عليه شاة لأن خليطه لم ينتفع بخلطته فهو أيضا لا ينتفع بتسوية بينهما وهو بعيد الثاني إذا ملك أربعين من الغنم وملك آخر عشرين بعد شهر وخلطه به فعلى الحديد يجب على الأول شاة عند كمال سنته وعلى الشريك ثلث شاة وعلى القديم على الأول ثلثا شاة وعلى الثاني ثلث شاة وعلى التخريج على الأول شاة وعلى الثاني لا يجب شئ أصلا الفصل الرابع في اجتماع المختلط والمنفرد في ملك واحد فلو خلط عشرين بعشرين لغيره وهو يملك أربعين ببلدة أخرى فقد اجتمع في حقه الخلطة والانفراد ففيه قولان أحدهما أن الخلطة خلطة ملك على معنى أن ارتباط الملك لا يتقاعد على المجاورة فكأنه خلط جميع ملكه بالعشرين والثاني أن الخلطة خلطة عين على معنى أن معنى الخلطة لا يتعدى إلى غير المخلوط فإن قلنا بخلطة العين فعلى صاحب العشرين نصف شاة وعلى القول الآخر عليه ربع شاة وكأنه خلط بستين أما صاحب الستين فقد اجتمع في حقه الأمران الانفراد والخلطة فعلى وجه تلزمه شاة تغليبا للانفراد وكأنه انفرد بالجميع وعلى وجه ثلاثة أرباع شاة تغليبا للخلطة فكأنه خالط بالجميع وعلى وجه خمسة أسداس ونصف سدس جمعا بين الاعتبارين فيقدر في الأربعين كأنه منفرد بجميع الستين فيخص الأربعين ثلثا شاة ونقدر في العشرين كأنه مخالط بالجميع فيخص العشرين ربع شاة والمجموع ما ذكرناه وفيه وجه رابع أن هذا التقدير في الأربعين صحيح ولكن في العشرين يأخذ حكمه من حكم خليطه فيلزمه نصف شاة مضموما إلى ثلثى شاة في الأربعين فالمجموع شاة وسدس ولو خلط عشرين بعشرين لغيره انفرد كل واحد بالأربعين فالأوجه الأربعة جارية في حق كل واحد منهما لتساويهما الفصل الخامس في تعدد الخليط إذا ملك أربعين فخلط عشرين بعشرين لرجل وعشرين بعشرين لآخر وهما لا يملكان غيره فإن قلنا بخلطة الملك فعلى صاحب الأربعين نصف شاة ضما إلى مال الخليطين فإن الكل ثمانون وأما صاحب العشرين فيلزمه ثلث شاة ضما لماله إلى مال خليطه فقط أو ربع شاة ضما إلى خليط خليطه حتى يكون المجموع ثمانين فيه وجهان وإن فرعنا على خلطة العين فعلى صاحب العشرين نصف شاة وفي صاحب الأربعين الوجوه الأربعة فإن قلنا بتغليب الانفراد فقد انفرد عن كل خليط ببعض ماله فكأنه انفرد بالكل فعليه شاة وهو هاهنا بعيد وإن قلنا بتغلب الخلطة فعليه نصف شاة فكأنه خلط أربعين بأربعين وإن قلنا يجمع بين الاعتبارين فإن أخذنا حكمه من حكم خليطه فعليه في كل عشرين نصف شاة وإن عرفناهبالنسبة فنقول لو كان جميع ماله مع هذا لكان الكل ستين وواجبه ثلثا شاة وحصة عشرين منه ثلث وكذا في حق الآخر فيجتمع ثلثان ولو ملك خمسا وعشرين من الإبل فخلط كل خمسة بخمسة لرجل آخر فمجموع المال خمسون فإن قلنا بخلطة الملك فعلى مالك الخمس والعشرين نصف حقة لأن في الخمسين حقة وفي حق كل واحد منهم إن صممنا ماله إلى خليط خليطه فواجبه عشر حقة لأن المجموع خمسون وإن لم نضم إلا إلى خليطه فواجبه سدس بنت مخاض لأن المجموع ثلاثون وإن فرعنا على قول خلطة العين فتعود الأوجه الأربعة فعلى تغليب الانفراد يجب بنت مخاض وعلى تغليب الخلطة نصف حقة وعلى أخذ حكمه من حكم خليطه خمس شاة وعلى النسبة في الاعتبارين خمسة أسداس بنت مخاض إذ ينسب جميع ماله إلىكل خليط فيكون ثلثين وواجبه بنت مخاض وحصة الخمس سدس بنت مخاض فيجتمع خمسة أسداس لأجل كل خليط فرع إذا ملك خمسا وستين من الغنم فخلط خمسة عشر منها بخمسة عشر لرجل لا يملك غيرها فإن قلنا بخلطة العين فلا أثر لهذه الخلطة لأن المختلط ليس نصابا وإن قلنا بخلطة الملك فوجهان أحدهما أنه لا عبرة به لأنا نتبع المنفرد المخلوط إذا كان نصابا والثاني أنا نعتبره وكأن الكل مخلوط فعلى صاحب الخمس وستين ستة أثمان ونصف ثمن شاة وباقي الشاة على خليطه الشرط الثالث أن يبقى النصاب حولا فلا زكاة في الغنم حتى يحول عليه الحول إلا السخال الحاصلة من مال الزكاة في وسط الحول فإنه تجب الزكاة فيها إذا أسيمت بحول الأمهات فإن حصل من غير مال الزكاة وكان نصابا أفرد بحوله ولم يضم إلى المال في الحول خلافا لأبي حنيفة لكن يضم إليه في العدد كما ذكرناه في الخلطة فروع ثلاثة الأول إذا ملك تسعا وثلاثين شاة فتجب شاة سخلة استفتح الحول من الوقت لأن الأصل لم يكن نصابا ولم ينعقد عليه حول حتى يجري السخال في حوله ولو ملك مائة وعشرين فنتجت سخلة وجبت شاتان آخر الحول لأن ما سبق جار في الحول الثاني إذا حصلت السخال بعد الحول وقبل الإمكان جرت مع الأمهات في الحول الثاني ولم يجب فيها زكاة في الحول الأول وإن قلنا إن الإمكان شرط وجوبه لأنالحول الثاني ناجز وهو أولى من المنقضي الثالث لو ماتت الأمهات كلها والسخال نصاب لم تنقطع التبعية وقال أبو حنيفة تنقطع التبعية إلا إذا بقي من الكبار واحد ولو من الفحول وشرط أبو القاسم الأنماطي بقاء نصاب من الأمهات الشرط الرابع أن لا يزول ملكه في أثناء الحول فكل ما تجب الزكاة في عينه كالنعم والنقدين فإذا أبدله بمثله انقطع الحول فإذا عاد إلى ملكه ولو بفسخ أو رد بعيب استؤنف الحول ولم يبن على ما مضى وكذلك إذا انقطع ملكه بالردة ثم أسلم وكذلك إذا مات لا يبنى حول وارثه على حوله وفي القديم قولان أحدهما يبنى وطرد ذلك في الانقطاع بالردة إذا عاد إلى الإسلام ومن قصد بيع ماله في آخر الحول دفعا للزكاة أثم وسقطت الزكاة وقال مالك لا يصح بيعه الشرط الخامس السوم ولا زكاة في معلوفة لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم زكاة ثم العلف بما لا يقوم لايؤثر ولو علف معظم السنة أثر وفي الضبط بينهما أربعة أوجه أحدهما أن الزكاة تسقط به ولو في لحظة لأنها لا تسمى سائمة في جميع السنة والثاني أن السائمة في معظم السنة تسمى سائمة والثالث أن المسقط علف في مدة تهلك الدابة فيها لو لم تعلف حتى لو أسامها نهارا وعلفها ليلا وجبت الزكاة والأفقه أن المسقط قدر يعد مؤونة بالإضافة إلى رفق السائمة فرعان أحدهما أن القصد هل يعتبر في السوم والعلف فيه وجهان أحدهما لا اتباعا للاسم والثاني نعم لأن المراد بالسائمة ما أعد للسوم قصدا فعلى هذا لو استامت المعلوفة بنفسها أو اعتلفت سائمة لم يؤثر قال الشيخ أبو علي معنى القصد أنه لو تراكمت الثلوج وغطت المراعي فعلفها المالك ترقبا لزوال الثلج لم تسقط الزكاة لأنها تعد سائمة الثاني إذا سام الغاصب معلوفة الغير سنة فوجوب الزكاة يبتنى على مراعاة القصد ولو علف سائمة الغير سنة فالسقوط أيضا كذلك وهاهنا أولى بأن لا يؤثر فعل الغاصب لأنه لا مؤنة على المالك بعلفه وهو مطلوب السوم فإن قلنا تجب الزكاة في معلوفة أسامها الغاصب ففي رجوعه بالزكاة على الغاصب وجهان أحدهما ينظر فيه إلى نسبته بالإسامة وفي الثاني إلى أن السبب هو المال الشرط السادس كمال الملك ومثار الضعف ثلاثة أمور الأول امتناع التصرف وله مراتب الأولى المبيع قبل القبض إذا تم عليه الحول قطع صاحب التقريب بوجوب الزكاة لأنه قادر على التصرف بالقبض وتسليم الثمن وقال القفال لا تجب لضعف ملكه وامتناع تصرفه مع إذن البائع الثانية المرهون إذا تم الحول عليه فيه أيضا وجهان لامتناع التصرف الثالثة المغصوب والضال والمجحود الذي لا بينة عليه فيه ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين أن يعود إليه بفوائده فتجب الزكاة أولا يعود فلا تجب ولا خلاف في أن التعجيل قبل رجوعالمال ليس واجبا ولكن إذا عاد إليه فهل يزكيها لما مضى من أحواله فيه الخلاف أما من حبس من ماله وجبت الزكاة عليه لنفوذ تصرفه الرابعة من له دين على غيره إن كان مليئا وجبت الزكاة وحكى الزعفراني قولا أنه لا زكاة في الديون وإن كان معسرا فهو كالمغصوب وإن كان مؤجلا بسنين فمنهم من ألحقه بالمغصوب ومنهم من ألحقه بالغائب الذى لا يسهل إحضاره فإن أوحينا ففي التعجيل وجهان والأصح أنه لا يجب لأن الخمسة نقدا تساوي ستة نسيئة ففيه إجحاف المثار الثاني تسلط الغير على ملكه وله مراتب الأولى الملك في زمان الخيار هل هو ملك زكاة فيه خلاف لضعفه بتسلط الغير فإن كان المالك منفردا بالخيار لم يتجه الخلاف الثانية اللقطة في السنة الثانية إذا لم يتملكها الملتقط في وجوب زكاتها خلاف مرتب على السنة الأولى وأولى بأن لا تجب لتسلط الغير على التملك الثالثة إذا استقرض المفلس مائتي درهم وبقي معه حولا ففي زكاته قولان أحدهما تجب لوجود الملك والثاني لا لعلتين إحداهما ضعف الملك لتسلط مستحق الدين على إلزامه تسليم المال إليه والثانية لأدائه إلى تثنية الزكاة إذ تجب على المستحق باعتبار يساره بهذا المال وعلى هذه العلة لا يمتنع الوجوب إن كان المستحق مكاتبا أو ذميا أو كان المال سائمة أو كان قدر الدين أقل من النصاب لأنه لا يؤدي إلى التثنية ولو كان المستقرض غنيا بالعقار لم تمتنع الزكاة بالدين قولا واحدا وذكر الشيخ أبو محمد أن علة تثنية الزكاة تقتضي الإسقاط وهو بعيد وزاد بعض الأصحاب قولا ثالثا وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة دون الظاهرة وهو بعيد الرابعة إذا ملك نصابا زكاتيا فقال لله علي أن أتصدق بهذا المال فانقضى الحول قبل التصدق ففيه خلاف مرتب على الدين وأولى بالسقوط لتعلق الحق بعين المال ولو قال جعلت هذا المال صدقة أو جعلت هذه الأغنام ضحايا فلا يبقى لإيجاب الزكاة وجه متجه ولو قال لله علي التصدق بأربعين من الغنم فهذا دين لله تعالى فهو مرتب على دين الآدميين وأولى بأن لا تسقط الزكاة ولو كان عليه دين الحج كان كدين النذر فرع إذا اجتمعت الديون والزكاة في ماله ومات ففي القديم ثلاثة أقوال أحدها تقدم الزكاة لأن لها تعلقا بعين المال وكذلك تسقط بفوات المال والثاني يقدم الدين لأن حق الله تعالى على المسامحة والثالث أنهما يستويان ومنهم من قطع بتقديم الزكاة لتعلقها بالدين ورد الأقوال إلى الكفارات مع الديون المثار الثالث عدم استقرار الملك وله مرتبتان الأولى إذا انقضى على المغانم حول قبل القسمة ففي الزكاة ثلاثة أوجه أحدها يجب للزوم الملك والثاني لا لأنه لم يستقر إذ يسقط بإسقاطه والثالث أن محض حبس مال الزكاة وجب وإن كان في المغانم ما ليس زكاتيا فلا إذ الإمام ربما يرد الزكاتي بالقسمة إلى سهم الخمس ولا زكاة فيه الثانية إذا أكرى دارا أربع سنين بمائة دينار نقدا ففيما يجب في السنة الأولى قولان أحدهما تجب زكاة المائة كما في الصداق قبل المسيس إذ لا فرق بين توقع رجوع الأجرة بانهدام الدار وبين توقع رجوع الصداق بالطلاق والثاني يجب في السنة الأولى زكاة ربع المائة وفي الثانية تجب زكاة الخمسين لسنتين ويحط عنه ما أدى وفي الثالثة زكاة خمس وسبعين لثلاث سنين ويحط عنه ما أدى وفي الرابعة زكاة المائة لأربع سنين ويحط عنه ما أدى لأنه الأجرة هكذا تستقر به بخلاف الصداق فإن تشطره بطلاق مبتدأ لا يقتضيه العقد والرجوع هاهنا مقتضى المعاوضة الركن الثاني من أركان طرف الوجوب النظر فيمن يجب عليه ولا يعتبر فيه إلا الحرية والإسلام فيجب في مال الصبي والمجنون خلافا لأبي حنيفة وفيما ينسب إلى الحمل المحقق تردد وتجب الزكاة على المرتد إن قلنا يبقى ملكه مؤاخذة له بحكم الإسلام ولا زكاة على مكاتب ورقيق فإن قلنا ملك بالتمليك لأنه ملك ضعيف ولا يجب على السيد أيضا في مال المكاتب والرقيق لعدم الملك ومن نصفه عبد ونصفه حر يجب الزكاة عليه في ما سلم له بنصفه الحر ويجب عليه كفارة الموسرين الطرف الثاني للزكاة طرف الأداء وأداء الزكاة ممكن في وقته وقبل وقته تعجيلا وبعده تأخيرا فهذه ثلاثة أقسام القسم الأول الأداء في الوقت وهو واجب على الفور عندنا خلافا لأبي حنيفة والنظر فيما يجب على الدافع والقابض وعلى الدافع وظيفتان إحداهما النية والنظر في أصلها وكيفيتها ووقتها أما أصل النية فلا بد منه كما في سائر العبادات وقال الشافعي إن قال بلسانه هذا زكاةمالي أجزأه فمنهم من أجراه على الظاهر ولم يشترط النية بالقلب وأما الصبي والمجنون فينوى عنهما وليهما وأما الممتنع فيأخذ السلطان منه قهرا وهل تبرأ ذمته باطنا فيه خلاف فإن قلنا تبرأ ففي وجوب النية على الإمام وجهان أحدهما لا تغليبا لسد الخلة والثاني نعم لأن أثر الامتناع في أن صار موليا عليه أما الكيفية فلو نوى الزكاة المفروضة كفاه ولو لم يتعرض للفرضية فوجهان كما في الصلاة ولا يلزمه تعيين المال ولكن لو قال هذا عن مالي الغائب ثم كان تالفا لم ينصرف إلى الحاضر لتعيينه وخطئه ولو قال هذا عن مالي الغائب إن كان باقيا وإن كان تالفا فعن الحاضر أو هو صدقة جاز لأن مقتضى الإطلاق هذا وقال صاحب التقريب يقع عن الغائب إن كان باقيا فإن كان تالفا لم يقع عن الحاضر لأنه بناه على فوات الغائب والأصل عدم الفوات أما وقت النية فهو عند التسليم إلى المسكين أو إلى نائب المساكين ولو قدم فثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز لأن الفعل غير مقصود ولذلك جازت الوكالة فيه والثاني لا لأن تنقيص الملك مقصود فليقترن به والثالث أنه إن قدم على التنقيص ولكن اقترن بفعله عند التسليم إلى الوكيل جاز ولو سلم إلى الوكيل ووكله بالنية عند التفريق فهو جائز الوظيفة الثانية طلب القابض فإن كانت الأموال باطنة جاز التسليم إلى الإمام أو إلى المسكين وأيهما أولى فيه وجهان وإن كانت ظاهرة ففي وجوب تسليمها إلى الإمام قولان ولا شك أن التسليم أولى للخروج عن الخلاف أما القابض إن كان هو الساعي فعليه وظيفتان إحداهما أن يعلم في السنة شهرا يأخذ فيه زكاة الجميع تسهيلا عليهم ثم لا يرد المواشي إلى البلد بل يردها إلى منهل قريب ويردها إلى مضيق ليكون أسهل للعد الثانية الدعاء للمالك قال الله تعالى { وصل عليهم } أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة آل أبي أوفى فقال عليه السلام اللهم صل على آل أبي أوفى والأحب لغيره أن يقول أجرك الله فيما أعطيت وجعله طهورا وبارك لك فيما أبقيت لأن الصلاة على غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مكروه إذ فيه موافقة الروافض ولأن العصر الأول خصصوا الصلاة والسلام به كما خصصوا عز وجل بالله وكما لا يحسن أن يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزا جليلا لا يحسن أن يقال أبو بكر صلوات الله عليه وإن كان الصلاة هو الدعاء نعم لرسول الله أن يصلي على غيره فإنه منصبه المخصوص به ولنا أن نصلي على آله بالتبعية فيقول صلى الله عليه وعلى آله القسم الثاني في التعجيل والنظر فيه في ثلاثة أمور الأول في وقته ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول خلافا لمالك لما روي أن العباس استسلف منه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عامين ولا يجوز تعجيله قبل كمال النصاب ولا قبل السوم لأن الحول في حكم أجل ومهلة فلذلك عجل عليه ولو ملكه مائة وعشرين شاة واجبه شاة وهو يرتقب حدوث سخلة في آخر السنة فعجل شاتين ففي تعجيل شاتين وجهان مرتبان على الوجهين في تعجيل صدقة عامين والصحيح بحكم الخبر جوازه ووجه المنع أن النصاب كالمعدوم في حق الحول الثاني ومسألة السخلة بالجواز أولى لأن الحول منعقد في حق الشاة الثانية وأما زكاة الفطرة فوقت وجوبها استهلال شوال ويجوز التعجيل إلى أول رمضان وأما الرطب والعنب فالصحيح أنه لا تعجل زكاتهما قبل الجفاف فإن الواجب هو الزبيب والتمر والرطب لا يصلح للإخراج وقيل إنه بعد الزهو وبدو الصلاح يجوز وقيل يجوز بعد بدو الطلع وأما الزرع فوجوب زكاته بالفرك والتنقية والصحيح جواز أدائه عند الإدراك وإن لم يفرك وقيل يجوز عند ظهور الحب وإن لم يشتد وإذ قلنا بدو الصلاح سبب الوجوب أردنا به الحجر على المالك في تصرف يدفع حق المساكين ولم نرد وجوب الإخراج والنظر الثاني في الطوارئ المانعة من إخراج المعجل وهو ثلاثة الأول ما يطرأ على القابض وشرطه أن يبقى على صفة الاستحقاق إلى آخر الحول فلو ارتد أو مات أو استغنى بمال آخر بان أن الزكاة لم تقع موقعها ولو طرأت بعض هذه الحالات وزالت قبل الحول فوجهان لا يخفى توجيههما الثاني أحوال المالك وشرطه أن يبقى عينا ببقاء النصاب مسلما حيا فلو تلف نصابه أو ارتد وقلنا الردة تقطع الملك أو باع النصاب أو مات تبين أن لا زكاة والصحيح أنه لا يجزئ عن وارثه فيما سيجب عليه في المستقبل والثالث ما يطرأ على الزكاة المعجلة فإن تلفت في يد المسكين فقد بلغت الصدقة محلها وإن تلفت في يد الإمام وقد أخذها بسؤال المساكين البالغين أو حاجة الأطفال فلا ضمان على أحد وإن أخذ لحاجة البالغين لا لسؤالهم ففي تنزيل الحاجة منزلة السؤال وجهان أحدهما لا فقد قال الشافعي رضي الله عنه المساكين أهل رشد لا يولى عليهم الثاني نعم لأنه نائبهم شرعا ولو أخذ الإمام بسؤال المالك فتلف في يده يجب على المالك الضمان كما لو تلف في يد وكيله ولو اجتمع سؤال المساكين والمالك فأي الحالتين يرجح فيه وجهان النظر الثالث في الرجوع عند طريان ما يسقط الزكاة فإن قال هذه زكاتي المعجلة فله الرجوع لأن التعجيل مشعر به وقيل شرطه أن يصرح بالرجوع وعلى هذا لو نازعه المسكين في الرجوع أو التعجيل فالقول قول من فيه وجهان أحدهما قول المالك لأنه المؤدي والثاني قول المسكين لأن الأصل زوال الملك أما إذا لم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين فيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه يرجع ويصدق في قوله ( نويت ذلك ) والثاني لا لأنه خلاف الظاهر والثالث أن المالك لا يصدق لأن فعله متردد بين الصدقة والزكاة وفعل الإمام كالمتعين للفرض فروع أربعة الأول لو أتلف النصاب بنفسه ففي الرجوع وجهان أصحهما الرجوع لانتفاء الوجوب والثاني لا لأنه يريد نقض الأداء بقصده الثاني إذا أثبتنا الرجوع لانتفاء الرجوع فإن كان عين ماله تالفا فعلى القابض الضمان وذكر صاحب التقريب وجهين في أن العبرة في قيمة يوم القبض أو يوم التلف ولو تعيب في يده ففي وجوب الأرش وجهان أقيسهما الوجوب قياسا للجزء على الكل والثاني لا كما لورد العوض في البيع ووجد بالمعوض عيبا فنع به وإن كان يستحق بدله عند الفوات وفي هذا الاستشهاد أيضا نظر الثالث الزيادات المنفصلة هل ترد معه فيه وجهان ومأخذهما إن أداه متردد بين وجود التمليك وعدمه أو هو تمليك لا محالة ولكنه متردد بين الزكاة والقرض وهما احتمالان ظاهران فإن قلنا إنه متردد بين التمليك وعدمه فقد بان أنه لا تمليك فيرد بزوائده وإن رددناه بين القرض والزكاة التفت على أن القرض يملك بالقبض أو بالتصرف وعلى هذين الاحتمالين ينبني نقض تصرفه إن كان قد باع وجواز إبداله عند الرجوع إن كان عينه قائما الرابع إذا لم يملك إلا أربعين فعجل واحده فاستغنى القابض أو مات فإن قلنا خرج الشاة عن ملكه بطريق القرض لم يلزمه تجديد الزكاة لأن الحول انقضى على تسع وثلاثين بخلاف ما إذا وقع المخرج عن جهة الزكاة لأن المخرج للزكاة كالباقي في ملكه وإن قلنا يتبين أن الملك لم يزل التفت على المغصوب والمجحود بعض الالتفات لأن الحيلولة قد حصلت وإن لم يزل الملك القسم الثالث في طرف الأداء في تأخير الزكاة وهو سبب الضمان والعصيان عند التمكن حتى لو تلف ماله بعد التمكن لم تسقط الزكاة وإن تلف كله قبل التمكن سقطت ولو ملك خمسا من الإبل فتلفت بعد الحول وقبل التمكن واحدة ففي مقدار الساقط قولان أحدهما يسقط الكل كما لو تلف قبل الحول لأن الإمكان شرط الوجوب كما في الحج والثاني يسقط خمس شاة لأن الإمكان شرط الضمان وهو الأصح ولذلك لا يتراخى ابتداء الحول الثاني إلى الإمكان ولو ملك تسعا من الإبل فتلف قبل الإمكان أربعة فإن قلنا الإمكان شرط الوجوب وجب شاة كما لو تلف قبل الحول وإن قلنا إنه شرط الضمان فينبني على أن الوجوب هل ينبسط على الوقص وفيه قولان الجديد أنه لا ينبسط فعلى هذا لا يسقط شئ بتلف الوقص وإن قلنا ينبسط سقط أربعة أتساع شاة وقيل إنه لا يسقط لأن الوقص وإن كان متعلقا بالوجوب فهو وقاية النصاب وإن ملك تسعا فتلف خمس قبل الإمكان فعلى قول سقط الكل كما لو تلف قبل الحول وعلى قول سقط خمس أتساع شاة وهو قول البسط وعلى قول يسقط خمس شاة فإن قيل وبماذا يفوت الإمكان قلنا بأمرين أحدهما غيبة المال فإنا وإن جوزنا نقل الصدقة فلا نوجب إخراج الزكاة من مال آخر ما لم يتبين بقاء المال فإن أخرج مع التردد كان كمعجل الزكاة في الرجوع عند فوات المال الثاني غيبة المستحق وهو المسكين في المال الباطن والسلطان في المال الظاهر على أحدالقولين وإن حضر مستحق ولكن غاب القريب والجار فقد تم التمكن ولكن في جواز التأخير بهذا العذر وجهان لأنه عارض هذه الفضيلة فضيلة البدار فإن جوزنا فتلف ماله ففي وجوب الضمان وجهان ووجه الوجوب أنه جوز التأخير لحظة في نيل الفضيلة فتقيد بشرط سلامة العاقبة فإن قيل فإذا سقطت الزكاة بتلف المال دل على تعلقها بالعين فما وجه تعلقها بالعين قلنا فيه أقوال مضطربة نعبر عنها بأن الزكاة تتعلق بالذمة أو بالعين أما تعلقها بالذمة فلا ينكر لأن المالك مطالب وله الأداء من موضع آخر بخلاف أرش جنابة العبد فإن السيد لا يطالب به وتعلقها بالعين لا ينكر إذ يسقط بتلف العين ولو باع النصاب قبل إخراج الزكاة فللساعي أن يتعلق بالمشتري ويأخذ الزكاة من النصاب ولكن في تحقيق هذا التعلق ثلاثة أقوال أحدها أنه شركة وكأن المسكين شريك بقدر حقه وهذا يضعف بجواز الأداء من موضع آخر الثاني أن تلعقه يضاهي استيثاق المرتهن والثالث وهو الأصح أنه يضاهي تعلق أرش الجناية حتى يخرج منع بيع النصاب على قولين أصحهما الجواز ويتفرع على هذه الأقوال الأربعة النظر في أربعة تصرفان الأول بيع مال الزكاة فإن قلنا لا تتعلق الزكاة بالعين فصحيح لكن الساعي يأخذ شاة من المشتري إن لم يرد المالك من موضع آخر فينتقض البيع فيه وفي الباقي يخرج على قولي تفريق الصفقة وهل للمشتري الخيار إذا عرف ذلك قبل أخذ الساعي فيه وجهان أحدهما لا لأن المالك ربما يؤدي الزكاة والثاني نعم لأن ملكه مزلزل في الحال فإن أثبتنا الخيار فأدى المالك سقط الخيار كما لو أدى أولا ثم باع وقيل لا يسقط لأنالخيار مستيقن والمؤدي ربما يخرج مستحقا فيعكر الساعي على المال وأما على قول الشركة فالبيع باطل في قدر الزكاة وفي الباقي قولا تفريق الصفقة ولو باع بعض النصاب صح على هذا القول لاتساع الباقي لحق المسكين وقيل يبطل في حقه لأن حقه غير منحصر في البعض الباقي وإن فرعنا على استيثاق الرهن بطل في قدر الزكاة وقيل بطل في الكل وكان الكل مرهونا به وهو بعيد وإن فرعنا على استيثاق أرش الجناية وقلنا يجوز بيع العبد الجاني فهو كالتفريع على قول الذمة وإن قلنا لا يجوز فهو كتفريع قول الرهن الثاني إذا اشترى نصابا زكاتيا ثم اطلع على عيب بعد تمام الحول فإن أدى الزكاة من موضع أخر فله الرد إلا على خيال من يقول لعل المخرج يظهر استحقاقه فيعود الساعي إليه أو على قول الشركة إذا قلنا الزائل العائد كالذى لم يعد الثالث إذا ملك أربعين وتكرر الحول ولم يخرج الزكاة فلا زكاة في الحول الثاني فإن قلنا للمسكين شركة في عينه لنقصان النصاب لأن المسكين لا يتعين حتى تجعله خليطا وإن قلنا يتعلق بالذمة ابتنى على أن الدين هل يمنع الوجوب الرابع إذا أصدقها أربعين من الغنم ثم طلقها بعد الحول قبل المسيس فلها ثلاثة أحوال الأولى إذا كانت قد أدت الزكاة من غير المال ففيما يرجع الزوج به ثلاثة أقوال أحدها أنه يرجع في عشرين من الباقي وتنحصر الزكاة في نصيبها والثاني أنه يرجع في نصف الباقي وقيمة نصف المخرج والثالث أنه يتميز بين موجب القولين الثانية إذا أدت من مال آخر رجع الزوج بالنصف على الأقوال إلا على قول الشركة إذا قلنا إن الزائل العائد كالذي لم يعد الثالثة إذا طلقت قبل الأداء فإن قلنا للمسكين شركة فهو كالمخرج وإن قلنا إن تعلق الزكاة تعلق استيثاق فالظاهر أنه يلزمها فك حق الزوج بأداء الزكاة من موضع آخر كما لو كانت قد رهنت وقيل لا يجب لأنه بغير اختياره فيضاهي أرش الجناية الخامس رهن مال الزكاة بعد الوجوب كبيعه وتفريق الصفقة أولى بالاحتمال فيه وإن رهن قبل حولان الحول وقلنا الدين والرهن يمنعان الزكاة فهل يخرج من المرهون الصحيح أنه يخرج لأن تعلقه لا يتقاصر عن أرش الجنابة وقيل لا يخرج إذا فرعنا على تشبيهه بالرهن لأن المرهون لا يرهن وهو بعيد لأن هذا التعلق لا اختيار فيه فإن قلنا يخرج فلو أيسر بعد الإخراج فهل يلزمه جبره للمرتهن بوضع قيمته في موضعه رهنا فيه وجهان النوع الثاني من الزكوات زكاة العشرات والنظر في الموجب والواجب ووقت الوجوب الطرف الأول في الموجب والنظر في جنسه وقدره أما جنسه فكل مقتات في حالة الاختيار أنبتته الأرض مملوكة أو مستأجرة خراجية أو غير خراجية فيجب فيه العشر على الحر المسلم واحترزنا بحالة الاختيار عن الثفاء والترمس فإن العرب تقتاته في حالة الاضطرار وألحق مالك بالقوت ما تشتد إليه الحاجة كالقطن وطرد أبو حنيفة في كل ما يقصد من ثمار الأرض كالفواكه والبقول وغيرها ولم يوجب العشر على المستأجر وأوجب على المكري وأوجب على المكاتب والذمي وفي الضيعة الموقوفة على المساجد والرباطات ولم يجمع بين الخراج والعشر وعندنا الخراج أجرة لا يضرب على مالك الأرض وإنما يضرب على الكفار فيأراض مملوكة للمسلمين أو لبيت المال فإن أسلموا لم يسقط لأنه أجره وما يضرب عليهم في أراضيهم المملوكة يسقط بإسلامهم لأنه جزية وأوجب الشافعي رضي الله عنه في القديم الزكاة في الزيتون وذكر في الورس والعسل قولين وفي الزعفران قولين مرتبين وأولى بأن لا يجب واقتصر في الجديد على الأقوات ومنه الأرز واللوبيا والباقلى والحمص والذرة والماش والعنب والرطب دون السمسم والكتان والجوز والفواكه أما قدر الموجب فيه فهو خمسة أوسق كل وسق ستون صاعا كل صاع أربعة أمداد والمجموع ثمانمائة من فمنهم من قال هو تحديد لأنه روي أن الوسق ستون صاعا وقيل إنه تقريب وعلى هذا إنما يضر نقصان قدر لو وزع على الأوسق الخمسة لعد الوسق ناقصا عن الاعتدال والوسق حمل بعير وأبو حنيفة لم يعتبر النصاب وفي النصاب مسائل الأولى أنه يعتبر هذا المبلغ زبيبا وتمرا لا رطبا وعنبا وفي الحبوب يعتبر منقى عنالقشور كما في الأرز إلا ما يطحن مع قشره كالذرة فيوسق مع قشرها فرع الرطب الذى لا يتمر يوسق رطبا على الصحيح لأنه منتهى كماله ثم تسليم عشر الرطب بالقسمة سهل إلا إذا قلنا المسكين شريك فيه والقسمة بيع وهذا الرطب لا يباع بضعه ببعض وفي كل ذلك خلاف الثانية لا يكمل نصاب حبس الحبوب بحبس آخر وأما العلس فإنه مضموم إلى الحنطة فإنه حنطة يوجد بالشام جنتان منه في كمام واحد وأما السلت فهو حب يساوي الشعير بصورته والحنطة بطعمه ففيه ثلاثة أوجه ينظر في واحد إلى صورته فيلحق بالشعير وفيالآخر إلى معناه فيضم إلى الحنطة وفي الثالث يجعل أصلا بنفسه وعليه ينبني جواز بيعه بالحنطة والشعير متفاضلا وذهب مالك إلى أن الحمص والباقلي والعدس وهي التي تسمى القطنية يضم بعضها إلى بعض الثالثة لا يكمل ملك رجل بملك غيره إلا إذا كان شريكا أو جارا وقلنا إن الخلطة تؤثر فلو خلف الميت نخيلا متمرة على جماعة ومبلغها خمسة أوسق وجبت الزكاة عليهم فإن اقتسموها قبل بدو الصلاح زالت الشركة وبقي الجوار وإنما يتصور القسمة إذا جعلناها بيعا بأن يبيع كل واحد نصيبه من خشبة نخل معين بحصة صاحبه من ثمرة نخيل آخر وإلا فتؤدي قسمة الرطب إلى بيع الرطب بالرطب الرابعة إذا ملك تهامية ونجدية وتفاوت في إدراكها فالبعض مضموم إلى البعض إلا إذا تأخر اطلاع النجدية عن جذاذ التهامية ووقت الجذاذ هل هو كنفس الجذاذ فيه خلاف ولو تأخر اطلاعها من زهو التهامية ففي الضم وجهان أحدهما لا نظرا إلى سببالوجوب والثاني نعم لأن ذلك يعد إدراكا واحدا والنخلة التى تحمل في السنة حملين لا تضم أحدهما إلى الآخر فهو كحمل سنتين فرع لو كانت له تهامية تثمر في السنة مرتين فاطلعت نجدية قبل جذاذ التهامية وضممناها إليه فلو جذت التهامية ثم اطلعت مرة أخرى قبل جذاذ النجدية فلا نضمها إلى النجدية لأنه يؤدي إلى الضم إلى الثمرة الأولى بواسطة النجدية وذلك ممتنع ولو لم تكن الأولى له لكنا نضم الثانية إلى النجدية لزوال هذه المحذور الخامسة الذرة تحصد وتزرع في السنة مرارا فالمزروع بعد الحصد هل يضم إلىالمحصود فيه خمسة أقوال أحدها لا كحملي شجرة واحدة والثاني نعم مهما وقع الزرعان والحصادان في سنة واحدة لأن ذلك معتاد فيعد ارتفاع سنة واحدة الثالث أنه يكفي وقوع الزرعين في سنة واحدة لأنه الداخل تحت الاختيار الرابع أنه ينظر إلى اجتماع الحصادين فإنه هو المقصود الخامس إن وقع الزرعان والحصادان أو زرع الثاني وحصد الأول في سنة واحدة وقع الاكتفاء ووجب الضم هذا إذا زرع بعد الحصاد فإن كان قبله ولكن بعد اشتداد الحب فخلاف مرتب وأولى بالضم وإن زرع قبل اشتداد الحب ولكن أدرك الأول والثاني بعد بقل منهم من قطع بالضم ومنهم من خرج على الخلاف لأن البقل لا يشتمل على جنس مال الزكاة فرع إذا انزرعت الذرة الثانية بتناثر حبات الأول بنقر العصافير وهبوب الريح منهم من قطع بالضم لأنه لم يفرد بالقصد ومنهم من خرج على الخلاف ولو علا بعض طاقات الذرة فبقيت الصغار مخضرة تحتها ثم أدركت الصغار بعد حصد الأول فالكل زرع واحد وهو المراد يقول الشافعي رضي الله عنه الذرة تزرع مرة فتخرج فتحصد ثم يستخلف فتحصد مرة أخرى فهو زرعواحد وإن تأخر حصد الأخير ومنهم من نزل النص على تناثر الحبات لهبوب الريح الطرف الثاني في الواجب والنظر في قدره وجنسه أما قدره فهو العشر فيما سقت السماء ونصف العشر فيما سقي بنضح أو دالية للحديث وماء القنوات والأنهار كماء السماء وإن كثرت مؤنها والناعور الذى يديرها الماء بنفسه في معنى الدواليب فرع لو اجتمع السقي بالنهر والنضح فقولان أحدهما أنا نعتبرهما جميعا ويعرف المقدار بعدد السقيات على وجه وبمقدار النفع والنمو على وجه إذ رب سقية في شهر أنفع من سقيات في شهر والقول الثاني أنا نعتبر الأغلب فعلى هذا لو استويا فوجهان أحدهما الرجوع إلى قول التقسيط والثاني إيجاب العشر ترجيحا لجانب المساكين وإذا أشكل الأمر فهو كالاستواء لتقابل الأمرين هذا في المعتاد فإن كانت الحاجة إلى النضح نادرا فهل يعتبر هذا النادر فيه وجهان أما جنس الواجب ونوعه فهو أن يخرج من جنس ما ملك فإن اختلفت أنواعه فمن كل نوع بقسطه لأن التشقيص غير محذور فيه كالمواشي فإن خرجت الأنواع عن الضبط فلا يطالب بالأجود ولا يرضى بالأردئ ويطلب الوسط من ذلك الطرف الثالث في وقت الوجوب وهو في الثمار وبدو الصلاح وفي الحبوب باشتدادها فيجب بها إخراج التمر والحب إلى المساكين عند الجفاف والتنقية فلو أخرج في الحال الرطب كان بدلا ولم يقع الموقع وحكى صاحب التقريب قولا أن سبب الوجوب الجفاف إذ يستحيل وجوب التمر مع عدمه وهذا يلتفت على أن الإمكان شرط الوجوب وهو بعيد إذ تسليط الملاك على استهلاك الرطب كله إجحاف بالمساكين فالأولى الإيجاب وتأخير الأداء إلى الجفاف ولكن يستحب أن يخرص الثمار على المالك خلافا لأبي حنيفة وذلك بأن يجبر الخارص على قدر ما يحصل منه تمرا وهل يكتفي بخارص واحد تشبيها بالحاكم أو لا بد من اثنين تشبيها بالشهادة فيه قولان يجريان في القسام وعلى القولين لا بد من الحرية والعدالة ثم يدخل في الخرص جميع النخيل وقال في القديم يترك لرب النخيل نخلة أو نخلات يأكل ثمارها هو وأهله ويبتني على الخرص مسائل الأولى إذا تلف المال بجائحة سماوية سقطت الزكاة بكل حال للفوات قبل الإمكان وإن فات بإتلاف المالك وأكله فعليه حصة المساكين ولكن الواجب عشرة رطباأو تمرا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الرطب كالأجنبي إذا أتلف فإنه يغرم الرطب ويعبر عن هذا القول بأن الخرص عبرة مجردة لا يؤثر في تغيير الحكم والثاني أنه يضمنها تمرا وكان الخرص تضمين بتحويل الزكاة إلى ذمته والثالث إن صرح الخارص بالتضمين ضمنه تمرا وإلا ضمن الرطب ثم وقت الخرص هل يقوم مقام نفس الخرص في التضمين فيه خلاف فرعان أحدهما لو ادعى جائحة صدق إلا إذا كذبته المشاهدة ولو كان يمكن صدقة ولكن الغالب أنه لو وقع لظهر قال العراقيون لا بد من بينة على أصل الواقعة وإن لم يتعرض للتفصيل قال الشيخ أبو محمد المؤتمن إذا ادعى ممكنا صدق بيمينه كما في دعوى رد الوديعة الثاني لو ادعى حيف الخارص قصدا لم يقبل ولو ادعى غلطه بقدر ممكن صدق مع يمينه وإن ادعى الغلط بالنصف أو الثلث فهذا غير ممكن ولكنا نصدقه في المقدار الممكن من هذه الجملة وحيث يصدق فاليمين فيها مستحبة أو مستحقة فيه خلاف ذكرناه المسألة الثانية تصرفات المالك في جميع الثمار يبتني على التضمين فإن قلنا قد تحول إلى ذمته العشر تمرا بعد تصرفه في الكل وإلا فينفذ تصرفه في التسعة الأعشار ونفوذه في العشر يبتني على قول الذمة والعين كما سبق وقد ذكرنا ثم إن المنع يشيع في جميع المال على أحد الأقوال وهاهنا لا خلاف في نفوذ تصرفه في غير قدر الزكاة قبل الجفاف لمسيس الحاجة وشدة أثر الحجر فأما بعد الجفاف فيتنزل منزلة المواشي المسألة الثالثة إذا أصاب النخيل عطش يستضر بالثمار فللمالك قطعها وإن تضرر بها المساكين لأنهم ينتفعون ببقاء النخيل في السنة الثانية ثم قال الشافعي رضي الله عنه يأخذ الساعي عشر الرطب أو ثمن عشرها ولا يلزمه التمر فإنه في القطع معذور واختلفوا في قوله أو ثمن عشرها فقيل معناه ترديد قول أي إذا فرعنا على أن المسكين شريك وأن القسمة بيع امتنع تسليم الرطب بالقسمة فيرجع إلى الثمن للضرورة وإن فرعنا على أنه إقرار حق أخذ نفس الرطب ومنهم من قال هذا تخيير لأن البدل إنما يؤخذ للحاجة فيجوز أيضا أن يقسم للحاجة وإن جعلنا القسمة بيعا وهذا القائل قد يجوز قسمة الأوقاف للحاجة فلما لم يكن بد من احتمال محذور للحاجة إما البدل وإما بيع الرطب تخير ومنهم من قطع بأن كل واحد منهما ممتنع إذ لا ضرورة بل الطريق أن يسلم النخيل إلى الساعي فيتعين حق المسكين بالقبض فيه وتثبت الشركة ثم يبيع الساعي قدر حق المساكين إذ له أن يبيع مال الزكاة مهما عظمت المؤنة عليه في إمساكها أو نقلها وقد احتاج هاهنا إلى البيع لتعذر القسمة وليس للساعي بيع مال الزكاة لغرض التجارة فإنه مستغن عنها الرابعة نص في الكبير على أنه لو باع ثمره قبل بدو الصلاح لا يشترط القطع فالبيعباطل فإذا أتلف المشتري الثمار ثم أفلس البائع وحجر عليه واجتمع عليه الزكاة والديون فتؤخذ القيمة من المشتري ويقدم المساكين بعشر القيمة ويضاربون بقدر التفاوت بين قيمة الرطب والتمر إذا كان قيمة التمر أكثر وهذا تفريع على خمسة أصول فأخذ القيمة تفريع على أن الرطب من ذوات القيم وتقديم المساكين بالعشر تفريع على تعلق حقهم بالعين كما في الرهن وإثبات حق المساكين في التمر تفريع على أن الخرص تضمين وأن وقت الخرص كالخرص وإثبات المضاربة بالتفاوت تفريع على أن حق الله تعالى يساوي حق الآدمي عند الازدحام على مال واحد النوع الثالث في زكاة النقدين والنظر في قدر الموجب وجنسه أما القدر فنصاب الورق مائتا درهم فيه خمسة دراهم ونصاب الذهب عشرون دينارا وفيه نصف دينار وما زاد فبحسابه يجب فيه ربع العشر ولا وقص فيه خلافا لأبي حنيفة وفيه مسائل الأولى لو نقص حبة من هذا القدر فلا زكاة وإن كان يروج رواج التام وقال مالك إن كان نقد البلد قراضة ومعه مائة وخمسون يروج بمائتين مكسرة وجبت الزكاة الثانية يعتبر النصاب في جميع الحول وقال أبو حنيفة لا يعتبر في أثنائه الثالثة لا يكمل نصاب أحد النقدين بالآخر خلافا لأبي حنيفة ولكن يكمل نصاب جيد النقرة برديئها ثم يخرج من كل بقدره ولا يكمل بالنحاس فلا زكاة في الدراهم المغشوشة إلا إذا كانت النقرة فيها بقدر النصاب وتصح على الدراهم المغشوشة وإن لم يكن قدر النقرة معلوما على أحد الوجهين كالغاليةوالمعجونات الرابعة إذا كان له آنية من الذهب والفضة مختلطا وزنه ألف ووزن أحدهما ستمائة ولم يدر أن الستمائة ذهب أو فضة يلزمه التمييز ليعرف القدر فإن عسر التمييز فالمذهب أنه يخرج زكاة ستمائة من الذهب وستمائة من النقرة ليخرج مما عليه بيقين لأنه إذا أخرج زكاة أربعمائة ذهب وأربعمائة فضة فيعلم اشتغال ذمته بعد ذلك يقينا ولا يبرأيقينا إلا بما ذكرناه وقال العراقيون له الأخذ بغالب الظن إذا كان يؤديه بنفسه فإن أدى إلى السلطان فلا بد من اليقين وقيل يأخذ بما شاء فيؤدي زكاة ستمائة من الذهب أو من الفضة لأن اشتغال ذمته ليس بمستيقن بما سوى ذلك الخامسة لو ملك مائة نقدا ومائة مؤجلا على مليء وقلنا لا يجب تعجيل الزكاة في المؤجل فمقدار النقد يجب أداؤه على أصح الوجهين لأن الميسور لا يسقط بالمعسور وقيل لا يجب لأن النصاب في حكم شئ واحد فلا يتبعض واجبه النظر الثاني في جنسه ولا زكاة في شئ من اللآلئ واليواقيت وسائر نفائس الأموال وإنما يجب في النقدين تبرا كان أو مضروبا وفي مناطه قولان أحدهما أنه عينهما كما في الربا فيجب في الحلي وهو مذهب أبي حنيفة ومذهب عمر وابن مسعود وابن عمر وعمرو بن العاص والثاني أنه منوط بمعناهما وهو الاستغناء عنهما في عينهما إذ لا يرتبط بذاتهما غرض فبقاؤهما سنة يدل على الغناء بخلاف اللآلئ واليواقيت والثياب والأواني فعلى هذا إذا قصد بصياغته حليا استعمالا مباحا لم تجب الزكاة كما أن أموال القنية التى يرتبط بأعيانها غرض إذا عزم على ترك استعمالها بإرصادها للتجارة وجبت الزكاة وهذا مذهب عائشة وابن عمر والجديد من قولي الشافعي رضي الله عنه وعلى هذا في القصد مراتب الأولى أن يصوغ ما هو محظور في نفسه كالملاهي والأواني فلا تسقط الزكاة الثانية أن يصوغ الرجل حلي النساء ليلبسه بنفسه لم تسقط الزكاة لأن الصارف عن الأصل قصد صحيح ولم يوجد الثالثة أن يقصد أن يكنزها حليا ولا يستعمل فالمذهب وجوب الزكاة لأنه لم يصر محتاجا إليه لأن المكنوز مستغنى عنه كالدراهم والدنانير الرابعة أن لا يقصد سببا أصلا ففيه وجهان ينظر في أحدهما إلى صنعة الحلي وهيآته وفي الثاني إلى عدم قصد الصرف إلى حاجة الاستعمال الخامسة أن يقصد إجارتها فوجهان مرتبان وأولى بأن لا يجب لأن الانتفاع نوع حاجة في عينه سواء حصل بنفسه أو بغيره فرعان الأول حيث شرطنا القصد فطارئها بعد الصياغة كمقارنتها في الإسقاط والإيجاب وهو كنية القنية إذا طرأت في مال التجارة فإنه يقطع الحول ومجرد نية التجارة لا يكفي لانعقاد الحول إلا إذا اقترن بالشراء لأن النية دون المنوي لا تؤثر ونية القنية معناها الإمساك والإمساك مقرون بها الثاني لو انكسر الحلي بحيث يتعذر استعماله إلا بإصلاح ففيه ثلاثة أوجه أحدهاأنه ينعقد الحول بتعذر الاستعمال فأشبه التبر والثاني لا لأنه مرصد للإصلاح والصنعة باقية والثالث إن قصد المالك إصلاحه فلا زكاة وإن قصد أن لا يصلحه جرى في الحول وإن لم يشعر به إلا بعد سنة فقصد الإصلاح ففي السنة الماضية وجهان وعلى هذا الوجه الأصح أنه لا يجب لأن هذا القصد تبين أنه كان مرصدا له فإن قيل ما المحظور في عينه مما يتخذ من الذهب والفضة قلنا هو ثلاثة أقسام الأول ما يختص الرجال به والذهب حرام عليهم مطلقا إلا في اتخاذ أنف لمن جدع أنفه فإنه لا يصدأ وقد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بأس بتمويه الخاتم بذهب لا يتحصلمنه وأما أسنان الخاتم من الذهب حرام وقال إمامي لا يبعد أن يشبه بضبة الإناء وتجنب ديباج على ثوب وهكذا حكم الطراز المذهب إذا حصل منه شئ أما الفضة فيحل للرجل التختم به وتحلية آلات الحرب من السيف والسنان والمنطقة وفي تزيين السرج واللجم وجهان لأنه يشبه أن يكون من آلات الحرب القسم الثاني فيما يختص بالنساء وهو حلال لهن أعني الذهب والفضة إلا ما فيه تشبه بالرجال كتحلية آلات الحرب والسرج واللجم القسم الثالث ما لا يختص بالرجال ولا بالنساء وفيه مسائل الأولى اتخاذ الأواني من الذهب والفضة حرام مطلقا وفي المكحلة الصغيرة تردد الثانية سكاكين المهنة إذا حليت بالفضة فاستعمال الرجال لها فيه تردد ووجه جوازها تشبيهها بآلات الحرب وهذا يقتضي أن لا يجوز للنساء الثالثة تحلية المصحف بالفضة فيه وجهان ووجه التجويز حمله على الإكرام وفي الذهب ثلاثة أوجه في الثالث يفرق بين الرجال والنساء فأما غير المصحف من الكتب لم يجوز تحليتها بفضة ولا ذهب كما لا يجوز تحلية الدواة والسرير والمقلمة وذكر الشيخ أبو محمد في مختصر المختصر تجويز تحلية الدواة وهذا يوجب الجواز في المقلمة وسائر الكتب وهو منقدح في المعنى إذ لا يبعد أن يقال لم يثبت في الفضة تحريم إلا في الأواني فأصله على الإباحة الرابعة تحلية الكعبة والمساجد والمشاهد بقناديل الذهب والفضة ممنوع هكذا نقله العراقيون عن أبي إسحاق المروزي ولا يبعد مخالفته حملا على الإكرام كما في المصحف ولأن الأصل في الفضة الإباحة إلا في الأواني وفي الذهب الإباحة إلا على ذكور الأمة وليس هذا من تحلي الذكور النوع الرابع زكاة التجارة وأركانها أربعة الأول المال وهو كل ما قصد فيه الاتجار عند اكتساب الملك فيه بمعاوضة محضة وفيه ثلاثة قيود الأول أن مجرد النية في دوام الملك لا يكفي لأن المنوي لم يقترن به بخلاف نية القنية فإنها تقطع التجارة لأن معنى القنية الإمساك وهو مقرون به وقال الكرابيسي يكفي مجرد نية التجارة الثاني قصد التجارة عند حصول الملك بإرث أو اتهاب أو رجوع برد بعيب لا يؤثر وعند حصوله عوضا عن البضع في الخلع والنكاح وجهان لأنه معاوضة ليست بمتمحضة الثالث إذا اشترى عبدا على نية التجارة بثوب قنية فرد عليه بالعيب انقطع حوله لأن الثوب العائد إليه لم يجز فيه النية ولم يعد بتجارة بخلاف ما إذا تبايع التاجران ثم ترادا لأن العائد كان مال التجارة قبل العقد ولو باع ثوب تجارة بعبد القنية انقطع حول الثوب فلو رد إليه بالعيب لم يعد الحول ما لم يستأنف سببا آخر وهو بيعه على نية التجارة فرع إذا اشترى جارية للتجارة فولدت فهل يدخل الولد في حول التجارة فيه وجهان أحدهما لا لأنه لم يحصل بالتجارة والثاني نعم لأنه لو نقص قيمة الأم بالولادة تجبر به فإن ذلك لا يعد خسرانا فدل على أنه من فوائد التجارة قبل العقد الركن الثاني النصاب وهو معتبر وفي وقت اعتباره أربعة أقوال أحدهما أنه يعتبر في جميع الحول كسائر الزكوات والثاني لا يعتبر إلا في آخر الحول لأن اختلاف القيمة بانخفاض الأسعار في لحظات قريبة لا ينضبط والثالث أنه يعتبر في أول الحول وآخره لأنهما مضبوطان بخلاف الوسط والرابع أن النقصان بانخفاض الأسعار في أثناء الحول لا يعتبر ولكن إن صار محسوسا بالرد إلى الناض فيعتبر لأن هذا منضبط فإن قلنا يعتبر آخر الحول فلو لم يكن نصابا ثم صار نصابا بعد شهر فعلى وجهين أحدهما لا يجب ما لم يتم الحول الثاني لأن الأول قد بطل والأصح أنه يجب لأنه ملكه سنة وشهرا فيقدر كأن الزائد لم يكن فرع إذا لم يعتبر وسط الحول فاشترى عرضا بمائتي درهم وباعه بعشرين دينارا لا تساوي مائتين والدنانير عرض إذا التقويم برأس المال فلو انقضى عليه سنون ولم يبلغ نصابا باعتبار الدراهم ففيه وجهان أحدهما أنه لا تجبالزكاة لأنه عرض في التجارة والثاني أنا يعدل إلى زكاة العين لعسر زكاة التجارة وعلى هذا في وقت افتتاح حوله وجهان أحدهما أنه آخر حول الأول إذ عند تعذر زكاة التجارة والثاني أنه من وقت ملكه إذ بان آخر الحول أنه كان لا يصلح لزكاة التجارة الركن الثالث الحول وهو معتبر بالاتفاق والنظر في أمرين أحدهما في ابتدائه ولما يشترى به سلعة التجارة ثلاثة أحوال أحدها أن يكون من النقدين نصابا كاملا ابتداء الحول من يوم ملك النصاب من النقد ليبتني حول التجارة على حول النقدين لأنهما متشابهان في قدر الواجب والموجب فيه ومتعلق الوجوب وكذا إن كان النصاب ناقصا مهما نظرنا إلى آخر الحول وإن نظرنا إلى أوله فيبدأ الحول حيث بلغت قيمة السلعة نصابا الثانية أن يكون المشترى به عرضا لا من جنس مال الزكاة فالحول من وقت نية التجارة لا من وقت ملك العرض الثالثة أن يكون عرضا من جنس من مال الزكاة كما لو اشترى بنصاب من الغنم السائمة سلعة للتجارة فالمذهب أن الحول من وقت الشراء وقال الإصطخري هو من وقت ملك الماشية وعليه دل نقل المزني وهو ضعيف إذ لا مناسبة بين الزكاتين حتى ينبني أحدهما على الآخر الأمر الثاني المستفاد في أثناء الحول هل يضم إلى الأصل له أربعة أحوال الأولى أن يكون بارتفاع قيمة مال التجارة فتجب الزكاة فيه بحول الأصل كما في النتاج مع الأمهات الثانية أن يشتري شيئا بنية التجارة لا بمال التجارة فيفرد بحوله ولا يضم إلى الأصل كالمستفاد من الماشية الثالثة إذا ارتفعت قيمة مال التجارة فيرده إلى الناض كما إذا كانت سلعته تساويعشرين دينارا فارتفعت قيمتها وباعها بعد مضي ستة أشهر بأربعين دينارا ففي العشرين الزائد قولان أحدهما أنه يضم في الحول إلى الأصل كنتاج المواشي وكما إذا ارتفعت القيمة من غير تنضيض والثاني وهو اختيار ابن الحداد أنه تفرد بحوله لأنه مستفاد من كيس المشتري لا من عين السلعة بخلاف النتاج الرابعة أن يكون مال التجارة حيوانا أو شجرا فنتج وأثمر وقلنا إن حكم الزكاة يتعدى إلى الولد فالأظهر أنه يضم في الحول إلى الأصل وما يحتمل أن يلتحق بهما بالربح الناض الركن الرابع في ما يجب إخراجه وهو ربع عشر قيمة مال التجارة وبماذا يقوم بالدراهم أو بالدنانير له ثلاثة أحوال الأولى أين يكون مشترى بأحد النقدين وكان نصابا كاملا فيقوم به وإن اشتري بنقدين فيقوم بهما على نسبة التقسيط يوم الشراء فإن قومنا ولم يبلغ كل واحد منهما نصابا فلا زكاة وإن كانت بحيث لو قوم بأحد النقدين لكان نصابا الثانية أن يكون المشترى به نقدا غير نصاب والأصح أنه مقوم به فيه وجه أنه يقوم بالنقد الغالب الثالثة أن يكون المشترى به عرضا قوم بالنقد الغالب وإن غلب نقدان قوم بما يبلغ به نصابا فإن بلغ كل واحد بهما نصابا فأربعة أوجه أحدهما أن المالك يتخير والثاني أنه يتبع الأنفع للمساكين والثالث أنه يعتبر بأقرب البلدان إلى حيث يغلب أحد النقدين والرابع أنه يقوم بالدراهم فإنه أحرى في المستحقرات فيكون أرفق للمساكين وللشافعي رضي الله عنه قولان قديمان أحدهما أن الواجب ربع العشر من جنس المال والثاني أنه يتخير بينه وبين القيمة فرع إذا وجبت الزكاة فيجوز له أن يتخير قبل الزكاة لأنه ليس يزيل المالية التي هى متعلق الزكاة فأما إن أراد الإعتاق أو الهبة فيخرج على أن متعلق الزكاة العين أو الذمة كما مضى في المواشي واختتام الباب بفصلين الأول في اجتماع زكاة التجارة مع سائر الزكوات ويفرض ذلك في الفطرة والمعشرات والمواشي أما الفطرة فلا تنتفي بزكاة التجارة بل على التاجر أن يخرج الفطرة عن عبيد التجارة وإن تم حول التجارة مثلا عند هلال شوال لأنهما زكاتان يتابعد مأخذهما فلا تتنافيان خلافا لأبي حنيفة أما إذا اشترى نصابا من السائمة على نية التجارة ففيه ثلاثة أقوال أحدها أن المعتبر زكاة التجارة لأنه أرفق بالمساكين ولأن المال خرج عن كونه قنية بنية التجارة ولم يخرج عن كونه مال التجارة بالسوم والثاني أن المغلب زكاة العين فإنه متفق عليه والثالث أنه إن كان نصابا بأحدهما دون الآخر فيكون الغالب ما بلغ به نصابا وإن كان بهما جميعا نصابا فعلى التردد السابق هذا إذا توافق ابتداء الحولين أما إذا اشترى أربعين معلوفة ثم أنشأ إسامتها بعد ستة أشهر فإن قلنا إن الغالب زكاة التجارة فلا كلام وإن قلنا الغالب زكاة العين ففي كيفية تغليبها هاهنا وجهان أحدهما أنه ينقطع حول التجارة بطريان السوم والثاني أنه تجب زكاة التجارة في الحول الأول كيلا يحبط بعضه ويعدل إلى زكاة العين في الحول الثاني وأما المعشرات فإذا اشترى ثمارا بنية التجارة فبدأ الصلاح في يده قبل البيع فإن غلبنا زكاة التجارة لم يجب العشر وإن غلبنا زكاة العين يخرج العشر ثم يستأنف حول التجارة عند الجذاذ إذ به تنقطع علائق زكاة العين فإن كان المشتري حديقة فإخراج العشر يسقط زكاة الثمار وهل تسقط زكاة الأشجار والأرض فيه ثلاثة أوجه أحدهما نعم لأن العشر حق الأشجار ومغارسها فهي كالتابعة للثمرة والثاني لا لأن العشر حق الثمار إذ يجب على من لا يملك الأشجار الثالث أن الأشجار تتبع دون الأرض لأن الشجرة لا تراد إلا للثمرة فإن قلنا تتبع الأرض فلا نتبع إلا ما يدخل في المساقاة من الأرضي المتخللة بين الأشجار فرع لو اشترى أرضا للتجارة وبذرا للقنية وزرع فواجب الزرع العشر المحض وواجب الأرض زكاة التجارة إذ ليس الزرع محل التجارة حتى يستتبع الفصل الثاني في زكاة مال القراض فإذا سلم إلى رجل ألفا على أن يكون الربح نصفين فكان آخر الحول ألفين فإن قلنا العامل لا يملك إلا بالقسمة فزكاة الألفين على المالك ويحتمل على نصيب العامل وجد أنه لا يلزمه لأن ملكه فيه ضعيف إذ يتعلق به حق للعامل لازم ثم ما نؤديه من الزكاة كالمؤن حتى يحتسب من الربح أو كاسترداد طائفة من المال فيه وجهان يلتفتان على أن تعلق الزكاة بالعين أغلب أو بالذمة فإنه إن تعلق بالذمة فإخراجه من غير هذا المال يشبه الاسترداد وإن قلنا العامل يملك بالظهور قال القفال لا زكاة عليه لأن ملكه يستقر بالقسمة وقيل يخرج على قولي المغصوب فإن قلنا يجب فالصحيح أن حوله من وقت الظهور وقيل إنه يجب بحول الأصل لأنه ربح وفي استبداد العامل بإخراجه وجهان لأنه متردد بين المؤونة أو أخذ طائفة من المال النوع الخامس من الزكاة زكاة المعادن والركاز وفيه فصلان الأول في المعادن والزكاة واجبة على كل حر مسلم نال من المعادن نصابا من النقدين وما عدا النقدين فلا زكاة فيه وفيه وجه آخر أنه يجب في كل معدن وأوجب أبو حنيفة فيما ينطبع تحت المطارق والنظر في أمور ثلاثة الأول في قدر الواجب وفيه ثلاثة أقوال أحدها ربع العشر تشبيها بزكاة النقدين والثاني أنه الخمس تشبيها بالركاز والثالث أن ما يصادفه قليلا مع كثرة العمل ربع العشر وما يصادفه مجموعا كثيرا بالإضافة إلى العمل ففيه الخمس ومعنى كثرة العمل أن يكون النيل بالإضافة إليه قليلا في العادة فإن عد زائدا على المعتاد فالمقدار اللاحق بالمعتاد فيه ربع العشر والزائد عليه يخصبالخمس الأمر الثاني النصاب وهو معتبر إن أوجبنا ربع العشر وإن أوجبنا الخمس فقولان لتردده بين مشابه الغنائم في قدر الواجب ومشابه الزكوات في الجنس فإن لم نعتبر النصاب فلا حول وإن اعتبر النصاب ففي الحول قولان واعتبار الحول مع النصاب لا يبقي لإضافة الزكاة إلى المعادن وجها فإن اعتبرنا النصاب مما يتواصل من النيل بضم بعضه إلى البعض كتلا حق الثمار في سنة واحدة والجامع هاهنا اتصال العمل فلو أعرض على عزم أن لا يعود فقد انقطع وإن ترك لإصلاح آلة لم ينقطع وإن كان لعذر سفر أو مرض فوجهان فرع إذا وجد تسعة عشر دينارا فأعرض ثم عاد بعد مدة ووجد دينارا وكانت التسعة عشر باقية فعليه أن يخرج واجب هذا الدينار لأنه كمل عند النيل بما في ملكه وأما التسعة عشر فيه شئ فلا لأنه لم يكن نصابا كاملا ذلك الوقت والكمال بعده لا ينفع وكذلك إذا كان في ملكه سلعة للتجارة فيكمل به نصاب المعادن ويكمل سلعةالتجارة بمال المعادن إذا وجد مع آخر حول التجارة وقلنا المعتبر آخر الحول لأن زكاة النقدين والتجارة والمعدن متداخلة في المعنى فينبني بعضها على البعض وإن كانت قد تختلف في شرط النصاب والحول وحكى الشيخ أبو علي وجها أن دينار المعدن لا يكمل إلا بما يجب فيه زكاة المعدن معه الأمر الثالث أنه لا يجب إخراج الواجب قبل التنقية كما في الحبوب ثم لا يجزئه إخراج التراب المخلوط فإن مقصوده مجهول فرع للمسلم أن يزعج الذمي من معادن دار الإسلام إذا انتهى إليه ولكن ما ناله بالمبادرة ملكه كالصيد والحشيش ولا زكاة عليه إلا إذا قلنا على وجه بعيد أن مصرف واجبه الفيء على قول إبجاب الخمس فإنه يؤخذ منه الخمس الفصل الثاني في الركاز وقد قال صلى الله عليه وسلم في الركاز الخمس وهو واجب في الحال من غير اعتبار حول بخلاف المعدن فإن فيه قولا بعيدا ولكن للركاز شروط الأول أن يكون من جوهري النقدين وفي القديم قول أنه يجب في كل جنس اعتبارا بالمغانم الثاني أن يكون نصابا تشبيها بالزكوات وفيه قول قديم أن القليل يخمس كالغنيمة قال الشافعي رضي الله عنه لو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير ولو وجدت فخارة لخمستها وهو إشارة إلى الاحتياط فرع إذا وجد مائة درهم لم يجب الخمس على الجديد فلو وجد مائة أخرى بعد ذلك والمائة الأولى باقية في ملكه أو ملك مائة أخرى من مال تجارة أو نقد وجب الخمس في مائةالركاز وكمل نصابه بما ليس بركاز كما ذكرنا في المعادن وفي طريقة العراق أنه إن كان في ملكه نصاب كامل في النقدين سوى الركاز وقد تم عليه الحول وجب الخمس في هذه المائة تكميلا لها بما هو محل الوجوب وإن وجد قبل حولان الحول فلا يكمل به وإن وجد عند حولان الحول ولكن كان النصاب ناقصا فالمنصوص في الأم أنه يكمل به الركاز وحكوا وجها آخر أنه لا يكمل لنقصان النصاب وهذه الطريقة جارية في المعادن وإن لم نحكها ثم الثالث أن يكون عليه ضرب الجاهلية فلو كان على ضرب الإسلام فهو لقطة وقيل إن الإمام يحفظها كحفظ الأموال الضائعة لأن اللقطة ما هو بصدد الضياع وطرد هذا في الثوب الذى تلقيه الريح في دار إنسان فإنه ليس معرضا للضياع ولو انكشف الركاز بسيل جارف ألحق باللقطة على مساق هذا المعنى فأما إذا احتمل أن يكون من ضرب الإسلام والكفر جميعا كالأواني والحلى فوجهان أحدهما أنه لقطة والثاني أنه ركاز الشرط الرابع أن يوجد في موضع مشترك كموات وشارع فإن وجد في عمران دار الحرب فهو غنيمة أو فيء وعلى اختلاف الحال في إيجاف خيل وركاب أو عدمه وإن وجده في ملك نفسه نظر فإن كان يملك بالإحياء فله الأخذ ولكن يملك بالإحياء أم بالأخذ فيه وجهان فعلى وجه لا يملك بالإحياء فإنه ليس من أجزاء الأرض بخلاف المعادن وإن كان الملك قد انتقل إليه من غيره فإن قلنا يملك بالإحياء فعليه طلب المحيي وإلا فهو لقطة أو مال ضائع وإن قلنا لا يملك بالإحياء فلا شك في أن المحيي أولى به ولا يبطل اختصاصه بالبيع فلا يملكه الواجد وهذا فيه احتمال فإنه يشبه بما لو عشش طير في داره فأخذه غير صاحب الدار وفي ملكه خلاف فرع لو تنازع البائع والمشتري والمعير والمستعير وقال كل واحد أنا دفنت الركاز فالقول قول صاحب اليد في الحال فإن قال المكري بعد رجوع الدار إلى يده أنا كنت دفنته قبل الإجارةلم يصدق على أحد الوجهين بيمينه لأنه اعترف بثبوت يد المستأجر عليه وانفرد بدعوى التقدم الشرط الخامس أن يكون الواجد أهلا للزكاة فلا خمس على الذمي إذا وجده إلا على قول بعيد أن مصرف الخمس الفيء فإذ ذاك يؤخذ خمسه النوع السادس زكاة الفطر والنظر في أربعة أطراف الأول في وقت الوجوب وفيه ثلاثة أقوال الجديد أنه يجب بأول جزء من ليلة العيد وهو وقت الغروب آخر يوم من شهر رمضان فإنه منسوب إلى الفطر وهذا وقته وعلى هذا لو مات عبده أو ولده قبيل الغروب أو ورث عبدا أو ولد له بعد الغروب فلا فطرة عليه بسببه الثاني أنه يجب بأول جزء من طلوع الفجر يوم العيد لأن أثر الفطر يظهر في الوقت القابل للصوم والثالث أنه لا بد من اعتبار الوقتين فعلى هذا لو زال ملكه بعد الغروب وعاد قبل الطلوع قبل الزوال فوجهان الطرف الثاني في المؤدى عنه والتحمل جار في الفطر لقوله أدوا صدقة الفطر عمن تمونون فتبعت الفطرة النفقة وجهات تحمل النفقة ثلاثة الجهة الأولى القرابة وكل قريب تجب نفقته تجب فطرته إلا في مسألتين إحداهما ابن بالغ لم يملك إلا قوت يومه فقط عليه لإعساره ولا على الأب لسقوط نفقته في هذا اليوم وإن كان الابن صغيرا قال الصيدلاني تجب فطرته فإن حق الصغير آكد ولذلك تتسلط الأم على الاستقراض لنفقة الصغير دون الكبير قال الشيخ أبو محمد لا فرق في الفطرة ولا في الاستقراض بل لا تستقرض الأم دون إذن السلطان بحال الثانية فطرة زوجة الأب فيه وجهان أحدهما أنه يجب كالنفقة والثاني لا لأن وجوب الإعفاف خارج عن القياس فيقصر على النفقة التى هى قدر الضرورة وهذا ضعيف لأن الشافعي رضي الله عنه نص على أن الابن يؤدي فطرة عبد أبيه إذاكان مستغرقا بخدمة أبيه فزوجة الأب أولى الجهة الثانية الزوجية فيجب على الزوج الحر الموسر صدقة الفطر عن زوجته المسلمة موسرة كانت أو معسرة فإن كان معسرا وهي موسرة قال الشافعي الأولى لها أن تخرج عن نفسها ولا يتبين لي إيجابها عليها ونص في الأمة تحت الزوج المعسر على أن النفقة تجب على السيد فقال الأصحاب قولان بالنقل والتخريج منشؤها التردد في أن الزوج أصل في الوجوب أو متحمل ومنهم من قرر النصين وقال مالك اليمين أقوى في الأمة من مالكته الحرة ولهذا يلزم الحرة التمكين مطلقا ولا يجب على السيد تسليم الأمة إلى زوجها إلا ليلا وإن كانت موسرة تحت مكاتب فقولان مرتبان وأولى بأن يجب عليها لأن المكاتب ليس له أهلية التحمل فرعان الأول إذا أخرج الزوج زكاتها دون إذنها جاز فإنه مخاطب أصيلا كان أو متحملا وإن أخرجت هى فطرة نفسها بغير إذنه لم يجز إلا على قولنا إن الزوج متحملوليس بأصيل الفرع الثاني البائنة الحامل تستحق الفطرة كالنفقة وقيل إذا قلنا النفقة للحمل فلا فطرة الجهة الثالثة ملك اليمين فيجب إخراج الفطرة عن كل مملوك مسلم باق تحت التصرف أما الكافر فلا فطرة له عليه خلافا لأبي حنيفة وأما العبد المشترك يجب فطرته على الشريكين خلافا لأبي حنيفة ومن نصفه حر ونصفه عبد فالأمر بينه وبين السيد على الشركة ولو جرت مهايأة واستهل هلال شوال في نوبة أحدهما ففي اختصاص الفطرة به وجهان بناء على أن الأمور النادرة هل تدخل في المهايأة وفيه خلاف ولو اعتبرنا مجموع الوقتين فكان وقت الغروب في نوبة أحدهما ووقت الطلوع في نوبة الآخر فلا سبيل إلا الشركة وأما نفوذ التصرف احترزنا به عن المكاتب فلا يجب فطرته عليه لنقصان حاله ولا على السيد لسقوط النفقة وحكى أبو ثور عن الشافعي رضي الله عنه أنه يجب على السيد وقال بعض أصحابنا يجب على المكاتب لأن إسقاط فطرته مع قدرته وقدرة السيد بعيد وهو أولى بنفسه من السيد كما في النفقة أما من لا ينفذ التصرف فيه بإباقة أو كونه مغصوبا أو ضالا ففيه طريقان أحدهما كسائر الزكوات فيخرج على القولين والثاني أنه يجب لأنه يتعلق بالملك الضعيف في المستولدة وأطلقوا القول بوجوبه في العبد المرهون وإن احتمل إجراء الخلاف فيه فروع ثلاثة الأول العبد الموصى به إذا فرعنا على أنه بعد موت الموصي وقبل القبول ملك الميت فجرى الإهلال فلا زكاة وذكر الفوراني وجها أنه يجب في مال الميت وهذا يلتفت على تردد ذكرناه في مال الجنين لأن الجنين مورده الحياة والميت مصدره الحياة والاستصحاب كالاستعجال الثاني إذا غاب العبد وانقطع خبره نص على وجوب فطرته ولو أعتقه عن كفارة ظهار نص على أن الوقاع لا يحل له فقيل قولان بالنقل والتخريج لتقابل الأصلين وقيل إن الشافعي مال إلى الاحتياط في المسألتين وهذا فيه نظر إذا كان انقطاع الخبر مع تواصل الرفاق فإن كان في الطريق عائق فالأصل بقاء العبد الثالث نفقة زوجة العبد في كسبه وليس عليه فطرتها لأنه ليس أهلا لالتزام زكاة نفسه فلا تحمل عن غيره والمكاتب إن ألزمناه فطرة نفسه ألزمناه فطرة زوجته الطرف الثالث في صفات المؤدي والصفات المشروطة ثلاث الأولى الإسلام فلا زكاة على كافر إلا في عبده المسلم وزوجته المسلمة حيث يتصور مسلمة تحت كافر في دوام النكاح عند اختلاف الدين وفيهما قولان أحدهما لا تجب لأن المؤدي أصل وهو كافر والثاني تجب لأنه متحمل وعلى هذا تجزي دون النية لتعذرها من الكافر الصفة الثانية الحرية فلا زكاة على رقيق إلا على المكاتب في رأي بعيد كما ذكرناه ومن نصفه حر وجب عليه نصف صاع وعلى سيده الباقي ويجب على الصبي والمجنون في مالهما الصفة الثالثة اليسار وهو معتبر في وقت الوجوب فلو كان معسرا ثم أيسر ضحوة العيد مثلا فلا زكاة بخلاف الكفارة فإن الأظهر أن العاجز عن جميع الخصال إذا جرى عليه سبب الكفارة استقر في ذمته إلى اليسار لأن اليسار ثم اعتبر للأداء وسبب الوجوب الجناية وهاهنا اليسار أولى بأن يجعل سببا للوجوب من الوقت وقال صاحب التقريب الكفارة كالفطرة ويشهد له حديث الأعرابي والمعني باليسار أن يفضل عن قوته وقوت من يقوته في يومه ذلك صاع واحد وذلك بعدد ست ثوب يليق به ومسكن يسكن فيه وعبد يخدمه إن كان مثله ممن يخدم والعبد والمسكن يباعان في الديون للآدميين ولكن الحاجة إليه تمنع ابتداء الوجوب لأن الابتداء أضعف ولذلك يدفع ابتداء الفطرة بالدين كما يدفع بالحاجة إلى نفقة الأقارب في ذلك اليوم وإن كان لا يدفع سائر الزكوات في ابتدائها بالدين على قول فروع أربعة الأول لو كان الفاضل صاعا واحدا وله عبد مستغن عن خدمته صرف الصاع إلى نفسه وهل يلزمه أن يبيع جزءا من العبد في فطرة العبد فيه ثلاثةأوجه أحدها لا لأنه يؤدي إلى اتحاد المخرج والمخرج عنه والثاني أنه يجب ولا بأس بالاتحاد والثالث وهو الأعدل وإن لم يكن محكيا على هذا الوجه أنه إن استغرق الصاع قيمته فلا يخرج وإن كان عشرة مثلا يشتري بتسعة أعشار صاع فليخرجه عن الباقي بعد بيع العشر لأن من لا يملك إلا تسعة أعشار عبد يلزمه تسعة أعشار صاع فلا يؤدي إلى الاتحاد المحذور الثاني لو فضل عن قوته نصف صاع فيه وجهان أحدهما أنه يجب إخراجه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور كما إذا وجد بعض الساتر للعورة الثاني أنه لا يجب كبعض الرقبة في الكفارة والأصح الفرق لأن الرقبة لها بدل وأما بعض الصاع فيشبه ما لو وجد بعض ما يستر العورة الثالث إذا فضل صاع واحد ومعه زوجته وأقاربه ففيه ثلاثة أوجه الأصح أنه يخرج عن نفسه لقوله عليه السلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول والثاني أنه يبدأ بزوجته لأنه في حكم دين والثالث أنه يتخير بين نفسه وبين غيره وعلى هذا لو وزع وقلنا إخراج بعض الصاع لا يجب لم يجز التوزيع وإن قلنا يجب ذلك ويقع زكاة فهاهنا وجهان والفرق أن هاهنا لا ضرورة إلى التجزئة بخلاف ما إذا لم يجد إلا نصف صاع الرابع لو أخرج فطرة نفسه وفضل صاع وازدحم جمع ممن يقوتهم يقدم من يقدم بالنفقة فإن استويا فوجهان أحدهما التخيير والآخر التقسيط الطرف الرابع في الواجب وهو صاع مما يقتات والصاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث بالبغدادي والقوت كل ما يجب فيه العشر ولو كان الأقط قوت طائفة ففي إخراج صاع منه قولان مأخذهما التردد في صحة الحديث الوارد فيه فإن صح فاللبن والجبن في معناه دون المخيض والسمن لأن الاقتيات باجتماعهما وذكر العراقيون قولين في اللحم من حيث إن اللبن عصارته وهو بعيد لأنه لا يقوت ثم لا يجري المسوس والمعيب من هذه الأجناس ولا الدقيق فإنه بدل وذكر بعض الأصحاب في كونه أصلا قولين وهل يتعين أحد الأجناس فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يتخير بينهما لورود الخبر بلفظ التخيير وهو ضعيف لأن المراد به التنويع والثاني أن المعتبر قوته كما يعتبر في الزكاة ماشيته والثالث وهو الأصح أنه يعتبر الغالب من قوت البلد في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة ثم إذا تعين جنس تفرع عنه ثلاثة فروع الأول أنه لو أخرج جنسا أشرف مما عليه كالبر بدل الشعير يجزئه ولو أخرج الأردأ لا يجزئه والبر أشرف من التمر في غرض الاقتيات فلا ينظر إلى القيمة والتمر أشرف من الزبيب وفي الزبيب مع الشعير تردد ولو وجب الشعير فأخرج نصف صاع من الشعير ونصف صاع من البر لم يجز على أحد الوجهين لما فيه من التنويع الثاني لو كان يليق البر بحاله فكان يتناول الشعير بخلا لزمه البر ولو كان يليق به الشعير وكان يتناول البر توسعا ففي أخذ الشعير وجهان أصحهما أنه يؤخذ نظرا إلى اللائق به الثالث إذا اختلف قوت السيدين في العبد المشترك قال ابن سريج يكلف من قوته أردأ أن يوافق الآخر ليتحد النوع فإن العبد متحد وقال ابن الحداد لا يبالي بالتنويع لأجل الضرورة ولا خلاف في أن الكفارات لا يركب آحادها من الصيام والإطعام إلا كفارة الصيد فإن الجماعة إذا اشتركوا لزمهم جزاء واحد ولا يلزمهم التوافق في الطعام أو الصيام نعم لو اتحد القاتل والمقتول ففي جواز التنويع وجهان ووجه الجواز أن هذه الكفارة متبعضة بالجناية على أطراف الصيد كتاب الصيام ولا خفاء بكونه من أركان الشرع والنظر فيه يحصره قسمان الأول في نفس الصوم والثاني في موجبات الإفطار ومبيحاته القسم الأول في نفس الصوم والنظر في سببه وركنه وشرطه وسننه القول في السبب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وإن غم عليكم فاستكملوا العدة ثلاثين يوما فرؤية الهلال سبب الوجوب والنظر في ثلاثة أمور الأول في طريقة معرفته وأقصاه بعد العيان شهادة عدلين سواء كانت السماء مضحية أو لم تكن وهل يقبل قول واحد فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يقبل كما في هلال شوال والثاني يقبل إن كان على صفات الشهود لما روي عن ابن عمر أنه قال تراءى الناس الهلال فرأيته وحدي فشهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الناس بالصوم ولأن فيه احتياطا لأمر العبادة بخلاف شوال وعلى هذا لو شهد واحدواستكملنا ثلاثين فلم ير هلال شوال ففي الإفطار وجهان ووجه الجواز أن أول الشهر إذا ثبت بقوله فالآخر ثبت ضمنا لا قصدا فكان كالنسب الذى يثبت ضمنا للولادة بقول مجرد النساء ولو شهد عدلان وكانت السماء مضحية ليلة الحادي والثلاثين ولم ير لم نجز الإفطار على أحد الوجهين إذ قول العدلين اجتهاد وهذا يقين فلا يعمل معه والثالث أنه يكفي صفة الرواة فلا يشترط الحرية وكان هذا من قبيل الإخبار فرع هل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة إن قلنا إنه من قبيل الإخبار يثبت وإن قلنا شهادة تبنى على أن حق الله هو يثبت بالشهادة على الشهادة وفيه خلاف الأمر الثاني عموم حكم الهلال فإذا رأى في موضع فهل يتعدى حكمه إلى سائر البلاد فيه وجهان أحدهما نعم لأن مناط التعبد أن يصير مرئيا ببعده عن الشمس ولو في موضع واحد والثاني لا بل مناطه أن يصير مرئيا في قطر المكلفين وذلك يختلف بالبلاد وعلى هذا لا ضبط إلا مسافة القصر فإن تحكم المنجم قبيح شرعا فرع لو رأى الهلال ببلدة وسافر إلى بلدة أخرى واستكمل الثلاثين ولم ير الناس الهلالفإن قلنا الحكم يعم فله الإفطار وعلى الناس موافقته إن ثبت عندهم عدالته وإن قلنا لكل بقعة حكمها فعليه موافقة القوم ولو أصبح معيدا مفطرا فجرت به السفينة إلى قطر لم ير به الهلال قال الشيخ أبو محمد يلزمه الامتثال تشبها إن لم نعمم الحكم وفيه بعد لما فيه من تبعيض اليوم الواحد الأمر الثالث وقت تأثير الهلال الليل فلو رأى هلال شوال نهارا لم يفطر إلى الغروب سواء رأى قبل الزوال أو بعده وقال أبو حنيفة إن رأى قبل الزوال أفطر القول في ركن الصوم وهو النية والإمساك الركن الأول النية فيجب على الصائم في رمضان أن ينوي لكل يوم نية معينة مبيتة جازمة وفي الرابطة قيود فليتأمل أما قولنا ينوي خالفنا فيه زفر وقولنا لكل يوم خالفنا فيه مالك إذا اكتفى في رمضان بنية واحدة وأما قولنا معينة خالفنا فيه أبو حنيفة إذ قال لو نرى قضاء أو نذرا أو تطوعا انعقد عن رمضان وعندنا يلزمه أن يقول بقلبه أؤدي ا إذا فرض صوم رمضان فالتعرض للأداء لا بد منه وفي الفرضية خلاف ومنهم من زاد أن يقول رمضان هذه السنة وهوفاسد فإن في الأداء غنية عنه والمراد من النية قصد القلب إلى الصوم الموصوف بهذه الصفات بعد كونه حاضرا في الذهن وأما اللفظ فلا أثر له وأما قولنا مبيتة خالفنا فيه أيضا أبو حنيفة ويعني به أنه ينوي ليلا ولا يتعين له النصف الأخير على المذهب ولا يبطل بالأكل بعده ولا يجب تجديد النية إن تنبه من النوم على المذهب ولو بصورة القدرة على أن تقترن النية بأول جزء من اليوم وفي صحته وجهان لورود لفظ التبييت أما التطوع فيصح بنية قبل الزوال للخبر وفيما بعد الزوال قولان أحدهما نعم ترغيبا في تكثير النوافل والثاني لا لأنه ورد الخبر فيما قبل الزوال والمعظم باق فلا يكون ما بعده في معناه ولا مرد للتنصيف إلا الزوال وإن كان ما قبل الزوال أكثر ثم قيل إن العبادة تحصل من وقت النية ولكن الإمساك فيما قبله شرط ولو تقدم الكفر والحيض ثم زالا ففى صحة الصوم خلاف لأن ذلك لا يبطل مقصود الصوم من الخواء لأن مقصوده الخوى والطوى فرع لا يبطل الصوم بمجرد نية الخروج على أحد الوجهين إذ ليس له عقد وحل يرتبط بالقصد فلو كان صائما قضاء فنوى أن يقبله نذرا وقلنا إن نية الخروج تؤثر بطل القضاء ولم يحصل النذر وهل يبقى تطوعا فيه وجهان أما قولنا جازمة أردنا أن النية المرددة باطلة إلا إذا كان لها مستند والمردد أن يقول ليلة الشك أصوم غدا إن كان من رمضان وكان من رمضان لم يعتد بصومه ولو كان له مستند وهو مع ذلك شاك جاز والمستندات ثلاثة الأول علامة صحيحة شرعا كقول شاهدين عدلين أو شاهد واحد إن حكمنا به أو معرفة تسيير الأهلة وأما قول الصبية والعبد وإن أبان ظنا فهو كالمعدوم شرعا وإن كان الغيم مطبقا واقتضى الحساب الرؤية ففي وجوبه على من عرف الحساب وجهان الثاني الاستصحاب وهو أن ينوي كذلك ليلة الثلاثين من رمضان صح لأن الأصل بقاء الشهر واستصحاب الأصول من القواعد الثالث الاجتهاد في حق المجوس في مطمورة بإجراء الفكر في التواريخالمعلومة فإذا غلب على ظنه نوى ولم يضره التردد ثم إن وقع شوال وما بعده لم يلزمه القضاء بل أجزأه ما جاء به ولكن كان أداء له وكأن الشهر بدل في حقه للضرورة أو هو قضاء فيه قولان وفائدة كونه أداء أن ذلك الشهر لو خرج تسعا وعشرين وكان رمضان ثلاثين فيكفيه ذلك وإن وقع في شعبان فما قبله فإن قلنا إن المؤخر أداء فهذا يجزئه وإن قلنا قضاء فلا يعقل القضاء قبل الوقت وهذا إذا لم يدرك رمضان فإن أدرك وانكشف الحال لزمه ما أدرك من رمضان بكل حال الركن الثاني الإمساك عن المفطرات والمفطرات ثلاثة دخول داخل وخروج خارج وجماع أما الجماع فحده معلوم وأما الخارج فالاستمناء قصدا والاستقاء قصدا وقيل إن الاستقاء من قبيل دخول داخل لأنه لا يخلوا من رجوع شئ إلى الباطن وقد قال صلى الله عليه وسلم من قاء أفطر أي استقاء ومن ذرعه القيء لم يفطر أما دخول الداخل فالضبط فيه أن كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح عن قصد مع ذكر الصوم فهو مفطر وفي الرابطة قيود أما قولنا كل عين جمعنا به ما يعتاد أكله ومالا يعتاد أكله كالحصاة والبرد وخالف في ذلك بعض العلماء وقلنا وصل جمعنا به ما ينفصل عن الظاهر وما يبقى طرفه باديا كما لو وجأ بالسكين البطن وإرسال خيط في الحلق مع الاستمساك بطرفه وقال أبو حنيفة لا يحصل الإفطار به وأما الباطن عنينا به كل موضع مجوف فيه قوة محيلة للدواء والغذاء كداخل القحف والخريطة وداخل البطن والأمعاء والمثانة والسعوط والحقنة مفطران والاكتحال لا يفطر وفيما يصل إلى الإحليل وجهان والصحيح أن تقطير الدهن في الأذن لا يضر والاحتجام والفصد والوجاء بالسكين في الفخد لا يفطر إذ لم يصل إلى الجوف وأما قولنا في منفذ مفتوح احترزنا به عما يصل إلى الدماغ أو البطن إذاطلي بالدهن فإن ذلك يشرب بالمسام فلا يفطر إلا أن يكون جراحة شاقة فإذا نزل عين الدواء إلى الجوف أفطر أما قولنا عن قصد المعني به أن من طارت ذبابة إلى جوفه أو وجئ بالسكين دون رضاه أو ضبطت المرأة وجومعت أو وصل غبار الطريق وغربلة الدقيق إلى باطنه أو أوجر وهو مكره أو نائم أو مغمى عليه فلا يفطر إلا أن يقصد معالجة المغمى عليه في إيجاره ففيه وجهان من حيث إنه روعي مصلحة فنزل منزلة تعاطيه ويخرج عن رعاية القصد النظر في الريق وماء المضمضة والنخامة وبقية الطعام في خلال الأسنان وسبق المني والقيء أما الريق فهو معفو عنه إلا إذا أخرج من الفم وأعاد إليه ولو جمع قصدا ثم ابتلعه فوجهان قال الشافعي وأكره العلك فإنه يحلب الفم فأشار إلى جمع الريق والخياط إذا بلل الخيط ثم رده إلى فيه قال الأصحاب أفطر وقال الشيخ أبو محمد لا أثر لذلك فإنه ينقص عما يبقى في الفم بعد المضمضة ولو أخرج لسنه من فيه وعلى طرفه ريق ثم أعاد فلا بأس قطعا ولو خرج من اللثة دم فابتلع أو ابتلع سنا يسقط أفطر أما النخامة فإنها تبرز من ثقبة نافذة من الدماغ إلى أقصى الفم فإن جرى إلى الباطن بغير اختياره لم يفطر وإن رده إلى فضاء الفم ثم ازدرده قصدا أفطر وإن قدر على قطعة من مجراه ودفعه عن الجريان وتركه حتى جرى بنفسه ففيه وجهان منهم من لم يكلفه ذلك ومنهم من كلفه لقدرته وأما سبق الماء في المضمضة ففيه قولان أحدهما لا يفطر كسبق الذباب عند فتح الفم والثاني يفطر لأن التحفظ فيه ممكن ولو بالغ فقولان مرتبان والظاهر الإفطار لأن وصول الماء فيه ليس بنادر أما بقية الطعام في خلل الأسنان فإن قصر في تخليل الأسنان فهو كصورة المبالغة وإن لم يقصر فهو كغبار الطريق أما المني فإن خرج بالاستمناء فهو مفطر وإن خرج بمجرد الفكر والنظر فلا لأن الحجر فيه عسر فإن خرج بالقبلة والمعانقة مع حائل فهو كالمضمضة وإن كان غير حائل وخرج بالمضاجعة فهو كالمبالغة ثم قال العلماء لا تكره القبلة في الصوم لمن يملك إربه كالشيخ الهم ويكره للشاب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل نساءه وهو صائم وأما القيء وسبقه فهو كالمني إلا إذا قلنا إنه إنما يفطر لرجوع شيء منه إلى الباطن فعند ذلك لو يحفظ لم يفطر ولو اقتلع نحامة من باطنه فهل يلحق بالاستقاء فيه وجهان أحدهما نعم لأنه مشبه به والثاني لا لأن الاستقاء إخراج طعام عن مقرة ثم أقرب ضبط في الفرق بين الظاهر والباطن أن يقال المقتلع من مخرج الخلو ظاهر والمقتلع من مخرج الحاء باطن هذا بيان فقد القصد حسا فإن فقد شرعا كما في المكره على الأكل فقولانأحدهما لا يفطر لسقوط قصده شرعا والثاني يفطر لأن أثر الإكراه في درء المأثم وأما قولنا مع ذكر الصوم احترزنا به عن الناسي للصوم فإنه إذا أكل مرة أو مرارا كثيرا أو قليلا لم يفطر لورود الحديث وفي جماع الناسي خلاف سيأتي وأما الغالط فيلزمه القضاء كمن ظن أن الشمس غاربة وأن الصبح غير طالع فأكل ثم بان خلافه لأنه ذاكر الصوم ومن أصحابنا من قال إذا غلط في أول النهار لم يقض لأنه معذور في استصحاب حكم الليل فإن قيل فمتى يحل الأكل قلنا أما في آخر النهار فعند اليقين للغروب أو عند اعتقاد قطعي في حق الصائم فإن ظن الغروب بأمارة وهو مع ذلك يجوز خلافه قال الأستاذ أبو إسحاق لا يحل له الأكل ولو أكل واستمر الإشكال لزمه القضاء لأن درك اليقين ممكن فلا يتغير الاستصحاب بالاجتهاد ومن أصحابنا من جوز الأكل بالاجتهاد أما في ابتداء النهار فيجوز بالظن ولا يجوز هجوما ولكن لو استمر الإشكال فلا قضاء لأن الأصل بقاء الليل فرع إذا طلع الصبح وهو مجامع فنزع انعقد صومه خلافا للمزني وزفر لأنه بالنزع تارك للجماع ولو استمر فسد الصوم ولو أحرم مجامعا ثم نزع ففي انعقاد إحرامه وجهان من حيث إن الإحرام داخل تحت اختياره فإن قيل وكيف يتصور اتصال النزع بالصبح ولا يحسن بالصبح إلا بعد زمان من طلوعه قلنا ما قبل إمكان الإحساس لا يتعلق به الحكم كالزوال عند زيادة الظل القول في شرائط الصوم وهي أربعة ثلاثة في الصائم وهو الإسلام والعقل والنقاء عن الحيض فلا يصح صوم كافر ولا مجنون ولا حائض في بعض النهار أو كله ثم العقل زواله بالجنون بانغماره بالإغماء واستتاره بالنوم أما النوم فلا يضر وإن استغرق جميع النهار لأنه في حكم عقله يزول بالتنبه وفي إلحاق مستغرق النوم بمستغرق الإغماء وجه بعيد وأما الجنون فيفسد طارئه ومقارنه وفي إلحاق طارئه بطارئ الإغماء وجه بعيد وأما الإغماء ففيه طريقان أحدهما إجراء خمسة أقوال ثلاثة منصوصة واثنان مخرجان أحدها وعليه نص هاهنا أن المستغرق يفسد فإن أفاق في جزء من النهار لم يفسد والثاني وعليه نص في الظهار أنه إن كان في أول النهار مفيقا صح وإلا فلا والثالث أن الإغماء كالحيض والرابع مذهب المزني وهو أن الإغماء كالنوم فلا يضر وإناستغرق والخامس شرط الإفاقة في طرفي النهار مراعاة لأول العبادة وآخرها الطريقة الثانية القطع بما نص الشافعي رضي الله عنه عليه في الصوم وهو اشتراط الإفاقة في لحظة كانت وتأويل بقية النصوص الشرط الرابع الوقت القابل للصوم وهو جميع الدهر إلا يوم العيدين وأيام التشريق وفي القديم قول أن المتمتع يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق فقيل إنه لا يقبل غيره وقيل إنه كيوم الشك أما يوم الشك فصومهصحيح إن وافق وردا أو قضاء وإن لم يكن له سبب فهو منهي عنه وفي صحته وجهان كالصلاة في الأوقات المكروهة ويعني بيوم الشك أن يتحدث الناس برؤية الهلال ولا يثبت عند القاضي وإن كان على محل الهلال قزع سحاب ولم يتحدث بالرؤية فليس بشك في البلاد الكبيرة وأما في حق الرفقة في السفر والقرى الصغيرة فلا يبعد أن يجعل يوم الشك وإن كان الغيم مطبقا فليس بيوم الشك القول في السنن وهي ثمانية الأول تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب بتمر أو ماء مستحب ويقول عند ذلك اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت الثاني تأخير السحور مع الاستظهار باليقين وقد كان بين تسحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاة الصبح قدر خمسين آية الثالث إكثار الصدقات وتقديم الطعام لإفطار الصائمين الرابع الاعتكاف لا سيما في العشر الأخير لطلب ليلة القدر الخامس كثرة تلاوة القرآن في هذا الشهر مع كف اللسان عن أنواع الهذيان وكذا كف النفس عن جميع الشهوات فهو معنى الصوم قال صلى الله عليه وسلم الصوم جنة وحصن حصين فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق فإذا شاتمه رجل فليقل إني صائم السادس ترك السواك بعد الزوال فإنه يزيل خلوف فم الصائم وهو أطيب عند الله من ريح المسك السابع تقديم غسل الجنابة على الصبح ولو أصبح جنبا فلا بأس كان رسولالله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع أهله الثامن ترك الوصال ولا تزول الكراهية إلا بأن يأكل شيئا بالليل وإن قل فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه واصل في العشر الأخير فواصل عمر وغيره فنهاهم وقال وددت لو مد لي الشهر مدا ليدع المتعمقون تعمقهم أيقوى أحدكم على ما أقوى عليه إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني القسم الثاني في مبيحات الإفطار وموجباته أما المبيح فالمرض والسفر الطويل وقد ذكرنا حدهما في التيمم والصلاة ثم المرض إن طرأ أباح الفطر وإن زال قبل الإفطار لم يجز الإفطار بعده وقيل إنه يجوز أما السفر إذا طرأ في أثناء النهار لم يفطر خلافا لمزني وأحمد وإن قدم الرجل غير مفطر لم يجز له الإفطار وإن أصبح المسافر على نية الصوم فله الإفطار بخلاف ما إذا شرع في الإتمام حيث لا يجوز القصر والصوم أولى من الفطر في السفر بخلاف الإتمام فإن فيه خلافا لأن فيالقصر خروجا عن الخلاف مع براءة الذمة والفطر يبقي الذمة مشغولة بالقضاء وأما خلاف داود في إيجاب الفطر فلا يعتد به وما ورد من الأخبار في النهي عن الصيام في السفر أريد به من يتضرر بالصومبدليل ما روي عن أنس أنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا الصائم ومنا المفطر ومنا القاصر ومنا المتمم ولم يعب بعضا بعضا أما موجبات الإفطار فأربعة القضاء والإمساك تشبها والكفارة والفدية أما القضاء فواجب على كل مفطر وتارك بردة أو سفر أو مرض أو إغماء أو حيض ولا يجب على من ترك بجنون أو صبي أو كفر أصلي ولا فرق في الجنون بين ما طبق الشهر وبين ما قصر عنه فما فات في أيام الجنون لا يقضى ولو أفاق في أثناء النهار ففي قضاء ذلك اليوم وجهان ومن لزمه قضاء الشهر في يلزمه التتابع خلاف لمالك أما الإمساك تشبها بالصائمين فواجب على كل متعد بالإفطار في شهر رمضان ولا يجب في غير رمضان ولا على من أبيح له الفطر إباحة حقيقيةكالمسافر والمريض وإن زال عذرهما في بقية النهار خلافا لأبي حنيفة لأن الإمساك نوع مؤاخذة وإن أصبحا من غير نية فزال العذر قبل اتفاق الأكل ففي وجوب الإمساك وجهان فالظاهر أنه لا يجب إذ لا فرق بين الأكل وترك النية كما في الحائض فأما من أصبح يوم الشك مفطرا ثم بان أنه من رمضان فالمذهب وجوب الإمساك لأنه مخطئ والكفارة تتعلق بالقتل الخطأ وحكى البويطي قولا أنه لا إمساك وكأن الإمساك نتيجة المأثم أما الصبي والجنون والكفر إذا زال في أثناء النهار ففي وجوب الإمساك بقية النهار أربعة أوجه أحدها أنه يلزمهم لأنهم أدركوا وقت التشبه إن لم يدركوا وقت الصوملا كالمسافر فإنه مترخص مع كمال حاله على بصيرة والثاني لا يلزم لأن وجوب الإمساك ينفي لزوم الصوم وهولاء لم يلتزموا إذ لم يدركوا وقت الأداء والثالث أن الكافر يلزمه دون الصبي والمجنون فإنه معتد بترك الصوم مع القدرة عليه بتقدم الإسلام والرابع أن الصبي مع الكافر يلزمهما لأن الصبي مأمور بالصوم وهو ابن سبع ومضروب عليه وهو ابن عشر ثم قال الأصحاب قضاء هذا اليوم في حقهم يبتنى على الإمساك فمن ألزم الإمساك ألزم القضاء ومن لا فلا قال الصيدلاني من أوجب الإمساك اكتفى به ومن لا يوجب أوجب القضاء فرع من نوى التطوع في رمضان لم ينعقد تطوعه وإن كان مسافرا أو كان قد أصبح ليلة الشك غير ناو لأن الوقت متعين للإمساك المفروض في حق من ليس مترخصا وفيه وجه أنه ينعقد أما الكفارة فواجبة على كل من أفسد صوم يوم من رمضان بجماع تام أثم به لأجل الصوم وفي الحد قيود أما قولنا أفسد احترزنا به عن الناسي إذا جامع فإنه لا يفطر على المذهب الظاهر فلا يكفر ومنهم من خرج الفطر على القولين في فساد الإحرام بجماع الناسي وهوبعيد إذ إلحاق الجماع بالأكل أولى من إلحاقه باستهلاكات الحج ثم إن قلنا الفطر حاصل فالظاهر أن الكفارة لا تجب لانتفاء الإثم وفيه وجه لانتسابه إلى التقصير أما تقييدنا بصوم رمضان احترزنا عن التطوع والقضاء والنذر فلا كفارة فيها أثم المفطر أو لم يأثم أما إضافتنا الإفطار إلى الجماع احترزنا به عن المرأة إذا جومعت فلا كفارة عليها خلافا لأبي حنيفة لأنها أفطرت قبل الجماع بوصول أول جزء من الحشفة إلى باطنها ولقصة الأعرابي ونص في الإملاء على وجوب الكفارة عليها ثم اختلفوا على قول سقوط الكفارة وقيل إن الوجوب لا يلاقيها أصلاوقيل يلاقيها ولكن تندرج تحت كفارة الزوج فعلى هذا لا يندرج تحت كفارة الزاني لأن رابطة التحمل الزوجية فيجب الكفارة على الزانية ولو كان الزوج مجنونا لزمتها الكفارة إذ لا كفارة على الزوج وقيل يجب على المجنون لأن ماله يصلح للتحمل ولو كانت معسرة وواجبها الصوم فلا سبيل للتحمل فيلزمها إذ الصوم عبادة محضة ولو لزمها الإطعام ولزم الزوج الإعتاق ففي تقدير الإدراج وجهان لما بينهما من اختلاف النوع مع اتحاد جنس المالية والأمة إذا وطئها السيد فواجبها الصوم فهي كالمعسرة والزوج إذا كان مسافرا والمرأة حاضرة فلا إدراج إذ لا كفارة عليه مهما قصد الترخص بالإفطار فإن لم يقصد ففي وجوبالكفارة وجهان الأصح أنها لا تلزم أما تقييدنا بالجماع احترزنا به عن الأكل والشرب والاستمناء والإنزال بالتقبيل ومقدمات الجماع فلا كفارة فيها وقال مالك تجب بكل مفطر وقال أبو حنيفة بكل مقصود في جنسه وقد أدرجنا تحته الزنا وجماع الأمة أما وطء البهيمة والإتيان في غير المأتى فالظاهر تعلق الكفارة به لأنه في معنى الجماع أما قولنا أثم به لأجل الصوم احترزنا به عن الزاني ناسيا إذا قلنا يفطر ومن أصبح مجامعا أهله على ظن أن الصبح غير طالع إذ لا كفارة إلا على وجه إيجابه على الناسي وكذا لو أكل ناسيا فظن فساد صومه فجامع لزمه القضاء ولا كفارة للظن وقد جمعنا بهذا الحد ما إذا جامع المنفرد الهلال بعد رد شهادته وما إذا جامع في أيام مرارا وما إذا جامع ثم أنشأ السفر فالكفارة تجب في هذه الصور خلافا لأبي حنيفة فأما إذا طرأ بعد الجماع مرض أو جنون أو حيض ففي الكفارة ثلاثة أقوال أحدها أنه يسقط إذ بان بالآخرة أن الصوم لم يكن واجبا والثاني يجب لأنها طرأت بعد فساد الصوم بالجماع والثالث أنه يسقط بطريان الجنون والحيض لأنهما ينافيان الصحة وفي معناهما الموت بخلاف المرض فإنه لا ينافي الصحة وقد حكي طرد هذه الأقوال في طريان السفر وهو بعيد فإنه غير مبيح أما كيفية هذه الكفارة فهي مرتبة ككفارة الظهار على ما اشتمل عليه القرآن وفي وجوب قضاء الصوم مع الكفارة ثلاثة أوجه أحدها يجب وهو القياس والثاني لا لقصة الأعرابي فليس فيها أمر بالقضاء والثالث إن كفر بالصوم اندرج وإلا لزمه القضاء وعمدة الكفارة حديث الأعرابي إذ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان فقال عليه السلام أعتق رقبة فوضع يده على سالفتيه وقال لا أملك رقبة غير هذه فقال صم شهرين متتابعين فقال وهل أتيت هذا إلا من الصوم فقال أطعم ستين مسكينا فقال والله ما بين لابتيها أفقر مني فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق من التمر يسع خمسة عشر صاعا وقال تصدق به على الفقراء قال على أهل بيت أفقر من أهل بيتي فأخذ الأعرابي التمر وولى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم وفي الحديث إشكالات أحدها أنه مهد عذره في ترك الصيام بالغلمة المفرطة وقد اختلف الأصحاب فيه والثاني أنه أخذ لينفق على أهل بيته فاختلفوا في جواز التفرقة في الكفارة على أهل البيت عند الفقر الثالث أنه لم يبين له استقرار الكفارة في ذمته وكان عاجزا عن جميع الخصال لدى الجماع واختلف الأصحاب فيه وقالوا ما يجب لله تعالى ينقسم إلى ما يجب لا بطريق العقوبة والغرامة كزكاة الفطر فإذا اقترن الإعسار بالاستهلال لم يستقر في الذمة وما فيه معنى الغرامة لا يندفع بالعجز بل يثبت في الذمة كجزاء الصيد وأما الكفارة ففيها وجهان لترددها بين القسمين ثم قال صاحب التلخيص لا يجوز للمظاهر أن يجامع وإن كان عاجزا في حال الظهار عن جميع الخصال ما لم يكفر فاستثنى كفارة الظهار وقال الشيخ أبو علي لا فرق بينهما فإن قيل وما عذر من يخالف الحديث قلنا يرى أن تنزيل ذلك على تخصيص الأعرابي أقرب من تشويش قاعدة القياس أما الفدية فهي مد من الطعام مصرفها مصرف الصدقات ولوجوبها ثلاثة طرق فقد يجب بدلا عن نفس الصوم وقد يجب لفوات فضيلة الأداء وقد يجب لتأخير القضاء فأما الواجب عن نفس الصوم فمن تعدى بترك الصوم ومات قبل القضاء أخرج عن تركته مد لكل يوم وفي القديم قول أنه يصوم عنه وليه فأما من فاته بالمرض ولم يتمكن من القضاء حتى مات فلا شئ عليه أما الشيخ الهرم ففيه قولان أحدهما لا يلزمه الفدية كالمريض الدائم المرض إلى الموت والثاني يلزمه لأنه ليس يتوقع زوال عذره بخلاف المريض فإنه عازم على القضاء أما ما يجب لفضيلة الوقت فهو في حق الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما قضتا وأفدتا عن كل يوم مدا كذلك ورد الخبر وفيه قول آخر أنه لا يلزمهما كالمريض وفيه قول ثالث أنه يجب على المرضعة لأنها لا تخاف على نفسها بخلاف الحامل فرعان أحدهما العاصي بالإفطار هل يلزمه الفدية مع القضاء فيه وجهان أحدهما نعم لأنه ليس خائفا على نفسه كالمرضعة بل حاله أسوأ منها الثاني لا لأن الفدية لا تكفر عدوانه الثاني من رأى غيره مشرفا على الغرق وكان لا يتوصل إلى إنقاذه إلا بالفطر فله الفطر وفي لزوم الفدية وجهان من حيث إنه أفطر خوفا على غيره كالمرضعة ووجه الفرق أن هذا نادر وأما ما يجب لتأخير القضاء فمن فاته صوم فلا يجوز له تأخير القضاء إلى السنة الثانية إلا بمرض دائم وعذر مستمر فلو أخر مع الإمكان عصى وقضى وأخرج لكل يوم مدا للخبر ولو أخر سنين ففي تكرر المد بعدد كل سنة وجهان والشيخ الهم إذا أخر المد عن السنة الأولى ففي لزوم مد آخر للتأخيروجهان هذا حكم صوم الفرض فأما صوم التطوع فالإفطار فيه جائز بغير عذر خلافا لأبي حنيفة وهل يكره دون عذر فيه وجهان أما صوم القضاء فما يجب على الفور يلزمه إتمامه عند الشروع وما هو على التراخي فيجوز الإفطار فيه وصوم التطوع في السنة صوم عرفة وعاشوراء وتاسوعاء وستة أيام بعد عيد رمضان وفي الشهر الأيام البيض وفي الأسبوع الاثنين والخميس وفي الجملة صوم الدهر مسنون بشرط الإفطار يوم العيدين وأيام التشريق كتاب الاعتكاف وفيه تمهيد وثلاثة فصول الفصل الأول في أركانه الفصل الثاني في موجب ألفاظ النذر الفصل الثالث في قواطع التتابع الاعتكاف قربة مسنونة ولا يلزم إلا بالنذر وأحرى المواقيت به العشر الأخير من رمضان تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وابتداؤه عند غروب الشمس يوم العشرين وآخر هلال شوال ولو اعتكف ليلة العيد وأحياها تعرض لقوله عليه السلام من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب والغرض من العشر الأخير طلب ليلة القدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر أطلبوها في الأخير واطلبوها في كل وتر وميل الشافعي رضي الله عنه إلى ليلة الحادي والعشرين لحديث ورد فيه وقال أبو حنيفة هى في جميع الشهر وقيل إنها في جميع السنة وقد قال الشافعي رضي الله عنه لو قالفي نصف رمضان امرأتي طالق ليلة القدر لم تطلق ما لم تنقض سنة لأن كونها في جميع الشهر محتمل والطلاق لا يقع بالشك وليس على انحصاره في العشر الأخير دليل ظاهر هذا تمهيد الكتاب ومقصوده ينحصر في ثلاثة فصول الفصل الأول في أركانه وهي أربعة الاعتكاف والنية والمعتكف والمعتكف الركن الأول نفس الاعتكاف وهو عبارة عن اللبث في المسجد مع الكف عن قضاء شهوة الفرج أما اللبث فأقله ما ينطلق عليه اسم العكوف وهو زائد على طمأنينة السجود ولو نذر اعتكافا مطلقا يكفيه اعتكاف ساعة كما تكفيه في نذر الصدقة التصدق بحبة وقيل إنه يكفي المرور بالمسجد كالمرور بعرفة وقيل لا بد من يوم أو ما يدنو منه وهو مذهب أبي حنيفة وأما الكف عن قضاء الشهوة فنعني به ترك الجماع فالاعتكاف يفسد به ولا يفسد بملامسة من غير شهوة إذ كانت عائشة رضي الله عنها ترجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقدمات الجماع كالقبلة والمعانقة قولان أحدهما أنه يحرم ويفسد كما في الحد والثاني لا كما في الصوم والصحيح أنه إن أفضى إلى الإنزال فسد وقيل بطرد القولين ولا يشترط الكف عن ثلاثة أمور أحدها التطيب والتزين بالثياب والثاني البيع والشراء والأحب أن لا يكثر منه فإن أكثر لم يفسد اعتكافه وقال مالك تركه يشرط أعني تركه الحرفة وقد عزى ذلك إلى الشافعي رضي الله عنه ووجهه أنه يناقض الإخلاص في الاعتكاف الثالث الكف عن الأكل والشرب ليس بشرط وقال أبو حنيفة الصوم شرط في صحته حتى لا يصح اعتكاف ليلة مفردة ما لم يتصل بالنهار وهو قول قديم للشافعي نعم لو نذر أن يعتكف يوما صائما لزمه الاعتكاف والصوم جميعا وفي لزوم الجمع قولان أحدهما لا كما لو قال أعتكف مصليا والثاني نعم لتقارب العبادتين كما في الحج والعمرة ولو قال لله علي أن أصوم معتكفا فالصحيح أنه لا يلزمه الجمع لأن الاعتكاف لا يصلح أن يكون وصفا للصوم ولو قال لله علي أن أصلي صلاة أقرأ فيها السورة الفلانية فيلزمه القراءة والصلاة وفي لزوم الجمع قولان الركن الثاني النية ولا بد منها في الابتداء ثم إذا نوى الاعتكاف مطلقا وهي سنة تكفيه تلك النية فإن خرج من المسجد ولو لقضاء حاجة فإذا عاد لزمه استئناف النية فأما إذا نوى اعتكاف يوم أو شهر ثم خرج وعاد ففي تجديد النية ثلاثة أقوال أحدها لا يلزم لأن النية شملت جميع المدة التى عينها والثاني أنه إن قرب الزمان لم يلزم وإن بعد وجب التجديد والثالث إن خرج لقضاء الحاجة لم يلزم وإن خرج لأمر آخر لزم التجديد ومهما نوى الخروج عن الاعتكاف وهو في المسجد ففي بطلانه ما في بطلان الصوم الركن الثالث المعتكف وهو كل مسلم عاقل ليس بجنب ولا حائض ولا يشترط الحرية فيصح اعتكاف الرقيق ولكن للسيد أن يخرجه مهما شاء ويصح اعتكاف المكاتب ومن نصفه حر ونصفه رقيق له أن يستقل بالاعتكاف في نوبته أما الردة والشكر إذا قاربا الابتداء منعا الصحة لتعذر النية وإن طرآ فقد نص على أنه لا يفسد بالردة ويفسد بالسكر واختلف الأصحاب على ثلاثة أوجه في المسألتين أحدها أنه لا يفسد بهما وتأويل نصه في السكر ما إذا خرج لإقامة الحد والثاني أنه يفسد بهما وتأويل نصه في الردة أنها لا تحبط ما مضى والثالث وهو الأصح أنه يفسد بالردة لفوات شرط العبادة ولا يفسد بالسكر كما لا يفسد بالنوم والإغماء وأما الحيض مهما طرأ قطع الاعتكاف والجنابة إن طرأت باحتلام فعليه أن يبادر إلى الغسل ويكون خروجه كخروجه للوضوء وقضاء الحاجة والجنابة في مدة العبور لا تفسد الاعتكاف ثم لو قدر على الغسل في المسجد جاز له الخروج للغسل ولم ينقطع تتابعه صيانة للمسجد عن أن يتخذ محطا للجنابة الركن الرابع المعتكف وهو المسجد ويستوي فيه عندنا سائر المساجد والجامع أولى لكثرة الجماعة وللشافعي رضي الله عنه قول قديم أن اعتكاف المرأة في مسجد بيتهايصح وذكر في الرجل خلاف مرتب وهو بعيد ولو عين مسجدا بنذره فالظاهر أن المسجد الحرام يتعين وسائر المساجد لا تتعين وفي المسجد الأقصى ومسجد المدينة قولان وقيل إن الكل لا يتعين وقيل الكل يتعين فإذا قلنا إن الكل لا يتعين فلو انتقل في خرجاته لقضاء حاجة إلى مساجد متقاربة وكان اعتكافه متتابعا جاز وأما الزمان فالمذهب أنه يتعين كما في الصوم فإذا نذر اعتكاف رجب مثلا لزمه فلو فات فالظاهر وجوب القضاء وقيل لا يجب لأنه تعذر الملتزم وهو باطل بالصوم الفصل الثاني في موجب ألفاظ النذر والنظر في ثلاثة أمور الأول في التتابع فإذا قال لله علي أن أعتكف شهرا متتابعا لم يجز التفرق وإن قال متفرقا جاز متتابعا لأنه زاد خيرا ولو أطلق فالمذهب أن التتابع لا يلزم كما في الصوم وقال ابن سريج يلزم لأن الليالي في الصوم تقطع التتابع بخلاف الاعتكاف وهو بعيد فأما إذا نذر يوما ففي جواز التقاط ساعات أيام وجهان أصحهما المنع بخلاف الشهر فإن اليوم عبارة عن ساعات محصورة بين الطلوع والغروب على اتصال فعلى هذا لو ابتدأ من وقت الزوال وصبر إلى الزوال في اليوم الثاني فإن خرج ليلا لم يجزه للتقطع وإن اعتكف ليلا قيل أنه يجزئ لحصول الاتصال وقال أبو إسحاق المروزي لا يجزئ لأن الليل ليس محسوبا من النهار هذا إذا أطلق الشهر فلو عين شهرا أو العشر الأخير من رمضان كان التتابع لازماضرورة لا قصدا حتى لو فسد آخره لم يلزم قضاء ما مضى ولو ترك الكل لم يجب التتابع في القضاء ولو قال لله علي أن أعتكف العشر الأخير متتابعا ففي لزوم التتابع وجهان ووجه قولنا إنه لا يلزم أن تتابع هذا يقع ضرورة فالتصريح به كالسكوت عنه النظر الثاني في استتباع الليالي فإذا نذر اعتكاف شهر دخل الليالي فيه ويكفيه شهر بالأهلة ولو نذر اعتكاف يوم لم يدخل الليلة فيه ولو نذر ثلاثة أيام أو ثلاثين يوما ففي دخول الليالي المتخللة ثلاثة أوجه أحدها يجب كما في الشهر والثاني لا وهو الأصح اتباعا للفظ والثالث أنه إن نذر التتابع لزمه الليالي وإلا فلا ولو نذر ثلاث ليال ففي دخول اليومين المتخللين هذه الأوجه الثلاثة وإذا نذر العشر الأخير فنقص الهلال كفاه التسع ولو نذر عشرة أيام من آخر الشهر فنقص لزمه قضاء يوم النظر الثالث في استثناء الأغراض فإذا قال أعتكف شهرا متتابعا لا أخرج إلا لعيادة زيد جاز الخروج له ولم يجز لعبادة عمرو ولا لشغل أهم منه ولو قال لا أخرج إلا لشغل يعن لي جاز الخروج لكل شغل ديني أو دنيوي يباح السفر بمثله ولا يجوز لأجل النظارة والتنزه وحكى صاحب التقريب قولا قديما أن هذا الاستثناء مناقض للتتابع فيلغو ويجب التتابع ثم قال إذا فرعنا على الصحيح فلو قال لله علي أن أتصدق بعشرة دراهم إلا أن أحتاج إليه قبل التصدق صح ذلك ولو قال إلا أن تبدو لي فهذا محتمل وأبي الشيخ أبو محمد هذا الأخير لأنه خيرة مطلقة يضاد اللزوم وقال العراقيون لو نذر صوما وشرط التحلل لغرض لا يبيح الفطر صح الشرط ولو جرى ذلك في الحج فوجهان وعكس الشيخ أبو محمد هذا الترتيب وقال الحج أولى باحتمال ذلك إذ ورد فيه شرط التحلل فرع إذا استثنى غرضا فالزمان المصروف إليه يجب قضاؤه إذا نذر اعتكاف شهر مطلقا وإن نذر اعتكاف شهر معين لم يلزم قضاؤه إذ يمكن حمله في المطلق على نفي انقطاع التتابع فقط فينزل على الأقل وفي الافتقار إلى تجديد النية خلاق وعند وجوب التتابع الأظهر الاستغناء عن التجديد لأن التتابع كالرابطة للجميع الفصل الثالث في قواطع التتابع وهو الخروج بكل البدن عن كل المسجد بغير عذر احترزنا بكل البدن عما إذا أخرج رأسه أو رجله من المسجد فإنه لا يبطل اعتكافه واحترزنا عن كل مسجد عما إذا صعد المنارة للأذان فإن كانت المنارة منقطعة عن المسجد انقطع التتابع وإن كانت متصلة وكأنها في المسجد لم تنقطع وإن كانت متصلة بحائط المسجد في حريمه وكان بابها خارجا عن المسجد ففيه ثلاثة أوجه أحدها ينقطع لخروجه عن المسجد والثاني لا لأنه من حريم المسجد والأذان من حقوق المسجد خأخرأخر فكأنه لم يعرض عن المسجد والثالث أنه إن كان مؤذنا راتبا لم ينقطع لأنه عذر في حقه وإلا فينقطع وأما قولنا من غير عذر فالعذر على مراتب الرتبة الأولى وهي العليا الخروج لقضاء الحاجة وهو مستثنى لتكرره بحكم الجلبة فلا ينقطع التتابع به ولا يجب قضاء تلك الأوقات ولا يجب عند العود تجديد النية بخلاف الاعتكاف المطلق الذى لا تتابع فيه فإنه يجب التجديد هذا إذا كان داره قريبا ولم يكن به علة يكثر خروجه بسببها فإن بعدت داره أو كان به علة فوجهان منهم من عمم حسما للباب ولو كان له داران كلاهما على حد القرب ففي جواز خروجه إلى الأبعد وجهان وحد القرب في الزمان والمكان لا ينضبط إلا بالعادة فرع لا بأس بأكل لقم في الطريق ولا بعيادة المريض في المرور من غير ازورار ولابأس بوقفة يسيرة بقدر صلاة الجنازة فذلك جائز في الطريق وكذلك لا بأس بالسلام والسؤال فإنه لا يزيد على قدر صلاة الجنازة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن المريض إلا مارا في اعتكافه لا يعرج عليه ولو جامع في وقت قضاء الحاجة من غير صرف زمان إليه فسد اعتكافه على الأصح لأن وقعه عظيم فالاشتغال به أوقع من الجلوس ساعة من غير حاجة ومنهم من قال لا يفسد لأنه ليس معتكفا في هذهالحالة وإن كان الزمان محسوبا في مدة الاعتكاف الرتبة الثانية الخروج بعذر الحيض غير قاطع التتابع إن كان مدة الاعتكاف بحيث لا يتسع لها أيام الطهر غالبا فإن قصرت المدة فوجهان أحدهما القطع للإمكان والثاني المسامحة نظرا إلى جنس الحيض فإنه متكرر بالجبلة لقضاء الحاجة الرتبة الثالثة المرض الذى يشق معه المقام في المسجد وفيه قولان أحدهما أنه كالحيض والثاني لا لأنه لا يتكرر طبعا وهكذا الخلاف في انقطاع تتابع الصوم به وهذا إذا لم يضطر إلىالخروج خيفة التلويث فإن خيف فهو كالحيض وقيل بطرد القولين فيه أيضا الرتبة الرابعة أن يخرج محمولا أو يخرج ناسيا وفيه قولان مرتبان على المرض وأولى بأن لا ينقطع لأن الصوم لا ينقطع بمثله وإن أكره فقولان مرتبان وأولى بأن ينقطع لأن له قصدا في الخروج الرتبة الخامسة أن يلزمه الخروج شرعا لأداء شهادة متعينة أو إقامة حد أو قضاء عدة طلاق فقولان مرتبان على المرض وأولى بالانقطاع لأن مبادئ هذه الأمور مندرجة تحت اختياره ثم حيث قلنا لا ينقطع فيجب قضاء الأوقات الفائتة بهذه الأعذار وفي استئناف النية عند العود خلاف كما في تفريق الوضوء كتاب الحج وهو ركن من أركان الإسلام ولا يجب في العمر إلا مرة واحد والنظر في المقدمات والمقاصد واللواحق القسم الأول في المقدمات وهو الشرائط والمواقيت القول في الشرائط وشرائط وجوبه خمسة الإسلام والعقل والحرية والبلوغ والاستطاعة وشرائط وقوعه عن فرض الإسلام أربعة وهي ما ذكرناها إلا الاستطاعة وشرائط صحته دون الوقوع عن حج الإسلام عل سبيل المباشرة الإسلام والتمييز إذ يصح من الصبي المميز أن يحج بإذن الولي وشرط صحته لا بطريق الاستقلال الإسلام المجرد إذ يجوز للولي أن يحرم عن الصبي الذى لا يميز كما سيأتي المقصود بيان الاستطاعة وهي نوعان النوع الأول استطاعة المباشرة قال الله تعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وقال عليه السلام في تفسير الاستطاعة إنها زاد وراحلة والاستطاعة تتعلق بأربعة أمور الراحلة والزاد والطريق والبدن أما الراحلة فالقدرة عليها شرط فلا حج على القادر على المشي لما فيه من المشقة خلافا لمالك نعم لو كان على مسافة دوم مسافة القصر وجب المشي على القوي ولا يجب على من يتضرر به والمشي في هذا القدر كالركوب في السفر الطويل ومن لا يستمسك على الراحلة فلا يلزمه ما لم يقدر على محمل فإن قدر علىشق محمل ووجد شريكا يلزمه وإن لم يجد وكان يتسع ماله لمحمل تام لكنه يكتفي بشق فلا يلزمه لأن الزيادة خسران لا مقابل له أما الزاد فهو أن يملك فاضلا عن قدر حاجته ما يبلغه إلى الحج والمراد بالمبلغ نفقة الذهاب والإياب في حق من له أهل ومسكن أو قريب وإن بعد وهل يعتبر نفقة الإياب في حق القريب فيه وجهان ووجه الاعتبار حنين النفس إلى الأوطان والمراد بالفاضل عن قدر الحاجة أن يكون وراء المسكن والعبد الذى يخدمه ودست ثوب يلبسه وديونه التي يفتقر إلى قضائها وما يخلفه على أهله من النفقة وما يحتاج إلى صرفه إلى نكاح إن لم يكن متأهلا وخاف على نفسه العنت وهل يجب أن يكون وراء رأس ماله الذى لا يقدر على التجارة إلا به فيه وجهان أحدهما وهو اختيار ابن سريج أن رأس ماله كمسكنه وعبده والثاني أن رأس المال يصرف في أهبة الحج بخلاف المسكن والعبد فإنه يحتاج إليهما في الوقت فرعان أحدهما أن من لا يملك نفقة الذهاب وهو كسوب لم يلزمه الحج لأن ضرر الكسب مع السفر يزيد عل ضرر المشي إلا أن تكون المسافة دون سفر القصر الثاني إذا كانت الأسعار غالية ولكن وجد بثمن المثل وجب الحج كما يجب شراء المال بثمن المثل وإن غلا بحكم الحال ولو كان لا يباع الزاد إلا بغبن لم يجب أما الطريق فشرطه أن يكون خاليا عما يوجب خوفا في النفس والبضع والمال أما النفس فإن كان في الطريق سبع لم يجز الخروج ولو كان في الطريق بحر اختلف فيه نص الشافعي رضي الله عنه وللأصحاب أربعة طرق أحدها إجراء القولين لما فيه من الخطر الظاهر مع غلبة السلامة والثاني لا يجب على المستشعر لأن الجبان قد يخلع قلبه في البحر ويجبعلى غير المستشعر فينزل النصين على حالين والثالث أنه لا يجب على المستشعر وفي غيره قولان والرابع أنه يجب على غير المستشعر وفي المستشعر قولان وهذا إذا كانت السلامة غالبة فإن كان الهلاك غالبا حرم الركوب فرع لو توسط البحر واستوت الجهات في التوجه إلى مكة والانصراف عنها ففي الوجوب الآن وجهان على قولنا لا يجب ركون البحر أحدهما يجب لأن الركوب لا بد منه في كل جهة والثاني لا لأن الشرع ليس يكلفه ذلك في طريق الحج وله أن يتكلف ذلك في غرضه وهو قريب منن المحصر إذا أحاط به العدو وفيه خلاف أما البضع فالمرأة كالرجل في الاستطاعة لكنها عورة مقصودة تحتاج إلى محرم يبذرقها فإن لم تجد لم يلزمها الخروج إلا إذا كان الطريق آمنا ووجدت نسوة ثقات وقال القفال لا يلزم ما لم يكن مع كل واحدة منهن محرم فقد ينوبهن أمر يفترق إلى الاستعانة بذات المحرم وأما المال فلو كان على المراصد من يطلب مالا لم يلزمه الحج لأنه خسران لا مقابل له ولو وجد بذرقة بأجره ففي لزوم الأجرة وجهان أحدهما لا لأنه خسران لدفع الظلم فصار كالتسليم إلى الظالم والثاني يجب لأنه من جملة أهبة الطريق فأجرة البذرقة ككراء الدابة وإذا لم يخرج محرم المرأة إلا بالأجرة ففي وجوبها عليها وجهان مرتبان وأولى بأن يجب لأنها لا تنفك عن هذه الحاجة فكانت من أهب سفرها أما المتعلق الرابع للاستطاعة فهو البدن ولا يعتبر فيه إلا قوة يستمسك بها على الراحلة والأعمى يجب عليه الحج ولكن يحتاج إلى قائد احتياج المرأة إلى محرم والمجنون لا حج عليه ولو حج به الولي فطاف به صح حجه ولكن مؤن السفر من مال الولي وأما المحجور عليه بالتبذير فيلزمه الحج وللولي أن ينفق عليه وينصب عليه قواما إلى الحج هذه أركان الاستطاعة أما أحكامها فثلاثة الأول أن وجوب الحج يستقر في الذمة إذا دامت الاستطاعة مدة تتسع للحج لو اشتغل به ولو افتقر أو جن قبل مضي مدة الإمكان تبين أنه لم يكن واجبا ولو تخلف بعد الاستطاعة فمات بعد حج الناس وقبل رجوعهم فالحج مستقر في ذمته يخرج من تركته لأنه لو خرج لكان موته بعد الحج وكذلك لو طرأ الغضب في هذا الوقت ولو هلك ماله بعد حج الناس حيث تعتبر نفقة الإباب قال الصيدلاني تبين أنه لم يكن لازما لأنا لو علمنا هذا في الابتداء لم يلزمه الخروج بخلاف ما لو علمنا مثلا أنه يموت بعد يوم النحر فإنه كان يلزمه الخروج الثاني أن وجوب الحج على التراخي عندنا خلافا لأبي حنيفة فلا يعصي بالتأخير من السنة الأولى ولكنه لو مات يخرج من تركته والظاهر أنه يلقى الله عاصيا إذا جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة وكان على غرر في التأخير ومنهم من قال لا يعصى إذ أخر عازما على الامتثال ومات فجأة نعم إن استشعر من نفسه العضب عصىبالتأخير فرع إذا أخر مع القدرة وطرأ العضب عصى لتعذر المباشرة ويلزمه الاستنابة على التضييق بخلاف ما لو بلغ معضوبا فإن الاستنابة في حقه على التراخي كالمباشرة في حق القادر وذكر الفوراني وجها أنه لا تتضيق الاستنابة في العضب الطارئ ثم قال إن ضيقنا فهل للقاضي أن يستأجر عليه عند امتناعه إجبارا فيه وجهان ووجه التجويز تشبيهه بالزكاة لتطرق النيابة إليه الثالث أن من لم يؤد حج الإسلام لا يجوز له أن يحج أجيرا عن غيرهأو يتطوع قبل الفرض أو يؤدي قضاء أو نذرا قبله لما روي أنه عليه السلام رأى رجلا يلبي عن شبرمة فقال عليه الصلاة والسلام من شبرمة فقال صديق لي فقال عليه الصلاة والسام أحججت عن نفسك فقال لا فقال هذه عنك ثم حج عن شبرمة فبهذا عرف أن غير حجة الإسلام لا تقدم عليها ويستوي في هذا العاجز والمستطيع لأن العاجز إذا حضر وقع حجه عن حجة الإسلام وكما لا يقدم التطوع عن حجة الإسلام لا يقدم على القضاء والنذر وفي الترتيب بين القضاء والنذر تردد والأولى تقديم القضاء أما الأجير إذا انتهى إلى الميقات فنوى التطوع عن نفسه قال الشيخ أبو محمد ينصرف إلى المستأجر لأنها حجة واجبة فتقدم وهو بعيد لأنه وجوب تقتضيه الإجارة دون وضع الحج النوع الثاني استطاعة الاستنابة والنظر في ثلاثة أطراف الطرف الأول في حالة جواز الاستنابة وله شرطان الأول العجز عن المباشرة بالموت أو بزمانة لا يرجى زوالها وقال مالك تختص الاستنابة بحالة الموت لورود الحديث فيه لكنا نقول الحي العاجز المئيوس عنه أولى بالاستنابة لقدرته على النية ثم لو ظهر اليأس وفرغ الأجير من الحج فزال العضب ففي وجوب الإعادة قولان أحدهما أنه يجب لأنه بان زوال العجز والثاني أن حج الأجير وقع موقعه فلا ينقض فإن قلنا لم يقع فيقع عن الأجير أو عن تطوع المستأجر فيه وجهان أحدهما عن الأجير لأنه لو وقع عن المستأجر لسبق النفل الفرض والأصح أنه يقع عن المستأجر لان هذا عذر في التقديم كعذر الصبي والرق فإن أوقعنا عن الأجير ففي أجرته ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يستحق لوقوعه عنه والثاني نعم لأنه عمل ما عليه والثالث أنه يستحق أجر المثل دون المسمى لتبين فساد الإجارة ولو كان العضب يرجى زواله فاستناب واتصل العضب بالموت ففي وقوع حج النائب عنه قولان كما سبق الشرط الثاني أن يكون المستناب فيه حجا مفروضا أما التطوع ففيه قولان أحدهما المنع لأنه خارج عن القياس وقد ورد الحديث في حجة الإسلام والثاني نعم لأنه إذا تطرق النيابة إليه كان التطوع في معنى الفرض أما إذا لم يكن على الميت حجة الإسلام لعدم الاستطاعة ففي استئجار الوارث عنه طريقان أحدهما طرد قول التطوع لأنه تبرع والثاني القطع بالجواز لأنحج غير المستطيع يقع عن حجة الإسلام ولأن الحديث ورد فيه روي أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج أفأحج عنه فقال نعم فرع لا يجوز الحج عن المعضوب بغير إذنه ويجوز عن الميت من غير وصيته يستوي فيه الوارث والأجنبي كما في قضاء دينه وقال أبو حنيفة إن لم يوص لم يحج عنه وإن أوصى نفذت وصيته بالحج من ثلث ماله الطرف الثاني في حالة وجوب الاستنابة وهو أن يستقر في ذمته ثم يطرأ العضب أو يبلغ معضوبا قادرا على الاستنابة والقدرة عليها بمال يملكه أو بمال يبذل له أو بطاعة تبذل له فأما ما يملكه فهو قدر أجرة الأجير فضلا عن حاجته يوم الاستئجار ولا يعتبر أن يفضل عن نفقة أهله لما بعد فراغ الأجير من الحج في مدة إيابه وهل يعتبر لما بين يوم الإجارة إلى الفراغ من الحج فيه تردد من حيث إنهذه مدة فيها يتم الأداء وفي زكاة الفطر لم يعتبر إلا قوت اليوم لأن الفرض يتأدى في الحال ولو ملك أجرة ماش ففي لزومه وجهان وجه المنع أن الماشي على خطر فيؤدي إلى التغرير بماله أما القدرة ببذل الغير فإن كان المبذول مالا والباذل أجنبي لم يجب لما فيه من المنة وإن كان المبذول طاعة والباذل هو الابن وجب القبول إذ لا منة وإن بذل الأجنبي الطاعة أو الابن المال فوجهان للتردد في المنة والأب كالابن في بذل المال وكالأجنبي في بذل الطاعة هذا إذا بذل الابن الطاعة راكبا فإن كان ماشيا فوجهان إذيعز على الأب التغرير بولده فإن كان مع المشي يعول في زاده على الكسب أو السؤال ففيه خلاف مرتب وأولى بأن لا يجب وإن لم يكن كسب ولا سؤال فلا يحل له الخروج ومهما تحقق وجوب الحج فالعمرة تجب أيضا لقوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } وللشافعي رضي الله عنه تردد في القديم في وجوب العمرة الطرف الثالث في الاستئجار على 1 الحج والنظر في شرائطه وأحكامه أما الشرائط فتذكر في الإجارة ونذكر هاهنا أربع شرائط الأول أن يكون الأجير قادرا على الحج فإن كان مريضا أو كان الطريق مخوفا أو ضاف الوقت وطالت المسافة لم تنعقد الإجارة ولو جرى في وقت هجوم الأنداء والثلوج ولكن كان زواله معلوما فالأظهر الصحة وقيل لا يجوز لتعذر النهوض في الحال ومهما صحت الإجارة وجب على الأجير الخروج مع أول رفقة ولا يجوز التأخير إلا بعد انتظار الرفقة فلا عذر بعد وجودها الثاني أن لا يضيف الإجارة الواردة على العين إلى حجة في السنة القابلة إلا إذا كانت المسافة بحيث لا تقطع في سنة فيجوز له ذلك لإمكان التشاغل بالسفر في الحال وإن وردت الإجارة على الذمة فله أن يعين أية سنة شاء فإن أطلق نزل على السنة الأولى الثالث كون الحج معلوما بأعماله للأجير ولا يحتاج إلى التعريف في العقد فإنه مشهر في العرف فإنه فرض جهل على الندور من أحدهما لم يصح العقد وأما تعيين ميقات الإحرام فيه اختلاف نص فقيل قولان أحدهما يشترط لأن غرض الأجير يتفاوت به والثاني لا لأن غرض المستأجر لا يتفاوت وقيل بل هو على حالين فإن كان المستأجر له ميتا فلا غرض إلا تبرئة ذمته فأما الحي فله غرض في تعيين المواقيت فيلزمه ذلك وقيل إن كان على طريقه ميقات تعين بالعرف وإن كان طريقه يقضي إلى مسلكين يقضي كل واحد إلى ميقات آخر فلا بد من التعيين الرابع أن لا يعقد بصيغة الجعالة فلو قال المعضوب من حج عني فله مائة فحج عنه إنسان نقل المزني أنه وقع عنه واستحق المائة وخر ج الأصحاب منه تصحيح صيغة الجعالة في كل ما يقبل الإجارة وذهب بعض الأصحاب إلى تزييفه فإن ذلك يحتمل من ضرورة الجعالة فعلى هذا بطلت التسمية وصح الإذن واستحق المأذون أجرة المثل لوقوع الحج عن الإذن ومهما فسدت الإجارة بفساد العوض بقي الإذن صحيحا ووجب أجرة المثل لوقوع الحج عن الإذن وقيل إن الإذن يفسد بهذا العموم فإن من قال وكلت كل من أراد بيع داري لم تصح الوكالة لعدم تعين الوكيل فكذلك هاهنا النظر الثاني في أحكام الإجارة عند اختلاف أحوال الأجير وأحواله سبعة الأولى إذا فاته الحج في السنة الأولى بامتناعه عن الخروج انفسخت الإجارة إن كانت واردة على العين فإن كانت واردة على الذمة قال العراقيون لم ينفسخ وللمستأجر الخيار كما لو أفلس المشتري بالثمن وقال المراوزة فيه قولان كما في انقطاع جنس المسلم فيه على قول ينفسخ وعلى قول يثبت الخيار فإن أثبتنا الخيار وإن كان المستأجر ميتا فلا خيار للورثة لأنه يجبعليهم صرف الأجرة إلى أجير آخر لتبرئة ذمته والأجير الذى عينه الميت أولى وفيه احتمال إذ قد يكون للميت فيه مصلحة في إبدال الأجير بمن هو أرغب منه الثانية إذا خالف في الميقات فأحرم بعمرة عن نفسه ثم أحرم بحج المستأجر في جوف مكة فيحط شيء من أجرته وفي القدر المحطوط قولان أحدهما أن يقال حجة من الميقات كم أجرتها وحجة من جوف مكة كم أجرتها ويعرف نسبة التفاوت فإن كان عشرا فيحط العشر على المسمى وحقيقة هذا القول ترجع إلى أن الأجرة تقابل الحج المقصود أبدا دون السفر الذى هو ذريعة فلذلك لم يدخله في الاعتبار والثاني أنه يعرف التفاوت بين حجة من البلد الذى استؤجر فيها وحجة من جوف مكة فيكثر التفاوت فيحط عن أجرته وحاصل هذا أن السفر إن كان تقابله الأجرة فلا يحسب له في هذا القول لأنه صرفه إلى عمرة نفسه المسألة بحالها لو عاد إلى الميقات وأنشأ الإحرام بالحج عنه فإن لم نقابل السفربأجرة أصلا استحق تمام الأجرة وإن قابلنا أحبطنا ما قابل المسافة التى صرفها إلى عمرته فإن حسبنا له السفر استحق تمام الأجرة فإن أحبطنا المسافة هاهنا لصرفها إلى عمرته فيضبط التفاوت بين أجرة حجة من بلدة نهضتها ومن الميقات إحرامها وبين حجة أنشئت من الميقات من غير سبق سفر ويحط من المسمى بنسبته المسألة بحالها لم يعتمر أصلا لكن أحرم من جوف مكة فما صرف السفر إلى نفسه لكن لزمه دم الإساءة فهل ينجبر بالدم ما يحط من الأجرة فيه قولان أحدهما ينجبر فلا يحط شئ والثاني يحط لأن الدم وجب حقا لله تعالى ومقصود المستأجر لا ينجبر فعلى هذا يعود الخلاف في أن السفر هل يحسب له في توزيع الأجرة وهاهنا أولى بأن يحسب وإن قلنا إنه ينجبر بالدم فلو كان قيمة الدم تنقص عما يقتضيه الحط فقدر التفاوت هل يحط فيه وجهان المسألة بحالها عين له الكوفة ليحرم بها فجاوزها ففي لزوم دم الإساءة وجهان مأخذهما التردد في أن تعيينه هل يلتحق بتعيين الشرع فإن قلنا يجب الدم عاد الخلاف في أنه هل يجبر النقصان وإن قلنا لا يجب عاد الخلاف في أن المسافر هل يحسب له ولا خلاف أنه لو ارتكب محظورا غير مفسد لزمه الدم ولا حط لأنه أتى بتمام العمل الثالثة إذا خالف في الجهة بأن استأجره على القران فأفرد فقد زاد خيرا ولو قرن بإذنه فأصح الوجهين أن دم القران على المستأجر وكأنه قرن بنفسه والثاني على الأجير لأنه التزم تحصيل الحج والعمرة بطريق القران وتتمة القران بالدم فليف به ولو استأجره على الإفراد فقرن فالدم على الأجير قطعا والحج والعمرة واقعان عن المستأجر لأن الشرع جعل القران كالإفراد وهل يحط شئ من الأجرةمع جبره بالدم فيه الخلاف السابق وإن أمره بالقران فتمتع فوجهان أحدهما أنه كالقرآن لأنه إن نقص في إحرام الحج من الميقات فقد زاد في العمل والثاني أن زيادته غير محسوبة فإنه غير مأمور به وعلى هذا فالدم عليه لأنا جعلناه مخالفا وإن جعلناه موافقا فالوجهان في الدم عائدان الرابعة إذا جامع الأجير فسد حجه وانفسخت الإجارة إن كانتوردت على عينه لفوات الوقت ولزمه القضاء لنفسه ورد الأجرة وإن وردت على ذمته لم تنفسخ وعليه القضاء في السنة الثانية فإذا قضى فهل يقع عن المستأجر فعلى وجهين أحدهما لا لأن القضاء يقع عمن انصرف الفاسد إليه فعلى هذا عليه أن يحج عن المستأجر حجة أخرى سوى القضاء والثاني أنه يقع عنه فإنه لو تمم الأول لوقع عنه وهذا قضاء الأول الخامسة لو أحرم عن مستأجره ثم صرف إلى نفسه على ظن أنه ينصرف إليه وأتم الحج فالحج عن المستأجر وفي استحقاقه الأجرة قولان ووجه السقوط أنه قصد أن يعمل لنفسه وهما جاريان في الصباغ إذا جحد الثوب وصبغه لنفسه في أنه هل يستحق الأجرة السادسة إذا مات الأجير في أثناء الحج يقدم على هذا أن من مات في أثناء حجه فهل لوريثه أن يستأجر من يبني على حجه ويأتي بالبقية فيه قولان أحدهما نعم لأن الاستنابة في بعضه كالاستنابه في كله والثاني لا إذ يبعد أداء عبادة واحدة من شخصين فإن جوزنا فمات قبل الوقوف أحرم الأجير من حيث انتهى إليه المستأجر عنه ولا ضرر في وقوعه وراء الميقات وإن مات بعد الوقوف وبعد طلوع الفجر من يوم النحر قال المراوزة يحرم الأجير وإن لم يكن في أشهر الحج لأن هذا بناء على ما سبق في الأشهر وقال العراقيون يحرم بعمرة ويأتي ببقية أعمال الحج ولا يأتي بمناسك مني وهو بعيد وإن مات بين التحللين فقياس المراوزة أن يأتي بإحرام حكمه أن لا يمنع اللبس والقلم وإن مات بعد التحللين فلا يبقى للإحرام وجه فيتعين الرجوع إلى إبدال المناسك الواقعة بعد التحللين رجعنا إلى الأجير فإن جوزنا البناء فالمستأجر متمكن منه فيستحق ورثة الأجير قسطا من الأجرة لأن ما سبق لم يحبط وإن قلنا لا يمكن البناء فقد حبط ما سبق ففي استحقاق قسط من الأجرة وجهان أحدهما لا لأنه لم يحصل له غرض والثاني نعم لأنه أتى بالبعض ولم يقصر في البعض فإن قلنا يستحق قسطا ففي التوزيع وجهان أحدهما أنها لا تحسب المسافة بل يبتدئ التقدير من وقت الإحرام فما يقابله يستحق والثاني تحسب المسافة لأنه من عمله وعلى هذا يستحق الأكثر لا محالة وإن مات قبل الإحرام ففي احتساب السفر خلاف مرتب وأولى بأن لا يحسب لأن الذريعة إذا لم تتصل بالمقصود لا يبقى لها حكم وإن كانت الإجارة واردة على الذمة فلا تنفسخ بل يبقى الحج دينا في تركه الأجير فيستأجر وارثه منتركته من يتم على قول تجويز البناء أو من يبتدىء حجا على قول المنع السابعة لو أحصر الأجير فتحلل فهو كالموت وإن فاته الحج بعد الإحرام فهو كالإفساد لأنه يجب القضاء ولا يستحق شيئا في مقابلة عمله وذكر العراقيون وجها أنه يستحق قسطا المقدمة الثانية للحج النظر في المواقيت ويراد بالميقات الزمان والمكان أما الميقات الزماني للحج فشهر شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وفي ليلة العيد إلى طلوع الفجر وجهان أحدهما الصحة لبقاء وقت الوقوف والثاني لا يصح ولكن يدوم في حق الوقوف وقال أبو حنيفة جميع السنة وقت إحرام الحج أما العمرة فجميع السنة وقتها ولا يكره في وقت كراهية الصلاة ولا في سائر الأوقات إذا كان متخليا عن النسك أما الحاج العاكف بمنى فالمعرج على الرمي والمبيت لا تنعقد عمرته في هذا الوقت لأنه يحرم عليه الاشتغال بعمل العمرة في هذا الوقت لوجوب الرمي والمبيت فرع إذا أحرم قبل أشهر الحج انعقد إحرامه ولم يكن حجا ويتحلل بعمل عمرة وهل تقع عمرته صحيحة حتى يتأدى بها عمرة الإسلام فيه قولان أحدهما نعم لأنه إذا بطل الحج بقي إحرام مطبق وينصرف إلى العمرة والثاني أنه لا يقع عمرة بل هو كمن فاته الحج يتحلل بعمل عمرته عن إحرامه ولا تتأدى عمرته به وقيل إن صرفه إلى العمرة انصراف إليه أما الميقات المكاني فالحاج أربعة أصناف الأول الآفاقي المتوجه إلى مكة على قصد النسك عمرة كان أو حجا فعليه أن يحرم من الميقات وميقات أهل المدينة ذو الحليفة وميقات أهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد اليمن ونجد الحجاز قرن ولأهل المشرق ذات عرق لتعيين عمر رضي الله عنه ذلك واستمر الناس عليه واستحب الشافعي رضي الله عنه أن يحرم من العتيق قبل ذات عرق لورود خبر مرسل فيه ثم هذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من سائر البلاد ويكفيه أن يحرم من موضع بإزاء ميقاته فإن المقصود مقدار بعده عن مكة والأولى أن يحرم من أول الميقات وإن أحرم من آخره فلا بأس فروع أربعة الأول راكب التعاسيف إذا لم ينته إلى ميقات أحرم من حيث يوازي أولالميقات فهو ميقاته ولو حاذى ميقاتين نسبنا إحرامه إلى أي الميقاتين أردنا فإن كان أحدهما أبعد من مكة وكان أقرب من موقفه من الآخر نسبنا إحرامه إليه وإن كان بينهما على سواء فوجهان أحدهما النسبة إلى الأبعد والثاني إلى الأقرب وتتبين فائدته فيمن جاوز غير محرم ولزمه العود وعسر الرجوع إلى موقفه بالضلال فإلى أي الميقاتين يرجع ولو رجع إلى موقفه كفاه بل يكفي كل مجاوز أن يعود إلى مثل تلك المسافة وإن لم يعد إلى ذلك الموقف بعينه الثاني الغريب إذا أتى من جانب ولم يمر بميقات ولا حاذاه فيحرم على مرحلتين من مكة نزولا على قضاء عمر رضي الله عنه في تأقيت ذات عرق لأهل المشرق والتفاتا إلى حد المذهب في حاضري المسجد الحرام الثالث مهما جاوز الموضع الذى هو ميقات في حقه فقد أساء فعليه الدم فإن عاد ولكن بعد دخول مكة لم ينفعه العود وإن قبل دخول مكة وقبل مجاوزة الميقات من مسافة القصر سقط دم الإساءة وصار متداركا بإحرامه من الميقات وإن جاوز مسافة القصر فوجهان لأنه إذا بعد انقطع طريق التدارك هذا إذا عاد وأنشأ الإحرام من الميقات فإن أنشأ الإحرام حيث انتهى وعاد إلى الميقات محرما ففيكونه متداركا وجهان فإن جعلناه متداركا فلا يلزمه أن يعود ملبيا خلافا لأبي حنيفة الرابع لو أحرم قبل الميقات فهو أفضل قطع به في القديم وقال في الجديد يكره وهو متأول ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب من غير إحرام وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الحج والعمرة أن يحرم بهما من دويرة أهله الصنف الثاني من يتوجه إلى مكة لتجارة لا للنسك فهل يلزمه أن يدخل مكة محرما من الميقات فيه قولان فإن قلنا لا يلزمه فليجاوزه ولا إساءة فإن سنح له بعد ذلك أن يحرم فميقاته عند ظهور قصد النسك فإن جاوزه فهو كما لو جاوز الميقات الصنف الثالث من مسكنه بين الميقات وبين مكة فميقاته مسكنه فلا يجاوزه الصنف الرابع المقيم بمكة مكيا كان أو آفافيا فميقاته مكة والأفضل أن يحرم من باب داره أو في المسجد قريبا من البيت فيه اختلاف نص فإن خرج المكيإلى الحل وأحرم بالحج فهو مسيء يلزمه الدم أو العود إن أحرم بعد مفارقة العمران وقبل الانتهاء إلى الحل وأحرم بالحج فوجهان منشؤهما أن الميقات في حقهم هو الحرم أو خطة مكة أما العمرة فميقاتها كميقات الحج إلا في حق المكي والمستوطن بها فإن عليهم الخروج إلى أطراف الحل ولو بخطوة في ابتداء الإحرام أو دوامه على رأي وأفضل أطراف بقاع الحل الجعرانة وهي التي أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبعده التنعيم وهو أقرب إلى الحرم وقد اعتمرت عائشة رضي الله عنها منه وبعده الحديبية فرع ولو أحرم من مكة في الحرم ولم يخرج إلى الحل ففي الاعتداد بعمرته قولان أحدهما نعم لأنه إساءة في الميقات فلا تمنع الاعتداد كالحج والثاني لا لأن الجمع بين الحل والحرم ركن في الحج فإن عرفة من الحل فكذلك في العمرة فعلى هذا إن خرج إلى الحل ثم أعاد الطواف والسعي كفاه القسم الثاني من الكتاب في المقاصد وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في وجوه أداء النسكين وله ثلاثة أوجه الأول الإفراد وهو أن يحرم بالحج من ميقاته أولا فإذا فرغ خرج إلى طرف الحل وأحرم بالعمرة وكذا لو قدم العمرة في غير أشهر الحج ثم حج من الميقات فهو مفرد الوجه الثاني القران وهو أن يحرم بهما جميعا فتندرج العمرة تحت الحج ويكون حاله حال الحج المفرد وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أدخل الحج عليه قبل الشروع في أعمال العمرة فإن خاض في الطواف فأدخل عليه الحج لغا إدخاله لأن أعمال العمرة من أسباب التحلل فلا يمكن القرآن مع اختلاف الإحرام وفي إدخال العمرة على الحج قولان أحدهما الجواز كعكسه والثاني لا لأنه لا يتغير حكم الحج بدخول العمرة عليه بخلاف العمرة فإنها تتغير بزيادة دخول الحج فإن جوزنا ففي وقته أربعة أوجه أحدها أنه لا يجوز ما لم يستغل بعمل ولو بطواف القدوم والثاني أنه يجوز ما لم يشتغل بركن ولو بالسعي بعد طواف القدوم والثالث يجوز ما لم يخرج وقت الوقوف وإن سعى من قبل لأن الحج عرفة والرابع يجوز وإن فات وقت الوقوف ما لم يشتغل بأسباب التحلل وعلى هذا لو كان قد سعى فالصحيح أنه لا يلزمه إعادة السعي لأنه إذا صار قارنا حصل الاندراج وقيل لا يكتفي بالسعي السابق ثم إذا جعلناه قارنا لم يخرجه إلى نية القران بل يكفيه إحرامه بالنسك الثاني ويجب على القارن الآفاقي دم كما على المتمتع الوجه الثالث التمتع والمتمتع هو كل آفاقي زاحم إحرام الحج لنفسه بعمرة في أشهر الحج مع نية التمتع فيلزمه الدم لأمرين أحدهما ربحه أحد الميقاتين إذا أحرم بالحج من مكة من غير عود إلى الميقات والثاني زحمة الحج في أشهره بالعمرة وقد اشتملت الرابطة على قيود الأول الآفاقي فمن كان من حاضري المسجد الحرام فليس عليه دم لأن ميقاته للحج نفس مكة وحاضروا المسجد الحرام كل من كان بينه وبين مكة ما دون مسافة القصر سواء كان مستوطنا أو مسافرا حتى إن الآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا فلما دخل مكة عن له أن يعتمر ثم يحج لم يلزمه الدم وإن عن له ذلك قبل دخول مكة على أقل من مسافة القصر فأحرم بالعمرة من موضعه ثم حج في تلك السنة ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه كما لو كان وطنه ذلك الموضع والثاني يلزمه لأن اسم الحاضر لا يتناوله إلا إذا كان في نفس مكة أو كان متسوطنا حواليها فرع لو كان له مسكنان أحدهما خارج عن مسافة القصر فحكمه حكم المسكن الذي أنشأ الإحرام منه إلا إذا كان سكونه بأحدهما أكثر أو كان أهله بأحدهما فالعبرة به القيد الثاني أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج فلو تقدمت ثم أحرم بالحجمن جوف مكة كان مفردا لا متمتعا وهل يلزمه دم الإساءة بترك ميقات الحج فيه وجهان أحدهما لا لأنه لم يجاوز الميقات غير محرم والثاني نعم لأن مكة ليس ميقات الحج في حق الآفاقي فعلى هذا عليه العود إلى الميقات فإن لم يفعل لزمه الدم فأما إذا وقع بعض العمرة في أشهر الحج فإن لم يسبق إلا الإحرام ففي كونه متمتعا وجهان وإن سبق بعض الأفعال فوجهان مرتبان منشؤهما أن النظر إلى أول الإحرام أو آخره وقطع ابن سريج بأنه لو دخل شوال وهو محرم بالعمرة لم يفارق ا لميقات بعد فهو متمتع القيد الثالث أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة فلو فرغ من العمرة فأخر الحج إلى السنة الثانية وأحرم به من مكة فلا دم عليه إذ صارت مكة ميقاتا له ولو عزم على الإقامة ثم حج في السنة الأولى لم يسقط دم المتمتع فإنه بالعمرة في الميقات التزم العود إلى الميقات أو الدم الرابع أن لا يعود إلى الميقات للحج فلو عاد إليه أو إلى مثل مسافته كان مفردا ولو عاد إلى ميقات قرب من ذلك الميقات ففي سقوط الدم وجهانولو أحرم من مكة ثم عاد إلى الميقات الأول محرما ففي سقوط الدم قولان كما في دم الإساءة الخامس وقوع النسكين عن شخص واحد فالأجير إذا اعتمر من الميقات لنفسه وحج من جوف مكة لمستأجره فليس بمتمتع لأنه لم يزحم حجا واجبا بالشرع بل بالإجارة وهذا الشرط زاده الخضرى ومن الأصحاب من خالفه وعلى مذهبه يعود التردد في لزوم دم الإساءة كما في المتمتع إذا أحرم بالعمرة قبل شوال ودم الإساءة يخالف دم المتمتع في صفه البدل وفي أنه يعصي ملتزمه ويجب عليه تداركه عند الإمكان السادس نية التمتع وفيه وجهان أحدهما تعتبر كما في الجمع بين الصلاتين حتى لو كان عند الإحرام بالعمرة على عزم أن لا يحج في هذه السنة أو على عزم أن يعود إلى الميقات لم يكن ناويا والثاني لا تعتبر هذه النية كما في القران فإن اعتبرنا النية ففي وقته وجهان أحدهما في أول إحرام العمرة والثاني أنه يتمادى إلى آخر إحرام العمرة كما في الجمع بين الصلاتين هذه شرائط التمتع فلو جاوز المتمتع مكة في الإحرام بالحج كان مسيئا ومتمتعا فيلزمه دمان كما يجب دم الإساءة على المكي إذا فارق مكة ولا يكفيه دم التمتع بل ذلك لزحمة إحرام الحج عن الميقات ودم الإساءة لمفارقة مكة في إحرام الحج مع أنها ميقاته فإن قيل فأي الجهات أفضل قلنا الإفراد فإنه يتعدد فيه الميقات والعمل والقران في آخر الرتب إذ يتحد فيه الميقات والعمل والتمتع يتحد فيه الميقات ولكن يتعدد العمل فهو بينهما وفيه قول أن التمتع أفضل من الإفراد لاشتماله على الدم وحكي قول آخر أن القران أفضل من التمتع ولنذكر الآن موجب القران والتمتع وهذا باب ما على المتمتع والقارن في معناه والمتمتع إن كان موسرا فعليه إراقة دم وقت وجوبه الإحرام بالحج وله إراقته قبل يوم النحر لأنه دم جبران وقال أبو حنيفة يختص به لأنه دم نسك وقربان وفي جواز إراقته قبل الحج وبعد العمرة قولان أحدهما نعم لأنه كفارة مالية فيقدم على أحد سببيه ككفارة اليمين والثاني لا لأن اسم اليمين متحقق قبل الحنث واسم التمتع إلى الحج لا يتحقق إلا بعد الحج فإن جوزنا ذلك ففي جوازه قبل التحلل عن العمرة وجهان ومنشؤه أن السبب الأول يتم بإحرام العمرة أو بتمامها أما العاجز فعليه صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة في الرجوع ويدخل وقت الثلاث بإحرام الحج ولا يجوز قبله لأنها عبادة بدنية فلا يجوز تقديمها والأولى أن تقدم على يوم عرفة إذ الصوم مكروه فيه وإن أخر عن النحر فأيام التشريق لا تقبله كيوم النحر وفي القديم قوله أنه يقبل فإن تأخر عن أيام التشريق صار قضاء ويلزمه القضاء خلافا لأبي حنيفة وحكى ابن سريج قولا يوافق مذهب أبي حنيفة وأما السبعة فأول وقتها بالرجوع إلى الوطن وهل يجوز في الطريق بعد التوجه إلى الوطن فيه وجهان وللشافعي رضي الله عنه قول أن المراد بالرجوع هو الرجوع إلى مكة وقول آخر أن المراد بالرجوع الفراغ من الحج وعلى هذا لا يجوز في أيام التشريق وإن قلنا تقبل الأيام الثلاثة لأنه لم يفرغ بعد من الحج والأيام السبعة لا آخر لها فلا تصير قضاء وإن فاتت الأيام الثلاثة حتى رجع إلى الوطن فعليه عشرة أيام وهل يجب التفريق بين الثلاثة والسبعة فيه قولان أحدهما نعم كما في الأداء والثاني لا كما أن قضاء رمضان لا يجب فيه الولاء وإن كان أداؤه متواليا فإن قلنا يجب فهل يكفي يوم واحد أم يتقدر التفريق بالقدر المتخلل في الأداء فيه وجهان فإن قدرنا به فيبتني المقدار المتخلل على معرفة معنى الرجوع وأن أيام التشريق هل تقبل الصوم فإن قلنا تقبل والمراد بالرجوع الفراغ فلا يتخلل بينهما فطر فهل يجب التفريق في القضاء بيوم فوجهان ووجه الإيجاب أن الحال قد افترق في الأداء بوقع الثلاثة في الحج والسبعة بعدها فلا بد في القضاء أيضا من فرق بالزمان بدلا عنه ثم الصحيح أنه إذا صام أحد عشر يوما كفاه واليوم الرابع لا يقع عن هذه الجهة ووقع تطوعا وفيه وجه آخر أنه لا بد من الإفطار في اليوم الرابع فرعان أحدهما إن وجد الهدي بعد الشروع في الصوم لم يلزمه خلافا للمزني وإن وجد قبله وبعد إحرام الحج ابتنى على أقوال الكفارة في أن الاعتبار بحالة الأداء أم بحالة الوجوب الثاني إذا مات المتمتع قبل الفراغ من الحج فهل نتبين أنه لم يحصلالتمتع قولان أحدهما نعم لأن الحج لم يتم وكأنه لم يحج والثاني لا لأنه بالشروع يحقق التمتع ولو مات بعد الفراغ من الحج وقبل الرجوع إلى الوطن أخرج الدم من تركته فإن كان عاجزا ومات برئت الذمة لأنه لم يتمكن في السفر فهو كما إذا دام السفر والمرض في صوم رمضان إلى الموت وإن مات بعد التمكن في الوطن فحكم هذه الأيام حكم أيام رمضان حتى يصوم عنه وليه أو يفدي كل يوم بمد وذكر صاحب التقريب قولين آخرين أحدهما أنه لا يقاس هذا على رمضان في الفدية وصوم الولي لأنه غير معقول في نفسه فلم يرد إلا في رمضان والثاني أنه يرجح إلى الدم إن أمكن لأن صوم رمضان ليس له أصل يرجع إليه فعلى هذا لو بقي يوم واحد أو يومان فهو كما لو حلق شعرة واحدة أو شعرتين وسيأتي الباب الثاني في أعمال الحج ولنقدم عليه جملها فالآفاقي إذا انتهى إلى الميقات يحرم ويتزيا بزي المحرمين فإذا دخل مكة لم يعزم على شئ حتى يطوف طواف القدوم وليس هذا الطواف بركن ثم إن شاء يسعى بعده فيقع السعي ركنا إذ ليس تأخيره عن الوقوف شرطا في كونه ركنا بخلاف الطواف ثم يصبر إلى اليوم السابع من ذي الحجة فيخطب بهم الإمام ويوصيهم بالبكور يوم التروية إلى مني وبالنهوض إلى عرفة فيمتدون يوم التروية إلى مني ويبيتون ليلة عرفة بها وذلك مبيت منزل وعادة لا مبيت نسك ثم يصبحون يوم عرفة متوجهين إليها فيوافونها قبل الزوال ويشتغلون بالدعاء ويقبضون منها عند الغروب إلى مزدلفة ويصلون المغرب مع العشاء ويبيتون بها وهذا المبيت نسك ثم يصلون الصبح يوم النحر مغلسين ويتوجهون إلى منى وعلى طريقهم المشعر الحرام فإذا انتهوا إليه وقفوا إلى الإسفار ثم يجاوزونه إلى وادي محسر فيسرعون فيها عدوا وركضا ثم يوافون منى عند طلوع الشمس ويرمونويحلقون ويذبحون ثم يقبضون إلى مكة ويطوفون طواف الركن ويسمى طواف الإفاضة والزيارة ثم ينطلقون إلى منى للمبيت والرمي في أيام التشريق فإذا فرغوا عادوا إلى مكة وطافوا طواف الوداع وانصرفوا وفي الحج أربع خطب يوم السابع من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر ويوم النفر الأول وكل ذلك بعد صلاة الظهر وإفراد إلا يوم عرفة فإنه يخطب خطبتين بعد الزوال وقبل الظهر هذه جملها أما التفصيل ففيه اثنا عشر فصلا الفصل الأول في الإحرام وهو عندنا مجرد النية من غير حاجة إلى تلبية خلافا لأبي حنيفة وحكي قول قديم مثل مذهبه ثم النية لها ثلاثة أوجه الأول التفصيل فإذا نوى حجا أو عمرة أو قرانا قضاء كان أو نذرا أو تطوعا كان كما نوى إلا إذا غير الترتيب بتأخير فرض الإسلام أو تأخير الفرض عن النفل ولو أهل بحجتين أو عمرتين معا أو متلاحقا لغا أحدهما ولم تلزمه الزيادة على الواحد وقال أبو حنيفة ينعقدان ثم ينتقل أحدهما عند الاشتغال بالعمل إلى الذمة الوجه الثاني الإطلاق فإذا نوى إحراما مطلقا مهما شاء جعله حجا أو عمرة أو قرانا ولا يتعين بمجرد الاشتغال بالطواف للعمرة ولا بالوقوف للحج بل لا بد من نية الصرف خلافا لأبي حنيفة ولو أحرم مطلقا قبل الأشهر ثم عين للحج بعد الأشهر لم يجز على المذهب ولو أحرم بالعمرة قبل الأشهر ثم أدخل الحج عليها بعد الأشهر للقران فوجهان ووجه المنع أن الإحرام للقران كالمتحد فلا ينبغي أن يقدم على الأشهر الوجه الثالث الإبهام فإذا قال أهللت بإهلال كإهلال زيد صح إذا أهل علي بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن لم يكن زيد محرما انعقد له إحرام مطلق وإن عرف أنه ليس محرما بأن كان ميتا ففي انعقاد أصل الإحرام وجهان وجه الانعقاد إلغاء الإضافة وإبقاء الأصل وقد نص في الأم على أنه لو أحرم عن مستأجرين تعارضا وتساقطا وانعقد عن الأجير ولو أحرم عن نفسه وعن المستأجر فكذلك إذ بطل التفصيل وبقي أصل الإحرام أما إذا كان زيد محرما فله ثلاثة أحوال إحداها أن يكون إحرامه مفصلا فينزل إحرام المعلق عليه قرانا كان أو إفرادا الثانية أن يكون إحرام زيد مطلقا فإحرام المعلق أيضا مطلق وإليه الخيرة في التعيين ولا يلزمه اتباع زيد فيما يستأنفه من التعيين فأما ما فصله قبل تعيينه ففي لزومه وجهان ينظر في أحدهما إلى أول الإحرام وكان مطلقا وفي الثاني إلى الحالة الموجودة عند التعليق وكان مفصلا وكذا إذا كان أحرم أولا بعمرة ثم أدخل الحج عليه الثالثة أن يصادف زيدا ميتا بعد الإحرام وتعذر مراجعته فهم كما لو نسي الرجل ما أحرم به وكان قد أحرم مفصلا وفيه قولان القديم أن يجتهد ويأخذ بغالب الظن كما في القبلة إن كان له ظن غالب والجديد الصحيح أنه يلزمه البناء على اليقين وطريقه أن يجعل نفسه قارنا فإذا فرغ من الحج برئت ذمته من الحج بيقين لأنه إن كان معتمرا أولا فقد أدخل الحج عليه وتبرأ ذمته عن العمرة أيضا بيقين إلا إذا منعنا إدخال العمرة على الحج فيحتمل أن يكون إحرامه أولا بالحجوقال أبو إسحاق إنه يبرأ عن العمرة ويكون هذا عذرا في جواز إدخال العمرة في الحج كما أن التردد في النية عند نسيان صلاة من الصلوات الخمس عذر في إجزاء الصلاة فإن قلنا تبرأ عن العمرة لزمه دم القران وإلا فلا يلزمه لأن القران مشكوك فيه فأما إذا طاف أولا ثم شك فيمنع إدخال الحج لو كان معتمرا في علم الله فلا يكفيه القران بل طريقه أن يسعي ويحلق ويبتدأ إحراما بالحج من جوف مكة ويتممه فتبرأ ذمته عن الحج بيقين لأنه إن كان حاجا فغايته حلق في غير أوانه وفيه دم وإن كان معتمرا فقد تحلل بالحلق والسعي وأنشأ بعده حجا فصار متمتعا وفيه دم ولا تبرأ ذمته عن العمرة لاحتمال أن الأول كان حجا والدم لا بد منه ولكنه لا يدري أهو دم حلق أم دم تمتع وتعيين جهة الكفارات في النية ليس شرطا فلا يضر التردد نعم لو كان معسرا فبدل الفدية ثلاثة أيام وبدل التمتع عشرة أيام فإن أتى بالثلاث فهل تبرأ ذمته فيه وجهان أحدهما نعم لأن الزائد غير مستيقن فلا يوجبه والثاني لا لأن شغل الذمة بالصوم مستيقن والبراءة بهذا القدر غير مستيقن ومن أصحابنا من قال الحلق لا نأمره به لاحتمال أنه حاج والحلق في غيرأوانه محرم إلا بأذى من نفس الشعر والأذى هاهنا من النسيان نعم لو بادر فحلق كان حكمه ما ذكرناه والأظهر أنه يؤمر به لأن هذا الضرر أعظم من أذى الشعر إذ يؤدى إلى فوات الحج لو لم يفعل ذلك الفصل الثاني في سنن الإحرام وهي خمس الأولى الغسل للإحرام تنظيفا حتى يسن للحائض والنفساء فإن لم يجد الماء يتيمم كسائر أنواع الغسل قال في الأم يغتسل الحاج لسبعة مواطن للإحرام ودخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار الثلاث لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس فيستحب لها الاغتسال كالجمعة ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة لأن وقته من نصف الليل إلى آخر النهار فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع لأن الناس يجتمعون لهما ولم يستحب في الجديد لأن وقتهما يتسع فلا يتفق الاجتماع الثانية التطيب للإحرام مستحب قالت عائشة رضي الله عنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف ورأيت وبيص المسك في مفارقه بعد الإحرام وذلك يدل على أن التطيب مما يبقي جرمه جائز خلافا لأبي حنيفة أما تطييب ثوب الإحرام قصدا ففيه ثلاثة أوجه أحدهما الجواز قياسا على البدن والثاني لا لأنه ربما ينزع الثوب في وقت الغسل ثم يعيده إلى البدن فيكون تطييبا مستأنفا والثالث أنه يجوز تطييبه مما لا يبقى له جرم مشاهد فإن قلنا يجوز فلو نزع بعد الإحرام وأعاد ففي لزوم الفدية وجهان ولو تنحى جرم الطيب بالعرق من بدنه فلا فدية على أظهر الوجهين لأن ذلك لا يمكن الاحتراز عنه ومنهم من قال يجب إن لم يبادر إلى إزالته ويستحب الاختضاب للمرأة تعميما لليد لا تطريفا وتزيناويستحب لها ذلك في كل حال ليستر بشرتها عن الأعين الثالثة أن يتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين ونعلين لأن أحب الثياب إلى الله البيض الرابعة أن يصلي ركعتي الإحرام ثم يحرم في مصلاه بعد السلام قاعدا وقال في الجديد لا يهل حتى تنبعث به دابته ليكون العمل مقرونا بالقول الخامسة أن لا يقتصر على مجرد النية ولكنه يلبي عند النية بلسانه فيقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريكلك ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده وإذا رأى شيئا فأعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة ويجدد التلبية في طريان التغايير وفي كل صعود وهبوط وفي أدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار ويستحب في مسجد مكة منى وعرفات وفيما عداها قولان الجديد أنه يلبي في كل مسجد وفي حال الطواف قولان والقديم أنه يلبي ويخفض صوته وقال في الأم لا يلبي لأن للطواف ذكرا يختص به ويستحب رفع الصوت بالتلبية لكل أحد إلا النساء وفي كل مكان إلا في المساجد وقيل إنه يستحب الرفع أيضا وإنما يجتنب في المسجد رفع الصوت بغير الأذكار الفصل الثالث في سنن دخول مكة وهي أربعة الأولى أن يغتسل بذي طوى ولا يقنع بما سبق من غسل الإحرام الثانية أن يدخل مكة من ثنية كداء بفتح الكاف وهي ثنية في أعلى مكة ويخرج منه ثنية كدى بضم الكاف وهي في أسفلها وقيل إنه لا نسك فيه لأنه وقع على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقصد العدول إليه الثالثة إذا وقع بصره على الكعبة عند رأس الردم فليقف وليقل اللهم زد هذاالبيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه أو عظمه ممن حجه أو اعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما وبرا ويقول بعد هذه اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام ثم يدعو بما أحب الرابعة أن يدخل المسجد من باب بني شيبة فيؤم الركن الأسود من البيت وقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب بني شيبة ولم يكن على طريقه فدل على كونه سنة فإن قيل من دخل مكة غير محرم هل يعصي قلنا إن كان مريدا نسكا فلا بد من إحرامه في الميقات وإن دخل لتجارة استحب وفي الوجوب قولان أحدهما يجبلاتفاق الخلق عليه عملا والثاني لا لأن سبيله سبيل تحية المسجد وهذا في الغريب أما الحطابون وأصحاب الروايا والمترددون إلى مكة في مصالحهم لا يلزمهم للحاجة وقيل بطرد القولين وقيل يلزمهم في السنة مرة واحدة وهو بعيد فإن ألزمنا الغريب فترك ففي وجوب القضاء قولان أحدهما لا يجب لأن عوده يقتضي إحراما آخر أداء والثاني يجب ويجب في العود إحرام مقصود له وفي الابتداء كان يلقي إحرام عن نذر أو قضاء أو غيره هذا في الأحرار أما العبيد فلا إحرام عليهم سواء دخلوها بإذن السادة أو بغير إذنهم فإن أذن السيد في الدخول بالإحرام لم يلزم على أحد الوجهين كما إذا أذن في حضور الجمعة الفصل الرابع في الطواف فإذا دخل من باب بني شيبة فليتوجه إلى الركن الأسود وليستلمه وليجعل البيت على يساره ويطوف إلى أن يعود إلى الحجر سبع مرات وهذا طواف القدوم والنظر في الطواف في واجباته وسننه وأقسامه أما الواجبات فثمانية الأول شرائط الصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة والقرب من البيت بدل عن الاستقبال قال عليه الصلاة والسلام الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام وطهارة المطاف الذى يمشى عليه كطهارة مكان الصلاة الثاني الترتيب وهو أن يبتدي بالحجر الأسود ويجعل البيت على يساره فلوجعل البيت على يمينه لم يحسب وإن استقبله تردد فيه القفال ولو ابتدأ بغير الحجر الأسود لم يعتد بطوافه إلى أن ينتهي إلى الحجر فمنه يستأنف الإحتساب وبنبغي أن يبتدأ بحيث يمر بجميع بدنه على جميع الحجر الأسود فإن حاذاه ببعض بدنه ثم اجتاز فوجهان يقربان مما إذا استقبل ببعض بدنه طرف البيت وصلى الثالث أن يكون بجميع بدنه خارجا عن كل البيت فلا يطوف في البيت فلو مشى على شاذروان البيت وهو عرض أساسه كان طائفا بالبيت لأنه بالبيت وهو الذي سماه المزني التأزير بمعنى التأسيس فقيل التأزير مأخوذ من الإزر ولو مشي على الأرض وأدخل يده في موازاة الشاذوران بحيث كان يمس الجدار فيده في البيت ولكن معظم بدنه خارج فيصح على الأظهر ولو دخل فتحة الحجر من جانب وخرج من الجانب الآخر لم يعتد بهذا الشوط إلى أن يعود إلى الفتحة الأولى فيدور على محوط الحجر لأن ستة أذرع من محوط الحجر كان من البيت فأخرج منه لما قصرت النفقة عند العمارة الرابع أن يطوف داخل المسجد فلو طاف خارج المسجد لم يجز ولو وسع المسجد يجوز الطواف في أقصي المسجد لأن القرب مستحب لا واجب ويصح الطواف على سطوح المسجد وفي أروقته الخامس الموالاة والصحيح أنه لا يشترط بل هو من السنن وقيل بطرد القولين كما في الطهارة ولو أحدث في خلله فجدد الوضوء وبنى فحاصل المذهب ثلاثة أقوال أصحها الجواز والثاني لا لاشتراط الموالاة والثالث أنه إن تعمد لم يجز وإن كان سهوا جاز السادس رعاية العدد فلو اقتصر على ستة أشواط لم يجز وقال أبو حنيفة تقوم الأربعة مقام الكل السابع ركعتان عند المقام عقيب الطواف ويقرأ في إحداهما قل يا أيها الكافرون وفي الثانية الإخلاص فهما مشروعتان وليستا من الأذكار كالأشواط وفي وجوبهما قولان والصحيح أنه ليس بشرط في الطواف المسنون ومأخذ الوجوب تطابق الناس على فعله وتركه لا يجبر بالدم فإنه لا يفوت إذ يجوز أداؤهما بعد الرجوع إلى الوطن نعم لو مات فينقدح أن يجبر بالدم كسائر الواجبات الثامن النية وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه تشترط لأنها في حكم عبادة وإن كان ركنا في الحج والثاني لا يشترط لأن وقوعه ركنا بعد الوقوف متعين حتى لو طاف بهدابته وهو غافل أو طاف في طلب غريم أجزأه والثالث أنه يجزئ إلا إذا صرفه إلى طلب غريم أو غرض آخر وهذا في ركن الحج أما الطواف ابتداء فعبادة مفتقرة إلى النية أما السنن فهي خمسة الأولى أن يطوف ماشيا لا راكبا وإنما ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليظهر فيستفتى فلا بأس في الركوب لمن هو في مثل هذا الحال الثانية الاستلام وهو أن يقبل الحجر في أول الطواف وفي آخره بل فيكل نوبة فإن عجز ففي كل وتر فإن عجز بالزحمة مسه باليد ثم قبل اليد أو قبل اليد ثم مسه فإن بعد بالزحمة أشار باليد فإذا انتهى إلى الركن اليماني خصصه بالمس وقبله لأنه الباقي على قواعد إبراهيم عليه السلام من جملة الأركان وقد قال عليه الصلاة والسلام إن الحجر الأسود ليأتي يوم القيامة وله لسان ذلق يشهد لمن قبله الثالثة الدعاء وهو أن يقول عند ابتداء الطواف بسم الله والله أكبر اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء الرابعة الاضطباع وصورته أن يجعل وسط إزاره في إبطه اليمنىويعري عنه منكبه الأيمن ويجمع طرفي الإزار على عاتقه الأيسر كدأب أهل الشطارة وذلك في طواف فيه رمل ثم قيل إنه يديم هذه الهيئة إلى آخر الطواف وقيل إلى آخر السعي الخامسة الرمل وهو السرعة في المشي مثل الخبب أو دونه في ثلاثة أشواط في أول الطواف والسكينة مستحبة في الأربعة الأخيرة يستحب الرمل على جميع أركان البيت إذ نقل أنه عليه السلام كان يرمل من الحجر إلى الحجروقيل بترك الرمل بين الركن اليماني والحجر فإنه عليه السلام هكذا فعل إذ كانت الكعبة حائلة بينه وبين الكفار فإنه كان يرمل ليظهر الجلادة للكفار ويدفع طمعهم عن استلانة جانبهم وكان يسكن حين يغيب من أبصارهم وهذا وإن كان على سبب فقد بقي مع زوال السبب تبركا بالتشبه به كما قيل إن سبب رمي الجمار رمي إبراهيم عليه السلام الحجارة إلى ذبيح استعصى عليه فصار ذلك شرعا ومبنى العبادات التأسي فرعان أحدهما القرب من البيت مستحب في الطواف مع الرمل فإن عجز عن الرمل من القرب للزحمة فالرمل في البعد أولى وإن وقع فيما بين النساء فالسكينة أولى من الرمل احترازا عن مصادمتهن الثاني لو ترك الرمل في الأشواط الأول فلا قضاء في الأخير لأن السكينة مشروعة في الأخير فهو كما لو ترك الجهر في الركعتين الأوليين فلا يقضي في الأخير ولو ترك سورة الجمعة في الركعة الأولى قضاها في الثانية مع سورة المنافقين لأن الجمع ممكن ولو لم يتمكن من الرمل للزحمة فحسن أن يشير بمحاولة الرمل متشبها ويستحب أن يقول في الرمل اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا ثم لا خلاف أن الرمل لا يستحب في كل طواف بل في قول لا يستحب إلافي طواف القدوم وفي قول لا يستحب إلا في طواف بعد سعي فرع إذا أحرم عن الصبي وليه وحمله وطاف به أجزأ عنه إلا إذا كان الولي محرما ولم يطف عن نفسه طواف الركن فإنه ينصرف إلى الحامل نعم لو قصد به المحمول فهو كما لو قصد بطوافه طلب الغريم ولو حمل صبيين وطاف بهما حصل لهما الطواف جميعا كما إذا ركب محرمان دابة واحدة فالحركة الواحدة تكفي للمحمولين ولا تكفي للحامل والمحمول الفصل الخامس في السعي فإذ فرغ عن ركعتي الطواف استلم الحجر وخرج من باب الصفا ورقي الصفا بمقدار قامة الرجل ويستقبل الكعبة حتى يقع بصره عليها ويقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون فإذ فرغ من الدعاء نزل من الصفا ومشى حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحو ستة أذرع فيسعى سعيا شديدا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين هما بفناء المسجد وحذاء دار العباس ثم مشى حتى يصعد المروة وصعدها ودعا كما دعا على الصفا فيفعل ذلك سبع مرات ويقول في أثناء السعي رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم كل ذلك مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا والواجب من هذه الجملة السعي بين الصفا والمروة سبع مرات وقال أبو بكر الصيرفي الذهاب والمجيء مرة واحدة فيحتاج إلى التردد أربع عشرة مرة والبداية بالصفا واجب ووقوع السعي بعد طواف ما واجب ثم إن سعى بعد طواف القدوم وقع ركنا عن الحج ولا يستحب له الإعادة عقيب طواف الإفاضة لأن السعي ليس عبادة بنفسه فلا يكرر كالوقوف بخلاف الطوافولو تخلل بين طواف القدوم والسعي زمان فلا بأس ويقع ركنا وإن تخلل الوقوف بعرفة ففيه تردد لأن الوقوف كالحاجز ولا يشترط في السعي الطهارة وشروط الصلاة بخلاف الطواف والركوب فيه كالركوب في الطواف الفصل السادس في الوقوف بعرفة فإذا فرغ من طواف القدوم صبر إلى السابع من ذي الحجة فيخطب الإمام بعد الظهر بمكة ويأمرهم بالغدو إلى منى ويخبرهم بمناسكهم ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن ويبيت بها تلك الليلة ولا نسك في هذا المبيت فإذا طلعت الشمس سار إلى الموقف وخطب بعد الزوال خطبة خفيفة ويجلس ثم يقوم إلى الثانية ويبدأ المؤذن بالأذان حتى يكون فراغ الإمام بعد فراغ المؤذن ثم يصلي الظهر والعصر جمعا ثم يروح إلى عرفة ويقف عند الصخرات ويستقبلون القبلة ويكثرون في الدعاء قال عليه السلام أفضل ما دعوته ودعا الأنبياء قبلي يوم عرفة لا إله إلا اللهوحده لا شريك له ويستحب رفع اليد في الدعاء وقال في القديم والوقوف راكبا أفضل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وليكون أقوى على الدعاء كما أن الإفطار أفضل وقال في الأم النازل والراكب سواء ثم إذا غربت عليهم الشمس أفاضوا منها إلى مزدلفة ويصلون بها المغرب والعشاء والواجب من جميع ذلك الحضور في طرف من أطراف عرفة ولو مع الغفلة وفي النوم إذا سارت به دابته ولا يكفي حضور المغمى عليه لأنه ليس أهلاللعبادة ووقت الوقوف بعد زوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر ومن فاته ذلك فقد فاته الحج فإن الحج عرفة وقيل إن الليل ليس وقتا وقيل إنه وقت إلا أنه لو أخر الإحرام إلى الليل لم يحز ولو أحرم نهارا ووقف ليلا جاز والصحيح أن وقت الإحرام والوقوف باق إلى طلوع الفجر فروع ثلاثة الأول في وجوب الجمع بين الليل والنهار قولان ومستند وجوبه العادة فإن قلنا به فلو فارق عرفة نهارا وعاد قبل غروب الشمس فقد تدارك وإن عاد ليلا ولم يكن عند الغروب حاضرا فوجهان ويرجع الخلاف إلى أن الحضور عند الغروب هل هو واجب ومهما رأيناه واجبا جبر تركه بالدم بخلاف أصل الوقوف الثاني الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه بعلةالنسك فيجوز للعرفي والمكي أيضا والثاني أنه بعلة السفر الطويل فلا يجوز لهما جميعا والثالث أنه بعلة أصل السعي فيجوز للمكي دون العرفي الثالث لو وقفوا يوم العاشر غلطا في الهلال فلا قضاء إذ لا يؤمن وقوع مثله في القابل وإن وقفوا يوم الثامن فوجهان ووجه الفرق أن ذلك نادر لا يتفق إلا بتوارد شهادتين كاذبتين في شهرين الفصل السابع في جمل أسباب التحلل فإذا جمعوا بين الصلاتين بمزدلفة باتوا بها وهذا المبيت نسك وفي كونه واجبا مجبورا بالدم قولان ثم إذا طلع الفجر ارتحلوا وبينهم وبين منى المشعر الحرام فإذا انتهوا إليه وقفوا ودعوا وهذه سنة غير مجبورة بالدم ثم يجاوزونه إلى وادي محسر وكانت العرب تقف ثم وأمرنا بمخالفتهم فيؤثر تحريك الدابة والإسراع بالمشي فإذا وافى منى بعد طلوع الشمس رمى جمرة العقبة وهي الجمرة الثالثة سبع حصيات ويستحب أن يكبر مع كل حصاة ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطه ويترك التلبية لأن التلبية للإحرام والرمي تحلل عن الإحرام ثم يحلق بعد الرمي ثم يعود إلى مكة ويطوف طواف الزيارة وهو طوافالركن ويسعى بعده وإن لم يكن سعى عقيب طواف القدوم ثم يعود إلى منى في بقية يوم النحر ويقيم بها أيام التشريق للرمي فهذه أسباب التحلل وللحج تحللان فيحصل أحدهما بطواف الزيارة والآخر بالرمي وأيهما قدم أو أخر فلا بأس والطواف وإن كان ركنا فهو من أسباب التحلل أيضا ولا يحصل أحد التحللين إلا باثنين من هذه الأسباب الثلاث أي اثنين كان ويحل بين التحللين اللبس والقلم إن لم يجعله نسكا ولا يدخل الوطء إلا بعد التحلل الثاني وفي التطيب وعقد النكاح والمباشرة دون الجماع قولان لأنها من مقدمات الجماع ومحركات داعيته وفي قتل الصيد أيضا خلاف ثم وقت الفضيلة للتحلل طلوع الفجر يوم النحر ويدخل وقت الجواز بمضي نصف الليل من ليلة العيد إذ قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من مزدلفة ليطوفوابالليل في خلوة ويرجعوا إلى منى وقت الطلوع ومهما فات الرمي بفوات وقته ووجب الدم ففي وقوف التحلل على إراقة الدم وجهان ومنهم من قال يقف لأنه بدل فضاهى المبدل ومنهم من قال إن كان دما وقف عليه وإن كان صوما فلا لطول الزمان الفصل الثامن في الحلق ووقته في العمرة بعد الفراغ من السعي وفي الحج عند طلوع الفجر يوم النحر فضيلة وبعد منتصف ليلة النحر جوازا وفي كونه نسكا قولان أحدهما لا كالقلم واللبس والثاني وهو نسك إذ لا خلاف في أنه مستحب يلزم بالنذر في الحج وقال عليه السلام رحم الله المحلقين فقيل والمقصرين قال رحم الله المحلقين فأعيد عليه ثلاثا حتى قال في الرابع والمقصرين ويتفرع على القولين أمور الأول أن المعتمر إذا جامع بعد السعي فسدت عمرته وإن قلنا الحلق نسك إذ لم يتم تحلله بعد ولو أراد أن يحلق في الحج قبل الطواف والرمي لم يجز إن قلنا إنه محظور نسك وذكر صاحب التقريب وجها أن أحد التحللين يحصل بطلوع الفجر يوم النحر فيجوز الحلق عنده لكنه بعيد وعلى كل حال فالأولى أن لا يبدأ الحلق خروجا من الخلاف ولكنه يرمي ثم ينحر الهدي ثم يحلق ولو نحر بعد الحلق جاز خلافا لأبي حنيفة الثاني أنه إذا جعل نسكا فهو ركن كالسعي لا يجبر فائته بالدم فإنه لا يفوت فإن لم يكن على رأسه شعر فيستحب إمرار الموسى على الرأس ولا يجب إذ فات الوجوب بفوات محله الثالث أنه إذا جعل نسكا والتزم بالنذر فلا ينقضي إلا بحلق ثلاث شعرات من الرأس ولا يجزئ شعر غير الرأس ولا حلق شعره واحدة إذ قلنا لا يكمل فيه الفدية ويقوم مقام الحلق التقصير والنتف والإحراق وكل ما هو محظور الإحرام في شعر الرأس إلا إذا نذر الحلق فلا يجزئ إلا الحلق والمرأة لا يستحب لها الخلق ولا يلزمها بالنذر ويستحب لها التقصير الفصل التاسع في المبيت والنسك في المبيت أربع ليال ليلة بالمزدلفة وثلاث بمنى ومبيت الليلة الأخيرة غير واجب على من نفر في النفر الأول وإن بقي إلى غروب الشمس لزمه المبيت ليلة النفر الثاني وفي مقدار الواجب من المبيت قولان أحدهما أنه يشترط المبيت معظم الليل والثاني أن المقصود منه انتظار الرمي في اليوم القابل فيكفي الحضور قبل طلوع الفجر وهذا لا ينقدح في ليلة المزدلفة فإنهم يرحلون غالبا قبل الطلوع وفي وجوب المبيت في هذه الليالي قولان فإن قلنا إنه واجب فهو مجبور بالدم ووظائف الحج ثلاثة السنن ولا حاجة إلى جبرها والأركان كالوقوف والطواف والسعي والحلق إن جعل نسكا ولا يكفي جبرها والواجبات كالرمي والإحرام في الميقات وهما مجبوران بالدم قولا واحدا وفي المبيت والجمع بين الليل والنهار بعرفة وطواف الوداع قولان في الوجوب فإن جعل واجبا فلا بد من الجبر فإن قلنا يجبر فلو ترك المبيت في الليالي الأربع ففي قدر الواجب قولان أحدهما أنه دم واحد للجميع لأنه جنس واحد وهو كحلق جميع الشعر والثاني يلزمه دمان بمزدلفة ودم لليالي منى فإنهما جنسان فإن قلنا تفرد ليالي منى بدم فمن نفر في النفر الأول ففي ليلتي منى في حقه وجهان أحدهما دم لأنه جنس برأسه والثاني يجب مدان أو درهمان أو ثلثا دم كما في شعرتين وحكي قول أنه يجب لكل ليلة دم كما سيحكيه في رمي كل يوم ولا خلاف في أن المعذور لا يلزمه دم وهو الذى لم يدرك عرفة إلا ليلة النحر فلم يبت بمزدلفة وكذا رعاه الإبل فإنهم يغيبون عن منى ليلا لتستريح الإبل وكذلك أهل سقاية العباس فإنهم يقومون بتعهد الماء ولا يختص ذلك ببني العباس عندنا بل كل من يتعهد السقاية خلافا لمالك وهل تلتحق غير هذه الأعذار من تمريض أو غيره برعاية الإبل وتعهد الماء فيه وجهان الفصل العاشر في الرمي وهو من الأبعاض الواجبة المجبورة بالدم قولا واحدا والواجب رمي سبعين حصاة سبعة ترمى يوم النحر إلى جمرة العقبة فقط وإحدى وعشرين حصاة ترمى كل يوم القر وهو أول يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاثة إلى كل جمرة سبعة فيبدأ بالجمرة الأولى من جانب المزدلفة ويختم بجمرة العقبة وهي تلي مكة وكذلك يفعل في اليوم الثاني والثالث إلا إذا نفر من النفر الأول قبل غروب الشمس فيسقط عنه الرمي في اليوم الأخير ووقت رمي جمرة العقبة يدخل بمنتصف الليل ويدوم إلى غروب الشمس يوم النحر وهل يتمادى إلى طلوع يوم القر فيه وجهان ووجه التمادي تشبيهه ببقاء وقت الوقوف بعد غروب الشمس وأما رمي أيام التشريق يدخل وقته بالزوال إلى غروب الشمس يوم النحروفي تماديه ليلا الخلاف المذكور ثم النظر في الرمي يتعلق بأطراف الأول في الرمي وليكن حجارة على قدر الباقلاء ولا يجزئ غير الحجر من الإثمد والزرنيخ والجواهر المنطبعة ويجزئ حجر النورة قبل الطبخ وكذا حجر الحديد في الظاهر وفي الفيروزج والياقوت والعقيق تردد والحصاة الواحدة إذا رماها سبع مرات ففي إجزائها وجهان ومنهم من راعى عدد الرمي ومنهم من ضم إليه عدد المرمي ولو تعدد الزمان أو الشخص أو الجمرة أجزأ كما إذا رمى حصاة واحدة في يومين أو إلى جمرتين أو رماها شخصان الطرف الثاني في الكيفية ويتبع فيه اسم الرمي ولا يكفي الوضع على الجمرة وإن أصاب في رميه محملا فارتد بصدمته أجزأ وإن نفضه صاحب المحمل فلا وإن تدحرج من المحمل إلى الجمرة بنفسه فهو متردد بين النفض والصدمة ولو وقف في الجمرة ورمى إلى الجمرة فلا بأس ولو رمى حجرين دفعة واحدة فلا يجزيه إلا واحدة وإن تلاحقا في الوقوع ولو أتبع حجرة حجرة فيجزئه عن رميتين وإن تساوقا في الوقوع والعاجز عن الرمي يستنيب إذا كان عجزه لا يزول في وقت الرمي كما في أصل الحج ولو أغمي على المستنيب لم ينعزل النائب بخلاف الوكيل في التصرفات لأن علة هذه النيابة العجز فلا تضادها زيادة العجز الطرف الثالث في تدارك الفائت فإن انقضى أيام التشريق فلا قضاء إذ انقطع وقت المناسك فإذه فاته يوم النفر فأراد أن يقضي في اليومين بعده فعلى قولين أحدهما لا لأن هذه عبادة غير معقولة فلا يتعدى بها عن موردها والثاني يقضى بدليل أن رعاة الإبل يقضون فيالنفر الأول ما فاتهم في يوم النفر ثم هذا قضاء أو أداء فيه قولان فمن جعله أداء زعم أن جميع الأيام وقت وإنما التوزيع على الأيام مستحب وعلى هذا لا يجوز التدارك إلا بعد الزوال وإن جعل قضاء جاز قبل الزوال لأن القضاء لا يتأقت وقيل إنه لا يبعد تأقيته ثم يلزمه رعاية الترتيب في المكان فلو ابتدأ بالجمرة الأخيرة في القضاء لم يجزه وهل يجب تقديم القضاء على الأداء بالزمان فيه قولان أحدهما يجب كما في المكان والثاني لا يجب كما في الصلوات فإن أوجبنا فلو رمى أربع عشرة حصاة إلى الجمرة الأولى عن اليومين لم يجزه إلا سبعة عن القضاء وهذا في أيام التشريق أما رمي الجمرة يوم النحر ففي قضائه طريقان منهم من طرد القولين ومنهم من منع وجعل أيام التشريق فيها كغير أيام التشريق في رمي أيام التشريق لأنه جنسمنقطع عما بعده في الوقت والمقدار ثم مهما ترك الجميع لزمه الدم وفي مقداره ثلاثة أقوال أحدها دم واحد للكل والثاني دمان واحد ليوم النحر وواحد لأيام منى والثالث أربعة دماء لأربعة أيام فإن اكتفينا بدم واحد كمل الدم بوظيفة يوم واحد كما لا يكمل في حلق ثلاث شعرات وهل يكمل فيما دونه من ترك ثلاث حصيات أو ترك جمرة واحدة وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يكمل في الثلاث والثاني لا يكمل إلا بوظيفة جمرة واحدة والثالث أنه لا يكمل في أقل من وظيفة يوم الفصل الحادي عشر في طواف الوداع إذا فرغ الحاج من الرمي أيام منى ولم يبق عليهم طواف ولا سعي وتم تحللهم وعزموا على الانصراف طافوا طواف الوداع وفي كونه واجبا مجبورا بالدم قولان أحدهما يجب لتطابق الحلق عليه والثاني لا كطواف القدوم ولا خلاف في أن من خرج من مكة لا يلزمه طواف الوداع إلا إذا كان حاجا وطواف الوداع من توابع الحج ثم شرط إجزائه أن لا يعرج على شغل بعده فلو اشتغل بشد الرحال بعده ففيه وجهان من حيث إنه من أسباب الرحيل فلا يبعد أن يكون بعد الوداع فرع لو ترك طواف الوداع وتجاوز مسافة القصر يستقر الدم ولا يغنيه العود ولو عاد قبل مسافة القصر صار متداركا والمرأة إذا حاضت فهي مأذونة في النفر قبل الوداع ولا دم عليها فلو طهرت قبل مسافة القصر لم يلزمها العود نص عليه لأنها لم تكن من أهل الوجوب في الابتداء بخلاف من قصر في الخروج فإنه يلزمه العود قبل مسافة القصر ومنهم من نقل وخرج وجعل في المسألتين قولين مثارهما أنه يفوت الوداع بمجاوزة خطة الحرم أو بمجاوزة مسافة القصر الفصل الثاني عشر في حكم الصبي والنظر في إحرامه وأعماله ولوازمه أما الإحرام فإن لم يكن الصبي مميزا أحرم عنه وليه وهل للمقيم ذلك فيه وجهان وفي ثبوته للأم طريقان والأصح الجواز لما روي أن امرأة رفعت صبيا من محفته وقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر وإن كان مميزا وأحرم بإذن الولي صح وإن استقل فوجهان أحدهما لا ينعقد لأنه عقد خطير والثاني ينعقد كسائر العبادات ولكن الولي يحلله إن رأى المصلحة فيه فإن قلنا لا يستقل ففي استقلال الولي دونه وجهان ووجه الجواز استصحاب ولايته الثابتة قبل التمييز وأما أعماله فيتعاطى الصبي بنفسه إن قدر عليه وإلا طاف به الولي وسعى به وأحضره عرفة ورمى عنه وأما اللوازم المالية فما يزيد من نفقة السفر فهو على الولي في وجه لأنه الذى ورطه فيه وعلى الصبي في وجه كأجرة تعليم القرآن فإن فيه نظرا له وأما فدية اللبس والحلق وسائر المحظورات ففي وجوبها وجهان أحدهما لا لأن عقد الصبي لا يصلح للالتزام والثاني نعم لأنه مقتضى الإحرام فإن قلنا يجب ففي مال الصبي أوفي مال الولي فيه وجهان ولو جامع الصبي فإن قلنا إن جماع الناسي لا يفسد وعمد الصبي ليس بعمد لم يفسد حجه وإلا فسد وهو الأصح لأن عمده في العبادات معتبر كما إذا أفطر عمدا ولكن هل يلزمه القضاء فيه وجهان مرتبان على الفدية وأولى بأن لا يجب لأن هذه عبادة بدنية فيبعد وجوبها على الصبي فإن أوجبنا فهل يصح في الصبي فيه وجهان ووجه المنع أن الصبي ينافي وقوع الحج فرضا وقد صار هذا القضاء فرضا فإن قلنا لا يقضي في الصبي فإذا بلغ لزمه تقديم فرض الإسلام أولا حتى يتأتى منه القضاء فرعان أحدهما لو طيبه الولي من غير منفعة للصبي فالفدية على الولي وكذا كل أجنبي طيب محرما أو حلق شعره بغير إذنه ولو طيبه للمداواة فهل ينزل منزلة تطييب الولي الصبي نفسه فيه وجهان الثاني إذا أحرم في الصبي وبلغ قبل مفارقة عرفة وقع حجه عن فرض الإسلام لأن الحج عرفة وإن كان قد سعى من قبل هل يلزمه إعادة السعي فيه وجهان والأصح وجوبه إذ لا يسمى بالوقوع في حالة الصبى إلا في الإحرام فإن دوامه كاف في حجة الفرض والنقصان الذى وقع في ابتدائه هل يجبر بالدم فيه قولان أحدهما لا لأنه أحرم من الميقات ولم يجر إساءة والثاني نعم لأنه وقع من نقصان الصبى وكان هذا تردد في أن الإحرام انقلب فرضا أو تبين أنه انعقد فرضا في الابتداء والعبد أعتق إذا قبل الوقوف كان كالصبي إذا بلغ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة الإسلام وأيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة الإسلام قيل أراد بالأعرابي الكافر وقيل أراد به في ابتداء الإسلام إذ كان حجة الأعرابي قبل الهجرة نفلا لا فرضا الباب الثالث في قسم المقاصد في بيان محظورات الحج والعمرة محظورات الحج والإحرام سبعة أنواع النوع الأول اللبس والنظر فيه يتعلق بالرأس والبدن أما الرأس فيحرم ستره بكل ما سمي ساترا معتادا كان أو لم يكن فلو وضع على رأسه خرقة أو إزارا أو عمامة لزمه الفدية ولو توسد بوسادة أو عمامة أو استظل بسقف أو مظلة المحمل أو انغمس في ماء حتى استوى الماء على رأسه لم يلزمه شئ لأن ما ليس محمولا على الرأس لا يعد ساترا وخالف مالك في الاستظلال بالمظلة والخيمة ولو وضع زنبيلا أو حملا على رأسه ففيه قولان أحدهما لا يحرم لأنه لا يعد ساترا والثاني يحرم لأن الكشف قد زال به وهو المقصود أما إذا طين رأسه ففيه احتمال وتجب الفدية بستر مقدار يتصور أن يقصد ستره بوقوع شجة أو غيره ولو شد خيطا على رأسه لم يضر بخلاف العصابة التى لها عرض هذا في حق الرجل أما المرأة فالوجه في حقها كالرأس في حق الرجل فلها أن تستر سائر بدنها سوى الوجه فلو أرسلت ثوبا بحذاء وجهها متجافيا فلا بأس وأما سائر البدن فلا وظيفة على المرأة فيه أما الرجل فله ستره ولكن بثوب ليس مخيطا إخاطة الخياطة كالقميص والقباء والجبة أو ما في معناها كالدرع وجبة اللبد ولو لبس القباء لزمه الفدية أدخل يده في الكمين أو لم يدخل وقال أبو حنيفة لا يلزم ما لم يدخل يده ولو ارتدى بقميص أوجبه فلا بأس لأنه لا يحيط به وكذلك إذا التحف به نائما ولا بأس بالهميان والمنطقة وإن أحاطت ولا بإزار عقد أطرافه بالعقد ولو جعل لردائه شرجا وعرى منظومة ففيه تردد لقربه من الخياطة ولو اتخذ إزارا ج33333333333333333333333 اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الوسيط في المذهب المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد ذا حجرة وجعل فيها تكة فلا بأس لأن اسم الإزار باق فلو شق الإزار من ورائه وجعل له ذيلين ولف كل ذيل على ساق قال العراقيون يمتنع ذلك هذا كله في غير المعذور فإن كان معذورا بسبب حر أو برد حل اللبس ولكن لزم الفدية فإن كان بسبب من جهة الشرع فلا فدية فيه كما إذا لم يجد إلا سراويل ولو فتقه لم يأت منه إزارا ولبسه فلا فدية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ومن لم يجد النعل فليقطع الخفين أسف من الكعبين والتعويل على الخبر لأنه لو كان لأجل ستر العورة لجاز لبس السراويل مع القدرةعلى الإزار كما في المرأة ولذلك لا يكلفه أن يرفع السراويل إلى الركبة وأما الخف فساتر محظور والنعل جائز وإحاطة الشراك للاستمساك لا يعد ساترا وفي الجمشتك خلاف منهم من حمل ذلك القدر على الاستمساك كالنعل ويشهد له بسقوط الفدية إذا قطع الخف أسفل من الكعبين أما القفازان فقد ورد النهي عن لبسهما في اليدين وهو محرم على الرجل وفي المرأة قولان أصحهما الجواز فإن لها ستر سائر بدنها سوى الوجه ووجه المنع عموم النهي ولو اتخذ للحية خريطة أو لعضو مفرد غلافا محيطا ففي إلحاقه بالقفازين تردد لأنه غير معتاد النوع الثاني التطيب ويحرم استعمال الطيب قصدا فلنذكر الاستعمال والطيب والقصد أما الطيب فكل ما يقصد رائحته وإن كان منه يقصد غيره فالزعفران طيب وفي معناه الورس وهو أشهر طيب اليمن والفواكه الطيبة ليس بطيب كالأترج والسفرجل وكذا الأدوية كالقرنفل والدارصيني إذ لا يظهر منه قصد الرائحة وأما النبات فالقيصوم والأزهار الطيبة في الوادي ليس طيبا إذ لو ظهر ذلك لا ستنبت قصدا والورد والبنفسج والنرجس والضيمران وهو الريحان الفارسي طيب وإنما تردد نص الشافعي في الريحان لأنه لا يعد طيبا في بلاده وفي البنفسج وجه أنه ليس بطيب وهو بعيد وأما دهن الورد ودهن البنفسج فيه وجهان وأما البان ودهنه فليسا طيبين وقد قيل إنه يعتبر عادة كل ناحية في طيبه وذلك غير بعيد فرع إذا تناول الخبيص المزعفر قال الشافعي رضي الله عنه إن انصبغ لسانه فعليه الفدية فعول على اللون ومنهم من قال استدل به على بقاء الرائحة ومنهم من قال اكتفى ببقاء اللون لدلالته على بقاء جرم الطيب وإن سقطت رائحته ويبتنى على هذا تردد في جرم الطيب إذا بقى على الثوب دون رائحته بأن كان بحيث لو أصابه الماء لفاحت الرائحة فالرائحة غير ساقطة بل هى راكدة وعليه يخرج ماء الورد إذا مزج بالماء حتى ذهبت رائحته أما الاستعمال فهو إلصاق الطيب بالبدن أو الثوب فلو ألصق الطيب بعقبه مثلا لزمته الفدية ولزمته المبادرة إلى الإزالة كالنجاسات وإن عبق به الرائحة دون العين بجلوسه على حانوت عطار أو في بيت يجمر ساكنوه فلا فدية لأن التطيب لا يقصد كذلك ولو احتوى على مجمرة لزمته الفدية لأنه قصد إليه ولو مس جرم العود والمسك ولم يعبق رائحة فلا فدية وإن عبق به فقولان أحدهما لا يلزم لأنه غير معتاد والثاني يلزم لحصول الرائحة مع المسيس ولا خلاف أنه لو استروح إلى رائحة طيب موضوع بين يديه لم يلزمه فدية ولو طيب فراشه ونام عليه لزمه وكذلك إذا شد مسكا على طرف إزاره ولو حمل مسكا في قارورة مصممة الرأس فلا فدية وإن حمله في فأرة غير مشقوقة ففيه وجهان وأما القصد فبيانه بصور إحدها أن الناسي للإحرام لا فدية عليه كالناسي للصوم وكذا إذا لبس ناسيا وأما الاستهلاكات كقتل الصيد والقلم والحلقفالظاهر أن الناسي فيها كالعامد كما في إتلاف الأموال وقيل فيه قولان ودل عليه نص الشافعي رضي الله عنه أن المغمى عليه لو انقلب على جراد فقتله فلا شئ عليه الثانية إذا جهل كون الطيب محرما فهو معذور كالناسي ولو علم بحرمة ولم يعلم وجوب الفدية لزمته ولو لم يعلم كونه طيبا فمسه ففيه وجهان ولو علم أنه طيب ولم يعلم أنه رقيق مغبق به فالأصح وجوب الفدية الثالثة إذا ألقت الريح عليه فلينفض ثوبه أو ليغسله ولا شئ عليه ولو توانى لزمته الفدية ولو لطخه غيره فالفدية على الملطخ وهكذا قاله الأصحاب فرع لو وجد ماء لا يكفيه إلا لإزالة الطيب أو الوضوء قدم إزالة الطيب كما يقدم إزالة النجاسة لأن للوضوء بدلا وهو التيمم النوع الثالث ترجيل شعر الرأس واللحية بالدهن محرم لقوله عليه السلام الحاج أشعث أغبر تفل وأما غسيل الشعر بالسدر والخطمي وغيره فجائز لأن ذلك لإزالة الأنتان والترجيل تنمية للشعر وتزيين له في عادة العرب ولو دهن الأقرع رأسه فلا بأس إذ لا تزيين فيه ولو كان الشعر محلوقا فوجهان لأن فيه إصلاح المنبت وإن لم يكن تزيينا والاكتحال فلا بأس به إذا لم يكن فيه طيب والغسل جائز وقال في القديم إنه مكروه وهو بعيد إذ دخل ابن عباس رضي الله عنه حمام الجحفة محرما وقال إن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئا أما الخصاب في الشعر تردد فيه قول الشافعي رضي الله عنه فقيل إنه تردد في أنه هل يلحق بالترجيل أم لا لما فيه من التزيين وقيل هو تردد في أن الحناء طيب أم لا وهو بعيد وقيل هو تردد في أن الخريطة المحيطة باللحية هل يحرم اتخاذها أم لا لأن الخضاب يحوج إليه النوع الرابع التنظف بالحلق وفي معناه القلم وهو حرام ويجب فيه الفدية ويكمل الدم في ثلاث شعرات فصاعدا مهما أبين بإحراق أو نتف أو حلق وفي الشعرة الواحدة أربعة أقوال أحدها أنه مد وفي الشعرتين مدان لأن المد مرجوع إليه في الشريعة حتى في صوم رمضان والثاني في الواحدة درهم وفي الاثنتين درهمان واستأنس فيه مذهب عطاء والثالث في الواحدة ثلث دم وفي الاثنتين ثلثان والرابع في الواحد يكمل الدم ولا تزيد بزيادته وهذا في شعر المحرم فأما إذا حلق المحرم شعر الحلال فلا فدية فيه خلافا لأبي حنيفة ولو قطع يد نفسه وعليها شعيرات فلا فدية عليه لأنه لم يقصد إبانتها ولو امتشط لحيته فسقطت شعيرات فإن انتتفت بامتشاطه لزمته الفدية وإن انسلت وكانت قد انفصلت بنفسها فلا فدية وإن شك في ذلك قولان أحدهما لا شئ عليه لأن الأصل براءة الذمة والثاني يجب إحالة على سبب ظاهر كما يحيل موت الجنين على ضرب بطن الأم هذا إذا حلق بغير عذر فإن كان يؤذيه هوام رأسه جاز له الحلق ولزمته الفدية وإن كان الأذى من نفس الشعر كما إذا نبتت شعرة في داخل الجفن أو انكسر ظفر وظهر منه التأذي فله أخذها ولا فدية عليه كما إذا صال الصيد بنفسه وقيل فيه وجهان يبتنيان على ما إذا عم البلاد الجراد وتخطاها المحرمون فهل يضمنون فيه قولان ومسألتنا أولى بسقوط الدم لأن أذى الشعر لازم فرع إذا حلق الحلال شعر الحرام بإذنه فالفدية على الحرام وإن كان مكرها أو نائما فالفدية لازمة وقراره على الحلال وفي ملاقاة الوجوب للمحرم قولان فإن قلنا يلاقيه فتحمل الصوم غير ممكن وهو أحد خصال الفدية فإن بادر الحرام وصام برئت ذمة الحلال وإن بادر الحلال وفدى بالمال فلا شئ على الحرام وعلى كل قول فللحرام مطالبة الحلال بإخراج الفدية وكأنه ذو حق في أصل الأداء وإن كان الحرام ساكتا فحلق بغير إذنه منهم من ألحق السكوت بالإذن ومنهم من ألحقه بالإكراه النوع الخامس من المحظورات الجماع ونتيجته الفساد والقضاء والكفارة أما الفساد فإن جرى قبل التحللين بعد الوقوف أو قبله فسد وقال أبو حنيفة لا يفسد بعد الوقوف وإن جرى في العمرة بعد السعي وقلنا الحلق نسك فسد وإن قلنا الحلق ليس بنسك فقد حصل التحلل بالسعي وليس للعمرةإلا تحلل واحد وإن جامع في الحج بين التحللين لم يفسد حجه لأن تحريم اللبس والطيب قد ارتفع فلم يصادف الجماع إحراما مطلقا وفيه وجه أنه يفسد وإن قلنا لا يفسد ففي واجبه وجهان أحدهما البدنة كما قبل التحلل والثاني شاة لأنه محظور لم يفسد فأشبه سائر المحظورات وفيه وجه أنه لا يجب شئ وهو بعيد ثم مهما فسد لزمه المضي في فاسده وهو أن يأتي بكل عمل كان يأتي به لولا الإفساد ويكون في عقد لازم يلزمه الفدية فيه بارتكاب المحظورات على المذهب فلو جامع ثانيا فالواجب بدنه أو شاة فيه قولان كما في الجماع بين التحللين وفيه قول إنه لا يجب شئ بالتداخل وواجب الجماع في العمرة واجبها في الحج من غير فرق أما الكفارة فواجبة على الرجل وفي المرأة قولان كما في الصوم مع الخلاف المذكور في ملاقاة الوجوب لها والتحمل عنها فإن قلنا بالتحمل فإذا لزمها القضاء فهل عليه مؤنة تحصيل القضاء لها ببذل المال فيه وجهان أما القضاء ففيه أربع مسائل الأولى قال الشافعي رضي الله عنه إذا عاد في القضاء إلى ذلك المكان فرق بينهما واختلفوا في أنه مستحق أو مستحب فالظاهر الاستحباب حذارا من أن يكون تذكر تلك الواقعة مهيجا لشهوة العود إليها الثانية إذا أحرم في الأداء من مسافة شاسعة يلزمه في القضاء الإحرام من ذلك المكان لأن تأخير المكان نقصان في الإحرامبخلاف ما لو أحرم في أول الشهر من أشهر الحج فإنه لا يلزمه في القضاء الإحرام في ذلك الوقت الثالثة إنما يجب القضاء على المتطوع بالحج فإن كان من فروض فما يأتي به قضاء يتأدى به ذلك الفرض الواجب إذ يقوم القضاء مقام الأداء الرابعة قضاء الحج على الفور أم على التراخي فيه وجهان أحدهما على الفور كقضاء صلاة عصى بتركها والثاني لا لأن قضاء الحج لا يزيد على الأداء وأما الصلاة فيتعين القتل بتركها فلا بد من التضييق فيجري هذا الخلاف في قضاء صوم تعدى بتركه وفي كفارة لزمت بسبب محظور فأما ما لا عدوان بسببه فلا تضييق في واجبه فرع القارن إذا جامع هل يلزمه دم القران فيه وجهان أحدهما لا لأنه لم ينتفع بالقران والثاني بلى لأن حكم الفاسد في لوازمه كحكم الصحيح ثم العمرة تفسد بفساد القران قولا واحدا وهل يفوت بفوات الحج فيه وجهان ووجه الفرق أن في الفوات يتحلل بأعمال العمرة فلا معنى لتفويت عمرته هذا كله في العامد وأما الناسي ففيه قولان يبتنيان على أنه من قبيل الاستمتاعات فيكون النسيان عذرا فيه فإن قيل وهل يفسد بشئ سوى الجماع قلنا يبطل بالردة طالت أم قصرت فلو عاد إلى الإسلام فهل يخاطب بالمضي في فاسده فيه وجهان أحدهما نعم كالجماع والثاني لا لأن الردة تحبط ما سبق ومن أصحابنا من قال لا يفسد بتخلل الردة ولكن لا يعتد بما جرى في حال الردة وذكر هذا في الوضوء والاعتكاف وهو هاهنا أبعد النوع السادس مقدمات الجماع كالقبلة والمماسة وذلك حرم موجب للفدية والضبط فيه كل ملاسة تنقض الطهارة وجد الإنزال أو لم يوجد وقال مالك لا يجب الدم إلا عند الإنزال ثم لا تجب البدنة بمقدمات الجماع وإنما تجب الشاة وفي وجوب الفدية بالاستمناء في الصوم وجهان ومن مقدمات الجماع النكاح والإنكاح وهما محرمان على المحرم ولكنه لا فدية لأنه لا ينعقد وفي رجعة المحرم وشهادته كلام فإن قيل لو باشر جميع هذه المحظورات هل يتداخل الواجب أم لا قلنا إن اختلف الجنس لم يتداخل كالاستهلاك مع الاستمتاع وإن اختلف النوع في الاستهلاكات لم يتداخل أيضا كالقلم والحلق لأن الاستهلاك بعيد عن التداخل ولا خلاف في أن جزاء الصيور لا يتداخل وأما الاستمتاعات إن اتحد النوع والزمان والمكان تداخلا كما إذا لبس العمامة والقميص والسراويل والخف على التواتر المعتاد فيكفيه دم واحد وإن استدام جميع الإحرام ولو تخلل بينهما زمان فاصل فقولان أحدهما لا يتداخل للمنقطع والثاني نعم لاتحاد النوع واتحاد العبادة مع أنه واجب يفرق فيه بين الساهي والعامد فيشبه الحدود بخلاف الجماع في يومين من رمضان لأنه يلاقي عبادتين فأما إذا اختلف النوع في الاستمتاع كالتطيب واللبس فالظاهر التعدد وفيه وجه أنه يلحق اختلاف النوع باختلاف الزمان فروع ثلاثة الأول حيث حكمنا بالتداخل فلو تخلل تكفير منع التداخل كما إذا تخلل حد بين زنيتين إلا إذا قصد بالتكفير الماضي والمستقبل جميعا وقلنا يجوز تقديم الكفارة على محظورات الإحرام ففي امتناع التداخل به وجهان الثاني إذا حكمنا بتعدد الواجب عند اختلاف نوع واختلاف زمان واتحد العذر الشامل كما إذا تداوى لمرض واحد مرارا أو شج رأسه فاحتاج إلى حلق وستر ومداواة بالطيب فهل يتحد الواجب لاتحاد العذر فيه وجهان الثالث لو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات متفرقة فإن قلنا متفرق الأزمنة كالمجموع فالواجب دم وإن قلنا لا يجمع فثلاثة دراهم أو ثلاثة أمداد وأما الوطء إذا تكرر في زمانين فهو كالحلق في زمانين وإن قلنا إنه استهلاك والتطيب في زمانين إن قلنا إنه استمتاع وأما كثرة الإيلاجات في وطرواحد لا يوجب تعدد الكفارة بحال النوع السابع من المحظورات إتلاف الصيد والصيد محرم بشيئين أحدهما الإحرام والآخر الحرم والنظر في الإحرام يتعلق بأطراف الأول في الصيد وهو عبارة عن كل متوحش مأكول ليس مائيا فهذه ثلاثة قيود أما الأول فقد دخل فيه الصيد المملوك وغيره والمستأنس لأنه من جنس المتوحش وقال مالك لا جزاء في المستأنس وقال المزني لا جزاء في المملوك ويلتحق بهذا الصيد أجزاؤه وبيضه في التحريم والجزاء وأما المأكول احترازا عن السباع والحشرات وكل ما لا يؤكل وقد قال صلى الله عليه وسلم خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والحدأة والغراب والعقرب والكلب العقور ويلتحق به كل ما في معناه وعند أبي حنيفة يجب الجزاء في الأسد والنمر وأشباههما والمتولد عن المأكول وغير المأكول لما تعارض فيه الأمر أوجب الشافعي فيه الجزاء احتياطا واحترزنا بغير المائي عن صيد البحر فإنه حلال للمحرم والجراد من صيد البر وإن كان نشوءه من روث السمك على ما قيل والطرف الثاني في الأفعال الموجبة للضمان وهي ثلاثة المباشرة والتسبب واليد ولا تخفى المباشرة وكذا كل سبب يضمن به الآدمي ويزيد في الصيد أسباب ثلاثة الأول لو حفر المحرم بئرا في ملكه فتردى فيه صيد لم يضمن ولو كان في محل العدوان ضمن وساكن الحرم إذا حفر بئرا في ملكه ففيه وجهان ووجه التضمين أن الملك من الحرم أيضا ولو نصب شبكه في غير ملكه ضمن وفي ملكه وجهان أظهرهما الوجوب لأن الشبكة لا تنصب إلا للصيد وهذا جار في المحرم الثاني لو نفر صيدا فتطلق وتعثر بتطلقه ضمن إلا أن يقع ذلك بعد سكونه ولو مات بآفة سماوية في وقت النفار ففيه وجهان ووجه إيجاب الجزاء تنزيل النفار منزلة إثبات اليد ولو دل المحرم حلالا على الصيد عصى ولا جزاء لأن مباشرة غيره قطع أثر دلالته الثالث لو أرسل كلبا ضمن ما يصطاده ولو حل الرباط ولا صيد ثم ظهرصيد ففيه تردد ولو انحل الرباط في صورة نسب إليها إلى التفريط فهو كحله وأما اليد فإذا أثبت على صيد فتلف ضمن إلا إذا أحرم وفي يده صيد ففي لزوم رفع اليد قولان أحدهما لا يلزمه كما لا ينقطع دوام نكاحه وإن امتنع ابتداؤه والثاني يلزمه لأن النهي مطلق فإن قلنا لا يلزمه فلو قتله ضمن لأنه ابتداء فعل وإن مات فلا وإن قلنا يجب إرساله في زوال ملكه ثلاثة أقوال أحدها أنه يزول بمجرد الإحرام والثاني أنه لا يزول إلا بالإرسال والثالث أنه لا يزول إلا بالإرسال وقصد التحريم ثم لو أخر الإرسال حتى تحلل فالأمر مستمر بالإرسال وفيه وجه أنه ينقطع وأما أسباب الملك فما هو قهري كالإرث لا يمنع الملك على الصحيح لكن يجب الإرسال وما هو قصدي كالاصطياد فلا يفيد الملك وفي الشراء قولان كما في شراء الكافر عبدا مسلما إلا إذا قلنا إن الإحرام بقطع دوام الملك فلا يصح الشراء بحال فإن صححنا الشراء فباعه حرم البيع ولكن انعقد ووجب على المشتري الإرسال وإذا أرسل فهل يكون من ضمان البائع فيه من الخلاف ما في العبد المرتد هذا كله من العامد والمخطئ والناسي كالعامد في الجزاء إلا في الإثم لأن هذا من قبيل الغرامات نعم لو صال عليه صيد فلا ضمان عليه في دفعه ولو أكله في مخمصة ضمن ولو عم الجراد المسالك فوطئه المحرم ففيه وجهان وإذا قصد المحرم لص على حمار وحش ولم يتأت دفعه إلا بقتل الحمار ففي الضمان وجهان فرعان الأول لو وجد صيدا مجروحا فأخذه ليداويه فمات فالصحيح أنه لا يضمن لأن يده يد أمانة الثاني لو أمسك محرم صيدا فقتله محل فالضمان على المحرم وإن قتله محرم فقرار الجزاء على القاتل وكل واحد مطالب شرعا الطرف الثالث في الأكل ويحل للمحرم أكل صيد ذبحه محل إذا لم يصد له بإذنه ولا بدلالته ولا بإعانته فإن جرى شئ من ذلك فهو حرام لقوله عليه السلام للمحرمين لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه أو يصاد لكم وذبيحة المحرم من الصيد حرام عليه وهل هو ميتة فيه قولان أحدهما نعم كذبيحة المجوس والثاني أنه مباح ولا تحريم على غيره وفي صيد الحرم طريقان فهو أولى بأن يجعل ميتة لأن المانع في نفس الذبيح ثم مهما أكل المحرم من صيد لزمه جزاء ولو ذبحه لم يتكرر الجزاء بالأكل خلافا لأبي حنيفة ولو أكل من صيد دل عليه لزمه الجزاء على أحد القولين لأنه لم يضمن أصله الطرف الرابع في بيان الجزاء وله ثلاث خصال المثل من النعم أو بقدر قيمة النعم من الطعام أو بقدر كل مد من الطعام يوم من الصوم فإن انكسر مد كمل وهو يتخير بين هذه الثلاثة فإن لم يكن الصيد مثليا فالواجب طعام بقدر قيمته أو عدل ذلك صياما والعبرة في قيمة الصيد محل الإتلاف وفي قيمة النعم بمكة لأنه محل ذبحه فإن قيل وكيف يجب المثل من النعم قلنا يرعى في المماثلة في الخلقة والكبر والصغر وما وجد للصحابة فيه قضية اتبعت فقد حكموا في النعامة ببدنة وفي حمار الوحش ببقرة وفي الضبع بكبش وفي الأرنب عناق وفي أم حبين وهو من صغار الضب جدي صغير وفي الظبي عنز وفي الكبير كبير وفي الصغير صغير فإن لم يجد نص الصحابة حكم بالاجتهاد ذوا عدل من المسلمين فإن كان القاتل أحد العدلين وكان مخطئا في القتل كيلا يفسق فيه وجهانأقيسهما المنع إذ لا يكون الواحد حاكما ومحكوما عليه لكن روي أن عمر رضي الله عنه شاور أحد الصحابة في صيد قتله فتوافقا على التعديل بشاة فأما ما ليس مثليا كالعصافير وما دون الحمام وكالجراد والبيص ففيها الطعام بقدر قيمتها أو الصيام وفي الحمام شاة لقضاء الصحابة وفي معناه كل ما عب وهدر من القمري والدمسي والفواخت وفيما فوق الحمام من الطيور قولان أحدهما الشاة إلحاقا بالحمام لأنه أكبر منه والثاني لا إذ لم يحكم الصحابة بالمشابهة شكلا بل لعل ذلك للخلق الجامع وهو الاستئناس فروع ستة الأول المعيب يقابل بالنعم المعيب إذا اتحد جنس المعيب فإن اختلف لم يجبر عيب بفصيله وكذا المريض بالمريض وفي مقابلة الذكر بالأنثى ثلاثة أقوال أحدها الجواز لأن الاختلاف فيه لا يقدح في المقصود كالاختلاف في اللون والثاني المنع لأنه اختلاف في الخلفة والثالث أن الأنثى تجزئ عن الذكر لأنها أفضل منه في الزكاة وأما الذكر فلا يجزئ عن الأنثى وهذا الاختلاف إنما يحتمل إذا لم يظهر أثره في خبث اللحم ونقصان القيمة والثاني لو قتل ظبية حاملا لا فائدة في ذبح شاة حامل إذ تبطل فضيلة الحمل بالذبح فليرجع إلى تعديل الطعام بقيمة الشاة الحامل وقيل يخرج شاة حاملا تعدل قيمة الحامل وإن ألقت الظبية جنينا ميتا بجناية فليس فيه إلا ما ينقص من الأم وقال أو ثور يلزم عشر قيمة الأم ولو ماتت الأم مات الجنين بعد انفصاله فعليه جزاؤهما جميعا الثالث إن جرح ظبيا فنقص من قيمته العشر فعليه العشر من ثمن شاة نص عليه وإنما لم يجب عليه العشر من الشاة حذارا من التجزئة وقال المزني عليه عشر شاة فقيل هو الصحيح الرابع إذا جنى على صيد فأزمته فالظاهر فيه كمال الجزاء كما في قطع يدي العبد وقيل قسط من القيمة أو المثل وهو بعيد فلو أتلف هذا المزمن محرم فعليه جزاؤه معيبا ولو أبطل من النعامة قوة المشي وقوة الطيران وله امتناعات ففي تعدد الجزاء وجهان ولو أزمنه ثم قتله اتحد الجزاء كما في النفس الخامس إذا كسر بيض نعامة وكانت مذرة فلا شئ عليه وإن كانتللقشرة قيمة لأنه لم يبق حرمة الروح ولو نفر طيرا عن بيض حتى فسد ضمن السادس المحرمون إذا اشتركوا في قتل صيد فعليهم جزاء واحد خلافا لأبي حنيفة فإنه شبه بالكفارة والقارن إذا قتل صيدا فعليه جزاء واحد كالدية ولو قتل المحرم صيدا حرميا لم يتعدد الجزاء نظرا منا إلى اتحاد المتلف وهذه الفروع جارية في صيود الحرم السبب الثاني للتحريم الحرم والنظر في ثلاثة أطراف الأول السبب كل صيد يضمن بالإحرام يضمن بالحرم وكذا السبب كالسبب ويختص هذا بأمور الأول لو أدخل الحرم صيدا مملوكا لم يحرم عليه بل كان كالنعم بخلاف ما سبق الثاني لو كان الصيد في الحرم والواقف في الحل أو كان في الحل والواقف في الحرم فرمى وجب الضمان ولو قطع السهم في مروره هواء طرف الحرم والرامي والصيد كلاهما في الحل ففيه وجهان ولو أرسل في الحل إلى الصيد في الحل كلبا فتخطى الكلب طرف الحرم فلا جزاء إلا إذا لم يكن له طريق سوى الحرم ولو اصطاد حمامة في الحل فهلك لها فرخ في الحرم أو بالعكس ضمن كما في الرمي ولو نفرصيدا حرميا فنكس في طرف الحل قبل سكوت النفار ضمن الطرف الثاني في الجزاء وحكمه حكم الإحرام وقال أبو حنيفة يفارقه في أن الصوم لا يدخل جزاؤه وعندنا ولا فرق فأما الشجر والحشيش فإنهما يحرمان في الحرم لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى حرم مكة لا يعضد شجرها ولا يختلى خلاؤها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطها إلا لمنشد قال العباس إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا وسقوفنا فقال إلا الإذخر إلا الإذخر واختلفوا في أن غير الإذخر لو مست إليه حاجة دواء أو حاجة الإذخر فهل يلحق به ثم لا يحرم من نبات الحرم إلا ما لا يستنبت في جنسه كالعوسج والطرفا والأراك دون النخيل والصنوبر والخلاف فلو استنبت ما لا يستنبت أو نبت بنفسه ما يستنبت فالنظر إلى الجنس لا إلى الحال خلافا لصاحب التلخيص وعلى هذا لو نقل أراكا حرميا وعرسه في الحل لم ينقطع حكم المحرم لكونه متعديا ولا خلاف في أن تسريح البهائم في مراعيها جائز لأنه عليه السلام إنما نهى حفظا على البهائم والصيود فلو اختلى لإعلاف البهائم ففي التحريم وجهان ثم ضمان الحشيش والأشجار الصغيرة كضمان الحيوانات الصغيرة التي لا مثل لها من النعم وأما الشجرة الكبيرة ففيها بقرة وفي الصغيرة شاة فكأنها سبع الكبيرة قاله الشافعي رضي الله عنه تقليدا لابن الزبير وفي القديم قول أن تأثير الحرم في النبات مقصور على التحريم فلا ضمان فيه الطرف الثالث في مواضع الحرم والأصل مكة والمدينة ملحقة بها قال صلى الله عليه وسلم حرمت ما بين لابتيها فهي في التحريم كمكة وفي الضمان وجهان أحدهما يجب قياسا عليه والثاني لا إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد فكأنه أوجب هذه الجناية وفي حكم سلبه ثلاثة أوجه أحدها أنه في بيت المال والآخر أنه يفرق على محاويج المدينة القاطنين بها والعابرين كما في الجزاء والثالث أنه للسالب لما روي أن سعدا رحمه الله تعالى طولب هذا السلب فقال ما كنت لأرد شيئاأمرنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الموضع الثالث وج الطائف وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيدها وشجرها وكلأها قال صاحب التلخيص من فعل ذلك أدبه الحاكم ولم ألزمه شيئا قلته تخريجا قال الشيخ أبو علي هذا تردد في الكراهية والتحريم فإن ثبت تحريمه لم يبعد الضمان كالمدينة والظاهر نفي الضمان الرابع النقيع وقد حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصدقات ولا يمنع إلا من كلأه فإن تعرض به ففي ضمانه بالقيمة وجهان ولا سلب وفي أشجاره تردد لترددها بين الصيد والحشيش فرع من يسلب بالمدينة فلا يسلب إلا إذا اصطاد أو أرسل الكلب ويحتمل التأخير إلى الإتلاف ولا يفرق في السلب بين الشجر والصيد والمراد بالسلب ثيابه فقط لا كسلب القتيل وإن كان عليه حلي فوجهان القسم الثالث من الكتاب في التوابع واللواحق وفيه بابان الباب الأول في الموانع من إتمام الحج وهي ستة الأول الإحصار من جهة العدو وهو مبيح للتحلل في نص القرآن وذلك متى احتاج في دفع الصادين إلى بذل مال ولو درهم أو إلى قتال إلا أن يكونوا كفارا ونقص عددهم عن الضعف فيتعين القتال إن كان معهم أهبة ولا يجوز التحلل ولو أحاط العدو من الجوانب فقولان ووجه المنع أن التحلل ليس يريح منه فأشبه المرض فإنه لا يبيح التحلل عندنا خلافا لأبي حنيفة ولو شرط التحلل عند المرض فقولان القياس منع التحلل والثاني الجواز لما روي أنه عليه السلام قال لضباعة الأسلمية لما تعللت بالمرض أهلي واشترطى أن محلي حيث حبستنى وعلى هذا إذا تحلل بالمرض ففي لزوم الدم وجهان تشبيها له بالإحصار ولو شرط التحلل بالإحصار ففي سقوط الدم وجهان الظاهر أنه لا يسقط المانع الثاني حبس السلطان فلو سد على جميعهم جهة الكعبة فهو الحصر العام ولو حبس شخصا أو شرذمة فطريقان أحدهما أنه كالعام والثاني فيه قولان وجوز العراقيون التحلل وردوا القولين إلى وجوب القضاء وهو أوجه الثالث الرق فللسيد أن يمنع عبده المحرم من الخروج إذا أحرم بغير إذنه ولا يحلله إن أحرم بإذنه خلافا لأبي حنيفة ثم إذا منعه السيد تحلل تحلل المحصر ولكنه لا دم له فهل يتوقف تحلله على اليسار بالعتق فيه خلاف مرتب على المحصر المعسر فإن قلنا يتحلل من غير دم فمات وأراق السيد عنه دما وقع عنه لأن المالك امتنع في الحياة لكونه مملوكا مسخرا ولا يسخر بعد الموت الرابع الزوجية فالمستطيعة لحج الإسلام هل للزوج منعها عن الخروج لأن الحج على التراخي وحق الزوج على الفور فيه قولان فإن أحرمت ففي المنع قولان مرتبان وأولى بأن لا يجوز وإن أحرمت لحجة التطوع ففي المنع قولان وأولى بالجواز وإن كان التطوع أيضا يلزم بالشروع فإن قلنا له المنع من الخروج فعليها أن تحلل تحلل المعسر فإن لم تفعل فالزوج يباشرها والإثم عليها لا على الزوج وقال أبو حنيفة إذا وطئها على قصد التحلل حصل التحلل بفعله وكذا لو حلقرأس العبد أو طببه الخامس لمستحق الدين أن يمنع المحرم من الخروج إن كان قادرا موسرا وليس له التحلل وإن كان معسرا فليس له المنع وإن كان الدين مؤجلا فلا يمنعه وإن قرب الأجل بل عليه أن يصاحبه أو يوكل من يطالبه عند حلول الأجل السادس القرابة وللأبوين منع الولد من التطوع بالحج وعن فرضه طريقان قيل إنه كالزوج وقيل لا ينتهي شفقة القرابة إلى المنع من الفرض فإن قيل فما حكم التحلل والفوات قلنا أما المحصر فلا قضاء عليه وعليه دم دم يريقه في محل الإحصار وقال أبو حنيفة يلزمه أن يبعث إلى الحرم ويتوقف عليه تحلله وهو إبطال الرخصة ثم هل يجوز التحلل قبل إراقته فيه قولان أحدهما لا لأنه أقيم مقام الطواف الذى هو سبب التحلل وعلى هذا المعسر إن قلنا يعدل إلى الصوم ففي توقفه على الصوم قولان لأن الانتظار فيه طويل والثاني أن التحلل لا يتوقف عليه بل هو موجب التحلل لا موقعه فيتحلل بالحلق ويكفيه نية التحلل على الصحيح وأما القضاء فلا يجب على المحصر بل يعود إلى ما كان عليه قبل الإحرام وفي معنى المحصر كل من تحلل بمنع غيره على ما سبق فأما إذا فات الحج بنوم أو تقصير فلا يحل التحلل إلا بلقاء البيت بطواف وسعي فإنه سبب التحلل في العمرة وقال في موضع يطوف فقيل يكفي الطواف والصحيح هو الأول ولا خلاف في أنه ليس عليه الرمي والمبيت بل يكفيه أعمال العمرة ثم المذهب أنه لا تحصل به عمرة وأما العمرة فإذا أحرم بها لم يتصور فواتها ثم من فاته الحج يلزمه دم ويلزمه القضاء إن كان متطوعا وإن كان في فرض فالرجوع إلى الفرض يكفيه قضاء وأداء بخلاف الإحصار فإنه لا تقصير فيه فإن تركب العذر من الفوات والإحصار ففي القضاء خلاف وذلك إذا وجد طريقا أطول مما صد عنه فعدل إليه وفاته ففي القضاء قولان ولو صابر الإحرام منتظرا لانجلاء الإحصار ففاته الحج فقولان ومنهم من قطع بوجوب القضاء لأنه استجلب الفوات إلى نفسه فرعان الأول لو فاته الحج أو فسد الإحرام قصد في بقية إحرامه عن لقاء البيت فيستفيد التحلل بالإحصار ولكن لا يسقط عنه القضاء الذى سبق لزومه وعليه دمان أحدهما للإحصار والآخر للفوات الثاني إذا صد بعد الوقوف عن لقاء البيت ففي القضاء قولان ووجه الوجوب أن الإحرام تأكد بالوقوف أما العراقيون قطعوا بسقوط القضاء عن كل ممنوع من لقاء البيت وذكروا الخلاف في المتمكن من لقاء البيت إذا منع من عرفة وقالوا في القضاء الباب الثاني في الدماء وأبدالها وفيه فصلان الفصل الأول في بيان التقدير والترتيب في الأبدان والمبدلات والدماء ثمانية أنواع الأول دم التمتع قد اجتمع فيه الترتيب والتقدير في نص القرآن وفي معناه دم القران ودم الفوات الثاني جزاء الصيد وهو على التعديل والتخيير فلا ترتيب ولا تقدير لقوله تعالى { هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما } والثالث فدية الحلق وفي بدله التقدير والتخيير أما التخيير فمنصوص في القرآن وأما التقدير فمأخوذ من حديث كعب بن عجرة إذ خيره رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الدم وبين ثلاثة آصع كل صاع أربعة أمداد يطعم ستة مساكين وبين صيام ثلاثة أيامفهذه الأصول الثلاثة منصوص عليها في حكم التقدير والترتيب الرابع الواجبات المجبورة بالدم فيها ترتيب دم إلحاقا لها بالتمتع وتعديل للبدل جريا على القياس لأن التقدير لا يعرف إلا توفيقا وأما الترتيب فله وجه معقول وأدخل العراقيون التقدير في القياس وقالوا بدل هذه الدماء كبدل التمتع الخامس الاستمتاعات كالطيب واللبس وتغطية الرأس والقبلة والاستمناء ومقدمات الجماع في كل واحد منها دم ترتيب قياسا على التمتع وهو دم تعديل جريا على القياس وفي قول آخر أنها دم تخيير اعتبارا بالحلق والعراقيون اعتبروه بالحلق أيضا بالتقدير وهو أبعد وأما القلم فهو في معنى الحلق فيظهر إلحاقه به السادس دم الجماع وفي الجماع المفسد بدنة فإن لم يجد فبقرة فإن لم يجد فسبع من الغنم فإن عجز قوم البدنة دراهم والدراهم طعاما وصام عن كل مد يوما فهو دم تعديل وترتيب ونص الشافعي رضي الله عنه على التعديل فيه دليل على أنه ليس يدخل التقدير في القياس إذ لم يلحقه بالحلق وفيه قول آخر أنه دم تخيير وقيل إنا وإن قلنا بالترتيب فلا ترتيب بين البدنة والبقرة والشياه السبعة السابع الجماع الثاني أو الجماع بين التحللين إن قلنا فيه بدنة فهو كالجماع الأول وإن قلنا شاة فهو كالقبلة واللمس الثامن دم التحلل بالإحصار وهو شاة في نص الكتاب فإن أعسر أو تعذرفهل له بدل فعلى قولين أحدهما لا لأنه لم ينص على بدله ونص على بدل غيره والثاني أنه يجب قياسا للمسكوت عنه على المنطوق به فإن قلنا يجب فبأي أصل يلحق فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه مثل دم التمتع ترتيب وتقدير والثاني أنه كدم الحلق تقدير وتخيير لأنه تخلص من الأذى والثالث أنه مثل دم الواجبات المجبورة تعديل وترتيب لأنه ترك الأفعال الواجبة الفصل الثاني في محل إراقة الدماء وزمانها أما الزمان فلا يختص شييء من دماء المحضورات والجبرانات بعد جريان سببها بزمان وإنما يختص بأيام النحر الضحايا وكذا دم التمتع والقران وأما دم الفوات فيراق في الحجة الفائتة أو في الحجة المتقضية فيه قولان أحدهما في الفائتة لأن السبب قد تحقق والثاني لا لمعنيين أحدهما أن هذه حجة ناقصة وكأن الفوات أوجب القضاء والدم فيريق في القضاء ولأنه شبيه بالتمتع لأنه أتى بأفعال عمرة وتمتع بالتحلل ليؤدي حجة في السنة الثانية وعلى هذا المعنى لا يمتنع تقديمه على القضاء إذ جوزنا تقديم دم التمتع على الحج وإنما يمتنع ذلك في الصوم وأما المكان فيختص جواز الإراقة بالحرم خلافا لأبي حنيفة والأفضل النحر في الحج بمنى في العمرة عند المروة لأنهما محل تحللها وقد قيل لو ذبح على طرف الحرم وفرق غضا طريا على مساكين الحرم جاز وقد قيل من ارتكب محظورا أراقه في محل الارتكاب وقيل ما لزم بسبب مباح بعذر لا يختص بمكان وما عصى بسببه فاختص بالحرم وهذه الوجوه الثلاثة بعيدة وأما الأكل من هذه الدماء فسيأتي حكمه في الضحايا واختتام الكتاب ببيان الأيام المعلومات وهي العشر الأولى من ذي الحجة عندنا وفيها المناسك وأما المعدودات فهي أيام التشريق وفيها الهدايا والضحايا تم بحمد الله ربع العبادات من كتاب الوسيط في المذهب في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك سنة ألف وأربعمائة وستة عشر للهجرة والموافق العاشر من فبراير سنة ألف وتسعمائة وستة وتسعين وذلك يوم الخميس عصرا والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ونسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين0 . كتاب البيع { وأحل الله البيع } واجتمعت الأمة على كونه سببا لإفادة الملك والنظر في أحكامه يتعلق بخمسة أقسام القسم الأول في صحته وفساده والثاني في لزومه وجوازه والثالث في حكمه قبل القبض وبعده والرابع فيما يقتضيه مطلق ألفاظه في الثمار والأشجار واستتباع الأصول الفروع والخامس في مداينة العبيد وتصرفاتهم القسم الأول في بيان صحته وفساده وفيه أربعة أبواب الباب الأول في أركان البيع وهي ثلاثة العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد فلا بد منها لوجود صورة العقد الركن الأول الصيغة وهي الإيجاب والقبول وسبب اعتبارها الاستدلال بهما على الرضا فإن الأصل هو التراضي ولكن الرضا خفي فيناط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه ويتفرع عن هذا الأصل ثلاث مسائل نذكره في معرض السؤال فإن قيل فليكتف بالمعاطاة فإنها دلالة على الرضا في المحقرات قلنا الأفعال مترددة ما صيغت للدلالة على الضمائر وإنما العبارات هي الموضوعة لهذا الغرض فكان الحكم منوطا بها وقد ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى الاكتفاء به في المحقرات وهو قول خرجه ابن سريجفإن قيل فليكتف بقوله بعني وقول المخاطب بعت قلنا فيه وجهان أقيسهما الاكتفاء به كما في النكاح والثاني لا يكتفى به لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة فينوب عن قوله هل تبيع وأما النكاح فلا يقدم عليه فجأة في غالب الأمر فتكون الرغبة قد ظهرت من قبلفإن قيل فلينعقد بالكناية مع النية فإنها تدل على الرضا قلنا قطع الأصحاب بذلك في الخلع والكتابة والصلح عن دم العمد والإبراء وكل ما يتصور الاستقلال بمقصوده دون قبول المخاطب في بعض الأحوال لأنه ليس يعتمد فهم المخاطب وقطعوا بالبطلان في النكاح وبيع الوكيل إذا شرط عليه الإشهاد لان الشهود لا يطلعون على النية واختلفوا على الوجهين في المعاوضات المحضة ووجه المنع أن الإيجاب والقبول سبب لقطع النزاع إذا كان صريحا والنيات يطول فيها النزاع فليشترط التصريح للمصلحة كما في النكاح فإن قيل فلو توافرت القرائن حتى أفادت العلم انقطع الاحتمال والنزاع قلنا أما النكاح ففيه تعبد للشرع في اللفظ وأما البيع المقيد بالإشهاد وغيره فالظاهر عندي الانعقاد وان لم يتعرض له الأصحاب الركن الثاني العاقد وأهلية المعاملات تستفاد من التكليف فتصرفات الصبي والمجنون بإذن الولي ودون إذنه وبالغبطة والغبينة باطلة خلافا لأبي حنيفة نعم في تدبيره ووصيته وروايته وإسلامه خلاف يأتي في موضعه وفي البيع الذي يختبر به الصبي لإيناس الرشد خلاف والأولى منعه ولا يعتد بقبض الصبي أيضا فإنه سبب ملك أو ضمان فلو قال أد حقي إلى الصبي فأدى لم يبرأ لان ما في الذمة لا يتعين ملكا إلا بقبض صحيح بخلاف ما لو قال رد الوديعة إليه فإن الوديعة متعينة ولو سلم الصبي درهما إلى صراف لينقده له فأخذه دخل في ضمانه فليرده على وليه ولو رد عليه لم يبرأ وفي إخبار الصبي عن التمليك في إيصال الهدية وعن الإذن عند فتح الباب طريقان منهم من خرجه على الخلاف في روايته ومنهم من قطع بالقبول اقتداء بالأولين وعادة السلف ولا شك في القبول إذا ظهرت القرائن فان العلم إذا حصل سقط اثر إخباره أما إسلام العاقد فغير مشروط إلا في شراء العبد المسلم وفيه قولان أحدهما أنه لا يصح من الكافر لما فيه من الذل ولأنه يقطع ملكه لا محالة فدفعه أولى والثاني أنه يصح لان الملك متصور له على المسلم في الإرث فسبب الملك صحيح في حقه والأصح المنع خلافا لأبي حنيفة وفي شراء الكافر المصحف قولان مرتبان وأولى بالمنع لان العبد يدفع الذل عن نفسه وفي الملك الذي يستعقب العتق كشراء الكافر ولده المسلم أو كشرائه من شهد من قبل بحريته وجهان مرتبان وأولى بالصحة لاستعقابه الحرية ضرورة ولو قال الكافر اعتق عبدك المسلم علي فأعتق ففي وقوعه عنه وجهان مرتبان وهذا أولى بالنفوذ لان الملك حصل ضمنا فيبعد اعتبار الشرائط فيه التفريغ إن أبطلنا الشراء فعليه فروع أربعة أحدها في الارتهان والاستئجار وجهان أحدهما يصح إذ ليس فيهما ملك والثاني المنع لأن الاستيلاء بالانتفاع والحبس إذلال فان صححنا الإجارة فهل يكلف الكافر أن يؤاجره من مسلم فيه وجهان أحدهما يلزمه كما في الشراء والثاني لا إذ المسلم إذا عمل باجرة لم يكن فيه ذل وكأنه يعمل لنفسه والأولى جواز الرهن والإجارة كما في الإيداع والإعارة وأما الإجارة الواردة على الذمة فلا خلاف في جوازها والثاني المسلم إذا اشترى العبد المسلم لكافر لم يصح وإن اشتراه الكافر لمسلم إن صرح بالإضافة إلى المسلم صح وإن أضمر فوجهان يبتنيان علىتعلق العهدة بالوكيل الثالث إذا اشترى المسلم عبدا مسلما من كافر بثوب فوجد الكافر عيبا بالثوب ففي رده ليعود العبد إليه وجهان أحدهما لا لأنه توصل إلى جلب الملك بالاختيار والثاني يجوز لان الاختيار في الرد أما عود العوض إليه فيقع ضرورة قهرا وكذلك المسلم إذا وجد عيبا بالعبد ففي رده إليه وجهان لأنه ممنوع عن التمليك كما يمنع الكافر عن التمليك ثم إذا منعنا الرد تعين الارش وكان ذلك عذرا مانعا الرابع لو كان العبد كافرا فأسلم قبل القبض فينفسخ العقد كما ينفسخ بالموت أو يثبت الخيار كما يثبت بالإباق فيه وجهان وتشبيهه بالاباق أولى هذا إذا اشتراه من مسلم فان اشتراه من كافر ففي الانفساخ وجهان مرتبانوأولى بألا ينفسخ لأنه كيفما تردد انقلب إلى كافر فالاستصحاب أولى فإن قضينا ببقاء العقد فيقبضه الكافر ثم يباع عليه أم يستنيب القاضي عنه من يقبضه كيلا يذل العبد بقبضه فيه وجهان وإن فرعنا على قول الصحة فيباع عليه بعد قبضه أو قبض القاضي عنه على وجه وكذلك متى أسلم في دوام الملك فلو مات قبل البيع بيع على وارثه وينقطع عنه المطالبة بالإعتاق وكل ما يزيل الملك ولا ينقطع بالتزويج والرهن والإجارة وهل ينقطع بالكتابة وان كانت لا تزيل الملك في الحال لإفضائها إلى الزوال ولزوم الحجر في الحال فيه وجهان وأولى بالاكتفاء بها ولو رضي بالحيلولة بينهما لم يكتف به إلا في المستولدة فان بيعها متعذر وإعتاقها تخسير فيستكسبها لأجله في يد غيره وقيل انه تعتق عليه وهو بعيد الركن الثالث المعقود عليه وهو المبيع وله خمسة شرائط وهو أن يكون طاهرا منتفعا به مملوكا للعاقد أو لمن يقع العقد له مقدورا على تسليمه معلوما للمتعاقدين الشرط الأول الطهارة ولا يجوز بيع السرقين وسائر الأعيان النجسة خلافا لأبي حنيفة ومعتمد المذهب الإجماع على بطلان بيع الخمر والجيفة والعذرة ومنفعة العذرة تسميد الأرض ومنفعة الجيفة إطعامها لجوارح الطيور ومنفعة الخمر مصيرها خلا كما يصير الصغير ابن اليوم منتفعا به في الكبر فلا علة لبطلان بيعها إلا النجاسة فرع الودك النجس بوقوع نجاسة فيه أن حكمنا بإمكان غسله جاز بيعه وإلا ابتني على جواز الاستصباح به وفيه قولان ووجه المنع انتشار دخانه النجس مع تعذر الاحتراز عنه وبالنجاسة يعلل عند الشافعي رضي الله عنه امتناع بيع الكلب والخنزير وقد ورد الخبر فيه أيضا وقال أبو حنيفة ومالك يصح بيعه والخنزير لا يباع وفاقا وما يتولد من الكلب والخنزير أو من أحدهما وحيوان طاهر فله حكمهما في بطلان البيع الشرط الثاني أن يكون منتفعا به فبه تتحقق المالية وما لا منفعة له ثلاثة أقسام أحدها أن تسقط المنفعة للقلة كالحبة من الحنطة وما ليس له منفعة محسوسة في ذاته إلا بضم غيره إليه فبيعه باطل ومن أتلفه فلا شيء عليه إذ لا قيمة له وقال القفال عليه مثله إن كان من ذوات الأمثال وخالفه غيره الثاني أن تسقط منفعته لخسته كحشرات الأرض من الخنافس والعقارب وأما الهرة والفيل والنحل ففيها منفعة فيجوز بيعها ولا منفعة للأسد والنمر ومالا يصطاد من السباع ولكن فيها وفي الحمار الذي تكسرت قوائمه وجه لا بأس به أنه يصح بيعها لجلودها بخلاف جلد الميتة فانه لا يباع لنجاسته لا لعدم المنفعة وفي بيع العلق وفيه منفعة المص للدم والسم الذي لا يصلح إلا بالقتل تردد والأولى الصحة ووجه المنع انه لا يحتفل بهذه المنفعة إذ قد ينتفع بحبة واحدة تجعل في فخ الطائر ولا يعتد بمثل ذلك ويجوز بيع لبن الآدمية خلافا لأبي حنيفة فانه طاهر منتفع به وليس بآدمي ويجوز بيع الماء على شاطئ البحر وبيع الصخرة على الجبال لوجود المنفعة وإنما الاستغناء عنها لكثرة وكذا بيع التراب وقيل الماء لا يملك وهو بعيد الثالث ما سقطت منفعته شرعا كالمعازف وما هي لغرض محرم لا يصلح لغيره فتيك المنفعة المحرمة شرعا كالمعدومة حسا نعم أن كان رضاضة بكسر بعد تقدير الكسر يتمول ففي صحة بيعه اعتمادا عليه ثلاثة اوجه والأظهر انه إن كان من ذهب أو فضة أو عود أو شيء نفيس صح لأنهمقصود فغلب قصد الصنعة وان كان من خشب فلا لان القصد مرتبط بالصنعة فلا يعتمد البيع غيره وفي بيع القنية والكبش الذي يطلب للنطاح كلام سنذكره الشرط الثالث أن يكون مملوكا للعاقد فبيع الفضولي مال الغير عندنا باطل وقال أبو حنيفة يقف على إجازته وهو قول قديم لم يعرفه العراقيون ونص الشافعي رضي الله عنه على قولين فيمن غصب أموالا واتجر فيها وتصرف في أثمانها أحدهما بطلان البياعات وتتبعها بالنقض وهو قياس المذهب والثاني أن المالك بالخيار فان شاء أجاز واخذ الأثمان وتعليله بالمصلحة والحاجة لعسر تتبع التصرفات المتعاقبة فرع لو قال اشتريت لزيد وهو ليس بوكيل لم يقع عن زيد وهل يقع عنه وجهان أحدهما نعم لان الفاسد إضافته فتخصص بالإفساد ويبقى قوله اشتريت والثاني لا وهو الأولى لان الكلام يعتبر جملة وهو لم يشتر شيئا لنفسه أصلا فان قيل لو باع مالا على ظن انه ملك الغير فإذا هو ملكه هل يصح قلنا نقل العراقيون قولين فيما إذا باع مال أبيه على ظن انه حي فإذا هو ميت فالقياس صحته والظن الخطأ لا أثر له ووجه المنع أن مقتضى لفظه من حيث قرينة الحال تعليق البيع على الموت وان أتى بصيغة التنجيز فلا يكون بعبارته معربا عن تنجيز الملك في الحال وهو لا يعتقد لنفسه ملكا الشرط الرابع أن يكون مقدورا على تسليمه حسا وشرعا ومستنده النهي عن بيع الغرر والعجز الحسي في الضال والآبق والمغصوب فروع ثلاثة الأول بيع السمك في الحوض الواسع المسدودة المنافذ والطير المفلت في دار فيحاء الذي يقدر عليه ولكن بعد عسر وتعب فيه وجهان أحدهما لا لان مثل هذا التعب لا يحتمل في غرض البيع فلا نظر إلى القدرة بعد تحمله والثاني وهو الأولى الصحة لأنه مقدور عليه ومستند هذا الشرط النهي عن بيع الغرر وهذا موثوق به بالا لا غرر فيه الثاني بيع حمام البرج نهارا وعادته أن تأوي إلى البرج ليلا فيه وجهان أحدهما الجواز كالعبد الغائب ثقة بعوده الطبيعي والثاني المنع لان الغرر ظاهر في عوده بخلاف العبد وهو الأولى إذ الاشتغال بأسباب التسليم من طلب العبد ممكن وها هنا لا طريق إلى الانتظار على غرر الثالث المغصوب الذي يقدر المشتري على استرداده دون البائع فيه خلاف لتعارض القدرة والعجز من الجانبين والأولى الصحة إذا المقصود التسليم وهو ممكن في نفسه نعم لو كان المشتري جاهلا فله الخيار إذا البيع لا يكلفه تعب الانتزاع وان كان عالما فله الخيار أن عجز وإلا فلا أما المعجوز عن تسليمه شرعا فهو المرهون فبيعه باطل وفي بيع الدار المكراة خلاف سيأتي وفي بيع العبد الجاني جناية تعلق الارش برقبته قولان أحدهما المنع كالرهن وأولى فانه أقوى من وثيقة الرهن ولذلك يقدم الأرش إذا جنى العبد المرهون والثاني الصحة وهو الأولى لأنه لم يحجر على نفسه وجناية العبد لا تحجر عليه في ملكه وتصرفه لكن يثبت متعلقا في رقبته إن رغب السيد عنفدائه ليكون عصمة لحقه بقدر الضرورة أما إذا استوجب العبد القطع بالسرقة أو بالقتل بالردة فيصح بيعه إذ لا ارش وفي القتل الموجب للقصاص خلاف مرتب على أن موجب العمد ماذا وعلى كل حال فهذا أولى بجواز البيع لان الدية غير متعينة للوجوب التفريع أن حكمنا بفساد البيع ففي الإعتاق خلاف كما في الرهن وان حكمنا بالصحة فلو كان معسرا بالفداء فالظاهر المنع وفيه وجه منقاس انه يصح ولكن يثبت الخيار للمجني عليه وان كان موسرا مهما امتنع الفداء بسبب من الأسباب أما السيد ففي ثبوت الخيار له وجهان ووجه الإثبات انه لم يصرح بالتزام الفداء فلا يلزمه وله دفع الطلبة عن نفسه بالفسخ وهذا بعيد عند علمه بجناية العبد فانه بالتزام التسليم إلى المشتري التزم الفداء فليؤاخذ بهما ولكن لو كان جاهلا فيظهر إثبات الخيار له فرع إذا باع نصفا من نصل أو سيف أو آنية ينقصها التبعيض فهو باطل لان البيع لا يلزم بنقيض غير المبيع والشرع قد يمنع منه إذا كان فيه إسراف فيتقاعد البيع عن إيجاب التسليم ولو باع ذراعا من كرباس لا تنقص بالقطع قيمته فيه وجهان ذهب صاحب التلخيص إلى المنع لأنه غير ممكن إلا بتغيير عين المبيع والبيع لا يلزمه ولعل التصحيح أولى الشرط الخامس أن يكون معلوما للمتعاقدين والعلم يتعلق بعين المبيع وقدره ووصفه مرتبة من مراتب العلم العلم بالعين وهو شرط فلو باع عبدا من عبيده أو ثوبا من ثيابه أو شاة من قطيعه لا على التعيين بطل لما فيه من الغرر الذي يسهل اجتنابه ولان العقد لم يجد موردا يتأثر به في الحال فأشبه النكاح وقال أبو حنيفة لو قال بعت عبدا من العبيد الثلاثة ولك خيار التعيين صح ولم يصحح في الثياب ولا فيما فوق الثلاثة ولا دون شرط الخياروفساد هذه التحكمات بين فروع ثلاثة أحدهما لو قال بعت صاعا من هذه الصبرة وهي معلومة الصيعان صح قطعا وان كانت مجهولة فوجهان يبتنيان على العلتين إن عللنا بان مورد العقد لم يتأثر به في الحال بطل هذا العقد فان الإبهام موجود ههنا وفي صورة العلم بعدد الصيعان ينزل على الإشاعة حتى لو تلف نصف الصبرة انفسخ العقد بتلفه في ذلك القدر والباقي يخرج على قولي تفريق الصفقة وهذا اختيار القفال وهو الأصح وان عللنا بان الإبهام منع لأجل الغرر فلا غرر ها هنا لتساوي أجزاء الصبرة بخلاف العبيد وبخلاف ما إذا باع ذراعا من ارض لا على التعيين فان الغرض يختلف فيه باختلاف الجوانب ويلزم عليه التصحيح إذا باع قدر صاع من جملة الصبرة وقد فرقت صيعانها وبه استشهد القفال ويبعد تصحيحه واستشهد بأنه لو قال بعت منك هذه الصبرة إلا صاعا وهي مجهولة الصيعان بطل فأي فرق بين استثناء المعلوم من المجهول واستثناء المجهول من المعلوم والإبهام يعمهما وفي الفرق غموض الثاني إذا اشترى قطعة من الأرض محفوفة بملك البائع فان صرح بإثبات الممر ثبت حق الاجتياز من كل جانب إلا إذا كان أحد جوانبها متاخما للشارع أو ملك المشترىفالعرف خصص المرور به وان خصص بجانب من الجوانب لا على التعيين فسد للإيهام وتفاوت الأغراض وان صرح بنفي الممر ففي صحة البيع ولا منفعة للمبيع دون الممر وجهان أظهرهما الصحة إذا التوصل إلى الانتفاع بشراء الممر واستعارته واجارته ممكن وان سكت عن ذكر الممر فطريقان أحدهما انه يقتضي الممر من كل جانب اعتمادا على العرف والثاني انه يخرج على الوجهين كما إذا نفى الممر لأنه ساكت عنه الثالث لو عين جانبا من الأرض وباع عشرة اذرع ولكن لم يذرع حتى يتبينمقطع الملكين في العيان ففيه وجهان أظهرهما الصحة للتعيين وانتفاء الغرر ووجود العيان ولو باع الصوف على ظهر الحيوان ولم يعين المقطع فسد لان العادة تتفاوت في مقادير الجز بخلاف الكراث فان العادة في جزه تتقارب ولو قبض على كتلة وعين المجز صح وفيه احتمال لأنه يتعين به عين المبيع خلاف الأرض والشجر فان الجز والقطع لا يغيرهما المرتبة الثالثة العلم بالقدر أما إذا كان في الذمة فلا بد من التقدير سواء كان نقدا أو عرضا فلو قال بعت بما باع به فلان فرسه أو ثوبه أو بزنة هذه الصنجة لا يصح لأنه غرر مجتنب يسهل دفعه ولا بد من تعريف جنسه وإذا تعارضت النقود لا بد من التعريف فإن غلب واحد كفى الإطلاق وان غلب في العروض جنس واحد ففي الاكتفاء بالإطلاق اعتبار بالنقد أو اشتراط الوصف نظرا إلى أن الأصل في العروض التفاوت وجهان فروع ثلاثة الأول إذا قال بعت منك هذه الصبرة بعشرة دراهم وهيمعاينة غير معلومة الصيعان صح وكذلك إذا باع بصرة معاينة من الدراهم لان العيان هو المنتهي عرفا في العقود ولو قال بعتك الصبرة كل صاع بدرهم صح وان كانت مجهولة الصيعان ولم يكن مبلغ جملة الثمن معلوما لأنه إذا رأى جنس المبيع وعرف قدر ثمن كل صاع فقد انتفى الغرر وسلك طريق معرفة الربح والخسران الثاني إذا قال بعتك هذه الصبرة بعشرة على أن أزيدك صاعا فان أراد به التبرع بالزيادة فهو شرط هبة في بيع فيفسد وان أراد إدخاله في المقابلة بالثمن فان كانت معلومة الصيعان صح وان كانت الصبرة عشرة أصيع فمعناه صاع وعشر بدرهم وان كانت مجهولة لم يصح لأنه لا يدري اشترى بدرهم صاعا وعشرا أو صاعا وتسعا أو ما يتردد فيه فيكون الثمن مجهول الجملة والتفصيل فان قيل فإذا تردد اللفظ بين الاحتمالات فكيف يصح العقد بمجرد إرادة صورة الصحة قلنا يلتفت هذا على الأصح في انعقاد البيع بالكناية الثالث إذا باع سمنا في بستوقة تتفاوت أجزاؤها في الغلظ والدقة او صبرة على ارض فيها حفر متفاوتة فهذا يبطل فائدة العيان في تخمين المقدار لا في معرفة الصفقة ففيه ثلاث طرق قال الشيخ أبو علي في مجموعه وجهان في أن البيع يصح لان معرفة المقدار بعد العيان لو كانت شرطا لما صح البيع بصبرة من الدراهم مرتبة غير موزونة وهذا غريب لم يذكره في شرحه الثانية أن العقد باطل قطع به بعض المحققين لان غرره كغرر الجهل بالصفة وقد تعذر تخريجه على بيع الغائب لان الرؤية حاصلة فمتى يثبت الخيار أو كيف يلزم دون الخيار وهذا هو المشهور الثالثة وهو المنقاس تخريجه على بيع الغائب فانه لا يتقاصر عما إذا قال بعتك الثوب الذي في كمي فان فيه قولين فكذلك ها هنا وهذا وجه التخريج اختاره الشيخ أبو محمد ثم قياسه أن يقال معرفة المقدار بالوزن أو برؤية الدكة وقت ثبوت الخيار كما أن معرفة الصفة بالرؤية وقته في بيع الغائب التفريع أن أبطلنا العقد فلو نظر إلى صبرة ولم يدر أن تحتها دكة فعقد اعتمادا على اعتقاده فظهرت دكة فهل يتبين بطلان العقد أم يقتصر على الخيار وجهان اختار الشيخ أبو محمد الأبطال لان معرفة القدر تحقيقا أو تخمينا شرط وقد تبين فقد الشرط والثاني انه يصح اعتمادا على الاعتقاد المرتبة الثالثة العلم بالصفات بطريق الرؤية وفي اشتراطه في الشراء قولان وفي الهبة قولان مرتبان وأولى بالا يشترط لأنه ليس من عقود المغايبات ليبعد عن الغرر وذهب المزني إلى الإبطال لان الغرر المجتنب الذي يسهل إزالته يبطل العقد لنهيه عن بيع الغرر ولا خلاف أن الشم والذوق في المشموم والمذوق غير مشروط لان الرؤية اعظمطريق يعرف به جميع الأشياء فالصفات المرئية تدل على جميع المقاصد الخفية غالبا واضطرب الأصحاب في مسألتين إحداهما البائع إذا باع ما لم يره منهم من قال فيه قولان مرتبان وأولى بالبطلان لان الخيار بعيد عن البائع قاله المراوزة وقيل أولى بالصحة لأن المشترى محصل والبائع معرض والمتملك بالاحتياط أجدر قاله العراقيون واصح المذهب البطلان في الشراء والبيع جميعا ثم أن صححنا بيع الغائب ففي ثبوت الخيار له عند الرؤية وجهان أصحهما الثبوت كالمشتري وقيل لا يثبت لان جانبه بعيد عن الخيار ولذلك إذا ظن المبيع معيبا فإذا هو سليم لا خيار له وان استضر به وهذا يبطل بخيار المجلس والشرط فانهما يشتركان فيه وهذا من جنسه الثانية في شراء الأعمى طريقان ينشآن على أن التوكيل بالرؤية والفسخ هل يجوز وفيه وجهان أحدهما المنع لأنه رأي مجرد فصار كما إذا أسلم على عشر نسوة ووكل بالاختيار والثاني الجواز كالتوكيل بالرؤية والشراء فان جوزنا بالتوكيل خرج شراؤه على القولين وإلا قطعنا بالبطلان إذ لا سبيل إلى الإلزام ولا إلى خيار لا منتهى له وفي قبضه بالهبة والدين خلاف مرتب على شرائه وأولى بالصحة لأنه فعل يبعد عن الغرر ولو عمى بعد شراء الغائب فقلنا لا توكيل في الرؤية انفسخ العقد لاستحالة التقييد وصحح الشافعي رضي الله عنه سلم الأعمى فقال المزني لم يرد به إلا كمه لأنه لا يعرف الصفات ومن الأصحاب من خالفه لأنه يتخيل فرقا بين صفات الرداءة والجودة التفريع أن فرعنا على قول اشتراط الرؤية فعليه ثلاث مسائل المسألة الأولى أن استقصاء الأوصاف على وجه يفيد الإحاطة بالمقاصد هل يقوم مقام الرؤية فيه وجهان أحدهما نعم لحصول ثمرتها وهي المعرفة والثاني لا إذ الرؤية تطلع على دقائق لا تحيط العبارة بها الثانية رؤية بعض المبيع تقوم مقام رؤية الكل إذا كان المرئي يدل على الباقي كظاهر صبرة الحبوب والمائعات هذا إذا كان متصلا فان رأى منه أنموذجا ولم يدخل في البيع فهو كاستقصاء وصف المبيع والأصح وهو اختيار الشيخ أبي محمد انه لا يقوم مقام الوصف في السلم لان اللفظ والوصف هو المرجع عند الأشكال في السلم وان ادخل في البيع صح على اختيار القفال وهو الأصح وفيه وجه وان كان المرئي لا يماثل الباقي نظر فان كان صلاح الشيء في إبقائه مستورا كحب الرمان ولب الجوز واللوز وأمثاله كفى رؤية الظاهر للحاجة وما ليس كذلك يخرج على بيع الغائب فروع أربعة الأول القشرة العليا من الجوز الرطب منهم من جعله مانعا للاستغناء عنه ومنهم من ألحقه بالسفلى ففيه مصلحة إبقاء الرطوبة والظاهر أن النشرة العليا من الباقي تكفي رؤيتها لان الرطوبة فيها مقصودة والثاني الفأرة من المسك كالمسح من النوري والجلد من اللحم فلا يكفي النظر إليه إذ لا يتعلق به كثير صلاح والمسك نفيس فلا يحتمل ذلك فيه اعتيادا وقال صاحب التقريب إذا لم تكن الفأرة مفتوحة يحتمل إلحاقها بقشرة الجوز ثمإذا أدخلت الفأرة في البيع خرج على نجاسة الفأرة والصحيح أنها طاهرة تشبيها بالبيضة فان الطبية تلقي بطبعها في كل سنة واحدة والمسك كان احب الطيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يليق بالشرع تنجيس طرفه وقيل انه نجس لأنه جزء مبان من حي الثالث الديباج المنقش لا يدل أحد وجهيه على الآخر والأصح أن الكرباس يدل أحد وجهيه على الآخر وفيه وجه اعتبارا لأحد الوجهين بأحد النصفين المسألة الثالثة الرؤية السابقة كالمقارنة إذا كان الشيء مما لا يتغير غالبا خلافا لأبي القاسم الانماطي لان المقصود المعرفة فرعان أحدهما إذا اقدم على العقد على ظن انه لم يتغير على الغالب فكان قد تغير على الندور فيتبين بطلان العقد لتبين انتفاء المعرفة أم يكتفي بالخيار لبناء العقد على ظن فيه خلاف الثاني إذا قال المشتري تغير ولي الخيار وأنكره البائع قال صاحبالتقريب القول قول البائع إذ الأصل عدم التغيير وقال الخضري بل الأصل عدم لزوم الثمن والأول اصح التفريع على صحة بيع الغائب أربع مسائل الأولى إذا اشترى منديلا نصفه في صندوق لم يره قطع المزني بالإبطال فيما نقله نصا ومن الأصحاب من تكلف له وجها وهو أن إثبات الخيار في النصف تخصيصا محال والتعميم إثبات في المرئي فيؤدي إلى تناقض الحكم ومنهم من جعل هذا بيع غائب وهو الاقيس فان موجب الخيار في البعض تسليط على رد كل المبيع كالعيب بأحد العبدين فالتعميم غير ممتنع الثانية بيع اللبن في الضرع باطل فانه انضم إلى عدم الرؤية العجز عن تمييز المعقود عليه عن غيره إذا اللبن في العروق ينصب إلى الضرع وقت الحلب فيختلط به وكذلك لو رأى منه أنموذجا وغلط الفوراني إذ ذكر في الأنموذج وجهين نعم لو قبض على قدر من الضرع واحكم شده فوجهان منهم من حسم الباب لان الاطلاع على عدم الاختلاط غير ممكن والشد قد يكون سبب حركة الطبيعة وانصباب اللبن وكذلك إذا باع اللحم في الجلد قبل السلخ فهو باطل لأنه أن باع دون الجلد فلا يمكن تسليمه إلا بتغيير الجلد وبشقه ثقبه غالبا وان باع مع الجلد قطع الشيخ أبو علي بالبطلان ووجهه اتصال المقصود بما ليس بمقصود على وجه لا يمكن تحصيل المقصود إلا بتغيير وتصرف في الجلد بالسلخ والصحيح تخريجه على القولين أما بيع الروس والاكارع المسموطة مع النظر إلى الظاهر فجائز على القولين فان الجلد في حكم جزء يؤكل منه الثالثة إذا صححنا بيع الغائب فقد اتفق الاكثرون على انه لو قال بعت منك ما في كمي ولم يذكر الجنس لا يجوز وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة وفيه وجه منقاس انه يجوز بحصول التعيين بالإشارة ثم للأصحاب طريقان قالت المراوزة لا يشترط شيء سوى ذكر الجنس كقوله بعت العبد الذي في البيت فلو استقصى الأوصاف فهل يسقط الخيار لقيام الوصف مقام الرؤية فعلى الخلاف السابق قال العراقيون يشترط ذكر النوع مع الجنس قطعا وهو أن يقول عبدي التركي وهل يشترط استقصاء الأوصاف حتى ينعقد بيع الغائب على خيار الرؤية فعلى وجهين والطريقتان متباعدتان الرابعة يثبت الخيار في بيع الغائب بالرؤية وله الفسخ قبل الرؤية وفي الإجازة قبلها وجهان أظهرهما أنها لا تصح لان الرضا قبل حقيقة المعرفة ولو تصور لحصل بقوله اشتريت فليس في قوله أجزت زيادة عليه فرع لو رأى ثوبين ثم سرق أحدهما من البيت وهو لا يدري أن المسروق أيهما فاشترى الثوب الباقي فقد اشترى معينا مرئيا وقد وقعت المسألة في الفتاوى فقلت أن تساوى صفة الثوبين وقدرهما وقيمتهما كنصفي كرباس واحد صح العقد وان اختلف شيء من ذلك خرج على قولي بيع الغائب لأنه ليس يدري أن المشترى خمسة اذرع مثلا أم عشرة ورؤيته السابقة لم تفد العلم بقدر المبيع ووصفه في حالة البيع فلا اثر لها الباب الثاني في فساد البيع بجهة الربا المبيع إذا كان ربويا اشترط في عقده وراء ما ذكرناه من الشرائط السابقة في الباب الأول ثلاث شرائط التماثل بمعيار الشرع والحلول ونعني به منع الأجل والسلم ووجوب التقابض في مجلس العقد هذا إذا بيع الربوي بجنسه فإن بيع بربوي آخر يشاركه في العلة التي هي قرينة الجنسية يسقط اشتراط التماثل وبقي اشتراط التقابض والحلول وأنكر أبو حنيفة رحمه الله شرط التقابض إلا في عقد الصرف وان بيع بما لا يدخل في الربويات سقطت هذه الشرائط كلها ومعتمد الباب ما روى الشافعي رضي الله عنه بإسناده عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت عن النبي عليه السلام انه قال لا تبيعوا الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد أوجب عند التجانس ثلاثة أمور وعند اختلاف الجنس أوجب التقابض ونفي السلم بقوله يدا بيد والربا في النقدين عندنا معلل بكونهما جوهري الأثمان فيتعدى إلى الحلي وكل ما يتخذ منهما ولا يتعدى إلى غيرهما وكذلك عند مالك وقال أبو حنيفةمعلل بالوزن والجنسية وعلة الربا في الأشياء الأربعة عندنا الطعم والجنس وقال أبو حنيفة العلة مركبة من الكيل والجنسية ومذهب ابن المسيب أن العلة هي الطعم في الجنس والتقدير وهو قول قديم للشافعي رضي الله عنه والجنسية عندنا محل العلة فهي بمجردها لا تحرم النساء بل يجوز إسلام الثوبفي جنسه خلافا لأبي حنيفة ويجري الربا عندنا في دار الحرب خلافا له وإذا اشترى الشيء بأقل مما باعه نقدا صح العقدان عندنا وقال مالك بطل العقدان لأنه ذريعة إلى الربا وقال أبو حنيفة بطل العقد الثاني وأدلة هذه المسائل مستقصاة في الخلاف والنظر الآن إنما يطول في الربا الفضل فان التقابض وتحريم النسيئة فرعان له يجريان في كل عينين جمعتهما قرينة الجنسية من النقدية أو الطعم والكلام يتعلق بأطراف الطرف الأول فيما يجري الربا فيه بعلة الطعم وهو كل ما ظهر منه قصد الطعم وان ظهر منه قصد آخر ويدخل فيه الفواكه والأدوية ومنه الطين الأرضي وكذا الطين الذي يؤكل سفها على الصحيح وكذا الزعفران وان قصد منه الصبغ وكذا الماء فانه مطعوم وفي دهن البنفسج ودهن الكتان وودك السمك خلاف وقطع العراقيون بأن الربا لا يجري فيها لأنها لا تؤكل في حالها على عموم ولا على الندور بل دهن الكتان للاستصباح وودك السمك لطلي السفن أما دهن البنفسج قال العراقيون القول المنصوص فيه انه يجري فيه الربا لأن الناس لا يتناولونه ضنة به وفيه قول قديم مخرج ومن أصحابنا من أجرى الربا في الكل نظرا إلى الأصل الذي منه الاستخراج وإعراضا عن الحال الطرف الثاني في الخلاص من ربا الفضل والمطعوم ينقسم فالذي يعتاد تقديره تحصل المماثلة فيه بمعيار الشرع والعبرة فيه بعصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوزن مكيل في عصره ولا يكال موزون فإن فعل فلا أثر له في الصحة وان وجد شيء لا يعرف له معيار في عصره فخمسة أوجه أحدهما الوزن لأنه احصر الثاني الكيل لأنه أعم الثالث التخيير للتعادل الرابع يرجع إلى عادة أهل العصر وهو الأفقه الرابع يرجع إلى معيار اصله أن كان مستخرجا من أصل ويجوز الكيل بقصعة لا يعتاد الكيل بها كما يجوز التعديل بالوضع في كفتي الميزان وللقفال في الكيل بالقصعة تردد أما إذا باع صبرة بصيرة جزافا فهو باطل وإن خرجتا متماثلتين خلافا لزفر أما غير المقدر كالبطيخ والسفرجل والقثاء والبيض والجوز مما له كمال في حالة جفافه فلا يباع بعضه بالبعض في حالة الرطوبة أصلا وإن لم يكن له حالة جفاف فوجهان أحدهما جواز البيع بالوزن متساويا والثاني أنه لا يجوز إذ ليس للشرع فيه معيار ولا للعادة ثم إن جفف نادرا ففي بيع بعضه بالبعض وزنا وجهان مرتبان على حالة الرطوبة وأولى بالجواز ووجه المنع أن الجفاف نادر فيه غير مقصود فيلحق بحالة الرطوبة كأنه لم يوجد الجفاف والجواز أقيس الطرف الثالث في الحالة التي تعتبر المماثلة فيها وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا جف فقال السائل نعم فقال فلا إذا منع وعلل بتوقع النقصان بالنسبة إلى حالة الجفاف فدل على أن المطلوب التماثل بالإضافة إلى تلك الحالة فلا يباع الرطببالرطب والعنب بالعنب وان تماثلا لان تفاوت النقصان عند الجفاف لا ينضبط وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز بيع الرطب بالرطب والتمر بالتمر جميعا وما تختلف حاله من المطعومات ثلاثة الفواكه والحبوب والمعروضات على النار أما الفواكه فكل ما يجفف للادخار يحرم بيعه في حالة الرطوبة فروع أربعة أحدها الرطب الذي لا يتهمر فيه وجهان أحدهما منع البيع لأن له حالة جفاف على الجملة والرطوبة توجب تفاوتا والثاني الجواز لأنا فهمنا رعاية المماثلة في أكمل الأحوال وفي أشرف الأشياء والشرف في الطعم وكمال الحال في الرطوبة فيما يفسد بالجفاف وعلى هذا لا يجوز بيع رطبه بالتمر هذا مدلول كلام الأصحاب وينقدح جوازه كما جاز بالرطب الثاني المشمش والخوخ وما يجفف على ندور فيه ثلاثة أوجه أحدها المنع لأن له حالة جفاف والثاني الجواز لأن الرطوبة أكمل أحواله والثالث المنع رطبا ويابسا إذا لم يتقرر له حالة كمال وللعنب في الكمال حالتان الزبيب والخل الثالث يباع الزيتون بالزيتون واللبن باللبن وهي أحوال كمالها فإن الزيت والسمن وما إليه مصيرهما ليس من جنسهما الرابع يحرم بيع التمر بعد نزع النوى لأنه يفسد كماله وادخاره وللعراقيين فيه وجه واللحم يباع البعض بالبعض في حالة التعدد بعد نزع العظم ومع العظم لا لأن الإصلاح في نزعه وقيل إنه يجوز بيع اللحم في حالة الرطوبة باللحم لأن التقدير فيه كالنادر وقيل إن نزع العظم غير واجب وهو بعيد وأما المشمش والخوخ منهم من ألحقهما بالتمر ومنهم من ألحقهما باللحمفي وجوب نزع النوى أو منعه أما الحبوب فلا خلاص عن الربا فيها بالمماثلة إلا في حالة كمالها وهو أن يكون حبا فكمال البر في حالة كونه برا إلا أن تكون مقلية أو مبلولة أو كشكا مهرسا فان كل ذلك يفسد الادخار والأرز لا يبطل ادخاره بتنحية قشرته وفي الجاورش تردد فان خرج عن كونه حبا فلا خلاص فيها بالمماثلة كالدقيق والسويق والكعك والخبز وسائر أجزاء البر وللشافعي نصوص قديمة في أجزاء البر مضطربة ولكن قرار المذهب ما ذكرناه نعم السمسم وماله دهن من الحبوب يجوز بيع الدهن بالدهن منه متماثلا لأنه أيضا حالة كمال أما اللبن فكماله أن يكون لبنا ويباع الزبد بالزبد أيضا كما في دهن السمسم بدهن السمسم وكذا المخيض بالمخيض إلا أن يكون فيه ماء ويباع اللبن بالرائب المنعقد وان كان خاثرا إلا أن يكون معروضا على النار وأجزاء اللبن كالمصل والأقط والجبن لا يباع بعضها ببعض ولا بالمخيض ولا باللبن لمفارقة حالة الكمال وأجزاء اللبن كالدقيق والخبز مع البر أما المعروضات على النار فهي مفارقة لحالة الكمال ومنه اللحم المشوي والمطبوخ والدبس أما السكر والفانيذ والقند واللبأ وهو لبن عرض على النار أدنى عرض والعسل المصفى بالنار في كل ذلك خلاف لضعف أثر النار والعسل المصفى بالشمس حاله حال كمال وفاقا والصحيح جواز بيع العسل بالعسل وان عرض على النار لان ذلك للتمييز فهو كبيع السمن بالسمن فانه جائز وان كان لا يجوز بيع السمن بالزبد لان اثر النار عند ذلك يظهر التفاوت الطرف الرابع في اتحاد الجنس واختلافه والنظر في اللحوم والألبان والأدقة والأدهان والخلول والحلاوات أما اللحوم ففيها قولان أصحهما وهو اختيار المزني أنها أجناسلاختلاف الحيوانات وكيف يجانس لحم العصفور لحم الإبل والثاني أنها جنس لأنها اندرجت تحت اسم واحد لا يتميز بعضها إلا بالإضافة كأنواع التمر والعنب وعلى هذا في البري مع البحري وجهان لأنا قد لا ندرج الحوت تحت اسم اللحم في التمييز وان قلنا إنها أجناس فأنواع الغنم من الضأن والمعز جنس واحد وكذا أنواع الحمام من الدبسي والفواخت والبحريات جنس واحد إن أطلقناه أحللنا الكل بتسميتها حوتا وان لم ندرجها تحت اسم الحوت فهي أجناس فان قيل الكرش والكبد والطحال والرئة والأمعاء وما يختص باسم واحد خاص ما حكمها إن قلنا إن اللحوم أجناس فهذه مع اختلاف الأسامي أولى وان قلنا أنها جنس فهذا ينبني على اليمين فكل ما يحنث الحالف على تناول اللحم بتناوله فهو جنس اللحم وكل ما لا يحنث به ففيه وجهان لان اليمين يبنى على الاسم لا على حقيقة الجنسية والمذهب أن الحالف على اللحم لا يحنث بشيء من ذلك ويحنث بالروس والأكارع ولا يحنث بالشحم والإلية ويحنث بسمين اللحم وألحق المراوزة القلب باللحم وألحقه العراقيون بالكبد فان قيل هل يجوز بيع اللحم بالحيوان قلنا لا إذ ورد النهي فيه وذلك في بيع لحم الغنم بالغنم أما البقر وغير الغنم يبنى على اتحاد الجنس إن قلنا اللحوم جنس حرم وان قلنا أجناس فقولان أقيسهما الصحة إذ فهمنا تقدير اللحم بالحيوان إذا قوبل بجنسه إذ لو استرسلنا على العموم انجر إلى منع بيع اللحم بالحمار وبالعبد ونحن قد نخصص العموم بقرينة معنوية تفهم من اللفظ كتخصيصنا اللمس بغير المحارم وحرمان الميراث بمن ليس مستحقا للقتل حتى لا يحرم المقتص والجلاد أما الأدقة فهي أجناس مختلفة والمذهب أن الألبان كاللحوم لأنها أجزاؤها انحصرت منها والأدهان مختلفة وقيل يخرج على قولي اللحوم أما الدهن والكسب فجنسان كالسمن والمخيض والخلول كالأدهان وفي خل العنب وعصيره وجهان أظهرهما اختلاف الجنس وان كان ذلك بغير الصفة لان تغيير الصفة قد يجعل غير الربوي ربويا والظاهر أن السكر والفانيذ جنسي لان اصلهما القصب والتفاوت يسير الطرف الخامس في قاعدة مد عجوة وضبط القاعدة أن الصفقة مهما اشتملت على مال الربا من الجانبين واختلف الجنس من الجانبين أو من أحدهما فالبيع باطل ولأجله يبطل بيع الهروي بالهروي وبالنقرة وبالنيسابوري وكذلك بيع المعجونات والمخلوطات بعضها ببعض وكذلك الشهد فانه عسل وشمع وكذا الجبن ففيه ماء وملح وكذا خل الزبيب ففيه ماء وبيع مد ودرهم بمدين أو درهمين أو مد ودرهم باطل والأصل فيه ما روى فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقلادة فيها ذهب وخرزتباع بالذهب فأمر بنزع الذهب وقال الذهب بالذهب وزنا بوزن ولان ما في أحد الجانبين إذا وزع على ما في الجانب الثاني باعتبار القيمة أفضى إلى المفاضلة أو الجهل بالمماثلة وهذا المعنى يجري في اختلاف النوع فنص الشافعي على انه لو راطل مائة دينار عتق ومائة دينار رديء بمائتي دينار وسط بطل العقد وهذا مشكل مع تحقق المماثلة في الوزن بين العوضين ولكن التوزيع باعتبار القيمة يفضي إلى المفاضلة وكان إمام الحرمين يخالف المذهب في مسألة المراطلة ويبطل التعليل بالتوزيع ويعلل بالجهل بالمماثلة وذلك يجري عند اختلاف الجنس فروع ثلاثة الأول إذا باع خمسة دراهم مكسرة وخمسة صحاحا بعشرة مكسرة أو صحيحة فيه وجهان ذكرهما الأصحاب أحدهما البطلان كما في مسألةالمراطلة لأن القيمة تختلف بالصحة والتكسر والثاني الصحة إذ الغالب جريان المسامحة باشتمال الدراهم على مكسرات فصفة الصحة في محل المسامحة فهو خارج عن القصد بخلاف العتق والرداءة في الذهب بل هذا كاشتمال الصاع على تميزات رديئة لو ميزت لنقص قيمتها بالإضافة إلي غيرها ولا خلاف أن ذلك غير منظور إليه الثاني إذا باع الحنطة بالشعير وفي أحدهما حبات من جنس الآخر إن كان مقدارا يقصد اختلاطه أو تحصيله فهو مانع وإلا فلا وكذلك إن بيع الحنطة بالحنطة وفيهما تراب إن كان يظهر أثره في المكيال فباطل لأنه يتفاوت القدر وتجهل المماثلة ويرعى في الحبات من جنس الآخر ظهور قصد المالية لا النقصان في المكيال الثالث بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون باطل لان اللبن مقصود مع الشاة وفي بيع دار فيها جمة ماء بمثلها وجهان إذا قلنا الماء ربوي لان الماء لا يقصد عينه مع الدار واللبن مقصود مع الشاة وسوى أبو الطيب بن سلمة بين اللبون وبين مسألة الدار في المنع فان قيل ما الفرق بين التمر والشهد وفي التمر نوى كما أن في الشهد شمعا قلنا النوى من صلاح التمر وليس الشمع من صلاح العسل فلم يعد جزءا منه فان قيل إذا جوزتم بيع اللبن باللبن ولم تقدروه سمنا ومخيضا فلم منعتم بيع السمن باللبن وهلا قلتم لا يقدر السمن في اللبن كما لم يقدر إذا قوبل اللبن باللبن قلنا لان الجنسية معلومة بين اللبنين فلا يحتاج إلى تقدير ولا تمييز بين السمن والمخيض فيه حتى نحكم باجتماع الجنسين وإذا قوبل السمن باللبن لم يمكن إطلاق القول بالجنسية ولا باختلاف الجنس لأن فيه من جنسه فغلب جانب التحريم الباب الثالث في فساد العقد من جهة نهي الشارع عنه وعندنا أن مطلق النهي عن العقد يدل على فساد العقد إلا إذا ظهر تعلق النهي بأمر غير العقد اتفق مجاورته للعقد كقوله تبارك وتعالى { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } فحكم بصحة البيع في وقت النداء إذ علم قطعا أن النهي عن البيع لا لأمر راجع إلى عينه فانه غير محذور والمحذور ترك الجمعة وقد حصل البيع وهو غير متعلق بمقاصد البيع فلم يتأثر به فإذن المناهي قسمان القسم الأول ما لم يدل على الفساد وهي خمسة الأول نهيه صلى الله عليه وسلم عن النجش قال الشافعي ليس ذلك من أخلاق ذوي الدين والنجش هو الرفع والناجش من يطلب سلعة بين يدي الراغب فيها بأكثر من قيمتها وهو لا يريدها ليرغب فيها المستام فهذه خديعة محرمة ولكن العقد صحيح من العاقدين والإثم يلحق غيرهما ثم لا خيار إن لم تجر مواطأة من البائع وان جرى فوجهان أحدهما لا كما لا يثبت بالغبن في كل بيع والثاني نعم لأنه غبن استند إلى تلبيس فضاهى غبن المصراة وصورة تلقي الركبان الثاني قوله عليه السلام لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه ولا يسومن على سوم أخيه فإذا كان المتعاقدان في مجلس العقد فطلب طالب السلعة بأكثر من الثمن ليرغب البائع في فسخ العقد فهذا هو البيع على بيع الغير وهو محرم لأنه إضرار بالغير ولكنه منعقد لأن نفس البيع غير مقصودة بالنهي فإنه لا خلل فيه وكذلك إذا رغب المشتري في الفسخ لغرض سلعة أجود منها بمثل ثمنها أو مثلها بدون ذلك الثمن والسوم على السوم أن يطلب السلعة بزيادة على ما استقر الأمر عليه بين المتساومين قبل البيع وإنما يحرم على من بلغه الخبر فان تحريمه خفي قد لا يعرفه كل واحد بخلاف النجش فان تحريم الخداع جلي في الشرع ثم قالت المراوزة الخطبة على الخطبة أيضا محرمة كالسوم ولكن سكوت الولي ثم كالإجابة على أحد القولين كما ذكرناه في النكاح والسكوت في البيع لا يحرم السوم وقال العراقيون لا فرق بل التعويل على فهم الرضا بالقرينة في المسألتين فيحرم ذلك بعد فهم الرضا بالإجابة فيهما وهذا أفقه الثالث نهى صلى الله عليه وسلم عن أن يبيع حاضر لباد وهو أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصا فيقول له البلدي اتركه عندي لأغالي في بيعته فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير والبيع إذا جرى مع المغالاةمنعقد وهذا إذا كانت السلعة مما تعم الحاجة إليها فان كانت سلعة مما لا تعم الحاجة إليها وكثرت الأقوات واستغني عنه ففي التحريم وجهان يعول في أحدهما على عموم ظاهر النهي وحسم باب الضرر وفي الثاني على معنى الضرر الرابع قوله صلى الله عليه وسلم لا تتلقوا الركبان بالبيع فمن تلقي فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق وصورته أن يستقبل الركبان ويكذب في سعر البلد ويشتري بأقل من ثمن المثل فهو تغرير محرم ولكن الشراء منعقد ثم إن كذب وظهر الغبن ثبت الخيار وإن صدق فوجهان يعول في أحدهما على عموم النهي وفي الآخر على معنى الضرر فجامع هذه المناهي يرجع إلى عقد لا خلل فيه ويتضمن إضرارا ولأجله نهى عليه السلام عن الاحتكار وهو ادخار الأقوات للغلاء ونهى عن التسعير لان تصرف الإمام في الأسعار يحرك الرغبات ويفضي إلى القحط وقال العلماء يكره بيع السلاح من قطاع الطريق وبيع العصير من الخمار لأنه إعانة على المعصية والإضرار الخامس نهى عن التفريق بين الوالدة وولدها في البيع والظاهر أن الوالد في معنى الوالدة ولا يتعدى إلى غيرهما من الأقارب وفي الجدة احتمال ثم يختص بما قبل التمييز فلا يجري فيما بعد البلوغ وفيما بين السنين وجهان وفي فساد هذا البيع قولان أحدهما لا لأن النهي راجع للأضرار فيحرم ولا يفسد البيع إذ لا خلل في نفسه والثاني أنه لا ينعقد لان التسليم تفريق وهو محرم والممنوع شرعا كالممتنع حسا فيلحق بالعجز عن التسليم ويقرب من هذا بيع السلاح من أهل الحرب قال الأصحاب هو باطل لأنهم لا يعدون إلا لقتالنا فالتسليم إليهم إعانة محرمة وفيه وجه آخر أنه محرم وينعقد كالبيع من قطاع الطريق وهو منقاس ولكنه غير مشهور القسم الثاني من المناهي ما حمل على الفساد وذلك إما لتطرق خلل إلى الأركان والشرائط التي سبقت في البابالأول أو لأنه لم يبق للنهي متعلق سوى العقد منفصلا عنه فحمل على الفساد وهي ثمانية الأول نهيه عن بيع حبل الحبلة وله تأويلان أحدهما أن يبيع بثمن إلى اجل وهو وضع نتاج الناقة فإنه اجل مجهول يطرق جهلا إلى الثمن والثاني بيع نتاج النتاج قبل الوجود على عادة العرب وهو بيع ما ليس بمملوك ولا مقدور ولا معلوم الثاني نهيه عن بيع الملاقيح والمضامين والملقاح هو ما في بطن الأم والمضامين ما هو في أصلاب الفحول فهي غير مقدورة ولا معلومة الثالث نهيه عن بيع الملامسة وله تأويلان أحدهما أن يقول مهما لمست ثوبي فهو مبيع منك وهو باطل لانه تعليق أو عدول عن الصيغة الشرعية وقيل معناه أن يجعل اللمس بالليل في الظلمة قاطعا للخيار ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم وهو غير نافذ ونهى عن بيع المنابذة وهو في معنى الملامسة فالنبذ كاللمس وقيل معناه أن تتنابذ السلع وتكون معاطاة ولا ينعقد بها البيع عندنا الرابع نهى عن بيع الحصاة وهو أن يجعل رمي الحصاة بيعا أو يقول بعت منك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت أو بعت من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك فالكل فاسد لما سبق من المعاني الخامس نهيه عن بيعتين في بيعة ذكر الشافعي رضي الله عنه تأولين أحدهما أن تقول بعتك بألفين نسيئة أو بألف نقدا أيهما شئت أخذت به فاخذ بأحدهما فهو فاسد لانه إبهام وتعليق والآخر أن تقول بعتك عبدي على أن تبيعني فرسك وهو فاسد لانه شرط لا يلزم ويتفاوت بعدمه مقصود العقد وقد نهى مطلقا عن بيع وشرط وكذلك نهى عن بيع وسلف ومعناه أن يشترط فيه قرضا السادس نهى عن ثمن الكلب والخمر وهو معلل بالنجاسة فيتعدى إلى كل نجس عندنا وصحح أبو حنيفة رحمه الله شراء الخمر للمسلم بوكالة الذمي إذا باشره الذمي وهو وكيل السابع نهى عن بيع ما لم يقبض وعن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان وعن بيع الكالئ بالكالئ وسيأتي تفصيله ونهى عن بيع الغرر وعن بيع اللحم بالحيوان وقد ذكرناه وقد نهى عن ثمن عسب الفحل وذلك لانه غير مقدور على التسليم الثامن نهى عن بيع وشرط فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع والمفهوم من تعليله انه إذا انضم شرط إلى البيع بقيت معه علقة بعد العقد يتصور بسببها منازعة ويفوت بفواتها مقصود العاقد وينعكس على أصل العقد فيحسم الباب ولم يكن محذور هذا النهي منفصلا عن العقد فيدل على فساده أو فساد الشرط لا محالة ويستثنى من هذا الأصل حال الإطلاق ستة شروط الأول أن يشترط ما يوافق العقد كقوله بعت بشرط أن تنتفع به وتتصرف كما تريد لا يبقى علقة وكذلك إذا قال ألا يأكل إلا الهريسة ولا تلبس إلا الخز وما لا غرض فيه لانه ليس فيه علقة يتعلق بها نزاع يتغير به غرض فهو هذيان ساقط وهذا استثناء عن صورة اللفظ ولكنه منطبق على المعنى المفهوم الثاني شرط الخيار ثلاثة أيام فما دونه بشرط أن يكون معلوما وان لا يكون زائدا وسببه الحاجة لكثرة الغبينة وعرف ذلك بنص الأحاديث الثالث شرط المهلة في الثمن إلى ميقات معلوم عرف ذلك بالنص ويتأيد ذلك بالحاجة العامة الرابع شرط الوثيقة في الثمن بالرهن أو الكفيل أو الشهادة عرف ذلك بالنص ويعلل بعموم الحاجة لكي يعرف الكفيل بتعيينه والمرهون بتعيينهأن الغرض يتفاوت به ولا يشترط تعيين الشهود إذ لا يتفاوت الغرض وهل يشترط تعيين من يعدل الرهن على يده فيه وجهان ولو عين الشهود فهل يتعين فيه وجهان أحدهما يتعين كالكفيل والثاني لا كتعيين الميزان إذا لا أرب فيه فان قلنا لا يتعين فلا يفسد به العقد بل هو لاغ لا يتأثر العقد به ولو شرط أن يكون المبيع رهنا بالثمن قال الشافعي رضي الله عنه البيع مفسوخ قال الأصحاب ذلك يبنى على قولنا البداية في التسليم بالبائع او فان قلنا البداية بالبائع أو يجب التسليم عليهما فيتخيران بالمشتري أو يتساويان ليكون الشرط مغيرا مقتضى العقد وتعليله أن التسليم إذا وجب عليه بمقتضى العقد فاشترط أن يكون البيع رهنا في يده على الثمن فقد غير مقتضى العقد في إيجاب التسليمفيفسد وان قلنا البداية بالمشتري فوجهان أحدهما الصحة إذ لا مانع والثاني البطلان لان يد البائع يد ضمان وليس يد المرتهن يد ضمان بل يد أمانة فهما ضدان فلا يجمع بين حكميهما في حال واحدة والأول أظهر ثم هذه الشروط إذا صححت فلو امتنع المشتري عن الوفاء بالكفيل والرهن والإشهاد ثبت له الخيار في البيع ولو أجاب فامتنع البائع من قبول الرهن مثلا فيجبر أم يخير بين القبول وبطلان الخيار فيه تردد ذكره صاحب التقريب ويثبت الخيار مهما تلف المرهون قبل التسليم وكذلك إذا خرج العين المعين للرهن معيبا وهو لم يطلع عليه ولو تلف بعد القبض في المرهون فلا خيار ولو اطلع بعد فواته في يده على عيب ففي ثبوت الخيار في اصل البيع وجهان أحدهما لا لانه لم يتمكن من الرد والثاني نعم إذ بان أن ما سبق لم يكن وفاء بالملتزم فان قيل فهذه الشروط لو فسدت بجهالة أو غيرها أو ذكر شرطا ليس في هذه الأقسام المستثناة وحكم بفسادها فهل يفسد العقد وتبقى علته وذلك في الأجل والخيار وغيره وفي شرط الوثيقة قولان ووجه الفرق أنها أمور مستقلة منفصلة ففسادها لا يوجب فساد العقد بل يلغو والاقيس الأول لانه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع وشرط والمقصود بالنهي البيع فليفسد العقد بمطلق النهي ولان ما يستقل بنفسه إذا ضم إلى العقد تأثر به فاشبه الخيار والأجل وحكى صاحب التقريب والشيخ أبو علي نصا غريبا أن البيع لا يفسد بالشرائط الفاسدة بل يلغو الشرط كما في النكاح وحكاه أبو ثور أيضا عن الشافعي وهو بعيدة الخامس مما استثني عن النهي شرط العتق في المبيع لما روى أن بريرة قالت لها عائشة رضي الله عنها لو باعك أولياؤك لصببت لهم ثمنك صبا فقال السادة لا نفعل ذلك إلا بشرط أن تعتقك ويكون الولاء لنا فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام اشتري واشترطي لهم الولاء ثم قام خطيبا فقال ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله عز وجل في خطبة طويلة فأذن في ذلك ولا يأذن في باطل وأنكر هذا التكليف عليهم مع الإذن في الإجابة وخرج بعض الأصحاب قولا أن شرط العتق كسائر الشروط الفاسدة وهو القياس وهو مذهب أبي حنيفة ولكنه لا وجه له بتأييد القول الغريب به وهو أن العقد صحيح والشرط فاسد وتأويل الحديث انه إذن في العقد والشرط أما العقد فصحيح واما الشرط فغير لازم ولكن كان يثق بعائشة أنها تفي بالشرط تكرما وهذا أولى كي لا يكون مناقضا للقياس والتأويل بالقياس غير ممنوع ونص الشافعي رحمه الله على ما ذكرناه وهو موافقة الحديث في تصحيح الشرط والعقد أما المصير إلى فساد العقد فلا يعقل له وجه مع الحديث بحال ولو قال به قائلون والتفريع به على النص في صحة الشرط فعلى هذا لو شرط الولاء للبائع فوجهان أحدهما يصح وله الولاء لقصة بريرة رحمها الله وانه عليه الصلاة والسلام لا يأمر بفساد والثاني المنع فانه في غاية البعد عن القياس واحتمال تقدير مساهلة من الشارع في هذه المشارطة أهون من تشويش قاعدة القياس وهذا أيضا يشوش التعلق بالنص في اصل الشرط فليقبل النص جملة وتفصيلا فان قيل العتق المستحق بعد صحة الشرط لمن هو قلنا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هو حق الله تعالىكأنه التزم العتق بشرطه فاشبه النذر ومنهم من قال هو حق البائع لانه ثبت بشرطه ويبتنى عليه ثلاثة أمور أحدهما أنه هل تثبت له المطالبة فان قلنا حقه فنعم وان قلنا حق الله تعالى فوجهان أصحهما انه يملك الطلب إذ ثبت بشرطه وتعلق به غرضه وان كان لله تعالى فيه حق الثاني انه هل يسقط اللزوم بعفوه وان قلنا حق الله تعالى فلا وان قلنا حقه فوجهان إذ رب الحق لا يقبل الإسقاط إفرادا كالأجل ويطرد هذا في عفو مستحق الكفيل والرهن وعلى الاحتمالين لا يجري إعتاق المشتري إياه عن الكفارة لتعلق استحقاق الغير به الثالث إذا امتنع المشتري من الإعتاق ذكر صاحب التقريب قولين أحدهما ثبوت الخيار للبائع كما في الامتناع من الكفيل والرهن والثاني انه يجبر على العتق كما يجبر المولى على الطلاق وهذا يلتفت على انه حق الله تعالى فلا وجه لإسقاطه بفسخ البائع ولا بإجازته ورضاه بعدم العتق فرع لو مات العبد قبل اتفاق العتق فقد تصدى تفويت حق البائع من العتق إلى غير بدل أو إيجاب بدل بعد زوال ملكه وسلامة الثمن له فاختلف الأصحاب منهم من قال يفسخ العقد فيسترد الثمن ويضمن المشتري القيمة حذارا عن ارتكاب محال ومنهم من قال الانفساخ بعد القبض من غير سبب أيضا محال فيغرم المشتري قدر التفاوت بين قيمته مع الشرط وقيمته دون الشرط والثالث أن الغرم لا بد منه ولكن يغرم مثل نسبة هذا التفاوت من الثمن لا من القيمة بعينها وهذا أعدل الوجوه السادس إذا شرط في البيع وصفا ناجزا ليس يتوقف على إنشاء أمر بعده وذلك ينقسم إلى ما يرجع إلى عين والى ما هو وصف محض أما الوصف المحض فيصح شرطه كقوله بعت العبد على انه كاتب أو خباز ثم أن اخلف ثبت له الخيار أما ما يرجع إلى العين كقوله بعت الجارية على أنها حبلى وكذا البهيمة ففيه قولان أحدهما البطلان لانه يرجع إلى شرط إدراج الحمل في البيع فكأنه قال بعت الجارية وحملها بدينار فيلتفت على تفريق الصفقة ووجه الأول أن الحمل كالوصف في الحيوان أما إذا شرط في الشاة أن تكون لبونا منهم من قال هو كوصف الحرفة والكتابة فانه ليس بشرط وجود اللبن في الحال فاللبن يتحصل بصفة غريزية ناجزة واللبن من ثمرتها ومنهم من قال هو كالحمل فيخرج على القولين ولو شرط حشو في الجبة فهو من قبيل الحمل وأولى بالصحة لان الحشو يعلم وجوده والحمل يتردد فيه ولسنا نشترط رؤية حشو الجبة على قول منع بيع الغائب لان الجبة قد تقصد على هذا الوجه وكذلك لا نشترط أن يرى من الدار كل ضبة وسلسلة على باب لانه صار وصفا وتبعا أما إذا قال بعتك هذه الصبرة على أنها ثلاثون صاعا فالشرط صحيح فان خرج كذلك فلا كلام وان زاد لم يصح في الزائد وفي الباقي يخرج على قولي تفريق الصفقة وان نقص ففي صحته في ذلك القدر خلاف يلتفت على ما إذا قال بعت منك هذه النعجة فإذا هي رمكة ففي قول يعول على الإشارة وفي آخر يعول على العبارة وانما صححنا الشرط ولم نفسد العقد في الأصل لان كثرة الصيعان في حكم الوصف للصبرة فروع ثلاثة أحدها إذا قال بعتك ولم يذكر الثمن فسد والمبيع مضمون في يد المشتري أن قبضه وان لم يذكر الثمن لان البيع يقتضي بمطلقه طلب عوض وان قال بعتك بلا ثمن فهل ينعقد هبة ذكر القاضي قولين أحدهما نعم لانه أفاد معناه وهو التمليك مجانا والثاني لا لان اللفظ متهافت فان البيع يقتضي ثمنا فان قلنا لم ينعقد ففي الضمان على المشترى إذا قبض وجهان أحدهما يجب ككل شراء فاسد والثاني لا لان علة الضمان انه لم ينزل عنه إلا ببدل فليرد إليه او بدله وها هنا نزل عنه مجانا الثاني إذا استثنى حمل الحيوان عن البيع ففيه وجهان أحدهما الصحة كما لو كان الولد حرا فان بيع ألام صحيح على الظاهر والثاني لا لان المبيع معرض لغرر بسبب غير المبيع الثالث إذا قال اشتريت منك هذا الزرع بدينار على أن تحصده ليمن أصحابنا من قال يفسد لانه شرط فعلا في عقد فكأنه يبغي منه فعلا مع المبيع ومنهم من قال لا بل معناه اشتريت منك هذا الزرع واستأجرتك على حصاده بدينار فالدينار ثمن واجرة فهو جمع بين الإجارة والبيع فيخرج على قولي تفريق الصفقة في الجمع بين مختلفات الأحكام فان جوزنا الجمع بين البيع والإجارة على الجملة فهذا يلتفت على اصل آخر وهو أن أحد شقي عقد الإجارة على العمل في الزرع جرى قبل ملك الزرع والاستئجار على العمل في ملك الغير غير جائز فيخرج على وجهين فيما إذا قال لعبده كاتبتك وبعتك ثوبي هذا بألف فقال العبد قبلت واشتريت لانه جرى إيجاب البيع قبل أن صار العبد أهلا للبيع منه ولكن تأخر القبول عنه والمسألة محتملة هذا تمام القول في الشرائط الفاسدة وما فسد منها وافسد العقد قبل اللزومفان الملك وان لم ينقل ها هنا ألا أن المقابلة بالعقد حاصلة فلا ينقلب صحيحا بالحذف في مدة الخيار ولا في مجلس العقد خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وكذلك الجهالة المفسدة إذا رفعت في المجلس لم ينتفع أما الشرط الصحيح إذا الحق بالعقد في المجلس كالخيار والأجل أو زيادة الثمن والمثمن ففيه وجهان أحدهما المنع كما بعد اللزوم والثاني انه يصح لان المجلس كأنه حريم العقد وأوله وهذا يفسده قولنا أن حذف الجهالة في المجلس لا يغني فيعلل هذا التفريع على قولنا الملك غير منتقلفقبل العوض والزيادة والنقصان وهذا أيضا مشكل على قياس مذهب الشافعي رحمه الله في المنع من إلحاق الزوائد والشروط الباب الرابع في فساد العقد لانضمام فاسد إليه وهو المعروف بتفريق الصفقة وذلك له ثلاث مراتب المرتبة الأولى أن يجري في الابتداء كما لو باع ملكه وملك الغير في صفقة واحدة فسد في ملك الغير وفي ملكه قولان أحدهما الصحة لان الصحيح لم يتأثر بالفاسد فلا يفسد بمساوقته والثاني الفساد لعلتين أصحهما أن الصحيح تأثر به إذ صار ما يخصه من الثمن مجهولا وجميع المستحق ثمنا ينبغي أن يعلم وحصة ملكه من الجميع لم يعرف مبلغه فصار كما إذا قال بعت منك عبدي هذا بما يخصه من الألف لو وزع عليه وعلى قيمة عبد فلان والثانية أن الصيغة المتحدة إذا فسدت في بعض مسمياتها لم تقبل التبعيض وهذه العلة توجب الفساد بحكم التفريق في النكاح أيضا وان عللنا بجهالة العوض لم يجز في الرهن والهبة إذ لا عوض فيهما ولا في النكاح فان الجهل فيه بالعوض لا يفسد ولا فيما تتناسب أجزاؤه كعبد مشترك انفرد أحدهما ببيعه فانه يعلم أن النصف مشترى بالنصف والثلث بالثلث وكذا في سائر الأجزاء المتناسبة وان فرعنا على الصحة ثبت الخيار للمشتري فإن فسخ فذاك وان أجاز فبقسطه من الثمن وفيه قول آخر انه يخبر بكل الثمن حذارا من أن يكون مبلغ الثمن المستحق غير معلوم وكأن هذه زيادة فاسدة لم تقبل العوض كالعيب وهو بعيد والصحيح أن البائع لا خيار له وان أجيز بقسط من الثمن لانه سلم له كل بدل ملكه هذا إذا باع مملوكا ومعصوبا فان ضم إلى المملوك حرا فالخلاف مرتب والفساد أولى إذ تقدير قيمة الحر أبعد فإن ضم إليه خمرا أو خنزيرا أو كلبا فمر به على الحر والفساد أولى إذ لا بد من تقدير صفة خلقته لمعرفة القيمة ثم إن صححنا فقد قيل يقدر الخنزير نعجة والخمر خلا ليمكن تقويمه وهو بعيد بل الأصح أن تقدر قيمته على حاله عند من له قيمة عنده أما إذا ضم إلى الصحيح غائب مجهول لا مطمع في معرفة قيمته فيتعين إبطال العقد إلا على القول الضعيف في أن الإجازة تجري بكل الثمن فأما إن أجزنابقسطه لم نعرف مبلغه بحال فان قيل قطعتم بالبطلان فيما إذا قال بعتك عبدي بما يخصه من الألف لو وزع على قيمته وقيمة عبد آخر عينه وترددتم في هذه المسألة فما الفرق قلنا إن كان المتعاقدان عالمين بحقيقة الحال عند العقد بطل العقد إذ لا فرق هكذا قاله الشيخ أبو محمد وانما الخلاف عند الجهل إذ قد ظنا أن مبلغ الثمن معلوم حالة العقد وللظن تأثير في أمثاله كما سبق في نظائره في فصول علم المبيع ولا وجه إلا ما ذكره الشيخ أبو محمد رحمه الله المرتبة الثانية التفريق في الدوام وذلك بأن يتلف أحد العبدين قبل القبض على وجه ينفسخ فيه ففي الانفساخ في الباقي قولان مرتبان على العلتين والصحيح انه لا ينفسخ لان الجهل محذور في الابتداء والعقد الآن قد استقر وعلى هذا يأخذ الباقي بقسطه وقول التكميل ها هنا في نهاية الضعف لأن العقد قد سبق مقتضيا للتوزيع التفريع إن جوزنا تفريق الصفقة في الدوام فلو اشترى عبدين ووجد بأحدهما أو بهما عيبا وأراد إفراد واحد بالرد وهو المعيب فله ذلك ولو أراد ردهما جاز أيضا وان كان المعيب واحدا لانه لم يسلم له كل المشترى وفيه وجه انه لا يردهما إلا إذا كانا معيبين ولا خلاف في أنه لو أراد رد نصف عبد لم يجز لان التبعيض عيب في حق البائع وان فرعنا على القول الآخر فليس له إفراد أحد العبدين بالرد أن رضي البائع فوجهان أقيسهما المنع لان استحالة تفريق الصفقة الواحدة لا تختلف بالتراضي والثاني الجواز وكأن هذا القائل يعلل بتضرر البائع برجوع بعض المبيع إليه ولو كان الثاني تالفا فهل يمهل عذره في إفراد القائم فيه وجهان فان منعناه فلو ضم قيمة التالف إليه فهل يتمكن منه فيه خلاف مرتب على ما إذا أراد ضم ارش العيب الحادث إلى المبيع ورده بالعيب القديم وها هنا أولى بالمنع لان النقصان في حكم تابع والعبد مستقل بنفسه فلا يجعل تابعا للقائم فرع لو حكمنا برد قيمة التالف ضما الى القائم فتنازعا في مقداره فالقول قول المشتري لانه الغارم والاصل براءة ذمته ولو تلف أحد العبدين قبل القبض وقلنا يرد البائع ما يخصه دون الباقي فتنازعا ففيه قولان أحدهما أن القول قول البائع لانه الغارم برد بعض الثمن والثاني بل القول قول المشتري لانه الذي يسلم بعض الثمن للباقي والمنازع يرجع إلى مزيد فيه يدعيه البائع وينكره المشتري المرتبة الثالثة أن يجمع بين عقدين مختلفي الحكم في الفسخ والانفساخ كالإجارة والبيع أو النكاح والبيع أو الصرف والسلم الذي ينفسخ بالتفرق قبلالقبض مع غيره مما لا ينفسخ به أو السلم في جنس واحد إلى آجال أو في أجناس إلى اجل واحد فيه قولان مرتبان على المرتبة الثانية وأولى بالصحة إذ آحاد هذه العقود صحيحة فلا مانع في الجمع في الحكم ووجه الفساد أن انفساخ العقد في البعض لو جرى لانفسخ الباقي وذلك مترقب فان العقود المتفرقة لا تنتظم أحوالها في المآل فجعل المتوقع كالواقع وهذا بعيد جدا فان قيل إذا كان سبب الفساد تفرقا واقعا في صفقة متحدة فبم يعرف اتحاد الصفقة وتعددها قلنا إن اتحد البائع والمشتري والعوض اتحدت الصفقة وتتعدد بتعدد البائع قطعا وكذا بتعدد العوض فإذا قال اشتريت عبدك بدينار واستأجرت جاريتك بدرهم كانت الصفقة متعددة فإذا قال اشتريت العبد واستأجرت الجارية بدينار فعند ذلك تتحد وفي التعدد بتعدد المشتري مع اتحاد البائع وصيغة العقد والعوض قولان أحدهما القياس على البائع والثاني الفرق فان المشتري كالقائل الثاني على الإيجاب السابق فالنظر إلى من منه الإيجاب أما إذا اتحد الوكيل وتعدد الموكل أو على العكس فثلاثة أوجه أحدها النظر إلى الوكيل فانه العاقد والثاني إلى الموكل فانه من يقع العقد له والثالث أن النظر في الشراء إلى الوكيل لانه الذي يتعلق به العقد ظاهرا وفي البيع إلى الموكل لانه سفير لا يتعلق به حكم التفريع إن قلنا يتعدد بتعدد المشتري فلو قال لرجلين بعت منكما فقبل أحدهما دون الآخر ففيه وجهان أحدهما الصحة للتعدد والثاني المنع لان الجواب غير منطبق على الخطاب وقد التبس جوابهما جميعا وهذا بعيد إذ نص الشافعي رضي الله عنه على انه لو خالع زوجتيه فقبلت إحداهما صح مع أن فيه معنى التعليق والمعلق بصفتين لا يحصل بإحداهما ولا خلاف أنه لو قال لواحد بعت منك هذين الصاعين بدرهم فقال اشتريت أحدهما بنصف درهم لا يصح وإن فرعنا فعلى جواز تفريق الصفقة للخلل في القبول وعدم مطابقته للخطاب وقطع الشيخ أبو علي بأنه لو قال لعبده زوجت منك أمتي فقبل إحداهما صح النكاح وفرق بينه وبين البيع ولا ينقدح فيه فرق من حيث انتظام الجواب والخطاب ولكن النكاح أبعد عن قبول الفساد بانضمام فاسد إليه فان غايته أن يكون ضم الفاسد إليه كشرط فاسد والنكاح لا يفسد به ولعله رأى تعدد الصفقة بتعدد الزوجة فان منصبها منصب العاقد لا منصب المبيع إلا أن هذا التعليل تخدشه مسألة وهي انه لو اصدق امرأتيه عبدا ثم بان الفساد في نكاح إحداهما قال الشيخ أبو علي للزوج الخيار على التي صح نكاحها في نصف العبد حتى ينفسخ ويسلم مهر المثل حتى لا يتبعض عليه العبد قال وعرضت هذا على القفال فارتضاه ولا تنفك هذه المسألة عن احتمال فإن المرأتين كالمشتريين للعبد فلا يبعد تعدد الصفقة بهما وسنذكر انفراد أحد المشتريين بالرد إن شاء الله تعالى ولا خلاف أن أحد المشتريين لو وفى نصيبه من الثمن وقلنا الصفقة متعددة تسلم إليه حصته من المبيع وان قلنا الصفقة متحدة فهما كالمشتري الواحد وفيه إذا سلم بعض الثمن خلاف والظاهر انه لا يسلم إليه شيء من المبيع وان كان ينقسم كالحنطة مثلا ما لم يسلم تمام الثمن وفيه وجه أنه يسلم بقدره لأن الثمن متوزع على المبيع لا كالدين في حق المرهون فأما إذا كان لا ينقسم فلا خلاف في أنا لا نكلفه المهايأة في قدر ما سلم ثمنه لأن حق الجنس ضعيف لا يحتمل التسليم والاسترداد ولذلك يبطل بالإعارة القسم الثاني في بيان لزوم العقد وجوازه وهو أهم ما يذكر بعد بيان صحته وفساده والأصل في البيع اللزوم والجواز بأسباب خاصة فنعقد فيها ثلاثة أبواب الباب الأول في خيار المجلس الباب الثاني في خيار الشرط في خيار النقيصة الباب الأول في خيار المجلس وفيه فصلان الفصل الأول في مجاريه والأصل فيه قوله عليه السلام المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار قيل معناه ألا بيعا شرطا فيه الخيار فلا يلزم بالتفرق وقيل معناه ألا بيعا شرط فيه نفي خيار المجلس فيلزم بنفسه عند قومه ولما ثبت خيار المجلس بالحديث اختص بالبيع فكل ما يسمى بيعا من الصرف والسلم والإشراك أن شرك بينه وبين غيره بان يقول أشركتك في هذا البيع وهو مستعمل في البيع وكذلك التولية والصلح ثبت فيه الخيار قطعا ويستثنى أربع مسائل الأولى بيع شرط فيه نفي خيار المجلس وفيه وفي نفي خيار الرؤية والعيب ثلاثة أوجه أحدها لزوم العقد وصحة الشرط والثاني فساد العقد لفساد الشرط والثالث أن الشرط لاغ والعقد باق على مقتضاه الثانية كل بيع يستعقب عتقا كشراء الوالد وشراء العبد نفسه من سيده لا خيار فيه لانه ليس عقد مغابنة وقال أبو بكر الاودني يثبت الخيار في شراء القريب واستدل بقوله عليه السلام لن يجزي ولد والده حتى يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه فيدل على تعلق العتق باختياره وهو ضعيف الثالثة إذا باع مال الطفل من نفسه فقد قيل لا خيار لانه لا يعقل في الواحد اجتماع وتفرق والصحيح ثبوت الخيار لانه في معنى شخصين نعم الخلاف يتجه في أن خياره ينقطع بمفارقة مجلس العقد أم لا ينقطع ألا بصريح الإلزام لانه ملازم نفسه أبدا ثم لاشك في انه يثبت له خياران واحد له على طفله وواحد لطفله عليه الرابعة بيع الغائب وفيه وجهان أحدهما أنه كسائر البيوع والثاني لا لانه بصدد خيار الرؤية وكل واحد منهما خيار يشتهى فلا يجتمعان في عقد واحد والأول أظهر فان قلنا يثبت فوجهان أحدهما عند العقد وهو القياس والثاني عند الرؤية إذ قبلها لا يتصور حقيقة الرضا أما النكاح والرهن والهبة والكتابة وكل عقد جائز من الجانبين أو من أحدهما فلا خيار فيها لأنها ليست في معنى البيع وكذلك كل ما لا يسمى بيعا إلا في سبعة أمور أحدها الإجارة وفي ثبوت خيار المجلس والشرط فيها ثلاثة أوجه وجهالإثبات أنها صنف من البيوع ووجه المنع أنه يؤدي إلى تعطيل المنافع فمدة الخيار بخلاف البيع وفي الثالث يثبت فيه خيار المجلس إذ الغالب انه يتصرم على قرب فلا وزن لتلك المنفعة بخلاف خيار الشرط والمسابقة إذا قلنا إنها لازمة من الجانبين في معنى الإجارة ولكنها أبعد عن البيع قليلا أما الإجارة الواردة على الذمة فيثبت فيها الخيار إذ لا يحذر فيها فوات منفعة والإجارة بيع تحقيقا الثاني الإقالة ويثبت فيها الخياران على قولنا أنها ابتداء بيع الثالث الحوالة وفيها وجهان على قولنا حكم المعاوضة غالب على الاستيفاء ووجه المنع أن وجود معنى الاستيفاء غير منكر وان كان مغلوبا الرابع الهبة بشرط الثواب إن قلنا تنعقد بيعا ففيها وجهان كالخلاف في أنها هل تفيد الملك قبل القبض الخامس القسمة ولا يثبت فيها خيار الشرط على الأصح لانه لا مدخل للفظ فيه وفي خيار المجلس على قولنا إنه بيع خلاف وان كان قهريا فلاوجه لإثبات الخيار أصلا السادس الشفيع إذا بذل عوض المشفوع فما دام في مجلس بذل العوض هل يتخير في الرجوع وهي معاوضة محققة ولكنه قهري لا يتعلق باللفظ فيه وجهان ولا يثبت خيار الشرط بحال السابع الصداق والمشهور انه لا يثبت فيه الخياران وحكى الصيدلاني قولين لانه عقد مستقل بنفسه لا ينفسخ النكاح بفسخه فكل هذه المسائل منشأ التردد فيها التردد في أنها هل هي في معنى البيع لاشتمالها على المعاوضة والمغابنة فرع العاقد في الصرف إذا الزم في المجلس ثم فارق قبل القبض انفسخ العقد وعصى أن فارق دون إذن صاحبه فانه ابطل عليه حقا لازما وقال الشيخ أبو محمد لا يعصى لان علة القبض قائمة فلا يلزم ولا يثبت اللزوم قبل القبض ما دام في المجلس وان جرى صريح الإلزام والظاهر أنه يلزم وإن كان ينفسخ بفوات القبض الفصل الثاني في قواطع الخيار وهو قول أو فعل أما القول فهو كل ما يصرح به كقولهما اخترنا والتزمنا ورفعنا الخيار أو ما يتضمنه كالعتق والبيع على ما سيأتي وان انفرد أحدهما وقال التزمت لم يسقط خيار صاحبه ويسقط خياره على الأصح وفيه وجه من حيث إنه أثبت هذا الخيار للمتبايعين جميعا فلا يستقل به أحدهما أما الفعل فهو الافتراق وذلك بالشخص والروح والعقل أما التفرق بالشخص فهو أن يفارق صاحبه الى حد لو استقر فيه عدا خارجين عن مجلس التخاطب ثم يبطل خيار القاعد أيضا لانه قادر على مساوقته ولو تساوقا في مشي أو سفينة دام الخيار إلى الافتراق وفيه لطيف أنه لا يزيد على ثلاثة أيام فانه منتهى أمد الشرع في جواز البيع وتخصيص المجلس ها هنا جرى بناء على الغالب أما التفرق بالروح فهو بالموت وقد نص الشافعي رضي الله عنه على بقاء الخيار للوارث ونص في المكاتب إذا مات في مجلس العقد أنه وجب العقد فمن الأصحاب من تكلف فرقا وهو أن الخيار للوارث والمكاتب لا وارث له والسيد ليس وارثا تحقيقا فانقطع خيار المجلس بموته إذ لم يمكن نقله ومنهم من قال في المسألتين قولان منشؤهما أن المفارقة بالروح هل تنزل منزلة المفارقة بالشخص ومنهم من قطع بالبقاء في المسألتين للوارث وللسيد لأنه حق مقصود فلا يبطل بالموت كخيار الشرط نعم ينقدح الخلاف في أن الوارث إذا بلغه الخبر يدوم خياره بدوام مجلس بلوغ الخبر أم هو على الفور من حيث إن التفرق بالموت أبطل المجلس وبقي مجرد الحق فثبت اختياره على الفور والوجه الآخر أن الحق إذا بقي بقي بوصفه ومثل هذا الخلاف جار فيما إذا مات وقد بقي من مدة خيار الشرط يوم وبلغ الوارث الخبر بعد تصرم ذلك اليوم أن بقية المدة هل تبقى في حقه من حيث إ تعين إبقاء الحق فوصف المدة والمجلس بعد جريان الاختصاص فيه قد بطل أما العاقد الحي فينقطع خياره أيضا إن قطعنا خيار صاحبه وإلا فيبقى ويدوم إلى أن يستوفي الوارث خيار نفس إذا بلغه الخبر فإذا بطل خيار الوارث بطل خياره إذ ذاك وإلا فلا وقيل إن الحي لا يتصرف بالخيار بالفسح والإجارةقبل بلوغ الخبر إلى الوارث كي لا ينفرد أحد العاقدين وهو بعيد ولو أكره أحدهما على الخروج أو حمل قهرا ففيه وجهان يقربان من الموت وقيل إنه ينقطع بسقوط خياره إن كان مفتوح الفم فإنه قدر على الفسخ ولا وجه له فإن صدمة الحال قد تدهشه ثم إذا نفينا خياره فمهما عاد إلى اختياره كان كالوارث يبلغه الخبر ولا فرق بين أن يحمل أو يكره على الخروج وان فرقنا في اليمين على قول لأن هذا حكم منوط بصورة المفارقة وذلك يتعلق بالحنث والمخالفة وللقصد فيه مدخل وأما المفارقة بالعقل بأن جن أحدهما أو أغمي عليه فالظاهر أن الخيار يبقى للقيم والولي ولا يبطل بمفارقته بعد الجنون وفيه وجه مخرج من الموت أنه ينقطع إذ هذا الخيار بعيد عن قبول النقل وقد تعذر إبقاؤه للعاقد فرع إذا تنازع المتعاقدان في التفرق وجاءا متساوقين وقال أحدهما لم أفارقه بعد ولي الخيار فالقول قوله إذا الأصل عدم التفرق ولو تنازعا فقال أحدهما فسخت في المجلس وأنكر الآخر قال صاحب التقريب القول قول مدعي الفسخ لأنه تصرف يستبد به وقال غيره القول قول الآخر لأن العقد والتفرق معلومان وهو يدعي فسخا فعليه إثباته الباب الثاني في خيار الشرط وفيه فصلان الأول في حكمه في نفسه ومدته وفيه مسائل خمسة الأولى في آخر مدته ولا يزيد على ثلاثة أيام عندنا لأنه ثبت على خلاف القياس لحاجة دفع الغبينة إذ كان حبان بن منقذ يخدع في البيعات فشكا أهله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له قل لا خلابة واشترط الخيار ثلاثة أيام وقال أبو سيف لا حصر فيه أصلا وقال مالك يتعذر به إلا فيما لا يطلع عليه في ثلاثة أيام مما تغمض معرفته الثانية أول مدته وفيه وجهان أظهرهما أنه يحسب من وقت العقد والثاني أنه يحتسب من وقت التفرق لأن الجمع بين خيارين متجانسين لا يعقل ولأن الشارط يبغي الإثبات لنفسه في وقت يقتضي العقد لزومه وعلى هذا فلو صرح بشرط ابتدائه من وقت العقد انبنى على المعنيين فإن عللنا بمطلق إرادته ظاهرا فقد تغير بالتصريح وإن عللنا بأن اجتماع المتماثلين لا يعقل لم يثبت هذا الشرط وعلى الأول لو صرح باشتراط ابتدائه من وقت التفرق فالظاهر البطلان لأنه يصير مجهول الأول ثم إذا اجتمع الخياران فيرتفعان بقولهما ألزمنا وأسقطنا الخيار الجواز ولو خصصا أحد الخيارين بالإسقاط لم يسقط الآخر والوجهان وهو أن يعتبر من وقت العقد في أول مدة الأجل في الثمنجاريان لان الخيار أيضا يفيد قطع المطالبة وهو أولى بأن يحتسب من أول العقد لما بينهما من الاختلاف وأما مدة الإجازة أن حكمنا بثبوت خيار الشرط فيها ففي ابتدائها أيضا هذان الوجهان والأصح أنه من وقت العقد الثالثة معرفة قدر المدة التي لا بد منها فلو أجل الخيار بمجهول فسد ولم ينقلب صحيحا بالحذف بعده وكذلك لو أبهم بأن أثبت الخيار في أحد العبدين لا بعينه ولو شرط الخيار في واحد معين من عبدين فيخرج على تفريق الصفقة في الجمع بين مختلفي الحكم الرابعة من أثره إفادة سلطة الفسخ دون حضور الخصم وقضاء القاضي خلافا لأبي حنيفة وهل يؤثر في دفع الملك وبقائه للبائع فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يزول ملك البائع وهو مذهب أبي حنيفة لأن الرضا لم يتكامل مع الشرط الخيار والثاني يزول إذ ثبت الخيار على خلاف القياس دفع الغبينة فيثبت بقدر الضرورة ولا حاجة إلى إخراج البيع عن كونه مفيدا بسببه والثالث التوقف فمن استقر الأمر عليه بينا ملكه في الابتداء الخامسة إذا شرط الخيار لثالث ثبت له وهل يثبت لهما وفيه وجهان أحدهما لا اتباعا للشرط والثاني بلى لعلتين إحداهما أن مطلق الشرط يبنى على الثبوت للثالث بطريق النيابة فعلى هذا فلو صرح بالنفي انتفى والثانية أن ثبوته للغير لا يعقل استقلالا بل هو بطريق النيابة ضرورة فعلى هذا لو صرحا بالنفي لم يعقل الثبوتللثالث دون الثبوت لهما أما الوكيل المأذون في العقد بشرط الخيار إذا أطلق شرط الخيار ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يثبت للموكل لانه وقع العقد له والثاني للوكيل لانه العاقد والثالث لهما جميعا وأما خيار المجلس فيختص بالوكيل قطعا لانه الحاضر فلو كان الموكل في المجلس حجر على الوكيل في الخيار فإن قلنا عليه الامتثال رجع حقيقة الخيار إلى الموكل وإن قلنا لا يمتثل فإنه من لوازم السبب السابق وهذا وإن كان بعيدا أيضا ففيه تأمل للناظر الفصل الثاني في حكم الخيار في الطوارئ في مدته والنظر في الزيادات والتصرفات والوطء والتلف فالمتصلة منها تابعة والمنفصلة كالولد والكسب يسلم لمن حكمنا له بالملك في حالة الحصول في آخر الأمر فإن اقتضى تفريع أقوال الملك الحكم بالملك في حالة الحصول دون آخر الأمر أو على العكس فوجهان منشؤهما تعارض النظر إلى الحال والمآل أما التصرفات فالعتق إن صدر من المنفرد بالخيار نفذ وإن كان الخيار لهما وصدر من البائع نفذ لأن عتقه فسخ وهو مستبد به وإن صدر من المشتري لا بإذن البائع فإن قلنا لا ملك له لم ينفذ وان قلنا الملك له فوجهان يقربان من القولين في عتق الراهن إذ للبائع حق متعلق بالعين لازم فان قلنا ينفذ فالظاهر أنه لا يبطل خيار البائع ولكن في فائدته وجهان أحدهما أنه يفسخ العقد ويرجع إلى القيمة إذ العتق لا مرد له والثاني انه يرد العتق وكأنه نفذ بشرط ألا يرد وقيل إن خيار البائع يبطل لانه لا يقاوم قوة العتق كحق المرتهن من الاختصاص والبيع كالعتق وفي صورة الخلاف وجه مرتب عليه وأولى بأن لا ينفذ وإن نفذ فلا يتجه إبطال خيار البائع بل يتعين أن يسلط على فسخ البيع الثاني والأول إن شاء إذ البيع يحتمل الرد وان قلنا لا ينفذ العتق والبيع فهل ينفذ بإجازة البائع أما البيع فلا فإنه لا يقبل الوقت وفي العتق خلاف وإن قلنا ينفذ فيستند إلى وقت العتق أو من وقت الإجازة ينفذ فيه وجهان وهل يجعل التصرف المردود إجازة من المتصرف في جانبه فيه وجهان إذا فهمنا انه إجازة لانه واقع من ضرورته والرد جرى لحق الغير فرع لو اشترى عبدا بجارية والخيار للمشتري فله أن يستبد بعتق أيهماشاء على البدل لانه مستبد بالفسخ والإجازة فلو أعتقهما جميعا قال أبو حنيفة يعتقان وهو متناقض لأنه جمع بين الفسخ والإجازة فالوجه الترجيح وحكى الشيخ أبو علي وجها أنهما يتدافعان كالجمع بين أختين في النكاح واختار ابن الحداد وهو الأصح انه يرجح جانب العبد لانه إجازة للعقد فهو أولى من الفسخ ولان الصحيح أن العبد ملكه ومنهم من قال الجارية أولى لان الفسخ أقوى من الإجازة ولو فرعنا على أن الملك في زمان الخيار للبائع وهو بعيد في هذه الصورة فتكون الجارية معتقة أولى لاجتماع الملك وسلطان الفسخ أما الوطء إن صدر من البائع وله خيار فلا حد ولا مهر ولا تحريم لانه فسخ نص الشافعي رضي الله عنه عليه وخرج بعض أصحاب الخلاف وجها من إبهام العتق بين أمتين وانه لا يكون فسخا كما لو وطئ إحدى الأمتين ومن أصحابنا من قال تعرض بالوطء للتحريم وان جعلناه فسخا إذ كان من حقه أن يفسخ ثم يطأ وقطع الشيخ أبو محمد بنفي التحريم لجريان الملك مع الوطء غير متأخر عنه وقال لو رأينا الوطء رجعة لأحللناه في الرجعية أما المشتري فهو كالبائع في الإباحة وكونه إجازة إن لم يكن للبائع خيار وان كان له خيار حرم الوطء وحصلت الإجازة من جانبه على الأصح وقيل انه يحمل من جانبه على الامتحان كالخدمة ولو وطئ بإذن البائع لزم من جانب البائع أيضا وان كان بمرأى منه وهو ساكت فوجهان إذ السكوت عليه مع خطره حضور دليل على الرضا وأما الحد فساقط للشبهة والمهر حكمه حكم الكسب فإن جرى الإحبال مع الوطء فحرية الولد ونسبه ثابت للشبهة وقيمة الولد لها حكم الكسب والمهر وأمية الولد لها حكم العتق وأولى بالتنفيذ لأنه فعل وقيل خلافه لأن العتق حرية منجزة والترتيب متقادم وأما تلف المبيع فان كان في يد البائع انفسخ العقد وان كان في يد المشتري وقلنا الملك للبائع انفسخ العقد لان بقاء الملك أقوى من بقاء علقة اليد وان قلنا أن الملك للمشتري فوجهان ووجه الانفساخ بقاء علقه الخيار للبائع وحيث قلنا لا ينفسخ ففي بقاء الخيار وجهان أحدهما أنه لا يبقى لفوات المعقود عليه فيضاهي فوات الرد بالعيب عند فوات المبيع والثاني يبقى لأن الرد يعتمد المردود وها هنا الخيار يقوم بالعقد والعقد قائم وان قلنا ينفسخ وجبت القيمة على المشتري ويعتبر يوم القبض أو التلف حكمه حكم المستعار إن قلنا الملك للبائع وان قلنا الملك للمشتري يعتبر حالة التلف وان كان قبله ملكا له فإن قيل بماذا ينقطع الخيار قلنا بما يدل على الرضا من البيع والعتق والهبة مع القبض وكل تصرف مزيل للملك وكذلك بالهبة والتسليم مع الولد وان كان خيار الرجوع ثابتا لان ذلك استدراك بعد ثبات الملك ولا ينقطع الخيار بالهبة قبل القبض ولا بالبيع بشرط الخيار إن قلنا انه لا يزيل الملك ولا بالعرض على البيع والإذن في البيع فانه هم دون الإتمام بخلا ف الوصية فإنها تنقطع بالعرض على البيع لغاية الضعف ولا ينقطع الخيار بالتسليم والتسلم ولا بالاستخدام وركوب الدابة وينقطع بالوطء على الصحيح والأظهر أنه ينقطع بالإجارة والتزويج وقد تنخل منه أن الوصية أضعف من البيع بشرط الخيار وحق الشفعة والرد بالعيب أضعف من الوصية لانقطاعها بالتأخير وأما الرجوع عن الهبة فلا يحصل إلا بالتصريح وفي حصوله بالإعتاق خلاف فهذه مراتب الحقوق والله أعلم وأحكم الباب الثالث في خيار النقيصة وما سبق كان ثابتا على طريق التشهي وهذا الخيار لا يثبت إلا بفوات أمر مظنون ينشأ الظن فيه من التزام شرطي أو قضاء عرفي أو تغرير فعلي والنظر فيه ينقسم إلى بيان الأسباب المثبتة والموانع المبطلة السبب الأول الالتزام الشرطي وهو الأصل وما عداه ملحق به فمهما شرط وصفا يتعلق بفوات نقصان مالية لكونه خبازا أو كاتبا أو متجعد الشعر وغيره فإذا فقد ثبت الخيار للمشتري وان شرط ما لا غرض فيه ولا مالية فيه ككونه مشوه الخلق ألغى الشرط ولزم العقد كأن شرط ما فيه غرض ولا مالية كالثيابة في الجارية والكفر في العبد وهو في بلادنا ففيه تردد ووجه ظاهر السبب الثاني العيب وهو كل وصف مذموم اقتضى العرف سلامة المبيع عنه غالبا وقد يكون ذلكبنقصان وصف أو زيادته وقد يكون نقصان عين كالخصي أو زيادته كالإصبع الزائدة والخصي وإن زادت قيمته ولكن ما فات منه مقصود ويتعلق به مالية وإنها الزيادة الجب بالخبر لغرض آخر حصل به فلم ينفك عن نقصان والبول في الفراش والبخر الذي ينشأ من تغيير المعدة والصنان الذي يخالف العادة ولا يقبل العلاج عيب في العبيد والإماء خالف أبو حنيفة في العبيد واعتياد الأباق والسرقة والزنا عيب فيهما وقال أبو حنيفة الزنا هو عيب في الإماء دون العبيد واحتباس الحيض عيب في الجواري وكون الجارية أختا للمشتري أو ولده ليس بعيب وإن اقتضى ذلك تحريم الوطء أو حصول عتق لأنه نقص في نفس الجارية وثقل الخراج في الضيعة واعتياد الجند النزول في الدار عيب فيهما لقلة الرغبات بسببه وشق الأذن في الشاة ليس بعيب إن لم يمنع الأجزاء في الأضحية وحيث يمنع ألحقه صاحب التقريب بالخصي لأن فيه فوات غرض هذا كله في عيب تقدم وجوده على العقد أو على القبض فأما ما حدث بعد القبض فلا يرد به إلا إذا استند إلى سبب قديم كما إذا اشترى عبدا مرتدا فقيل إن كان في يد البائع فهو من ضمانه وإن قتل في يد المشتري فهل هو من ضمان البائع فيه وجهان وان كان عالما حال العقد بردته فوجهان مرتبان وأولى بألا يكون من ضمان البائع ووجه كونه من ضمان البائع قيام علقة الردة السابقة في الوجود على العقد أو القبض فإن قلنا لا ينفسخ فله أرش التفاوت بين المرتد والمسلم إن كان جاهلا عند العقد فان قيل هلا أبطلتم بيع المرتد وهو هالك حكما قلنا حكى الشيخ أبو علي وجها أنه باطل ولكنه بعيد لأن المالية في الحال محققة والعود إلى الإسلام ممكن نعم في العبد المستحق قتله في قطع الطريق وجه نظر أظهر منه أنه يمتنع بيعه إذ لا محيص من القتل والظاهر صحة بيعه أيضا نظرا إلى الحال أما إذا مات العبد بمرض تقدم على البيع ففيه طريقان منهم من ألحقه بالردة في كونه من ضمان البائع ومنهم من قطع بأنه من ضمان المشتري إذ المرض يتزايد والردة في حكم الشيء الواحد فأما إذا استحق قطع يده في السرقة فقطع بعد القبض إن قلنا إن المرتد من ضمان البائع فهذا أيضا من ضمانه حتى يطالب بأرش التفاوت بين الأقطع والسليم عند تعذر الرد وإلا فله الرد وان قلنا ليس المرتد من ضمان البائع فليس له ها هنا إلا التفاوت بين عبد استحق قطعه وبين المنفك عن هذا الاستحقاق والاقتراع بعد القبض بتزويج سابق على العقد حكمه حكم القطع السبب الثالث التصرية وفيه فصلان الأول في حد السبب قال عليه السلام لا تصروا الإبل ولا الغنم ومن اشتراها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ثلاثة إن رضيها أمسكها وان سخطها ردها ورد معها صاعا من التمر ومعنى التصرية أن يشد إخلاف الناقة ليجتمع فيها اللبن فيظن المشتري غزارة اللبن ولو تخلفت الناقة بنفسها ففيه وجهان مستندهما أن سبب الخيار فوات ظن استند إلى قرينة حالية حتى ينزله منزلة ظن السلامة إذا استند إلى العرف أومستنده تغرير العاقد بفعله ونزوله منزلة التزامه حتى ينزل منزلة شرط الغزارة وكل قائل يتشوف إلى التقريب من اصل متفق عليه من خيار العيب أو خيار الحلف والأخير أولى وقد اختلف الأصحاب فيما لو لطخ ثوب العبد بالمداد مخيلا انه كاتب أو صرى ثدي الجارية أو حفل الأتان أو علف الدابة حتى ربا بطنها وخيل أنها حامل ووجه التردد أن اعتقاد صفة الكتابة بمجرد المداد كاعتقاد الحمل بكبر البطن لقصور في العقل وأما الأتان فلبنها نجس وان قصد لاجل الجحش والجارية لا يرى ثديها غالبا فلا يقصد بها التغرير الفصل الثاني في حكم السبب وفيه مسائل ثلاثة إحداها أن الخيار على الفور أن عرف التصرية بعد ثلاثة أيام وان اطلع قبله فوجهان أفقههما أنه على الفور والتقدير في الحديث محمول على مهلة النظر للمعرفة إذ لا يتحقق عرفان جريان التصرية قبله غالبا الثانية الواجب صاع من التمر بدلا عن اللبن الذي كان في الضرع لدى العقد فان قيل هلا وجب رد العين أو المثل أو القيمة قلنا لا لان عين اللبن لا تبقى غالبا وان بقى فيمزج بأجزاء اجتمعت في الضرع بعد جريان العقد إلى تمام الحلب وإنما لم يكلف رد المثل لان القدر إذا لم يكن معلوما بمعيار الشرع كانت المقابلة من باب الربا وإنما قدر بالتمر لا من جنس النقد لفقد النقد غالبا ولان التمر يشارك اللبن في المالية وكونه قوتا وهو قريب منه إذ يؤكل معه في بلادهم نعم ولفهمهم هذا المعنى نص الشافعي رحمه الله على انه لو رد الشاة المصراة بعيب آخر سوى التصرية رد صاعا من التمر لأجل اللبن نعم قال قائلون يجب صاع من التمر أبدا وان زادت قيمته على قيمة الشاة مثلا بعيدا ومنهم من قال أن زادت على الشاة أو على نصفها لم توجب كمال الصاع فأنا نعلم انه عليه السلام قدر به لانه وقع في ذلك الوقت قريبا من قيمةاللبن المجمع في الضرع فعلى هذا يعدل بالقيمة فيقدر قيمة شاة وسط وقيمة صاع وسط في أكثر الأحوال فإذا قيل هو عشر الشاة مثلا أوجبنا من التمر ما قيمته عشر الشاة الثالثة لو أخرج بدل التمر زبيبا أو قوتا آخر ففيه تردد منهم من اتبع التوفيق ومنهم من رآه في معناه سواء كما في صدقة الفطر وقد ورد في بعض ألفاظ المصراة لفظة الحنطة وترددوا أيضا في أن صاعا من التمر هل يجب في رد الجارية المصراة إذا رأينا ردها فمن صائر إليه تعبدا وممن قائل إن لبنها على حاله غير مقصود فإن قيل إذا فات اللبن الكائن في الضرع وهو بعض المعقود عليه فهلا خرج رد الشاة دونه على تفريق الصفقة قلنا لا لانه لا يقابله قسط من الثمن على رأي فهو في حكم وصف لا يوجب زواله عيب الباقي بخلاف العيب الحادث وان قلنا يقابله قسط من الثمن فلا وجه لمخالفة الحديث فليؤيد به قول جواز تفريق الصفقة فإنه المختار سيما في الدوام القسم الثاني في مبطلات الخيار ودوافعه وهي خمسة المانع الأول شرط البراءة من العيوب وقد قضى عثمان رضي الله عنه ببراءة البائع عن كل عيب لم يعلمه دون ما علمه وكتمه وكلام الشافعي رضي الله عنه يدل في ابتداء الباب على موافقته وقال في آخر الباب لولا أثر عثمان رضي الله عنه لكان القياس أن يبرأ عن الجميع أولا يبرأ عن الجميع فقال الأصحاب كلام الشافعي رضي الله عنه مردد بين ثلاث احتمالات فهي ثلاثة أقوال أحدها أنه يبرأ لأن مستند الخيار أنه ملتزم للسلامة بمطلق العقد عرفا وقدرا وقد انتفى موجب الإطلاق بالتصريح ومنهم من علل ذلك بالحاجة لخفاء العيوب حتى خصص فريق بالحيوان لكثرة عيوبه وقطعوا في غيره ببطلان الشرط ومنهم من سوى والثاني أنه لا يبرأ لان هذا خيار ثبت شرعا فلا ينتفي شرطا ولأنه إبراء عن مجهول لا يدرى وعلى العلتين انبنى خلاف فيما إذا عين عيبا وابرأ عنه والثالث انه يبرأ عما لم يعلمه لان الحاجة متحققة فيه دون ما كتمه واختلفوا على هذا في أن ما تيسر الاطلاع عليه هل يلحق بما علمه لتقصيره في عدم البحث واختلفوا في أن قول صحة الشرط هل يجري في عيب يحدث بعد العقد وقبل القبض من حيث انه بعد لم يوجد سببه ثم مهما فسد هذا الشرط ففي فساد العقد به قولان نبهنا عليهما فيما قبل المانع الثاني من الرد التقصير وذلك بالتأخير والانتفاع فان كان العاقد حاضرا فليرد عليه كما اطلع على العيب في الحال وان كان غائبا فليشهد على الرد اثنين فان عجز فليحضر مجلس القاضي مبادرا وليخبره بالرد فان رفع إلى القاضي والخصم حاضر فمقصر وان كان الشهود حضورا فرفع إلى القاضي فوجهان إذ في الرفع إلى القاضي مزيد تأكيد ولو كان المعيب دابة فركبها في طريقه إلى القاضي أو عبدا فاستخدمه بطل حقه وكذلك إن حمل الدابة إكافا أو سرجا فليحطمها كما عثر على العيب ولا يجب حل العذار فهو في محل التسامح وكذلك لو عسر سوق دابة وقودها جاز الركوب وعلى الجملة مدرك التقصير العرف وذلك ظاهر فرع إذا بطل حقه بالتقصير فلا أرش له بخلاف ما لو تعذر الرد بسبب ولكن لو تراضيا على الأرش مع إمكان الرد ففيه وجهان أحدهما أن ذلك جائز إذ الحق لا يعدوهما والثاني لا إذ لا تقابل سلطنته الخيار بعوض وما فات بالعيب قوبل بغرامة عند عسر الرد لضرورة العجز عن تدارك الحق بطريق أقرب منه والمعنى بالأرش حيث نوجب أن يعرف قدر النقصان بسبب العيب وينسب إلى تمام القيمة فإن كان عشر القيمة رجع إلى عشر الثمن والقيمة معتبرة لمعرفة النسبة لا لإيجاب عينها المانع الثالث هلاك المعقود عليه حسيا بالتلف أو حكما بالعتق والاستيلاد فإذا اطلع بعد الفوات فلا رد إذلا مردود وتعين الحق في الأرش وهو جزء من الثمن كما سبق وهل يبرأ عن ذلك الجزء من الثمن بمجرد الاطلاع أم يتوقف على طلبه فيه تردد وميل القاضي إلى انه لا يتوقف على الطلب بخلاف ما لو قدر على الرد فان الفسخ لا يحصل دون طلبه ومن الأصحاب من قال كما بقي له طريق الرضا بالمعيب بكل الثمن مع البقاء يبقى له ذلك بعد الفوات فلا بد من الطلب فان قيل لو كان قد استوفى الثمن وطلب المشتري الأرش فهل يتعين حقه في عين الثمن أم يجوز للبائع الإبدال قلنا فيه تردد للأصحاب إذ يحتمل أن يقال المعيب في مقابلة كل الثمن إن رضي به وإلا فهو في مقابلة بعضه فيخرج ذلك البعض عن المقابلة وتعين لاستحقاقه وهو ظاهر كلام الأصحاب وكأن المقابلة تغيرت ولكن جوز ذلك مهما استند إلى سبب في اصل العقد وان كان لا يجوز ذلك بالتراضي عند إلحاق زيادة بالثمن بعد اللزوم ويحتمل أن يقال هذه غرامة وكأن البائع جعل معيبا لملك المشتري إذ العقد الواحد لا يقتضي مقابلتين في حالتين ويشهد له أن مشتري الجارية بعبد معيب يعلم عيبه يستحل وطأها ولو كان جزء منه لغرض العود إلى بائع الجارية لو اطلع على عيب العبد لا ورث توقعه شبهة وهذه المباحثة من دقيق الفقه فلتفهم فرع لو تلف أحد العوضين في بيع العبد بالجارية فمن وجد عيبا بالقائم رده ورجع إلى قيمة المعوض الفائت اعتمادا في الرد على قيام المردود ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما وقلنا يمتنع إفراد أحد العبدين بالرد لتفريق الصفقة رجع بالأرش والقيمة المعرفة لنسبة الارش حيث يرجع إلى الارش قيمة يوم العقد أو قيمة يوم القبض فيه ثلاثة أقوال أحدها يوم العقد فانه يوم الاستحقاق والثاني يوم القبض لانه يوم الضمان والثالث اقل القيمتين نظرا لجانب المشتري المانع الرابع زوال الملك عن البيع يمنعه من الرد في الحال فلو عاد إليه بان باع فرد إليه بالعيب فله الرد على الأول لان العائد هو الملك الأول وان عاد إليه ببيع مستأنف فإن رد على الأخير حتى إذا رد عليه على الأولجاز وان ابتدأ بالأول ورد عليه فوجهان وكذلك لو عاد إليه بهبة فوجهان مرتبان وأولى بالجواز إذ في البيع قدر على الرد على الثاني حتى يرد على الأول بعد العود إليه بالرد ومنشأ الوجهين أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد ويجري ذلك في رجوع شطر الصداق بالطلاق وفي رجوع البائع إلى السلعة بعد إفلاس المشتري بالثمن فمن قائل رد ما اشترى كما اشترى ومن قائل ليس هذا الملك الذي ينقصه ما استفاد منه بل استفاده بالهبة وإنما ذلك الملك قد زال ولم يعد فصار كما إذا فات ثم إذا منعناه من الرد ثبت له الارش وان كان ذلك في ملك الغير وامتنع الرد في الحال ولكن قلنا لو عاد لقدر على الرد ففي جواز المطالبة بالارش في الحال لوقوع الحيلولة وجهان يقربان من القولين في شهود الأموال إذا رجعوا لان الحيلولة واقعة في المسألتين وتوقع الوصول إلى أصل الحق مرجو فيهما والأصح جواز طلب البدل في الحال فرعان أحدهما لو رضي المشتري الثاني بالعيب فالأصح أن للأول المطالبةبالارش فان تبرع غيره عليه لا يلزمه التبرع على غيره الثاني إذا كان عوض المردود خارجا عن الملك وعائدا فالأصح أن ذلك لا يضر وجها واحدا لان عود ذلك يجري قهرا فيرجع إلى عينه ولأنه لو تلف لرجع إلى قيمته جبرا له والآن هو بعينه قائم فهو أولى بأن يكون جائزا المانع الخامس العيب الحادث يمنع من الرد بالعيب القديم لان جانب البائع أيضا يصان عن الضرر الحادث كما صين جانب المشتري عن القديم فمسلك التدارك أن يضم المشتري أرش العيب الحادث إليه ويرد أو يغرم البائع أرش العيب القديم حتى لا يرد فإن اتفقا على أحد المسلكين فذاك وان تنازعا في التعيين فثلاثة أوجه أحدها أن البائع متبوع لان الأصل ألا يلحقه درك أصلا إلا إذا لم يتضرر والثاني المشتري متبوع لان الأصل إن تمام الثمن لا يلزمه إلا بمبيع سليم والثالث أن من يدعو إلى ارش العيب القديم أولى لأن استرداده يستند إلى اصل العقد أما ملك الارش عن العيب الحادث فجديد لا مدخل له في العقد فان قيل لو زال العيب الحادث بعد اخذ الارش عن القديم هل يعود حقه في الرد قلنا فيه وجهان أحدهما بلى إذ الارش مأخوذة للحيلولة الناجزة والثاني لا لوقوع الرضا بالعيب فان لم يقبض بعد ولكن قضى القاضي بالارش فوجهان مرتبان وأولى بأن يعود الحق أما إذا لم يطلع حتى زال العيب الحادث فالمذهب جواز الرد بالعيب القديم هذا إذا لم يكن للعيب الحادث أمد ينتظر زواله فإن كان له أمد كعدة الوطء بالشبهة إذا طرأت على الجارية فانه عيب فلو اطلع على العيب ولم يرد في الحال منتظرا زواله ففيه وجهان أحدهما أنه يبطل حقه إذ قدر على طلب الارش والثاني لا لكونه معذورا في الانتظار فروع ثلاثة أحدها لو أنعل الدابة ثم اطلع على العيب فلينزع النعل وليرده إن كان لا يتعيب بالنزع وليس يلزم البائع قبول النعل وان كان يعيبه فله الرد وعلى البائعقبول النعل فانه تابعا ولو قال المشتري لا اسمح بالنعل وأطلب الارش لم يكن له ذلك فإنه كالمحتقر في مؤنة الرد نعم تردد الأصحاب في أن ذلك إعراض عن النعل أو تمليك حتى لو سقط فهو للبائع أو المشتري وهو محتمل أما إذا صبغ الثوب وزادت قيمته فله الرد بالعيب القديم إن لم يطلب قيمة الصبغ وليس للبائع الامتناع وان طلب قيمة الصبغ فهل يجب على البائع ذلك مع رد الثمن وجهان والفرق إن النعل تابع والصبغ مقصود ولا يسمح به فإن قلنا لا نكلفه قيمته فهو كعيب حادث فتعود الأوجه الثلاثة في أن تمليك أرش عيب حادث أولى أم غرم أرش العيب القديم ولم يذهب أحد إلى أن المشتري يبقى شريكا بالصبغ لأن المشتري يتضرر بذلك بخلاف الغاصب إذا صبغ فإنا نبقيه شريكا ولا نلتفت إلى تضرره لعدوانه أما إذ اشترى رجلان عبدين ففي انفراد أحدهما برد نصيبه قولان ووجه المنع تفريق الصفقة إن قلنا إنها تتحد مع تعدد المشتري أو عيب التبعيض على البائع إذا عاد إليه النصف وإذا عللنا بهذا جوزنا الرد فيما لا ينقصه التبعيض والمقصود أنا لو منعناه من الأفراد فاشترى نصيب شريكه واخذ برد الكل دافعا عنه ضرر التبعيض ويطالب بقيمة النصف فهل يجبر البائع عليه فيه وجهان كما في الصبغ الثاني اشترى حليا وزنه ألف درهم بألف حدث به عيب انكسار واطلع على عيب قديم فلو ضم إليه أرش العيب الحادث لاسترد ألفا ورد ما يزيد عليه وهو عين الربا ولو كلف البائع أرش العيب القديم لصار الألف بعد حط الارش في مقابلة الألف فهو ربا فقال ابن سريج هذا عقد تعذر إمضاؤه فينفسخ ويسترد الثمن ولا ترد الحلي بل يغرم قيمته غير معيب بالعيب الحادث بالذهب إن كان الحلي من الفضةأو بالفضة إن كان من الذهب فرارا من ربا الفضل وهذا يستمد مما نفرد من أن الارش يتعين في الثمن ويتعين المقابلة بأخذه وقال صاحب التقريب بل يغرم البائع أرش العيب القديم فإن ذلك الأرش غرم في مقابلة العيب وكأن البائع هو المعيب وهذا إشارة إلى أنه لا يتعين في الثمن وقال العراقيون بل يغرم المشتري أرش العيب الحادث ويرد ولا مقابلة إلا بين الثمن والحلي وهما متوازيان وهذه غرامة عيب حدث في يد المشتري مضمونا وهذا أيضا بعيد لان الارش كالبدل عن ذلك الجزء من المعقود عليه الذي فات بالعيب حتى يرد الفسخ عليه فتتناوله المقابلة فتحصلنا على احتمالين في حقيقة كل واحد من الأرشين وأنه غرم مبتدأ أم هو من مقابلة المعقود عليه والمشهور ما أشار إليه ابن سريج فيهما جميعا الثالث إذا قور البطيخ وكسر الجوز والرمان والبيض واطلع على عيب باطن فإن زاد في الكسر على حاجة المعرفة فعيب حادث وإن اقتصر فثلاثة أوجه أحدها أنه عيب حادث وهو ظاهر النص والثاني أنه يرد من غير أرش إذ يستحيل أن يبطل رده بطريق الاطلاع والاطلاع سبب الرد والثالث وهو الأعدل أن استقلاله بالرد لا يبطل ولكن يضم أرش الكسر حتى لا يتضرر البائع أيضا أما إذا لم يبق له بعد الكسر قيمة كالبيضة المذرة قال الشافعي رضي الله عنه يسترد كمال الثمن فقال الأصحاب معناه انه يسترد أرش النقصان ولكن أرش النقصان كمال الثمن إذا لم يبق له قيمة وفائدته أن القشرة تبقى مختصة بالمشتري فتبقى الطريق عنهما والوجه أن يقال تبين أن العقد باطل إذ ورد على غير متمول وهو تأويل كلام الشافعي رضي الله عنه والقشرة مختصة بالبائع فإن فرض له قيمة قبل الكسر للنقش ولعب الصبيان فقد بطلت المالية الآن فإن قلنا إن طريق الاطلاع من عهدة البائع حتى لا يجب به أرش فها هنا أيضا ينقدح معه استرداد تمام الثمن ويجعل كأنه لم يشتر إلا ما بقي بعد الإطلاع وإن جعل ذلك من ضمان المشتري فلا ينقدح معه استرداد تمام الثمن هذا تمام القول في لزوم العقد وجوازه واختتام القسم بثلاثة فصول الفصل الأول في حقيقة الرد والفسخ وهو عندنا رفع العقد من وقته ولذلك لم يمتنع الرد بالعيب بالزوائد المنفصلة ولا بوطء الثيب وقال أبو حنيفة رحمه الله هو رفع للعقد من أصله ولأجله خالف في وطء الثيب والزوائد المنفصلة أما الفسخ قبل القبض ففيه وجهان أحدهما أنه رفع من أصله لأن العقد بعد ضعيف لم يتكامل وعلى هذا نقول الزوائد الحاصلة قبل القبض تنقلب بالفسخ إلى البائع والثاني انه رفع من وقته كما بعد القبض وعلى هذا فالزوائد تبقى للمشتري فإن قلنا تنقلب بالفسخ إلى البائع فله حبس الزوائد للثمن إذا قلنا له حبس المبيع لانه يتوقع التعلق به وان قلنا تسلم للمشتري فليس له فيه حق الحبس فان قيل وما وجه رجوع الزوائد إلى ملك البائع وقد حدثت في ملك المشتري كما بعد القبض قلنا لأجله قال فريق لا يرجع إليه والقائل الآخر يتعلق بما روي انه عليه السلام سئل عن غلة المبيع تسلم للمشتري بعد الفسخ وبعد القبض فقال الخراج بالضمان أي هو على خطر الضمانبالقبض فالغنم بالغرم ومفهومه أنه لا يسلم قبل القبض له والقائل الأول يتبع القياس ويقول ذلك علة لمنع الرجوع ذكره لقطع استبعاد السائل وقبل القبض لا يرجع لعلة أخرى وهو أنه حدث من ملكه والحكم قد يعلل بعلتين الفصل الثاني في حقيقة الإقالة وفيه قولان الجديد أنه فسخ لان اللفظ ينبئ عنه ولأنه جائز قبل القبض وفي المسلم فيه والبيع لا يجوز والقديم أنه بيع جديد وليس له وجه وان تكلفنا له تقريرا في كتاب البسيط في المذهب فرع لو كان المبيع تالفا ففي جواز الإقالة على الجديد وجهان أحدهما المنع كالرد بالعيب فانه يمتنع بعد الفوات والثاني الجواز فإن العقد معتمد الفسخ وهو قائم والرد يعتمد المردود وهو هالك فإن كان الهالك أحد العبدين ففي جواز الإقالة وجهان مرتبان وأولى بالجواز إذ القائم يستتبع الهالك وإن كانا قائمين فأراد إفراد أحدها بالفسخ فليلتفت على تفريق الصفقة والمذهب جوازه لا سيما في الدوام الفصل الثالث في النزاع في الرد بالعيب فإذا قال المشتري هذا العيب قديم وقال البائع بل هو حادث فالقول قول البائع لان الأصل السلامة ولزوم العقد فلو حلف ثم جرى الفسخ بعده بتحالف فأخذ يطالب المشتري بأرشه وزعم أني أثبت حدوثه بيميني لم نمكنه لان يمينه صلحت للدفع عنه فلا يصلح لشغل ذمة المشتري بل للمشتري أن يحلف الآن على أنه ليس بحادث ثم قال الشافعي رضي الله عنه يحلف أني بعته وما به عيب فقال المزني بل يزيد ويقول بعته وأقبضته وما به عيب فقال الأصحاب أراد الشافعي رضي الله عنه ما إذا لم يدع المشتري إلا عيبا قبل العبد فيكفيه يمين على مطابقة ضد الدعوى قال ابن أبي ليلي كيف يحلف على البت ما به عيب فلعله كان ولم يعرفه فليحلف على نفي العلم قال الأصحاب بل يحلف على البت كما قال الشافعي رحمه الله كما يشهد على الملك والإعسار ونفي وارث سوى الحاضر وكل ذلك على النفي يعرف بطول الخبرة بل أمر اليمين أسهل ولذلك ثبت الحلف على اعتماد حظ أبيه فلا يشهد به فإذا لم يعرف عيبا جاز له أن يطلق اليمين لأجل الحاجة فرع لو توافقا على وجود بياضين بالعبد أحدهما قديم والآخر حادث وقد زال أحدهما وتنازعا في أن الزائل هو القديم أو الحادث فدعواهما على التعارض والقول قول البائع لأن الأصل هو اللزوم القسم الثالث من كتاب البيع في حكمه قبل القبض وبعده والنظر في القبض يتعلق بثمرته وحكمه ثم بصورته وكيفيته ثم بصفته في الوجوب والإجبار عليه النظر الأول في ثمرته وحكمه وله حكمان الحكم الأول نقل الضمان إذ المبيع عندنا وعند أبي حنيفة رحمه الله في ضمان البائع قبل القبض على معنى أنه ينفسخ العقد بتلفه ويسترد الثمن وقال أبو ثور هو من ضمان المشتري بمجرد العقد واليه ذهب مالك رحمه الله ولكن فيما يشترى جزافا لا تقديرا هذا إذا تلف بآفة سماوية فإن أتلفه المشتري فهو قبض من جهته مقرر للعقدوإن أتلفه أجنبي فطريقان قطع العراقيون بأنه لا ينفسخ لأن المالية باقية ببقاء القيمة وقال المراوزة قولان ووجه الانفساخ أن متعلق العقد العين وقد فاتت فإن قلنا لا ينفسخ فالبائع هل يحبس القيمة لتسليم الثمن كما يحبس المرتهن قيمة المرهون أم يقال هذا حق ضعيف ولا يسري إلى البدل فيه وجهان فلو أثبتا له حبس القيمة ففي الانفساخ بتلف القيمة أيضا وجهان أماإتلاف البائع فمنهم من نزله منزلة إتلاف الأجنبي لأنه متعرض وها هنا يبعد إثبات الحبس له من القيمة وهو المعتدي بالإتلاف ومنهم من قال هو كالآفة السماوية إذ هو عاقد فلا يتعرض لضمان الأجانب ولذلك لم نطالب المرضعة بمهر المثل مطالبة الأجنبية إذا فوتت النكاح بالرضاع فإن قيل فلو فات بعض المعقود عليه قلنا ينفسخ في ذلك القدر وفي الباقي قولا تفريق الصفقة فإن قيل فلو نقصت صفة بالعيب قبل القبض قلنا فائدته إثبات الخيار فإن أجاز يخير بكل الثمن ولا يطالب بأرش أصلا إلا إذا كان بجناية أجنبي فيطالب الأجنبي بالارش إن أجاز وإن فسخ فالبائع يطالبه وجناية البائع في إيجاب الارش مترددة بين الآفة السماوية وبين جناية الأجنبي كما سبق في الإتلاف فإن قيل احتراق سقف الدار قبل القبض ما حكمه قلنا فيه وجهان أحدهما أنه عيب كسقوط يد العبد لأنه تابع للدار وليس كموت أحد العبدين والثاني أنه كأحد العبدين لأنه مستقل بالمالية عند تقدير الانفصال بخلاف اليد من العبد فرع لو اغتصب المشتري المبيع حيث أثبتا للبائع الحبس فللبائع استرداده فلو أتلفه البائع قبل الاسترداد ذكر صاحب التقريب قولين أحدهما أنه بالإتلاف قابض ومتلف فيكون كالإتلاف قبل القبض والثاني أنه كالأجنبي لوقوعه بعد جريان صورة القبض وقبل عود صورة اليد إليه الحكم الثاني للقبض تسلط المشتري على التصرف فليس للمشتري بيع ما اشتراه قبل القبض لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض فنشأ من الحديث تصرف في ثلاث مراتب الأولى فيما يلحق بالبيع من التصرفات فكل تمليك بعوض فهو بيع والعتق لا يلحق به لأن منع البيع إما أن يعللبضعف الملك أو بتوالي الضامنين ولا تأثير للعلتين في العتق نعم لو كان قبل توفية الثمن فهو كعتق المرهون وأولى بالنفوذ لضعف حق الحبس أما الإجارة ففيها وجهان إن عللنا بضعف الملك منعناها وإن عللنا بتوالي الضامنين فالإجارة لا توجب ضمان العين فلا يتواليان والتزويج كالإجارة إلا أنه ينقبض فقد يمنع منه قبل توفية الثمن وأما الهيبة والرهن فيجريان مجرى العتق قال صاحب التقريب رهن ما لا يصح بيعه باطل وهذا لا يصح بيعه فيتجه بطريق الدلالة منعه وفي الهبة أيضا وجه أنه ينزل منزلة هبة المرهون المرتبة الثانية فيما يلحق بيد البائع من الأيدي فكل يد ثابتة لمملك عن جهة معاوضة محضة فهي يد بائع كما في الصرف والسلم والتولية والاشتراك وما لا يستند إلى معاوضة كيد الأمانة والرهن والهبة والعارية والغصب والسوم ويد المشتري في المبيع بعد الانفساخ لا يلحق له لأنه ليس عن معاوضة وتمليك ويد تمليك الصداق والبدل في الخلع والصلح عن دم العمد يخرج على أنها مضمونة ضمان العقد أم ضمان اليد فإن فرعنا على ضمان العقد ألحقناه بيد البائع وإلا فلا المرتبة الثالثة النظر في أنواع المبيع وهو منقسم إلى عين ودين أما العين فلا تباع قبل القبض منقولا كان أو عقارا وجوز أبو حنيفة بيع العقار قبل القبض وأما الدين والمثمن منه كالمسلم فيه والحنطة المبيعة وصفا في الذمة فلا يجوز بيعه قبل القبض ولا الاعتياض عنه وفي جواز الحوالة في المسلم فيه ثلاثة أوجه أحدها المنع هو الأصح لأن فيه معنى المعاوضة والثاني الجواز تغليبا لمعنى الاستيفاء والثالث أنه تجوز الحوالة عليه فإن لا يتبدل عين المستحق ولا تجوز الحوالة به فإنه تبديل وتحويل إلى ذمة أخرى أما الثمن فإن عين فتعين عندنا بالتعيين خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وينفسخ العقد عندنا بتلفه ولكن إذا كان في الذمة ففي جواز الاستبدال ثلاثة أوجه أحدها المنع قياسا على الثمن والثاني الجواز لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال كنا نبيع الإبل في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدنانير فنأخذ بها الدراهم وبالدراهم فنأخذ بها الدنانير فقال عليه السلام لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لبس والقائل الأول يحمل الحديث على جريانه في مجلس العقد فيكون تغييرا للعقد في حالة الجواز والثالث أنه يستبدل أحد النقدين عن الآخر للحديث ولا يستبدل سائر الأجناس عنها للقياس وهذا أعدل ويتأيد باتحاد مقصود النقدية منهما فإن قيل وبم يتميز الثمن عن المثمن قلنا فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا ثمن إلا النقدان والثاني أن الثمن ما يتصل به باء الثمينة والثالث أن الصفقة إن اشتملت على نقد فهو الثمن وإلا فما اتصل به باء الثمينة وهو الأعدل فإن قلنا إنه لا ثمن إلا لنقد فلو قال بعت هذه الدراهم بالعبد ففي صحة العقد خلاف لتغيير نظم العقد والصحيح الصحة وكذلك نقول الأصح جواز السلم في الدراهم فإن الشافعي رضي الله عنه جعل الثمن كالمثمن في التعيين بالتعيين فإن قلنا حكم الثمينة غير مقصود على النقدين فجواز الاستبدال هل يتعدى إلى غير النقدين فيه وجهان ومن يلاحظ الحديث ومعنى النقدية لم يجوز الاستبدال في غير النقدين بحال ولعله الأولى أما الفلوس إن راجت رواج النقود فالصحيح أنها كالعروض فإن قيل الدين الثابت بالقرض أو بالإتلاف أو بسبب غير المعاوضة ما حكمه قلنا بيعه من غير من عليه الدين فيه قولان والمنع غير مأخوذ من قاعدة القبض ولكنه من ضعف الملك لعدم التعيين ولعل الأصح المنع فإنه ليس مالا حاضرا وإنكان له حكم المال من بعض الوجوه وإن باعه ممن عليه الدين فإن استبدل عنه عينا وقبض في المجلس جاز وإن استبدل دينا لم يجز لأنه منطبق على بيع الكالئ بالكالئ وهو منهي عنه والكالئ هو الدين وإن استبدل عينا ولم يقبض في المجلس فإن جوزنا بيع الدين فلا مأخذ لاشتراط القبض وإن لم نجوز فلا بد من القبض إذ يجوز الاستبدال على تقدير كونه استيفاء للمالية فيختص بمجلس الاستيفاء إذ الأصل فيه الفعل دون القول النظر الثاني في صورة القبض وكيفيته والمقبوض إن عقارا فمجرد التخلية كاف إلا إذا كان غائبا ففي نظر يذكر في الرهن واما المنقول هل يكفي فيه التخلية المجردة فيه ثلاثة أوجه الأصح أنه لا بد من النقل لان الاعتماد فيما نيط باسم القبض على العرف والعرف يفرق بين المنقول والعقار ونقل حرملة قولا للشافعي رضي الله عنه أنه يكتفى بالتخلية وهو مذهب مالك لأن المقصود استيلاء المشتري وقد حصل والثالث أن التخلية تكفي لنقل الضمان لأنه حق البائع وقد أدى ما عليه ولا يكفي التسليط على التصرف فإنه حق المشتري وقد قصر إذ لم يقبض ولم ينقل وهذا يعضده أن ركوب الدابة والجلوس على الباسط قد يجعله سببا لضمان الغصب دون النقل التفريع إذا قلنا لا بد من النقل فإن وجد من المشتري فهو الكامل وذلك بأن ينتقل إلى محل يختص به ولا اختصاص للبائع به فلو نقل إلى زاوية من دار البائع فلا يكفي لأن الدار وما فيها في يد البائع إلا أن يأذن البائع في القبض والنقل إليه فيكون إعادة لتلك الزاوية فيحصل القبض هذا إذا قبض برضا البائع فإن أخذه قهرا إن كان بعد توفية الثمن فهو صحيح وإن قبله وأثبتا حق الحبس فهو فاسد يصلح لنقل الضمان وهل يفيد التصرف فيه وجهان أما البائع إذا نقله إلى دار المشتري أو وضعه بين يديه أو في جحره أو في محل قريب منه والمشتري راض حصل القبض وان كان كارها فوجهان هذا في منقول بيع جزافا فإن بيع مكايلة كصبرة الحنطة إذ قال بعتها كل صاع بدرهم فتمام القبض بالكيل على المشتري فلو قبضه المشتري ولم يكل فالضمان انتقل إليه وهل يتسلط على البيع فيه وجهان أحدهما أنه لا يتسلط وهذا قبض فاسد إذ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري إذ من عادة العرب في المواسم شراء صبرة من الحنطة مكايلة وبيعها بزيادة ربح مكايلة فلا بد من إجراء الصاع قبل البيع حتى يكون الحديث مفيدا وهو الذي قطع به المحققون والشيخأبو محمد إذ مثل هذا النهي لا يحمل إلا على الفساد ولو حمل على اصل القبض كان إلغاء لفائدة خصوص هذا الحديث والأصح أنه لو اشترى الطعام مكايلة وأبقاه في المكاييل وباعاها مكايلة ثم صبه على المشتري للمشتري جاز فصورة أجزاء الصاع لا يراد لعينه ومنهم من قال لا بد من التفريع أولا ليبني صحة البيع الثاني عليه لظاهر الحديث وهو ضعيف إذ دوام الكيل في معنى ابتدائه ولما كان قرار العقد موقوفا على التقابض في المجلس في بيع الطعام بالطعام اختلفوا في أنه لو باع الحنطة بالشعير مكايلة وتقاضيا جزافا فإن العقد هل ينفسخ وهذا مرتب على حكم البيع وأولى بألا يستدعي قرار العقد جريان الكيل فرع القبض يجري فيه النيابة ولكن لو قال لمستحق الحنطة في ذمته اكتل على نفسك من صبرتي هذه قدر حقك ففعل ففي تعين حقه به وجهان من حيث إنه من وجه اتحد القابض والمقبض لأنه مقبض بالإذن وقابض لنفسه وإنما يسلم ذلك للأب يقبض لنفسه من طفله ولطفله من نفسه كما يسلم له في تولي طرفي البيع ولو قال لمستحق الدين اقبض حقك مما لي على فلان فقبض لميصح لأنه لا بد وأن يقبض للمستحق ثم يقبض لنفسه فلو قال اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك صح قبضه له وفي قبضه لنفسه الوجهان ولو ألقى إليه كيسا وقال خذ منه قدر حقك فلا يملك بمجرد الأخذ دون الوزن قطعا وإنما الخلاف بعد الوزن في تعيين حقه لكونه قابضا قبضا ولكن هو مضمون عليه لو تلف لأنه أخذه ليتملكه فضاهى اخذ المستام والكيس ليس مضمونا لأن يده فيه يد الوكيل ولم يأخذ الكيس ليتملكه ولو دفع إليه دراهم وقال اشتر بها قدر حقك لم يصح الشراء له والقبض له وفي قبضه لنفسه الوجهان النظر الثالث في وجوب البداية بالقبض وفيه أربعة أقوال أحدها أنه يجب على البائع البداية بتسليم المبيع لانه متسلط على التصرف في الثمن فليتسلط المشتري على المبيع والثاني أن البداية بالمشتري لأن حقه متعين فليغير حق البائع وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله والثالث أنهما يتساويان فيجبر كل واحد منهما من غير تقديم والرابع أنهما لا يجبران بل إن تبرع أحدهما بالبدار أجبر الثاني التفريع المشتري إذا بادر قبل القبض وسلم الثمن فيجب تسليم المبيع فلو كان آبقا فليس له الاسترداد بل له الفسخ إن شاء والاسترداد بعده وإن علم إباقة فلا يلزمه تسليم الثمن قولا واحدا وأما البائع إذا بدأ فيجبر المشتري على القبول ولم يكن كالدين فإنه قد لا يجبر مستحقه على القبض لأن حقه غير متعين فيه فإن أبى ولم يقبض فتلف في يد البائع فهو من ضمانه لدوام صورة اليد وقال صاحب التقريب إذا أبى المشتري فللبائع أن يقبض له من نفسه لتصير يده يد أمانة أو يرفع يده الى القاضي حتى يودعه عنده وهو بعيد وقبض القاضي عنه وإيداعه له أقرب قليلا وإن قبل المشتري وقبض طولب بالثمن من ساعته فإن تحقق إفلاسه ولم يكن له شيء سوى المبيع أو كان وزادت الديون عليه فللبائع الرجوع إلى عين السلعة وإن كان غنيا ولكن ماله غائب قال الشافعي رضي الله عنه يجبر المشتري على دفع الثمن ساعته فإن كان ماله غائبا أشهد على وقف ماله فإن وفى أطلق الوقف عنه وهذا حجر غريب يراه الشافعي من حيث إن البائع على خطر من إنفاقه جميع أمواله واستهلاك الثمن بالإفلاس فالحجر أقرب من حبسه أو فسخ البيع أو إهمال الحق ومن أصحابنا من قال لا يحجر عليه وهذا لتخريجه وجه ولكنه مخالف للنص ثم اتفقوا على أنه لا حجر عند إمكان الفسخ بالفلس فإنه لا حاجة إلى الحجر ولكن قال العراقيون إن كان المال غائبا فوق مسافة القصر فهو كالفلس لأنه عجز في الحال وإن كان دون مسافة القصر فوجهان وإن كان في البلد فلا فسخ بل يحجر عليه والصحيح ما قاله ابن سريج من أن الغيبة ليس كالعدم بل الإعدام يوجب الفسخ والغيبة توجب الحجر فأما إذا كان في البلد فلا فسخ ولا حجر بل يطالب به القسم الرابع كتاب البيع في موجب الألفاظ المطلقة في البيع وبيان ما يزاد فيها على موجب اللغة أو ينقص ويستثنى بحكم اقتران العرف وهي ثلاثة أقسام القسم الأول الألفاظ المطلقة في العقد القسم الثاني ما يطلق في الثمن القسم الثالث ما يطلق في البيع الأول الألفاظ المطلقة في العقد وهي مشهورة والغرض بيان لفظين الأولى التولية فإذا اشترى شيئا وقال لغيره وليتك هذا العقد فقال قبلت صح البيع بهذا اللفظ ونزل على ثمن العقد الأول وهو ملك متجدد يتجدد بسببه حق الشفعة وتسلم الزوائد للمشتري الأول أعني ما حصل قبل التولية ولو حط عن الثمن الأول شيء انحط عن الثاني لأن التولية توجب نزوله في الثمن منزلة الأول حتى لا يطالب إلا بما يطالب الأول فهو في حق الثمن كالبناء وفي حق نقل الملك كالابتداء ولما عسر الفرق بين هذا وبين سلامة الزوائد والشفعة ذكر القاضي في المسألتين وجهين ورد التردد إلى أن هذا ملك بناء أو ابتداء وهو ضعيف فلا وجه للتردد في الشفعة والزوائد نعم ينقدح وجه أن الحط لا يلحق كما لا يلحق الشفيع إلا أن يكون الحط في مجلس العقد فإن ذاك فيه خلاف في حق الشفيع أيضا فرع في التولية قبل القبض وجهان ووجه التجويز الاستمداد من حكم البناء حتى كان المطرد هو الملك الأولويتأيد ذلك بلحوق الحط وفي تولية البائع خلاف مرتب على البيع من البائع الأول وأولى بالصحة اللفظ الثاني الإشراك فلو قال أشركتك في هذا العقد على المناصفة كان حكمه التولية في النصف من غير فرق ولو أطلق ولم يذكر المناصفة ففي الصحة وجهان أحدهما المنع لأنه لم يبين المقدار فكان مجهولا والثاني الجواز وينزل المطلق على التشطير القسم الثاني ما يطلق في الثمن وهو ألفاظ المرابحة فإذا قال بعت بما اشتريت وربح ده يازده نزل على ما قاله إن كان ما اشتراه معلوما للمشتري الثاني وكذلك في صورة التولية يشترط أن يكون ثمن الأول معلوما للمشتري فإن لم يعلمه فليقل بعت بما اشتريت وهو مائة فإن لم يذكر بطل كما لو قال بعت بما باع به فلان فرسه وفيه وجه أن هذا يصح لارتباط العقد الأول بالعاقد وسهولة الاطلاع عليه ثم تردد هؤلاء في انه هل يشترط زوال الجهالة في المجلس أما إذا قال بعت بما قال علي دخل فيه الثمن وأجرة الدلال والكيال وكذا البيت الذي تحفظ فيه الأقمشة وكل ما يعد من خرج التجارة بخلاف قولنا بعت بما اشتريت ولو تعاطى الكيل بنفسه أو كان البيت مملوكا له لم يقدر له أجرة وكذلك علف الدابة لا يضم إليها والمحكم العرف فإن ذلك لا يعد من خرج التجارة عرفا فرعان أحدهما إذا اشترى شيئا بعشرة وباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة ثم قال بعت بما قال علي فالظاهر أنه ينزل على العشرة وقال ابن سريج يحسب الربح عليه فتكون السلعة قد قامت بخمسة فينزل عليها ولا خلاف في أنه لو كان يدل ربح الخمسة خسران خمسة لم ينزل هذا اللفظ على خمسة عشر وهذا يضعف توجيه مذهبه الثاني إذا قال بعت بما اشتريت بحط ده يازده وكان قد اشترى بمائة وعشرة مثلا فالظاهر هو مذهب أبي يوسف وابن أبي ليلى أنه ينزل على المائة وتحط العشرة فيكون قد حط من كل أحد عشر درهما واحدا لتبقى نسبة ده يازده بين الأصل والمحطوط وفيه وجه آخر غامض أنه ينزل على مائة درهم إلا درهما فيحط عن كل عشرة درهم واحد كما كان يزاد على عشرة واحد في ربح ده يازده فإن قيل لو لم يصدق المشتري في قدر الثمن وزاد أو كان قد طرأ بعد الشراء عيب فلم يذكره فهل يحط عن الثاني بقدر العيب قلنا ليعلم أن هذا العقد عقدأمانة فإن المشتري لا يوطن نفسه على ذلك الثمن وعلم أن المشتري لم يسمع بالثمن الذي ذكره البائع وشترى به إلا تعويلا على مماكسته واستقصائه في طلب الغبطة فيرضى لنفسه ما ارتضاه الأول لنفسه فيجب عليه الأخبار بكل ما طرأ من عيب أو جناية منقصة للعين كالإحصاء أو للقيمة وإن اشترى بأجل وجب ذكره ولا يجب ذكر الزيادات الحادثة ولا ذكر ما اشترى معه إذا قوم هذا القدر بحصته ولا ذكر البائع إذا اشترى من ولده وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب ذكر ذلك كله ولو اشترى بغبن وهو عالم به فالأظهر أنه لا يجب ذكره وفيه وجه أنه يجب لأن الثاني اعتمد على أنه لا يحتمل الغبن وهذا القائل يوجب أن يذكر إذا اشترى من ولده الطفل وكذلك إذا اشترى بدين غير مؤجل ولكن الرجل مطول لأن ذلك سبب احتمال غبن على الجملة ثم إن كذب المشتري فزاد في الثمن أو لم يخبر عما طرأ من العيب فهل يحط عن الثاني قدر التفاوت فيه قولان أحدهما أنه لا يحط لأنه جزم العقد بمائة مثلا وكذب في قوله اشتريت به نعم له الخيار إن شاء لتلبيسه فإن أجاز فليجر لكل الثمن والثاني أنه يحط لأنه لم يقتصر على ذكر المائة بل ربط وقال بعت بمائة وهو الذي اشتريت به فلا تلزمه المائة التفريع إن قلنا يحط ففي ثبوت الخيار للمشتري قولان ووجه الإثبات أنه ربما يكون له غرض في الشراء بمائة لتحلة قسم أو وفاء بموعود فإن قلنا له الخيار مع ذلك فأجاز أو قلنا لا خيار له ففي ثبوته للبائع وجهان ووجه الإثبات أنه طمع في سلامة المائة له ولم تسلم وإن قلنا لا يحط عن المائة فللمشتري الخيار قطعا لأنه مظلوم بالتلبيس إلا أن يكون التفاوت من جهةالعيب وكان قد علم طرآن العيب فيكون راضيا مع ذلك لما اشترى فإن هم بالفسخ فقال البائع لا تفسخ فإني أحط لأجلك فهل يبطل خياره فيه وجهان ووجه بقاء الخيار أنه ربما يكون له غرض في الشراء بالمائة كما سبق هذا إذا تبين خطؤه بتذكر المشتري أمرا مشاهدا أو بقوله أخطأت إقرارا على نفسه أو بقيام بينة على مقدار ما اشترى به فأما إذا قال تعمدت الكذب وإنما اشتريت بكذا وكذا فحكمه ما سبق ولكن حيث ترددنا ثم في ثبوت الخيار فها هنا الإثبات أولى إذ أظهر بقوله خيانته فربما يكذب فيما يخبر عنه الآن من البقية أيضا وإن علم المشتري كذبه حالة الشراء فلا خيار له إلا أن يقول كنت أظن أنه يحط مع علمي بالنقصان ففي ثبوت الخيار بهذا الظن وجهان هذا إذا كذب بالزيادة فلو كذب بالنقصان فكان اشترى بمائة فقال اشتريت بسبعين فميل الأصحاب ها هنا إلى البطلان لانه لا بد من الزيادة ولا سبيل إليها إذ الزيادة لا تلحق الثمن أما الحط فيلحقه وقال الشيخ أبو محمد رحمه الله لا فرق بين المسألتين إذ ليست المائة عبارة عن تسعين كما ليست التسعون عبارة عن المائة فليبطل في المسألتين أو ليصح في المسألتين تنزيلا على الصدق لا على ما كذب به وقد حكى صاحب التقريب قولا أنه يبطل العقد في صورة الزيادة أيضا وما ذكره الشيخ أبو محمد يشير الى أن الحط ليس بطريق الإبراء بل هو بطريق تبين نزول العقد عليه ابتداء وما ذكره الأصحاب يشير الى أنه نزل العقد على اقدر المسمى والحط يضاهي حط أرش العيب وهذا أولى فإنه لا يمنع من الإجازة والرضا بالمائة ولأنه طرد بذلك في صورة ظهور النقصان بعيب طارئ مع أنه صادق في إخباره عما اشترى به والخلاف في كل واحد فرع إذ ادعى البائع أنه اشترى بزيادة وكذبه المشتري فلا تسمع الدعوى البائع وبينته لأنه على نقيض قوله السابق وهل أن يحلفه على نفي العلم فيه وجهان يبنيان على أن يمين الرد كالبينة أو كإقرار المدعى عليه فإن جعلنا كإقراره فله ذلك على رجاء النكول ورد اليمين ليكون ذلككالتصديق وإن قلنا كالبينة فلا وذكر صاحب التقريب أنه إن قال غلطت وذكر وجها محتملا بأن قال عولت على قول الوكيل والآن طالعت الجريدة وتذكرت فله التحليف قطعا وهذا متجه حسن ويجب طرد هذا في قبول دعواه وبينته أيضا والله أعلم القسم الثالث من الألفاظ ما يطلق في البيع وهي في غرضنا ستة ألفاظ اللفظ الأول الأرض وفي معناه لفظ الساحة والعرصة والبقعة فإن قال بعتك هذه الأرض فالنظر في اندراج الشجر والبناء والزرع والدفائن فأما الشجر والبناء فنص الشافعي رحمه الله في البيع يدل على الاندراج وفي الرهن يدل على أنه لا يندرج فاختلف الأصحاب على ثلاثة طرق الأصح أنها لا تندرج إذ اللفظ لا يتناوله وضعا ولم يكن دعوى عرف مطرد فيه فينزل منزلة التصريح وهذا القائل نسب المزني رضي الله عنه إلى إخلاف في النقل وقال أراد الشافعي رحمه الله إذا قال بعت الأرض بحقوقها ومن هؤلاء من قال ولو قال بحقوقها أيضا لم يندرج لأن الحقوق عبارة عنالممر ومجرى الماء وأمثاله الطريقة الثانية ذكر قولين بالنقل والتخريج والثالثة الفرق بأن الرهن ضعيف لا يستتبع بخلاف البيع أما الزرع فلا يندرج قطعا تحت اسم الأرض لأنه لم يثبت للدوام بخلاف البناء والشجر والبقل له حكم الشجر أعنى أصوله لا ما ظهر منه فإنه للدوام كالشجر وقطع الشيخ أبو محمد بأنها كالزرع ثم إذا بقي الزرع لصاحب الأرض ففي صحة بيع الأرض طريقان أحدهما أنه فيه قولان كما في الأرض المكراة إذ تقع المنفعة مستثناة في مدة ومنهم من قطع بالصحة إذ المانع في الإجارة عسر التسليم وها هنا تسليم الأرض ممكن في الحال ولعله الأصح تشبيها له بالدار المشحونة بالأمتعة التفريع إن حكمنا بالصحة فتسليم الأرض مزروعة هل يوجب إثبات يد المشتري فيه وجهان ووجه الامتناع أنه لا يقدر على الانتفاع ومن الأصحاب من طرد هذا في تسليم الدار المشحونة بالأمتعة ومنهم من فرق إذ التشاغل بالتفريع ثم ممكن في الحال بخلاف الزرع ثم المشتريإن لم يعلم بالزرع فله الخيار فإن أجاز فهل له طلب أجرة تيك المدة فيه وجهان أحدهما لا كما لا يطالب بارش العيب عند الإجارة والثاني نعم لأن المنفعة متميزة عما قابله الثمن أما الدفائن فلا تندرج تحت البيع حتى الحجارة المدفونة إلا أن تكون مركبة في أساس البنيان والجدار فيندرج حيث يندرج الجدار وان كانت الحجارة مخلوقة في الأرض اندرجت تحت اسم الأرض ثم المشتري إن كان عالما باشتمال الأرض على الحجارة المدفونة فلا خيار له وللبائع النقل وان أضر بالمشتري ولو أبى فللمشتري إجباره على تفريغ ملكه وان كان لا يتضرر المشتري ببقائها وفيه وجه أنه إذا لم يتضرر لم يجبره على النقل أما إذا كان جاهلا فان لم يكن في النقل ضرر فلا خيار وإن كان ضرر في حصول وهاد في الأرض أمكن تسوية الأرض على قرب فلا خيار أيضا كما إذا عرض في السقف عارض قبل القبض يمكن إزالته على قرب ويجب تسوية الأرض على البائع ولا يلزمه أرش النقصان بالحفر بخلاف هدم الجدار لان الجدار يتفاوت بناؤه وإعادته قد لا تماثل الأول فأما هذا فمن قبيل ذوات الأمثال في المضمونات أما إذا تضرر بسبب تعطل المنفعة في مدة أو كان الحفر يحدث عيبا بأن كان يمنع عروق الأشجار من الإنبتات فله الخيار فإن فسخ فذاك وإن أجاز ففيالمطالبة بأجرة المثل خلاف منشؤه تمييز الأجرة عن ارش العيب وفي طلب ارش النقصان بتعيب الأرض خلاف منشؤه أن جناية البائع هل تكون كجناية الأجنبي فرعان أحدهما لو كانت الأرض تتضرر بالنقل دون الترك واثبتا للمشتري الخيار فقال له البائع لا انقل بطل خيار المشتري ولزم تركه أبدا كالنعل على الداية ثم ينظر فان قال وهبت منك الحجارة وقبل وكان بحيث يقبل الهبة لوجود الشرائط من الرؤية والتسليم وغيره ملكه المشتري على الظاهر وفيه وجهان أنه لا يملك وان وجدت الشرائط لانه ليس متبرعا وانما يبتغي به نفي الخيار فحقيقته إعراض وفيه وجه آخر أنه يملك وان لم توجد شرائط الهبة لأنه كالمستفاد ضمنا وتبعاوليس مقصودا فيحصل للضرورة وأما إذا قال تركت الحجارة فالظاهر انه لا يملك بهذا اللفظ بل هو إعراض وفيه وجه أنه يجعل تمليكا لانه فات به حق الخيار فليحصل في مقابلته ملك وهذا التفصيل يجري في مسألة النعل وان لم نذكره ثم الثاني إذا كان في الأرض حجارة خلقية تمنع عروق الأشجار من الإنبتات فهل يكون هذا عيبا مثبتا للخيار فيه وجهان ووجه المنع أن الانتفاع بالبناء ممكن فان تعذر الغراس فهذا فوات كمال المقاصد فلا يعد عيبا مذموما منقصا وعندي أن هذا يختلف باختلاف المواضع والمقصود في الاعتياد اللفظ الثاني الباغ وفي معناه البستان والكرم ويندرج تحتها الأشجار والقضبان وفي اندراج العريش الذي توضع عليه القضبان تحت لفظ الكرم تردد للشيخ أبي محمد والأصح الاندراج للعرف ولو كان في طرف البستان بناء ففي اندراجه تحت مطلق الاسم خلاف كما في اسم الأرض وأما اسم القرية والدسكرة فيستتبع الأبنية والأشجار جميعا لان العبارة موضوعة لها وكل ذلك لا يستتبع الزرع الظاهر ولا البذر وان كان كامنا إلا أصول البقل كما سبق اللفظ الثالث الدار ولا يندرج تحتها المنقولات كالرفوف المنقولة والسلاليم والسرر والحاصل من ماء البئر منقول لا يندرج وقيل إنه يندرج كالثمار التي لم تؤبر والنفط الحاصل من المعدن لا يندرج واستثنى صاحب التلخيص عن المنقولات مفتاح باب الدار فأنه يندرج تبعا للمغلاق ونوزع فيه وما ذكره أولى واما الثوابت وهو ما أثبت للدوام من تتمة الدار كالأبنية والأبواب والمغاليق وما عليها من السلاسل والضبات فيندرج وكذا المراقي الثابتة من الآجر والرفوف المثبتة من نفس البناء وحمام الدار إن كان لا يستقل دون الدار اندرج وإن استقل فهو من الدار كالبناء من البستان وترددوا في ثلاثة أمور أحدها الاشجار وفيها ثلاثة اوجه احدها انها لا تندرج تحت اسم الدار فانها ليست من اجزاء الدار والثاني انها تندرج لأن الدار قد تشتمل على الاشجار والثالث وهو الأعدل أنه إن كان بحيث يمكن تسمية الدار بستانا لم تندرج تحت اسم الدار وإلا يندرج الثاني حجر الرحي وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يتبع لانه مثبت للبقاء والثاني لا لانه ليس من مرافق الدار وانما اثبت لتيسر الانتفاع والثالث أن الاسفل يندرج دون الاعلى ولا خلاف في اندراجها تحت اسم الطاحونة والثالث الإجانات المثبتة للصبغ تنزل منزلة الحجر الاسفل من الرحى الا اذا باع باسم المدبغة أو المصبغة والسلاليم والرفوف المثبتة بالمسامير في معنى الاجانات اللفظ الرابع اسم العبد في بيع العبد لا يتناول مال العبد وان قلنا انه يملك بالتمليك وفي ثيابه التي عليه ثلاثة أوجه أحدها لا لقصور اللفظ مع أن الثوب ليس جزءا منه والثاني نعم لقضاء العرف به والثالث أنه يدخل ما يستر به العورة دون غيره ولعل العذار من الفرس كساتر العورة من العبد لأن للعرف فيه حكما ظاهرا اللفظ الخامس الشجر وهو في جانب العلو يتناول الاغصان والاوراق وكذا ورق الفرصاد الا على رأي بعض الاصحاب في تشبيهها بالثمار المؤبرة وفي جانب السفل يتناول العروق ويوجب استحقاق الابقاء في ارض البائع فيصبر المغرس مستحقا للابقاء وهل نقول أنه صار ملكا فيه قولان أحدهما نعم لانه استحق ابقاؤه فيها على التأييد واللزوم فلا يمكن أن يجعل إعارة ولا إجارة فلا بد وأن يجعل ملكا تابعا والثاني وهو الاصح انه يملك إذ اللفظ قاصر عنه والمغرس أصل فكيف يكون تبعا نعم استحق الابقاء على العادة كما يستحق إبقاء الثمار على الاشجار على العادة من غير ملك الاشجار ومن غير تقدير إعارة وإجارة هذا إذا لم يكن على الاشجار ثمار فان اثمرت وكانت الثمار غير مؤبرة دخل في العقد كما يدخل الحمل من الجارية في البيع بلفظ الجارية لاجتنانه بجزء منها وان كانت مؤبرة بقيت على ملك البائع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من باع نخلة بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع وأبو حنيفة رحمه الله لما أنكر القول بالمفهوم حكم بان غير المؤبرة ايضا تبقى على ملك البائع فانه ليس جزءا من نفس الشجرة والمراد بالتأبير ان يتشقق الكمام حتى تبدو عناقيد الثمر من الطلع ومناط انقطاع التبعية ظهور الثمار فيلتحق به الظهور في كل ما يظهر في ابتداء الوجود كالتين وكذلك ما يبدو بالتشقق كالورد يتشقق كمامه وكالمشمش والخوخ إذا تشققت أنوارها وتصلبت الحبات وما دامت لا تنعقد ثمرة لصغرها تندرج تحت البيع والاصح ان القشرة العليا على الجوز ليس ساترا وان كان أكمة الفحول قبل التشقق تندرج تحت البيع كالإناث فان قيل كيف يشترط البدو في كل عنقود وثمرة للحكم بالبقاء على ملك البائع قلنا لما عسر ذلك اقام الفقهاء وقت التأبير حتى إذا تأبرت واحدة صارت وغير المؤبر في البقاء متحد النوع وداخلا تحت صفقة واحدة ولو وجد اتحاد النوع ولكن اقتصر العقد على غير مؤبر أو شملها العقد ولكن اختلف النوع فوجهان أحدهما أنه لا اتباع لأن التفصيل لا عشر فيه مع هذا الاختلاف والثاني الاتباع حسما للباب فان النوع الواحد ايضا قد يتفاوت ويهون تفصيله في بعض الصور وشرط أبو علي بن ابي هريرة شرطا ثالثا وهو ان تكون التي لم تؤبر مطلعة حتى تبقى تبعا للمؤبرة وخالفه كافة الاصحاب وهو قريب من اختلاف النوع وبين الفحول والاناث اختلاف النوع فان قيل فاذا بقيت على ملكه فهل يجب القطع في الحال تفريعا للاشجار وان لم يجب فكيف يفرض القيام بسقي الثمار والاشجار قلنا الابقاء مستحق للبائع الى اوان القطاف وهذا موجب العرف لا كتفريع الدار عن الاقمشة فان ذلك مما يقتضيه العرف ايضا فلم يجز الابقاء بل هذا كالزرع وقد ذكرنا ان الابقاء مستحق فيه ثم من يحتاج الى السقي فله ان يستقل به إذا لم يضر بالاخر ولم يكن للاخر منعه ولو كان السقي يضر بواحد وتركه يضر بالاخر وتنازعا ففيه ثلاثة أوجه أحدها ان المشتري اولى بالاجابة اذ التزم له البائع سلامة الاشجار والثاني البائع اولى فانه استحق إبقاء الثمار والثالث انهما يتساويان فان اصطلحا فذاك والا فقد تعذر إمضاء العقد فينفسخ فروع ثلاثة الاول اذا كانت الثمار لو سقيت لم ياضرر ولو تركت تضررت الاشجار بامتصاصها رطوبتها فعلى البائع السقي او القطع فان لم يجد ماء ففي تكليفه القطع وجهان الثاني لو كان السقي يضر بجانبه وتركه يمنع حصول زيادة في الجانب الآخر ففوت الزيادة هل يلحق بالضرر حتى يتقابل الجانبان فيه وجهان الثالث لو أصابت الثمار آفة ولم يكن في تبقيتها فائدة فهل يجب الآن تفريع الاشجار ذكر صاحب التقريب قولين وهذه التوجيهات بينة وتعارض الاحتمالات ظاهر اللفظ السادس أسامي الثمار ومطلق بيعها يقتضي استحقاق الابقاء الى اوان القطاف وان لم يصرح به لعموم العرف اذ القرينة العرفية كاللفظية ولذلك نزل العرف في المنازل والات الدابة في باب الاجارة منزلة التصريح ولو جرى عرف بقطع العنب حصرما لانه لا تتناهى نهايته او جرى العرف بالانتفاع بالمرهون من المرتهن فقد منع القفال المسألتين وقال هو كالتصريح وخالفه غيره لان المتبع ها هنا هو العرف العام لا عرف اقوام على الخصوص وهذا يلتفت على ما لو اصطلح العاقدان في النكاح على ان يعبروا بالالفين عن ألف تخييلا لكثرة المهر ان اللازم الالف أم الالفان لان مثاره ان الاصطلاح الخاص هل يلتحق بالاصطلاح العام في اللغات وكذا في العرف ثم لا بد من التنبيه لثلاث شرائط في بيع الثمار الشرط الاول انه لا بد من شرط القطع إن بيع قبل الصلاح فان شرط التبقية بطل وان أطلق لكان كشرط التبقية خلافا لأبي حنيفة في المسألتين والمعتمد ما روي أنه عليه السلام نهى عن بيع الثمار حتى تزهي وروي حتى أن تنجو من العاهة وسببه ان التسليم لا يتم الا بالقطاف والجوائح غالبة في الابتداء فلم تكن القدرة على التسليم موثوقا بها ومنهم من علل تضرر الاشجار بكثرة امتصاص الثمار رطوبتها في الابتداء وهو فاسد على ما تبين فساده في التفريع وإذا شرط القطع صح ولم تندرج تحت النهي لفقد العلة وتخصيص النهي بما يعتاد اما القطع قبل بدو الصلاح فغير معتاد وكذلك لو اشترى البطيخ قبل بدو الصلاح لا بد من شرط القطع وان اشترى مع اصوله اذ لا ثبات لأصوله وهو مع الأصول متعرض للآفات ولو باع الثمار مع الأشجار لم يشترط القطع لفقد العلة إذ تم التسليم بتسليم الاشجار وامن من العاهة فوازنه ان يبيع البطيخ مع الارض والاصح ان الثمار لو كانت لغير من له الاشجار فاشتراها صاحب الاشجار لا يشرط القطع لفقد العلة وحصول تمام التسليم وفيه وجه للنظر الى عموم النهي وهو بعيد إذا لو شرطه لم يجب عليه ان يقطع ثمار نفسه عن اشجار نفسه وكذلك لو باع الاشجار وبقيت الثمار على ملكه فلا يشترط القطع وان انقسم الملك لان المبيع هو الشجر وهو آمن من العاهة والثمر مملوك بحكم الدوام فلا ينقطع بالتعرض للعاهة نعم لو كانت الثمار بحيث تندرج لو أطلق العقد فاستثناها فالبقاء على هذاالوجه ملحق بختلاف المبتدأ أو بالاستدامة فيه اختلاف للاصحاب ثم اتفق الاصحاب على ان بدو الصلاح كاف في البعض لسقوط هذا الشرط إقامة لوقت الصلاة مقام نفسه دفعا للمعسر كما في التأبير هذا بشرط اتحاد البستان وشمول الصفقة واتحاد الملك فان اختلف البستان او الملك او تعددت الصفقة ففي كل ذلك وجهان بعد الاتفاق على اشتراطه اتحاد الجنس واما النوع فهو كما سبق في التأبير فمسل العراقيين الى مراعاة اتحاد البستان ولم يتعرض الاصحاب للبستان في التأبير نعم ثم المراد ببدو الصلاح في الثمار بان يطيب أكلها وذلك في البطيخ لظهور مبادئ الحلاوة وفي العنب الابيض بالتموه وفي غيره بالتلون وفي الزرع بزوال الخضرة واما البقل فان بيع مع الاصول فلا يشترط القطع فانه لا يتعرض لعاهة وان بيع دون الاصول نزل على القطع فانه يحذر من التأخير النمو واختلاط ما دخل تحت العقد بما لم يدخل الشرط الثاني ان تكون الثمار قد انكشفت من أكمتها على قول بطلان بيع الغائب إلا ما في إبقائه فيه صلاح كالرمان واختلفوا في الباقلاء والجوز ان ابقاءها في القشرة العليا هل فيه صلاح والظاهر في الباقلاء انه صلاح وقد صح ان الشافعي رضي الله عنه أمر بأن يشترى له الباقلاء الرطب واما الحنطة في سنبلها والارز في القشرة ففيه ثلاث أوجه أحدها أن فيها صلاحا والثاني أنه لا صلاح والثالث أن صلاح الأرز فيه دون صلاح الحنطةواما الشعير فهو بادئ الحب من السنابل فيجوز بيعه وقد ذكرنا احكام بيع الغائب والذي نزيده قطع بعض الاصحاب ببطلان بيع الذهب في تراب المعدن ولا يستقيم ذلك الا بالتفريع على ابطال بيع الغائب اذ لو باعه في الكم لجاز فما الفرق بينه وبين التراب ولو بيع اللحم في الجلد قبل السلخ مع الجلد فهو خارج على بيع الغائب وقد نقلنا في بابه عن الشيخ أبي على القطع بالبطلان أيضا والاظهر ما نقلناه الان الشرط الثالث ان يحذر بيع الربا فلا تباع الثمار بجنسها فان باع الحنطة في سنبلها بالحنطة فهي المحاقلة وقد نهى عليه السلام عنها وهي مشتقة من الحقل وهي ساحة يزرع فيها سمي الزرع بها للاتصال ولو باع الرطب بالتمرة فهو باطل وهي المزابنة المنهي عنها وهو مشتق من الزبن وهو الدفع لان هذه المعاملة في الغالب تفضي الى المدافع والمنازعة وقد استثني عنها العرايا وهي بيع الرطب خرصا بمثل ما يرجع اليه الرطب عند التتمر من التمر فيما دون خمسة أوسق لما روى زيد بن ثابت أن محاويج الانصار جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الرطب ليأتينا وفي أيدينا فضول منقوت فأرخص لهم في العرايا فيما دون خمسة أوسق او في خمسة أوسق والشك من الراوي ووجه الخروج عن قياس الربا إقامة الخرص مقام الكيل وقد وردت الرخصة مقيدة بأربعة قيود يتطرق النظر الى كلها الاول التقدير فلا زيادة على خمسة أوسق وفي خمسة أوسق قولان لتردد الراوية منهم من يرجح جانب المنع الا بيقين ومنهم يرجح جانب الجواز وتقدير الخرص أصلا إلا في محل تيقنا فيه المنع وقد يتخيل ان الغالب تقدير خمسة أوسق للجواز فيه لا لربط الجواز بقدر دونه وعلى هذا لو اشترى في صفقات ألف وسق فلا حجر وانما الحجر في صفقة واحدة ولو اشترى رجلان من واحد تسعة أوسق من الرطب جاز قطعا إذ لم يدخل في ملك أحدهما إلا ما دون القدر وإن اشترى رجل من رجلين فوجهان ووجه الفرق مشير الى الالتفات على جانب من يدخل الرطب في ملكه لان الرطب خرج التقدير فيه بالخرص عن القياس ولم يبن الاصحاب ذلك على تعدد حكم الصفقة بتعدد البائع والمشتري لما نبهنا عليه من قبل مع أن الربا يتعلق بجانب التمر والرطب جميعا الثاني ان العنب في معنى الرطب وسائر الثمار تبنى على جريان الخرص فيها وفيه قولان مذكوران في الزكاة الثالث أنه ورد في بيع الرطب بالتمر فلو باع الرطب بالرطب ففيه ثلاثة أوجه أحدها المنع اتباعا للقيد والتفاتا الى الغرض التفكه والحاجة اليه والثاني الجواز إذ قد يختلف الغرض باختلاف الرطب والثالث إن كان أحدهما موضوعا على الارض جاز ليستبقي الباقي للتفكه والرطوبة وإن كانعلى الشجر فلا الرابع أنه ورد في المحاويج فمن يرى الخرص أصلا يلحق الأغنياء به ومنلا يراه أصلا تردد ولأن الرخص لا تقصر بعد مهدها على أربابها والآن فبعد معرفة شرائط صحة البيع فلا بد من معرفة أحكام الطوارئ على الثمار قبل القطاف من الاجتياح والاختلاط أما الاختلاط فبالتلاحق وذلك إن كان مما يغلب فالبيع باطل وان كان بعد بدو الصلاح لان ذلك يعسر به التسليم أيضا كوقوع الجوائح وذكر العراقيون وجها أنه موقوف لان هذا العسر يمكن دفعه بهبة البائع ثماره فان لم يهب حكمنا بالبطلان أما إذا كان التلاحق نادرا حكم في الحال بالصحة فان اتفق التلاحق قبل تسليم الأشجار ففي الانفساخ قولان أحدهما ينفسخ لوقوع اليأس عن التسليم فهو كما لو وقعت درة في لجة بحر قبل التسليم والثاني لا لان دفع هذا العسر بهبة الثمار الجديدة مقدور للبائع وعلى هذا فله الخيار أن لم يهب وان وهب بطل خياره كما ذكرنا في هبة الاحجار في الارض والنعل في الدابة وحكم التمليك والاعراض على ما سبق وذكر صاحب التقريب قولا آخر أنه لا خيار له ولا انفساخولكنهما ملكان اختلطا فصار كصبرة حنطة الثالث على حنطة الغير وهو بعيد لانه أورث عسر التسليم في مبيع ها هنا فلو فرض ذلك في حنطة مبيعة اطرد الخلاف وهذا اذا كان قبل القبض فان تلاحق بعد القبض فهو مبني على ان الجوائح من ضمان من فان قلنا من ضمان البائع كان كما قبل القبض والا فيتفاضلان بالخصومة او الاصلاح وكذلك إذا باع الاشجار وبقيت له الثمار فتلاحقت فلا فسخ فان الثمار الجديدة ليست مبيع ولا مختلطا بالمبيع والمزني نقل تردد القولين في هذه الصورة واتفق المحققون على تخطئته ومنهم من صوبه وجعل الثمار المملوكة ملك الشجر المبيع كالمبيع وهو ضعيف فان قيل وكيف نفصل الخصومة قلنا يدعي أحدهما مقدارا وينكره الاخر ففي قدر الانكار القول قول صاحب اليد وهذا في الحنطة واما في الثمار على الشجر فان قلنا انه من ضمان البائع فهو في يده وان قلنا من ضمان المشتري فهو في يده وقيل إنه في يدهما لان بائع الثمار له مداخلة بوجوب السقي عليه والمشتري صاحب اليد حسا العارض الثاني الاجتياح فان وقع قبل تسليم الثمار بتسليم الاشجار فهو في ضمان البائع وان كانبعد التسليم فالمنصوص جديدا أنه من ضمان المشتري لانه تسلط على التصرف بإثبات اليد والقول القديم أنه من ضمان البائع إذ لا خلاف أن السقي واجب على البائع لتنمية الثمار وتربيتها فكأنه في عهدة التسليم الى القطاف وقد نقل في بعض الروايات والامر بوضع الجوائح ولكن قال الراوي كان قبله كلام فنسيته فقال الشافعي رضي الله عنه في الجديد لعله كان قبله ما يدل على استحباب الوضع واختلفوا في أن القول القديم هل يجري في الفوات بآفة السرقة وما ليس من الجوائح السماوية وعلى الصحيح الجديد لو فسدت الثمار بترك السقي وتعيبت فللمشتري الخيار قطعا لان السقي واجب بحكم العقد واقتضاء العرف ولو فات الكل بترك السقي ففي الانفساخ طريقان كما في موت العبد المريض بمرض قبل القبض لأنالثمار لضعف البنية قبل القبض متعرضة للفساد بعده إن لم تعالج بالسقي فإن قلنا لا ينفسخ فله الخيار فإن فسخ فذاك وإن أجاز فيطالب بالمثل أو بالقيمة لان الاتلاف من جهته وان كان قد تعيب ففي المطالبة بالارش وجهان نبهنا على نظيرهما في الاستئجار القسم الخامس من كتاب البيع وفيه بابان الباب الأول في مداينة العبيد الباب الثاني في الاختلاف الموجب للتحالف الباب الأول في مداينة العبيد والنظر فيه في المأذون وغير المأذون أما المأذون فالنظر فيه ثلاثة أمور الأول فيما يجوز من التصرفات وليس للعبد المأذون في التجارة أن يؤاجر نفسه ولا ان يأذن عبدا من عبيده في التجارة وان كان يوكل في احاد التصرفات ولا ان يتخذ دعوة للمجهزين ولا ان يعامل سيده بالبيع والشراء ولا ان يتصرف فيما يكتسبه بالاحتطاب والاحتشاش ولا ان يتعدى جنسا من التصرف الذي عين له ولا يشتري من يعتق على سيده لأن العبد متصرف للسيد بتفويضه فيقتصر على موجب الإذن والإذن بمطلقه لا يدل على جميع ذلك ولما رأى أبو حنيفة رحمه الله أن العبد متصرف لنفسه واستدل على ذلك بتعلق العهدة به خالفنا في جميع المسائل واختلف أصحابنا في إجارة عبيده ودوابه من حيث إن ذلك مما قد يعتادهالتجار أحيانا بخلاف إجارة نفسه وكذلك لو أبق المأذون لم ينعزل ولو رأى السيد عبده يتصرف فسكت لم يكن سكوته إذنا في التصرفات وإذا ركبته الديون لم يزل ملك السيد عما في يده ولو أقر في المعاملة بدين لأبيه وابنه قبل ولو أذن لعبده في أن يأذن لعبده في التجارة ففعل جاز وفاقا ولو حجر على الأول استمر على الثاني ولو حجر على الثاني جاز وخالف أبو حنيفة رحمه الله في الكل وشرط في الحجر على العبد الثاني أعني مأذون المأذون أن يأخذ ما في يده لينفذ عزله فإن قيل وبم يعلم المعامل كونه العبد مأذونا قلنا بسماع إذن السيد أو ببينة عادلة وفي جواز اعتماد الشيوع وجهان ولا يكتفى بمجرد قول العبد خلافا لأبي حنيفة رحمه اللهفإنه رآه عاقدا لنفسه فاكتفى بقوله ومن عرف كونه مأذونا وأقر به فله أن يمتنع عن تسليم عوض ما اشتراه منه إليه احترازا من إنكار السيد الى ان تقوم بينة على كونه مأذونا وكذلك المقر بالوكالة في استيفاء الحق له الامتناع عن التسليم الى اقامة البينة ولو قال العبد حجر علي السيد وقال السيد لم أحجر فالصحيح أنه لا تجوز معاملته فإنه يباشر صورة العقد وفيه وجه أنه يجوز نظرا إلى جانب السيد وهو مذهب أبي حنيفة النظر الثاني في لزوم العهدة وما لزم العبد من أثمان وما اشتراه اقر به فهو مطالب به قطعا وفيه وجه لا يعتد به أنه لا يطالب أما السيد ففي مطالبته وتعلقه بذمته ثلاثة اوجه الأظهر انه يطالب لانه وقع العقد له والعبد طولب لانه مباشر للعقد والثاني لا لانه قصر أطماع المعاملين على ما سلمه إلى العبد المأذون ومثل هذا الخلاف جار في رب المال مع العامل في القراض ومنهم من طرده في الوكيل إذا سلم إليه ألف معين والثالث انه لا يطالب أن كان ما في يد العبد وفي به وإلا فيطالب فإن قيل قطعتم بمطالبة العبد وهذا يدل على أن العقد واقع له قلنا قد اختلف أصحابنا في الوكيل إذا اشترى لا بصيغة السفارة في انه هل يطالب مع القطع بأنه وكيل ووجه الفرق أن العبد وان كان وكيلا فهو مأمور وأمر السيد نافذ عليه وله أن يعرضه لمطالبات لا يتضرر بها وليس له أن يعرض الوكيل للمطالبة ولما وجب عليه أداء الدين مما في يده بحكم الأمر كانت المطالبة من ضرورته ثم استقل حتى طولب به بعد العتق وفي رجوعه بما يغرم وجهان ووجه المنع أنه في حالة الرق قد علقه السيد بإكسابه حتى كان يلزمه الاكتساب لقضاء الدين فبقي ذلك كالمستثنى عن العتق وهو مثل الخلاف في انه لو أجره ثم أعتقه فعمل بعد العتق هل يرجع بالأجرة فرع إذا سلم إلى العبد ألف ليتجر فيه فاشترى بعينه شيئا فتلف قبل التسليم انفسخ العقد وان اشترى في الذمة ففي الانفساخ ثلاثة أوجه أحدها أنه ينفسخ لان الإذن محصور فيه وقد فات وهو اختيار القفال والثاني لا ينفسخ ويجب على السيد ألف آخر خروجا من عهدة ما جرى بإذنه والثالث أن السيد يتخير بين الفسخ وبين تسليم ألف آخر إليه وهو اختيار الشيخ أبي محمد وهو قريب ومثل هذا الخلاف جار فيما إذا سلم إلى عامل القراض فتلف التفريع إذا قلنا لا ينفسخ فادى إليه السيد الألف فلو ارتفع العقد بسبب وعاد الألف إلى العبد فهل يتصرف فيه أم يفتقر إلى إذن جديد فيه وجهان فمنهم من قال هو جبر للأول فنزل منزلة الألف الأول فيتصرف فيه ومنهم من قال لم يجر فيه صريح إذن ومثل هذا الخلاف جار في القراض في أن رأس المال مجموع الألفين أو هو ألف واحد النظر الثالث في المال الذي تقضى منه ديون التجارة ولا يتعلق عندنا برقبته خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ولكن إذا ركبته الديون تتعلق ببضاعته ديون الأربح ورأس المال ولا يتعلق بسائر أموال السيد وفي تعلقه بإكساب العبد من الاحتطاب والاحتشاش أو ما يسلم إليه من مال آخر بعد المعاملة للاتجار وجهان أحدهما انه يتعلق به بخلاف لوازم النكاح لان المأذون في النكاح مأذون في الأداء ولا محل للأداء سوى إكسابه وأما ها هنا فالمال هو المرصد له فالإذن لا يدل على التعلق إلا به ولذلك لم يعلقه برقبته والثاني انه يتعلق به ويستكسب فيه أن لم يبق شيء من المال لان السيد نزله منزلة الأحرار المستقلين فيطمع فيه كما يطمع في الأحرار فليتعلق بكسبه وعلى هذا الخلاف ينبغي أن يبنى رجوع العبد بما يغرمه بعد العتق على السيد لانه أن لم يتعلق بكسبه في الحال فلا وجه لقطع رجوعه فرع لو باع قبل قضاء الديون وقلنا لا يتعلق بكسبه فلا خيار للمشتري إذ لا ضرر عليه من تعلقه بذمته وان قلنا يتعلق بكسبه فله الخيار لانه تبقى إكسابه مستحقة كما في العبد الناكح إذا بيع القسم الثاني من الباب في غير المأذون وكل ما يجر ضررا على المالك لا يملكه قطعا كالنكاح والمأذون في التجارة ايضا لا يملكه لانه ليس من التجارة وان كان يمكن أن يقال ينعقد للسيد الاعتراض ولكن قطعوا بأنه لا ينعقد إذ يستحيل أن يختلف الحل عن النكاح وفي التحليل تسليط وإضرار ناجز وفي هبته وقبوله الوصية وجهان والقياس هو الجواز ووجه المنع انه جلب ملك إلى السيد في جهة مقصودة قابلة للرد بغير إذنه احترازا عن الاحتطاب والاصطياد فانه فعل لا يقبل الرد وعن عوض خلعه زوجته فانه غير مقصود وفي ضمانه وجهان ووجه المنع انه التزام ممن لا يتصور منه في الحال التشاغل به لمنع ناجز بخلاف المفلس وفي شرائه طريقان نزله العراقيون منزلة شراء المفلس فإنه محجور عليه لحق السيد كما أن المفلس محجور عليه لحق الغرماء وهذا تفريع على صحة هبته وقطع صاحب التقريب والشيخ أبو محمد بالبطلان لان السيد اخذ المبيع منه فيفوت الثمن بالكلية فهو عجز محقق بخلاف المفلس فان حق البائع يتعلق بعين المبيع ولا يتعلق حق من سبق الغرماء بما تجدد ثم على الصحيح اختلفوا فيانه لو أخذه السيد منه فيجعل ذلك كزوال ملك المفلس حتى يمنع البائع من التعلق به أم يقال كان الملك مستمرا فيتعلق به حق البائع فان قيل الملك واقع للعبد أم للسيد قلنا هو واقع للسيد ابتداء فان في ملك العبد بتمليك السيد قولين ولا خلاف في انه لا يملك بتمليك غير السيد والقول القديم انه يملك بتمليك السيد لانه يتصور له ملك النكاح بإذن السيد فكذا ملك اليمين والجديد الذي عليه الفتوى انه لا يملك لتناقض فوائده إذ لا خلاف انه لا يملك من غير جهة السيد حتى قالوا لو احتطب أو أتهب على هذا القول أيضا فانه لا يملكه ولا يملك البيع والعتق وإزالة الملك فيما ملكه وفاقا وللسيد أن يزيل ملكه ويرجع فيه بل يكون ببيع ملكه وإعتاقه وهبته راجعا وهذه أمور متفق عليها لو لم يقل بها كان غضا من كمال مالكية السيد ولو قيل به لم يبق لملك العبد حقيقة بخلاف ملك النكاح فان مقصوده الخاص متصور في حقه من غير تناقض ولا معنى للتفريع على القول القديم ولا فتوى عليه الباب الثاني في الاختلاف الموجب للتحالف وفيه فصول الأول في وجوه الاختلاف والأصل في الباقي قوله عليه السلام إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا وصورته أن يقول البائع بعت بألف فيقول المشتري اشتريت بخمسمائة فقياس الخصومات تحليف المشتري لان الملك مسلم له وقد ادعى عليه زيادة وهو ينكرها ولكن لما كثر الاختلاف في العقود ومبنى المعاوضات على تساوي المتعارضين كان تخصيص أحدهما بالتصديق إضرارا بالآخر فلما عقلنا هذا المعنى حكمنا بالتحالف وان كانت السلعة هالكة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وحكمنابإجرائه مع وارث العاقد وقال أبو حنيفة رحمه الله يجري معه قبل القبض ولا يجري بعد قبل المبيع وكذلك حكمنا به في الاختلاف في جنس المبيع وصفته وفي سائر الشرائط من الأجل والخيار والكفيل والرهن وكل شرط يقبله العقد والضابط فيه أن يتفقا على بيع ومبيع معينا ويقع الاختلاف فيما وراءه مما يقع وصفا للبيع المتفق عليه كما إذا قال بعتك هذه الدار بهذا الثوب أو بألف درهم فقال لا بل بهذا العبد أو بمائة دينار أو ما يجري مجراه ولو لم يتفقا على العقد بان قال بعتك بألف فقال بل وهبتنيه لم يكن من صورة التحالف بل نفصل الخصومة بطريقها وكذلك لو تنازعا في شرط مفسد لأنهما لم يتفقا على عقد صحيح بل يدعي أحدهما العقد والآخر ينكره فقال صاحب التقريب القول قول من يدعي الشرط الفاسد لانه منكر للعقد وقال غيره بل القول قول الآخر لانه وافق على جريان العقد بصورته ويدعي مفسدا له ولو اتفقا على قدر في الثمن واختلفا في المبيع بان قال بعتك هذا الثوب بألف فقال الآخر بل بعتني العبد بألف ففي التحالف وجهان منهم من جعل الاتفاق على الألف كالاتفاق على المبيع ومنهم من قال ليس الألف معينا ليتحد موردا للعقد بل هي في الذمة فكل واحد يدعي عقدا آخر يتماثل فيه الثمن ولا يتحد وهذا يلتفت على أن من اقر لإنسان بألف من جهة قرض فأنكر المقر له الجهة وقال بل هو من جهة إتلاف فهل له أن يطالبه به ولما عقل المعنى أيضا طردنا التحالف في كل معاوضة كالصلح عن دم العمد والخلع والإجارة والمساقاة والكتابة والصداق والقراض والجهالة وكل ما فيه معنى المقابلة ثم ما لا يقبل الفسخ بسبب العوض يقتصر اثر التحالف فيه على العوض كالصلح عن دم العمد والخلع والنكاح فيسقط ما فيه النزاع ويرجع إلى قيمة المثل فان قيل وأي فائدة للتحالف في القراض والجهالة وكل واحد قادر على الفسخ دون التحالف وقد قطع القاضي حسين بأنه لا تحالف في البيع في مدة الخيار وقلنا الوجه منع ذلك في الجعالة والقراض أيضا قبل الشروع في العمل إذ لا معنى للتحالف وكل واحد منهما قادر على الخلاص والامتناع إذ لا لزوم أما بعد الخوض في العمل فالفسخ لا يغير مقدار المستحق وقد لزم الاستحقاق لما مضى فرع إذا رد العبد المبيع بالعيب فقال البائع ليس هذا ما اشتريته مني فالقول قوله لانه يبغي استيفاء العقد ولو قال المسلم إلى ليس هذا ما قبضته مني ففيه ثلاثة أوجه أحدها القول قوله كالبائع والثاني لا لان المسلم إليه يدعي انه قبض المستحق منه والآخر ينكره وقال ابن سريج أن كان زيوفا فهو كذلك وان كان كعيبا فقد اعترف خصمه له بقبض لو رضي به لجاز كما في البيع فلا فرق عند ذلك الفصل الثاني في كيفية التحالف والنظر في البداية والعدد والصيغة أما البداية فقد نص الشافعي رضي الله عنه انه يبدأ في البيع بالبائع وفي السلم بالمسلم إليه وهو بائع وفي الكتابة بالسيد وهو في رتبة البائع ونص في النكاح انه يبدأ بالزوج وهو في رتبة المشتري فاختلف الأصحاب فمنهم من قال في الكل قولان والقول المخرج أنه يبدأ بالمشتري كما يبدأ بالزوج ومنهم من اقر النصوص وقال اثر التحالف يظهر في النكاح في الصداق والزوج فيه في رتبة البائع وهو واقع وذكر صاحب التقريب طريقتين إحداهما انه يقرع بينهما والأخرى أن القاضي يتخير فيبدأ بمن شاء بخلاف المتساوقين فيخصومتين إذ ليس يتفضل هاهنا غرض أحدهما دون الآخر وما ذكره قياس حسن وهو متعين في بيع العبد بالجارية إذ لا يتميز بائع عن مشتري ولكنه في غير هذه الصورة كالإعراض عن نص الشافعي رضي الله عنه أما العدد والصيغة فقد نص الشافعي رضي الله عنه أن البائع يحلف يمينا واحدة يبدأ فيها بالنفي ويقول والله إني ما بعته بخمسمائة وإنما بعته بألف ويقول المشتري والله ما اشتريته بألف وإنما اشتريته بخمسمائة فيجمع بين النفي والإثبات ويستحق تقديم لان البداية بالإثبات في اليمين بعيد احتمل تابعا للنفي وقال الاصطخري يتعين البداية بالإثبات لانه المقصود وهذا بعيد فرع لو حلف البائع على النفي والإثبات فحلف المشتري على النفي ونكل عن الإثبات قضي عليه بيمين البائع وان لم يسلم عن معارضة في طرق النفيولكن لما اتصل النفي بالإثبات في هذه المسألة جعل النكول عن البعض كالنكول عن الكل والقول الثاني انه لا يجمع في يمين واحدة بين النفي والإثبات لان يمين الإثبات لا يبتدأ بها إلا في القسامة على خلاف القياس فيحلف البائع على النفي ثم يحلف المشتري على النفي ثم يحلف البائع على الإثبات ثم يحلف المشتري على الإثبات فيتعدد اليمين وهو بعيد إذ لو اتبعنا قياس الخصومات لصدقنا المشتري مع يمينه وقضي له أن حلف لما سبق ولكن خرج هذا القول من نص الشافعي رضي الله عنه فيما لو تنازع رجلان في دار في يدهما ادعى كل واحد منهما أن جميعها له إذ قال يحلف أحدهما على النفي أولا في النصف الذي في يده ويعرض على صاحبه فإن نكل حلف على الإثبات وهذه المسألة متفق عليها التفريع أن قلنا بتعدد اليمين فللمسألة أحوال إحداها انه لو نكل الأول عن النفي عرض على الثاني يمين واحدة جامعة للنفي والإثبات لانه الآن قد تقدم نكول فلا بأس بالإثبات الثانية أن يتحالفا على النفي قال الشيخ أبو محمد قد تم التضاد والتعاند فيفسخ العقد ومنهم من قال تعود إلى الأول ويعرض عليه يمين فان حلف عرضنا على الثاني فان حلف فقد تم الآن التحالف فعلى هذا لو حلف الأول يمين الإثبات فعدنا إلى الثاني فنكل قضينا لأول لا محالة وان لم تسلم يمينه عن المعارضة بالنفي ولعل ما ذكره الشيخ أبو محمد أولى الثالثة أن يتناكلا جميعا في الابتداء ففيه وجهان أحدهما أن تناكلاهما كتحالفهما لحصول التضاد وهذا كما أن تداعي اثنين مولودا كتناكرهما وكذلك نص الأصحاب انه لو حلف الأول على النفي ونكل الثاني فرد على الأول فنكل عن الإثبات كان نكوله كحلف صاحبه والثاني انه يتوقف لان مأخذ التفاسخ الحديث وهو منوط بالتحالف وليس في معناه التناكل الفصل الثالث في حكم التحالف وحكمه جواز إنشاء الفسخ هذا هو النص الانفساخ وذكر أبو بكر الفارسي قولا مخرجا انه ينفسخ فكأنه صدق كل واحد منهما في يمينه وصار كأن البائع قال بعت بألف فقال المشتري اشتريت بخمسمائة فلم ينعقد أصلا حتى فرع الشيخ أبو علي على هذا وحكم برد الزوائد المنفصلة وتتبع التصرفات بالنقض وهو بعيد نعم اختلف الأصحاب في أن إنشاء الفسخ هل يختص بالقاضي من حيث إنه منوط بتعذر الإمضاء وذلك عند اليأس عن التصادق بعد التحالف وهو متعلق بنظره والاقيس أن العاقد يستقل به إذا قطعوا بان البائع هو الذي يفسخ بإفلاس المشتري والمرأة تفسخ بإعسار الزوج بالنفقة وقالوا القاضي هو الذي يفسخ بعذر العنة كذا نقله إمامي رحمه الله والفرق بينه وبين الإعسار بالنفقة عسير فان قيل وهل ينفسخ باطنا قلنا إن فوضناه إلى القاضي فالظاهر انه ينفسخ باطنا لينتفع به المحق المعذور وان جوزنا للعاقدين فان تطابقا عليه انفسخ باطنا كما لو تقابلا وان اقدم عليه من هو صادق فكمثل وان بادر الكاذب فلا ينفسخ بينه وبين الله وطرق الصادق أن ينشئ الفسخ إن أراد فرع في جواز وطء الجارية بعد التنازع وقبل التحالف وجهان وبعد التحالف وقبل التفاسخ وجهان مرتبان لأنه جرى سبب الزوال وأشرف عليه فهو كالزائل من وجه والوطء يحرم بالشبهة والقياس الجواز لاستمرار الملك الفصل الرابع في أحوال المبيع عند التفاسخ وفيه خمس مسائل الأولى أن المبيع أن كان تالفا ثبت التفاسخ عندنا ويغرم المشتري قيمة المبيع بأي اعتبار فيه أقوال الأصح انه يعتبر يوم التلف والثاني انه يعتبر أقصى قيمة من يوم القبض إلى يوم التلف وهذا ضعيف والثالث انه يعتبر يوم القبض لانه وقت دخوله في ضمانه فما زاد بعده فهو له وما نقص فهو عليه والرابع انه يعتبر اقل قيمة من يوم العقد إلى القبض لانه إن زاد فقد زاد في ملكه وان نقص وقع في ضمان البائع لكونه في يده وكذلك يجري هذا الخلاف إذا رد أحد العوضين بالعيب وقد تلف الآخر أو اشترى عبدين وتلف أحدهما وتحالفا وقلنا نضم قيمة التالف إلى القائم ولو اشترى عبدين فتلف أحدهما ووجد بالآخر عيبا وقلنا لا يرد بل يطالب بالارش فالأصح انه يعتبر في تقويمه يوم العقد لان القيمة مطلوبة لتعرفالتوزيع عند المقابلة لا ليعزم بخلاف ما نحن فيه فانه يطلب القيمة ليغرمه الثانية إذا كان المبيع معيبا ضم إليه ارش العيب لان كل يد أوجبت ضمان الكل أوجبت ارش النقصان وحيث نص الشافعي رضي الله عنه على أن الزكاة المعجلة إذا استردت لتلف النصاب وقد تعيبت في يد القابض غرم الإمام ارش النقصان ولو تلف غرم المسكين القيمه حمل ذلك على الأستحباب لأن أرش النقصان قد يخف فيحمله بيت المال فان احتمل اصل القيمة فيستحب ذلك أيضا الثالثة أن يكون آبقا فيغرم قيمته ولكن يرد الفسخ على القيمة كما في التلف أو على الآبق والقيمة للحيلولة فيه وجهان ووجه المنع أن الفسخ مملك فلا يرد على الآبق كالعقد وفائدته انه لو عاد يوما من الدهر لم يلزمه الرد في الحال ولو آخر المطالبة إلى رجوع العبد لم يجز لان حقه في القيمة لا في العبد الرابعة أن كان كاتبا أو مرهونا غرم القيمة وهل يرد الفسخ على القيمة فيه وجهان مرتبان على الآبق وهاهنا أولى بان نجعل القيمة أصلا لان الرهن والكتابة تمنع ملك الغير فانه إبطال له وهو لازم وكذلك إذا وجد البائع متاعه مرهونا لم يفسخ بالإفلاس وان وجده آبقا فسخ الخامسة لو كان مكرى وقلنا يصح بيعه ورد الفسخ عليه وإلا فهو مردد بين الآبق والمرهون هذا تمام النظر في كتاب البيع والله أعلم بالصواب كتاب الحوالة وفيه بابان الباب الأول في أركانه وهي خمسة اللفظ والمحيل والمحال عليه والمحتال والدين المحال به وأصل صحة المعاملة قوله صلى الله عليه وسلم مطل الغني ظلم فإذا أحيل أحدكم على غني فليحل وفي حقيقته مشابه الاعتياض كأنه اعتاض دينا على دين ومشابه الاستيفاء فكأنه استوفى ما عليه باستحقاق الدين على غيره أما لفظ الحوالة فلا بد منه ولا بد من القبول فإنه معاقدة بين المحيل والمحتال وأما المحال عليه فلا يشترط رضاه عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله والاصطخري لأن ذمته محلالتصرف فلا يعتبر رضاه وهل يشترط أن يكون عليه دين فيه وجهان يرجع حاصلهما إلى أن الضمان بشرط براءة الأصيل هل يصح وفيه خلاف وعليه ترجع الحوالة على من لا دين عليه ولذلك يقطع باشتراط رضاه والتزامه إذا لم يكن عليه دين ثم تردد العراقيون في أن هذه الحوالة هل تلزم قبل القبض والأصح لزومها فانه حقيقة الحوالة أما الدين فيشترط فيه أن يكون مجانسا لما على المحال عليه قدرا وجنسا ووصفا فان كان بينهما من التفاوت ما يمنع الاستيفاء إلا بالمعاوضة امتنعت الحوالة وان كان لا يمنع الاستيفاء بل يجب القبول ولا يشترط فيه رضا لمستحق كتسليم الصحيح على المكسر والأجود عن الأردأ والحال عن المؤجل وفي بعض الأحوال جازت الحوالة فان كان يفتقر إلى الرضا المجرد دون المعاوضة ففيه وجهان الشرط الثاني للدين أن يكون لازما أو مصيره إلى اللزوم فتجوز الحوالةبالثمن وعلى الثمن في مدة الخيار على الصحيح ثم أن فسخ انقطعت الحوالة وفي نجوم الكتبة ثلاثة أوجه أحدها المنع لانه ليس بلازم عليه والثاني نقل عن ابن سريج جواز الحوالة به وعليه جميعا لثبوته وتأكده والثالث انه لا تجوز الحوالة عليه إذ لو صح لعتق العبد ولصار الدين لازما على العبد وتصح حوالة العبد به فيبرأ العبد ويعتق ويلزم الدين في ذمة المحال عليه فلا بعد فيه فرعان أحدهما إذا أفلس المحال عليه أو جحد لم يثبت الرجوع على المحيل بالدين خلافا لأبي حنيفة أما إذا كان الإفلاس مقارنا وجهله المحتال ففي ثبوت الخيار ثلاثة أوجه أحدها لا يرجع كما إذا كان طارئا والأظهر الثبوت فان اخذ استيفاء أو عوضا معيبا فله الرد والثالث انه لا يثبت الخيار إلا إذا شرط كونه مليا وهذا يلتفت على أن الخيار الشرط هل يتطرق إلى الحوالة بتغليب مشابه المعاوضة فيه الثاني إذا حال المشتري البائع بالثمن على إنسان فرد عليه المبيع بالعيبفالذي ذكره المزني رحمه الله تحريا أن الحوالة تنفسخ وتخريج المزني معدود من مذهب الشافعي رضي الله عنه ونص في المختصر الكبير على أنها لا تبطل فقال للأصحاب قولان مأخذهما تغليب مشابه الاستيفاء أو الاعتياض وموجب الاعتياض انه لا ينقض والأصح انه ينفسخ كما لو استحق مكسرا فاستوفى الصحيح وفسخ البيع رد الصحاح وان كان فيه شبه المعاوضة ولو جرى ذلك قبل قبض المبيع فمنهم من قطع بفسخ الحوالة لانه رد المبيع من أصله على رأي ولو جرى بعد قبض المحتال منهم من قطع بأنه لا ينفسخ لانه تأكد بالقبض ولو جرى في الصداق ثم عاد النصف بالطلاق منهم من قطع بأنه لا ينفسخ لانه في حكم رد مبتدأ بخلاف ما لو فسخ النكاح بسبب ولذلك تمتنع بالزيادة المتصلة ولو أحال البائع على المشتري بالدين منهم من قطع بأنه لا ينفسخ لانه تعلق الحق بالثالث فلا سبيل إلى إبطاله ومن الأصحاب من طرد الخلاف في كل هذه السورة من غير فرق التفريع أن قلنا لا ينفسخ فليس عليه رد عين ما أخذه من المحال عليه وان لم يكن استوفى بعد فهل يغرم المشتري في الحال وجهان أن قلنا لا يغرم فالظاهر انه يطالبه المشتري لتحصيله من جهة المحال عليه حتى يغرم له فانه لا سبيل إلى قطع مطالبته بالتأخير إلى غير نهاية وان قلنا ينفسخ فلو قبض لم يقع عن جهة المحتال وهل يقع عن جهة المشتري المحيل فيه وجهان ووجه وقوعه أن الفسخ قد ورد على خصوص جهة الحوالة لا على ما تضمنه من الإذن في الأخذ فيضاهي تردد العلماء في أن الوجوب إذا نسخ هل يبقى الجواز وان من يحرم بالظهر قبل الزوال هل ينعقد نفلا الباب الثاني في التنازع وفيه مسائل الاولى إذا باع عبدا واحال بثمنه على المشتري فقال العبد انا حر الاصل وصدقه المتبايعان والمحتال فقد بطل البيع والحوالة فلو كذبه المحتال بطل البيع في حقهما ولم تبطل الحوالة إذ ثبت له حق لازم وقولهما ليس بحجة عليه الثانية إذا قال مستحق الدين أحلتني على فلان وقال لا بل وكلتكباستيفاء ديني منه فالقول قول الامر في نفي لحوالة ثم ان لم يكن قد قبض فليس له القبض لانه أنكر الوكالة فانعزل وفي مطالبة منكر الحوالة بأصل الدين وجهان أحدهما لا لانه اعترف ببراءته بما ادعاه من الحوالة والثاني بلى لانه لم يسلم له ذلك فليرجع حتى لا يتعطل حقه بمجرد إنكاره أما إذا كان قد قبض وهو قائم فللموكل اخذه الا اذا منعه حقه فله ان يتملكه لانه من جنس حقه وان كان تالفا فلا مطالبة باصل الدين لانه بزعمه قد استوفى وتلف في يده من ضمانه وبرئ المحال عليه على كل تقدير أما إذا قال المستحق وكلتني وقال من عليه لا بل أحلتك وما وكلتك فان كان قبل القبض فلا يستوفي لان المالك أنكر الوكالة وللمستحق مطالبته إذ لا يسقط حقه بدعوى من عليه الدين الحوالة مع إنكار المستحق وإن كان بعد القبض ففيه وجهان أحدهما انه يملكه الان لانه من جنس حقه والمستحق يزعم أنه ملكه والثاني أنه لا بد من مطالبته بالحق ورد هذا عليه الى ان يجري تمليك صحيح وان جرى النزاع بعد التلف ففي ضمانه وجهان أحدهما لا ضمان لانه مصدق في نفي الحوالة فقد تلف في يده أمانة بحكم الوكالة والثاني أنه يضمن لأن مصدق في نفي الحواله لا في اثبات الوكالة فينفعه في بقاء دينه ولا ينفعه في اسقاط الضمان والاصل ان ما تلف في يده من ملك غيره فهو مضمون وهذا كالبائع اذا انكر قدم العيب صدق فيه ولا يثبت به حدوثه ولذلك لا يطالب بارشه اذا رد اليه بسبب آخر فان قيل فلو اتفق على جريان لفظ الحوالة فقال اللافظ أردت به الوكالة دون الحوالة أو قال القابل قبلت الوكالة دون الحوالة قلنا فيه قولان أحدهما أن النظر الى ظاهر اللفظ والثاني أن المتبع قول اللافظ ونيته كتاب الضمان وفيه ثلاثة أبواب والضمان معاملة صحيحة دل عليه الخبر والاجماع ومعناه تضمين الدين في ذمة الضامن حتى يصير مطالبا به مع الاصيل وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في أركانه وهي ستة الأول المضمون عنه ولا يشترط رضاه لان لغيره ان يقضي دينه بغير اذنه فكذا له ان يضمن ولا يشترط حياته ويساره بل يصح الضمان عن الميت المفلس خلافا لأبي حنيفة وهل يشترط كونه معلوما عند الضامن فيه وجهان أحدهما لا إذ لا تعلق لمعاملته به ولذلك لم نشترط رضاه والثاني نعم فان الضامن قد يعول على كونه المضمون عنه مليا او متشمرا للاداء ففي الضمان عن المجهول غرر الركن الثاني المضمون له وفي شرط معرفته وجهان مرتبان على المضمون عنه واولى بالا يعتبر لان المطالبة تتجدد له فيختلف الغرض باختلاف المطالبين في المساهلة والمضايقة ان قلنا يشترط معرفته ففي اشتراط رضاه وجهان أحدهما بلى اذ تجدد له ملك مطالبة لم تكن وليس له ان يملك غيره بغير رضاه والثاني لا لان الدين ليس يزيد انما هذه امكان مطالبة مع بقاء الدين على ما كان عليه فان قلنا يشترط رضاه ففي اشتراط قبوله وجهان يقربان من الوجهين في اشتراط قبول الوكيل لان التوكيل اثبات سلطنة لم تكن للوكيل كما ان الضمان اثبات سلطنة للمضمون له فان قلنا لا يشترط قبوله اكنفي بالرضا وان تقدم على الضمان الركن الثالث الضامن ولا يشترط فيه الا صحة العبارة وكونه من اهل التبرع فان الضمان تبرع فضمان المكاتب كتبرعه وضمان الرقيق دون اذن السيد فيه وجهان ذكرناه في شرائه وفائدة صحته ان يطالب به إذا اعتق وان ضمن بالاذن صح وفي تعلقه بكسبه ثلاثة أوجه أحدها انه يتعلق به كالمهر ونفقة النكاح فان الاذن في الالتزام اذن في الاداء والكسب متعين لادائه والثاني لا بل اذنه رضا بما للعبد الاستقلال به على أحد الوجهين والثالث انه يتعلق بكسبه ان كان ماذونا في التجارة والا فلا هذا اذا لم يكن عليه دين فان كان عليه دين وحجر عليه فلا يتعلق بكسبه وان اذن فيه السيد إذ ليس للسيد التبرع بما في يده وان لم يحجر عليه فثلاثة أوجه أحدها لا لانه في حكم المرهون بالدين والثاني يتعلق لانه لم يجر حجر ورهن والثالث ان قدر الدين يستثنى فان فضل شيء تعلق به الضمان الركن الرابع المضمون به وشرطه ان يكون حقا ثابتا لازما معلوما القيد الأول الثبوت احترزنا به عما إذا قال ضمنت لك من فلان ما تقرضه منه أو ثمن هذا المبيع إذا بعته فهو باطل على القول الجديد وصحيح على القديم وفي ضمان نفقة الغد للمرأة وكذا كل ما لم يجب وجرى سبب وجوبه قولان مشهوران في الجديد أحدهما لا لانه لم يلزم والثاني نعم لان السبب متقدم وكأن هذا تأخير يضاهي التأجيل وضمان العهدة صحيح في ظاهر المذهب على الجديد والقديم وان كان يخالف قياس الجديد من حيث انه لم يعلم لزومه فان البائع إن باع ملك نفسه فما اخذه من الثمن ليس بدين عليه حتى يضمن ولكنه احتمل ذلك فجوز بعد جريان البيع وقبض الثمن الضمان لمصلحة العقود فإنه لا يرغب في معاملة الغرماء الا به وعليه اشتملت الصكوك في الاعصار الخالية وخرج ابن سريج قولا انه لا يصح أصلا وفيه قول آخر انه يصح قبل قبض الثمن وبعده ومهما جرى البيع والاعدل انه لا يصح قبل قبض الثمن حتى يكون سبب اللزوم على تقدير ثبوتالعهدة جاريا هذا فيه إذا خاف المشتري كون المبيع مستحقا فلو كان يخاف فساد العقد من جهة اخرى أو كون البيع معيبا فضمن له هذه العهدة صريحا فوجهان أحدهما بلى كما إذا خاف خروجه مستحقا والثاني لا لان التعلق بالمبيع ممكن هاهنا الى رد الثمن والتحرز عن المفسدات والعيوب ممكن وما بني على الحاجة والمصلحة يتبع فيه مراتب الحاجة فان قلنا إنه يصح ضمانه صريحا ففي اندراجه تحت مطلق ضمان العهدة وجهان ولو كان يشك في كمال الصنجة او في جودة جنس الثمن قال ابن سريج صح هذا الضمان تخريجا على ضمان العهدة فهذا يقرب من مخافة العيوب فيعتضد به ذلك الوجه ثم مهما ادعى نقصان الصنجة فالقول قول البائع لان الاصل عدم استيفاء الكمال فان حلف طالب المشتري وهل يطالب الضامن بمجرد حلفه دون بينة يقيمها على النقصان فيه وجهان ووجه المنع ان الاصل في حقه البراءة فلا ينتهض يمينه حجة عليه القيد الثاني كون الحق لازما فكل دين لازم يصح ضمانه ولا يصح ضمان نجوم الكتابة لانه لا مصير لها الى اللزوم والاصح صحة ضمان الثمن في مدة الخيار لان مصيره الى اللزوم والجواز عارض وفي ضمان الجعل في الجعالة وجهان القيد الثالث كونه معلوما فلا يصح ضمان المجهول على الجديد كما لا يصح الابراء عنه وفي القديم يصح ضمان المجهول والابراء عنه ولا خلاف في جواز ضمان إبل الدية وان كان فيه ضرب جهالة وكذا الابراء وفي طريقة العراق وجه ان ضمانه لا يصح للجهل به ولو قال ضمنت من عشرة الى مائة ففي الجديد قولان الاشهر الصحة لان الاقصى معلوم وقد وطن نفسه عليه والاقيس الفساد لان الغرر حاصل بجهل المقدار بين العشرة والمائة الركن الخامس ويتشعب عن المضمون به النظر في الكفالة بالبدن والصحيح الذي عليه الفتوى صحته وعليه جرى الصحابة والسلف قال المزني ضعف الشافعي رضي الله عنه كفالة البدن فمنهم من جعل ذلك ترديد قول وعلى هذا يصح ضمان عين المغصوب والمبيع وكل ما يجب تسليمه ولا يصح ضمان عين الودائع والامانات اذ لا يجب تسليمها فكأنا نكتفي بان يكون المضمون به حقا لازما ولا يشترط كونه دينا فيصح الكفالة ببدن كل من يجب عليه الحضور مجلس القضاء باستدعاء المدعي وكذلك تصح الكفالة بالبدن قبل قيام البينة على الدين لانا معتمده الحضور وهو واجب والاصح صحته بعد حضور المدعى عليه وإنكاره إذا لم يقم المدعي البينة لانه بقي له متعلق في إحضاره ويصح الضمان ببدن الزوجة وقال ابن سريج يصح الضمان ببدن العبد الآبق ويجب السعي في احضاره ورده وتصح الكفالة ببدن الميت إذ قد يستحق إحضاره ليشاهد الشهود صورته فيشهدون عليه ولو تكفل ببدن شخص فمات ففي انقطاعه بالموت وجهان ووجه القطع ان مطلق التصرفات تحمل علىحالة الحياة وفي الكفالة ببدن من عليه عقوبة ثلاثة أوجه أحدها بلى لانها من الحقوق والثاني لا لانها تعرض السقوط بالشبهات والثالث انها تصح فيما للادميين بخلاف ما يثبت لله تعالى ولو تكفل بإحضار شخص ببغداد والمكفول ببدنه بنيسابور لما يجز لانه لا يلزمه الحضور على هذا الوجه فان قيل بماذا يخرج عن عهدة هذه الكفالة قلنا بإحضاره في المكان الذي التزمه وبتعين المكان الذي عين فان سلم فقال لا اريده الآن فقد خرج عن العهدة الا اذا كان عاجزا عن التعلق به لاستناده الى ركن وثيق فان غاب حيث يعرف خبره فعلى الكفيل السعي في إحضاره ويمهل مدة الذهاب والمجيء فان لم يحضره حبس فان حضر الاصيل وسلم نفسه برئ الكفيل كما لو أدى المضمون عنه برئ الضامن من الدين فان عجز عن إحضارن بموته او هروبه فالاصح انه لا يلزمه شيء وهو معنى تضعيف الشافعي رضي الله عنه كفالة البدن والثاني انه يلزمه بدل الحضور الذي عجز عنه ثم فيه وجهان أحدهما أنهيلزمه الدين بالغا ما بلغ فهو الاصل مهما قامت البينة عليه والثاني يلزمه دية المكفول ببدنه فانه بدل بدنه الا اذا كان الدين اقل منه واشتراط رضا المكفول ببدنه يبتنى على هذا فان قلنا الالتزام مقصور على الحضور فلا يجوز دون رضاه لانه ليس يقدر على استبداد بالنقض عنه وان قلنا يلزم المال فله الانفراد بهذه الكفالة كما يلزمه بضمان المال فلو أنكر المكفول به الرضا فهل له تكليفه الحضور فيه وجهان ووجه التجويز أن الحضور مستحق والكفيل لا يتقاعد عن الوكيل قال صاحب التقريب فعلى هذا ينبغي أن تصح الكفالة بغير إذنه ويقدر علىتكليفه الحضور لانه لا يتقاعد عن الوكيل فروع أربعة الأول اذا مات المكفول له هل ينتقل حقه الى ورثته فيه ثلاثة أوجه ذكرها ابن سريج أحدها لا لانه حق ضعيف ولم يلزم الا له والثاني بلى كسائر الحقوق وهو الأقيس والثالث إذا كان في التركة دين أو وصي يثبت وكأنه نائب عن جهته الثاني إذا كفل ثلاثة ببدن انسان فأحضره واحد برئ هو قال المزني وبرئ صاحباه كما في ضمان الدين قال ابن سريج لا يبرأ صاحباه بخلاف أداء الدين فان المقصود قد حصل ثم وهاهنا لا يحصل بمجرد الحضور الثالث لو تكفل ببدن الكفيل جاز ولو ضمن الضامن بالمال جاز وإذا تكفل ثلاثة ببدن انسان وكل واحد تكفل ببدن صاحبه جاز فان احضر واحد برئ هو عن كفالته وبرئ من تكفل ببدن الذي أحضره وأمر الباقين في إحضار الخصم يخرج على مذهب المزني وابن سريج الرابع لو ضمن تسليم عين المبيع فتلف قبل القبض انفسخ البيع فان قلناالكفيل عند العجز لا يغرم شيئا فكذلك هذا وان قلنا انه يغرم فهذبا على وجه يغرم الثمن وعلى وجه اقل الامرين من الثمن او القيمة يوم التلف وقيل يعتبر اقصى القيم كما في الغاصب الركن السادس في الصيغة وما يقترن بها من شرط ومن تقييد وفيه مسائل الاولى ان الضمان يصح بكل لفظ يدل على الالتزام كقوله تقلدت والتزمت وضمنت وتكفلت وتحملت ولا يصح بقوله أؤدي وأحضره لانه وعد الثانية تعليق الضمان باطل على الجديد وهو ان يقول ضمنت اذا جاء رأس الشهر او اذا بعت من فلان أما تعليق الكفالة بالبدن على مجيء رأس الشهر ذكر ابن سريج وجهين وفي التعليق على الحصاد وجهان مرتبان واولى بالمنع وعلى قدوم زيد وجهان مرتبان واولى بالمنع ولو نجز الكفالة وشرط تأخير الطلب الى مجيء الشهر فهي أولى بالجواز وهذا الخلاف ليس يجري في ضمان المال ولا في الابراء لان كفالة البدن تنبني على المصلحة فاتبعت فيه الحاجات اما اذا قال الق متاعك في البحر وعلي الف لزمه كما اذا قال طلق زوجتك واعتق عبدك وعلي الف لانه التزام لغرض صحيح ولو قال بع عبدك من فلان بمائة وعلي ائة اخرى فوجهان الاصح انه لا يلزمه إذ لا يظهر له فيه غرض الثالثة لو شرط في ضمان الدين الحال لم يثبت الاجل لانه يضمن ما عليه فهو تابع فلا يغير وصفه وفي طريقة العراق جواز ذلك لانه نوع رفق فجاز إثباته ويشهد له قطع ابن سريج بانه لو نجز كفالة البدن وشرط تأخير التسليم شهرا جاز ولكن احتمل في كفالة البدن ما لم يحتمل في الضمان ثم قال المزني لو أحضره قبل الشهر برئ عن العهدة وقال ابن سريح ينظر ان كان الدين مؤجلا او كانت البينة غائبة فلا يبرأ وان لم يكن له غرض فيخرج على ان الحق المؤجل اذا عجل هل يجبر على قبوله وفيه قولان ثم اذا أفسدنا شرط الاجل في ضمان الدين الحال ففي فساد الضمان بفساد الشرط وجهانولو ضمن الدين المؤجل حالا ففي فساد الشرط وجهان وان فسد ففي فساد الضمان وجهان الرابعة لو شرط الضامن ان يعطي المضمون عنه ضامنا ففي صحة شرطه وجهان فان فسد ففي فساد الضمان وجهان وان صح فعليه الوفاء فان لم يف فله الفسخ الخامسة لو تكفل بعضو من بدنه فيه ثلاثة أوجه أحدها يصح لان في تسليمه تسليم الباقي والثاني لا إذ ليس هو من التصرفات المبنية على السراية والثالث انه ان عين عضوا لا يقبل التسليم الا بتسليم البدن كالقلب والبطن والظهر لزم وان كان كاليد والرجل لم يلزم الباب الثاني في حكم الضمان الصحيح وله أحكام الحكم الأول أنه يتجدد لمستحق الدين مطالبة الضامن ولا ينقطع مطالبته عن المضمون عنه لان معناه ضم ذمة الى ذمة وقال مالك لا يطالب البضامن ما لم يعجز عن الممضمون عنه وقال ابن أبي ليلى لا يطالب المضمون عنه ما لم يعجز عن الضامن فروع ثلاثة الاول لو ابرأ الضامن لم يبرأ الاصيل ولو ابرأ الاصيل برئ الكفيل وقوله للضامن وهبت منك او تصدقت عليك كالابراء لا كالتوفية ثم استئناف الهبة حتى لا يثبت الرجوع خلافا لابي حنيفة رحمه الله فانه قال كالتوفيةفله الرجوع الثاني لو كان الدين مؤجلا ومات الأصيل وحل الدين لم يطالب الكفيل لانه حي ولم يلتزم ذلك أصلا الثالث لو قضى الضامن ثم وهب منه بعد القبض ففي الرجوع خلاف كما في هبة الصداق الحكم الثاني يجوز للضامن إجبار المضمون له على قبول الدين مهما أداه لانه صار ملتزما بخلاف ما إذا أدى دين غيره متبرعا فانه لا يجبر على القبول بل له ذلك إن أراد ومن أصحابنا من قال إن كان الضمان في صورة لا يرجع إذا ضمن لا يلزمه القبول لان في قبوله إدخال المال في ملك المضمون عنه ضمنا ثم وقوعه عن جهته وهو ضعيف الحكم الثالث يتجدد للضامن مطالبة المضمون عنه بتخليصه بقضاء الحق اتفق الأصحاب عليه سوى القفال فانه قال ليس له ذلك في وجه حكاه ولو حبس فهل له أن يقول احبسوا المضمون عنه معي فيه وجهان أما المطالبة بتسليم الدين إلى الضامن قبل أن يغرم الضامن ففيه وجهان أحدهما لا لانه رجوع قبل الأداء والثاني نعم لانه ملتزم له فله الاستيفاء منه وينبني على هذا انه إذا صار مستحق دين عليه فله أن يشترط كفيلا عليه في اصل الضمان وله الإبراء عنه والمصالحة وفي طريقة العراق انه لو سلم إلى الضامن ما يستحب له بقضاء الدين هل يملكه وجهان ووجه التمليك انه يستحق بسببين الضمان والقضاء وقد جرى أحدهما فكان كاليمين مع الحنث ومأخذ الخلاف مما ذكرناه أولى الحكم الرابع الرجوع بعد الأداء ونقدم عليه انه لو أدى دين غيره من غير ضمان بغير إذنه لم يرجع بإذنه مع شرط الرجوع رجع عليه وان أطلق الإذن فوجهان يقربان من القولين في أن الهبة المطلقة هل تقتضي ثوابا بالعرف ولو قال أد دين فلان لم يرجع على الأمر قطعا ولو قال أد دين الضامن عني فهو كما لو قال أد ديني لان له فيه غرضا فرع ولو صالح المأذون على غير جنسه فثلاثة أوجه أحدها لا يرجع لان ما أداه غير مأذون فيه فبطل اثر الإذن والثاني يرجع لانه مأذون له في أصل الأداء وهذه مراضاة في التفصيل جرى بينهما والثالث أنه إن قال أد ديني رجع وان قال اقض ما علي لم يرجع فان خالفه رجعنا إلى الضمان فإذا ضمن بإذنه وأدى بإذنه رجع وان لم يشترط الرجوع هذا هو المذهب لانه أذن في الالتزام والأداء بخلاف مجرد الإذن في الأداء وان ضمن بغير إذنه وغرم بغير إذنه فلا رجوع وإن ضمن بإذنه وأدى بغير إذنه فثلاثة أوجه أحدها انه يرجع لان موجب الرجوع هو الأداء وهو غير مأذون والثاني بلى وهو المنصوص لان الإذن في الالتزام أذن في الأداء والثالث انه ان طولب فغرم رجع وان ابتدأ مبادرا إليه لم يرجع وان ضمن بغير أذن وغرم بالإذن فوجهان مرتبان على من لم يضمن إذا أدى بالإذن فأولى بان لا يرجع لانه سبق التزامه فأداؤه خروج عن التزام نفسه وهو الأصح هذا كله إذا شهد على الأداء فلو لم يشهد فلا رجوع له إلا إذا صدقه المضمون له والمضمون عنه جميعا فان صدقه المضمون عنه دون المضمون له فوجهان أحدهما برجع مؤاخذة له بتصديقه والثاني لا لانه لم ينفعه بأدائه فلا يرجع به وإن صدقه المضمون له وكذبه المضمون عنه فوجهان أحدهما بلى لأن البراءة حصلت باعتراف المضمون له والثاني لا لان الأصل براءة ذمته وقول غيره ليس حجة عليه ولو كان بمرأى من المضمون عنه رجع لأن التقصير منسوب إليه في ترك الإشهاد لا إلى الضامن ولو أشهد فماتوا أو غابوا لم يمتنع الرجوع ولو ادعى موت الشهود وأنكرالمرجوع عليه اصل الإشهاد فالقول قول من فيه وجهان أحدهما يرجع إذ الاحتراز عنه غير ممكن والأصل عدم التقصير والثاني لا لان الأصل عدم الإشهاد ولو قال أشهدت زيدا وعمرا فقالا كذب فهو كترك الإشهاد ولو قالا لا ندري لعلنا نسينا فوجهان ولو أشهد رجلا وامرأتين رجع ولو أشهد مستورين فعدلا رجع وان لم يعدلا فوجهان يقربان من الخلاف في انعقاد النكاح بشهادتها ولو أشهد واحدا ليحلف معه فوجهان ووجه التقصير أن القاضي ربما يكون حنفيا ثم لو كذبه المضمون له وطالبه مرة أخرى فأشهد على الأداء الثاني فالصحيح أنه يرجع الآن وقيل إنه إذا ثلاثة رجع بالأول فهو مظلوم بالثاني بزعمه فلا يرجع أيضا به فروع ثلاثة الأول لو صالح الضامن المضمون له نظر فان سومح بمقدار أو بصفة فيه لم يرجع إلا بما بذل ولو صالح على عوض يساوي تسعمائة عن دين مبلغه ألف فوجهان أحدهما يرجع بتمام الألف فان المسامحة معه في شراء ماله بالغبن مخصوص به والثاني لا بل فانه لم يبذل إلا قدر تسعمائة ولو صالح الضامن المضمون له على خمر وكانا ذميين والمضمون عنه مسلم ففي صحة الصلح وجهان فان صححنا وقلنا الرجوع بما بذله فهاهنا لا يطمع فيه وان قلنا الرجوع بالدين رجع الثاني إذا ضمن العبد من سيده بإذنه فأداه بعد الحرية من كسبه ففي رجوعه وجهان يقربان من الخلاف في استمرار الإجارة بعد العتق الثالث لو ضمن السيد عن عبده بإذنه وأداه بعد عتقه رجع عليه وإن أداه قبلالعتق رأيت للأصحاب انه يرجع وفيه نظر من حيث أن فيه إثبات دين السيد على عبده في دوام الرق وان ضمن السيد عن العبد المأذون دين التجارة فهل يرجع بعد العتق فإن قلنا إن العبد لو أداه رجع على السيد فالسيد لا يرجع عليه وان قلنا لا يرجع فوجهان ووجه المنع أن السيد إنما يرجع لانه يقول ضمنت بإذنك فللعبد أن يقول وأنا التزمت دين التجارة بإذنك فيقاوم الأمران فلا رجوع الباب الثالث في الاختلاف وفيه مسألتان إحداهما فيما يسمع من تناقض قول المدعي مثاله أن من باع شيئا من رجلين بألف بشرط أن يكون كل واحد ضامنا عن صاحبه بطل البيع لانه شرط على المشتري التزام غير الثمن ولكن لو جرى الضمان من غير شرط صح من كل جانب وكان له أن يطالب من شاء منهما بألف فلو أخذ من أحدهما خمسمائة وقال أديته عن جهة الضمان وحصتك باقية فالقول قول المؤدي وان حلف انه أدى عن جهة نفسه فهل له أن يطالبه عن جهة الضمان فيه وجهان أحدهما لا لانه يناقض قوله الأول إذا اعترف في دعواه ببراءته عن جهة الضمان والثاني قطع به القفال وهو الصحيح انه يجوز إذ بني ذلك على خيال وانكشف بيمينه فلا يبطل حقه هو كما لو ادعى على المشتري أن المشترى غصب فقال منكرا بل هو ملكي وملك من اشتريته منه فأقيمت البينة فانه يرجع على البائع بالثمن وان كان قد اعترف له بالصدق وانه ملكه ولكن قيل هو بناء على ظاهر وقد ظهر بالبينة نقيضه ومن الأصحاب من طرد وجها انه لا يرجع إذ كان حقه أن يقول لا يلزمني تسليمه إليك ولا يقر للبائع بالملك وهو بعيد ولو ادعى على شخص ضمانا عن غائب فأنكر فأقيمت البينة فغرم فأراد الرجوع على الغائب نقل المزني أن له ذلك وهذا بعيد لانه قطع بنفي الضمان وهو فعله الذي ينفيه فالرجوع مناقض له فمن الأصحاب من قال لا يرجع وهو الأصح وحمل كلام المزني على ما إذا سكت أو أنكر وكيله ولم ينكر هو بنفسه ولو قال الكفيل أبرأت الأصيل فبرئت فحلف المستحق فهل للكفيل مطالبة الأصيل وهو مناقض لما تقدم منه فيه وجهان الأسد الجواز لانه قد يدعي ذلك عن سماع وظن فيتبين بالحلف نقيضه وكذلك لو تكفل ثم قال كنت أبرأت قبل كفالتي ولو أعرف فهل يسمع دعواه للتحليف فيه وجهان يجري في كل دعوى محتمل مناقضة عقد سابق المسألة الثانية ادعى ضمانا بألف وأقام شاهدا انه ضمن ألفا وآخر أنه ضمن خمسمائة ففي ثبوت الخمسمائة وجهان أحدهما نعم كما لو أطلق دعوى الألف من غير إسناد إلى الضمان والثاني لا لأنهما لم يتفقا على شيء واحد وضمان الألف يخالف ضمان الخمسمائة بخلاف الدين المطلق ولو شهد الآخر أيضا على الألف ولكن قال قد قضى منه خمسمائة ففي ثبوت تمام الألف وجهان أحدهما نعم لأنهما اتفقا عليه وانفرد أحدهما بشهادة قضاء الدين فيلغو والثاني لا لأنه وصل بشهادته ذلك فكأنه لم يشهد إلا على خمسمائة ثم لا شك أنه لو حلف مع شاهد على قضاء الخمسمائة يقضى له به بشرط أن تعاد الشهادة فإنها جرت قبل الاستشهاد والله أعلم كتاب الشركة الشركة معاملة صحيحة وليس عقدا برأسها وإنما هو وكالة على التحقيق وإذن كل واحد من الشريكين صاحبه في التصرف في المال المشترك وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول في أركانه وهي ثلاثة الأول المال الذي فيه الشركة والشركة أنواع والصحيح واحدة من الشريكين لصاحبه وهي شركة العنان اشتقت من عنان الدابة لتساوي جانبيه فكأنهما يتساويان في العمل والمال كعنان الدابة وله شروط الأول أن تجري في نقد فإن جرت في عروض مشتركة فالأصح الجواز إذ لا معنى للشركة إلا الإذن في التصرف والربح متوزع على قدر المالين والثاني المنع لأن مقصودهما الاتجار فأشبه القراض الشرط الثاني الاختلاط يمتنع معه التمييز حتى يقوم مقام الشركة فإن كان المال مشتركا على الشيوع فهو الغرض وإلا فلابد من اختلاط فلو اختلفا في النوع أو في الصنجة أو في الصكة لم يصح لأنه متميز بملكه وكذلك لو تعذر التمييز كما لو خلط السمسم بالكتان ولو خلط الحنطة الحمراء بالبيضاء ففيه وجهان لأن اتحاد الجنس مع معسر التمييز قد يجعلهما بحكم العرف كالشيء الواحد فروع الأول شركة المفاوضة باطلة خلافا لأبي حنيفة وهو أن لا يخلطا ماليهما ولكن يتفاوضان في الاشتراك في الغنم والغرم في كل ما يفيد ويوجب غرما وهو فاسد لأن كل واحد متميز بملكه وجنايته فكان متميزا بثمرته وغرمته الثاني شركة الأبدان باطلة خلافا لأبي حنيفة وهو اشتراك الدلالين والحمالين في أجرة أعمالهم لأن كل واحد متميز باستحقاق منفعته فاختص باستحقاق بدله الثالث شركة الوجوه باطلة وهو أن يبيع الوجيه المقبول اللهجة في البيع مال الخامل بربح على أن يكون بعض الربح له فالربح كله لصاحب المال وله أجره تعبه إن عمل وإن لم يصدر منه إلا كلمة لا تعب فيها فلا قيمة لها الرابع إذا كان لواحد بغلة وللآخر راوية وشاركهما ثالث ليستقي الماء بنفسه ويكون مشتركا بينهما فإن استقى ناويا نفسه اختص بالملك ولهما عليه أجرة المثل وإن قصد الشركة في الماء ففيه وجهان مأخذهما أن الاستنابة هل تؤثر في إحراز المباحات حتى يتصرف الملك عن المحرز بالقصد وسنذكره في الوكالة فإن قلنا تؤثر فالتوزيع هاهنا على عدد الرءوس أو على قدر أجرة المثل فيه وجهان فإن قلنا يتوزع على عدد الرءوس فيتراجعون بما يتفاوت من أجرة المثل لا محالة ولو استأجرت بغلة وراوية ورجلا للاستقاء وأفرد كل إجارة بصفقة فلا شك في الصحة وأن الملك في الماء يقع للمستأجر وإن فسدت الإجارة بسبب قال الشيخ أبو علي وقع الماء أيضا للمستأجر إن قصد الأجير أيضا الماء نفسه لتأثير العوض وفيما إذا قصد نفسه الإجارة نظر لأنه لا استحقاق ولا قصد من جهة المستقي إلا لنفسه فينبغي ان يقع له وهكذا إذا كان من واحد بذر ومن آخر آلة الحراثة ومن ثالث العمل علىالاشتراك في الزرع فالزرع لصاحب البذر ولهما عليه أجرة المثل ولا طريق للاشتراك في الزرع إلا الاشتراك في البذر الشرط الثالث اقتران الخلط بالشركة فلو عقد الشركة لفظا ثم جرى الخلط بعده قال للأصحاب لا يصح وفيه نظر محتمل إذ لا معنى للشركة إلا الإذن ولا ينقطع الإذن بالخلط الطارئ ولا يمتنع في حالة الإفراد الشرط الرابع استواء المالين شرطه أبو القاسم الأنماطي وهو هفوة فلا مستند لاشترط ذلك أصلا الشرط الخامس معرفة مقدار النصيب حالة الشركة وفيه وجهان ومأخذه أن الإذن في التصرف مع الجهل بقدر المتصرف فيه على هذا الوجه هل يصح ولعل الأظهر الصحة فالمتفق عليه من جملة الشرائط الخمسة واحد وهو اختلاط المالين حتى ينزل منزلة المشترك وما عداه مختلف فيه الركن الثاني صيغة العقد وهو أن يقولا اشتركنا على أن يتصرف كل واحد منا في مال صاحبه فيرجع حاصل العقد إلى إذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرففلو اقتصر على لفظ الاشتراك ففيه وجهان من حيث إن بمجرده يحكم العرف إشعارا بالمقصود وإن لم يصرح به الركن الثالث العاقدان ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل وسيأتي في الوكالة نعم يكره مشاركة أهل الذمة والفساق لأنهم لا يحترزون عن الربا الفصل الثاني في حكم الشركة الصحيحة ولها ثلاثة أحكام الأول أن يتسلط كل واحد على التصرف بشرط الغبطة سواء انفرد باليد أو كان المال في يدهما ولا يشترط أيضا كون المال في يدهما لصحة العقد بل يصح كيف ما كان فما يشتريه أحد الشريكين بعين مال الشركة يقع مشتركا وما يشتريه في الذمة على قصد الشركة أيضا يقع مشتركا الثاني أن الربح والخسران موزع على نسبة المالين فلو شرط اختصاص أحدهما بمزيد ربح بطل الشرط ويوزع على قدر الملك خلافا لأبي حنيفة هذا إذا شرط لمن لا يختص بمزيد عمل فإن شرط للمنفرد بكل العمل أو ببعض فثلاثة أوجه أحدها الجواز لأنه انضم القراض إلى الشركة فعلى هذا يشترط انفراد العامل باليد والثاني لا لأن المال إذا كان مشتركا كان هو الركن والعلة وعليه حوالة الربح والعمل ساقط العبرة بخلاف القراض فإنه لا سبب من جهة العامل إلا عمله والثالث أنه إن انفرد بكل عمل جاز أن يشترط له فإن انفرد بمزيد بعد التعاون في الأصل فلا فإنه لا يدرى الربح حصل بأي عمل فتعينت الإحالة على المال الحكم الثالث أن الشركة جائزة ينفسخ بالموت والجنون والفسخ فلو قال أحدهما لصاحبه عزلتك انعزل المخاطب دون العازل ولو قال فسخت الشركة انعزل كل واحد منهما وسببه ظاهر فإن قيل ما معنى فساد الشركة إذا لم يكن عقدا برأسها قلنا نعني بالفساد مرة فساد الإذن ومرة فساد الشرط وذلك عند شرط التفاوت في الربح ومرة فواد المقصود وذلك عند تمييز الملكين إذ العرض لا يقع مشتركا على حسب المراد وقد يظهر فائدته في طلب أجرة المثل في العمل الذي صادف نصيب شريكه إذا كان مختصا بمزيد عمل وأما إذا صحت الشركة فالأصح أنه لا يطالب بأجرة المثل وإن اختصبمزيد عمل لأن التبرع يتفاوت والعمل في الشركة الصحيحة معتاد الفصل الثالث في الاختلاف وفيه مسألتان إحداهما أنه لو ادعى عليه أحد الشريكين الجناية لم يسمع الدعوى مطلقا حتى يفصل فإذا فصلها فالقول قوله مع يمينه إذا أنكر ولو ادعى أن ما في يده مال شركة فأنكره فالقول قوله مع يمينه لأنه صاحب اليد ولو قال كان من مال الشركة ثم خلص لي بالإفراز والقسمة فأنكر المدعى عليه القسمة فالقول قوله في إنكار القسمة وإن اشترى شيئا ظهر فيه ربح أو خسران أو تنازعا في أنه اشتراه لنفسه أو للشركة فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه أعرف بنيته ويد الشريك يد أمانة ما لم تخن فلا ضمان عليه إذا هلك فإن ادعى هلاكا بسبب خفي فالقول قوله لأن إقامة البينة عليه عسير وإن كان السبب ظاهرا من حريق أوة غارة فلا بد من إثبات السبب ثم القول قوله مع يمينه في الهلاك بذلك السبب هكذا نقل في طريقة العراق الثانية إذا كان بين اثنين عبد مشترك فوكل أحدهما صاحبه ببيعه فباع ثم ادعى الموكل والمشتري أن الوكيل قبض تمام الثمن وأنكر الوكيل فلا خصومة بين الموكل والمشتري إذا اعترف له بتسليم نصيبه إلى الوكيل ولكن الخصومة بين الموكلوالوكيل وبين الوكيل البائع والمشتري فإن تخاصم البائع والمشتري فالقول قول البائع أنه لم يقبض فإن حلف أخذ نصيبه ولم يأخذ نصيب الموكل لأنه معزول بقول الموكل أنه أخذ من قبل ولا يساهمه الموكل فيما أخذه لأنه ظالم فيما أخذه الآن بزعمه ولو شهد الموكل للمشتري على البائع بالقبض ليحلف معه فشهادته في نصيبه مردودة وفي نصيب شريكه قولان سيأتي نظائرهما في الشهادات أما إذا تحاكم الوكيل و الموكل فالقول قول الوكيل أنه لم يقبض و ليس للمشترى أن يشهد الموكل على البائع فإنه يشهد به على نفسه فإن نكل الوكيل و حلف الموكل و أستحق نصيبه فللوكيل مطالبة المشتري بحصته و لا يسقط ذلك بنكوله و بيمين الموكل و حكي وجه أنه إذا قيل إن اليمين المردودة كالبينة سقطت مطالبته و هو فاسد المسألة بحالها أدعي البائع و المشتري أن الوكيل قبض تمام الثمن و أنكر فالمشتري لا يبرأ عن حصة الوكيل البائع و إن صدق في التسليم لأن الموكل لم يكن وكيله فلا يبرأ بالتسليم إليه ثم إذا أخذ حصته فهل للموكل مساهمته قال المزني نعم لأنه وكيله وقد أخذ خمسمائة مثلا من جملة الألف فيتخير بين أن يطالب البائع بمائتين وخمسين والمشتري بمائتين وخمسين وبين أن يأخذخمسمائة دفعة واحدة من المشتري بعد أن لم يقم بينة على أخذه كما إذا ادعى عليه وقال ابن سريج لا يرجع لأن الوكيل لما ادعى أن الموكل أخذ الكل فقد عزل نفسه فلا يقع قبضه محسوبا من جهته وهو كما قال ويبقى لكلام المزني وجه في أن أحد الشريكين وإن لم وكيلا في الاستيفاء إذا استوفى جزءا من الثمن لنفسه هل يختص به أن يقع مشتركا أخذا من المكاتب المشترك إذا أدى بعض النجوم و فيه خلاف فإن قلنا بقول المزني فلا تقبل شهادة البائع للمشتري على قبض بالموكل نصيبه لأنه يدفع عن نفسه الرجوع والمشاركة وعلى قول ابن سريج له ذلك لأنه لا يجر به نفعا ولا يدفع به ضرا والله أعلم كتاب الوكالة وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في أركانها وهي أربعة الركن الأول ما فيه التوكيل وله ثلاثة شرائط الأول أن يكون قابلا للنيابة وهو ما لا يتعين بحكمه مباشرة فقد وكل صلى الله عليه وسلم في الشراء ووكل عمرو بن أمية الضمري في نكاح أم حبيبة ووكل الجباة في أخذ الجزية والصدقات فكان في معنى الشراء البيع والإجارة والسلم والرهن والصلح والحوالة والضمان والكفالة والشركة والوكالة والوديعة والإعارة والمضاربة والجعالة والمساقاة والقرض والهبة والوقف والصدقة لأنها أسباب شرعت ذرائع إلى المقاصد تكثر الحاجة إلى التوكيل فيها وفي معنى النكاح الخلع والطلاق والفسوخ في العقود والرجعة على الصحيح وفي معنى استيفاء الجزى والصدقات قبض الحقوق في الرهن والبيع وقبض الديون المستحقة ولا تجوز النيابة فيما يتعلق القصد بعينه كالعبادات فإنها بأعيانها مقصودة في المتعاطين امتحانا وتكليفا فكيف تقبل التحويل بالتوكيل وكذا المعاصي كالسرقة والقتل والزنا والغصب فهي واقعة من الوكيل لأنه مقصود بالزجر عن عينه فيثبت حكمه في حقه فلا يتحول عنه وألحق بفن العبادات الإيمان والشهادات فإن حكم اليمين يتعلق بذكر اسم الله تعالى على سبيل التعظيم وليس في التوكيل ذلك وكذلك حكم الشهادات يتعلق بلفظ الشهادة حتى لا يقوم غيره مقامه فكيف يتعلق بالساكت عن كلمة أداء الشهادة ويلتحق باليمين اللعان والإيلاء وكذا الظهار إن قلنا إن المغلب عليه شوائب الإيمان لا شوائب الطلاقواختلفوا في ثلاث مسائل الأولى الإقرار وظاهر النص جواز التوكيل فيه لأنه سبب ملزم لمال فأشبه الضمان وغيره والثاني وهو قول ابن سريج واختياره أنه لا يصح لأن الإقرار لا يلزم وإنما هو حجة وإخبار كالشهادة فإن لم يجوز التوكيل به فهل نجعله مقرا يالتوكيل فيه وجهان أحدهما نعم حملا لقوله على الصدق والثاني لا فإنه لم يقر الثانية التوكيل في تملك المباحات بإثبات اليد كالإحتطاب والاصطياد واستقاء الماء وفيه وجهان منشؤهما التردد بين قبض الحقوق فإنها قابلة للتوكيل وقبض المحظورات كالسرقة والغصب فإنه لا يقبل الوكالة الثالثة أن التوكيل بالخصومة لإثبات الأموال والعقوبات للآدميين كحد القذف في القصاص جائز برضا الخصم ودون رضاه عندنا خلافا لأبي حنيفة ولا يجوز التوكيل بإثبات الحدود لله تعالى فإن الحق لله تعالى وهو على الدراء مبناه وهل يجوز التوكيل باستيفاء القصاص وحد القذف لا شك في جوازه في حضور الموكل وفي غيبته نص الشافعي رضي الله عنه في الوكالة أنه لا يستوفى وقال في الجنايات ولو وكل فتنحى به فعفا الموكل فقتله الوكيل قبل العلم بالعفو ففي الضمان قولان فمنهم من قطع بالجواز كما في حضرته ومنهم من قطع بالمنع لأنه إذا حضر ربما رحمه فعفا ومنهم من قال قولان مأخذهما أن الإبدال هل يتطرق إليها كالإثباتبالشهادة على الشهادة لأن الوكيل بدل وهو باطل بحال الحضور الشرط الثاني أن يكون ما به التوكيل مملوكا لموكله فلو وكله بطلاق زوجة سينكحها أو بيع عبد سيملكه فالوكالة في الحال باطلة لأنه فوض إليه ما لا يملكه الشرط الثالث أن يكون الموكل به مضبوط الجنس معلوما وفيه أربع مسائل الأولى إذا وكل على العموم فلو قال وكلتك بكل قليل وكثير لم يجز لأنه يعظم فيه الغرر ولو قال وكلتك بما إلي من تطليق زوجاتي وعتق عبيدي واستيفاء حقوقي وقضاء ديوني فهو جائز لأنه فصل وقيد بما إليه فانتفى الغرر ولو قال وكلتك بكل قليل وكثير مما إلي من التصرفات ففيه وجهانلتردده بين المرتبين الثانية إذا وكل بتصرف خاص وقال اشتر لي عبدا تركيا بمائة صح ولم يشترط وراءه وصفا قطعا لأن هذا القدر ينفى الغرر عرفا وإن اقتصر على قوله اشتر عبدا فالمذهب المنع لأنه يعظم فيه الغرر وإن قال عبدا تركيا ولم يذكر الثمن ففيه وجهان لتردده بين المرتبتين واختار ابن سريج صحته لأنه يكون قد وطن نفسه على أعلى الجنس المذكور الثالثة إذا جوزنا التوكيل بالإقرار فلا يصح حتى يتبين قدر المقر به وجنسه لأن الغرر يعظم فيه وإن وكله بالإبراء فليذكر مقداره فإن قال أبرئه من مالي عما لي عليه وعرفه الموكل دون الوكيل والمبرأ عنه جاز فلا يشترط إلا معرفة المستحق ولو قال بع عبدي بما باع به فلان فرسه والموكل عالم بذلك القدر والوكيل جاهل لم يجز فيعتبر في العقد علم الوكيل لأنه متعلق العهدة بخلاف الإبراء الرابعة لو قال وكلتك بمخاصمة خصمي فيه وجهان أحدهما الجواز لأن الخصومة جنس واحد والثاني لا لما فيه من الاختلاف والأولى تصحيحه الركن الثاني الموكل وشرطه أن يكون قادرا على التصرف بنفسه فلا يصح توكيل المحنون والصبي والمرأة في عقد النكاح والفاسق في نكاح ابنته إذا قلنا إنه لا يلي والعبد في نكاحه لنفسه وللأب والجد ذلك التوكيل وهل للأخ والعم ومن يفتقر إلى الإذن في ذلك فيه وجهان منهم من ألحقهم بالوكيل والعبد المأذون وهما لا يملكان التوكيل في التصرف المعين إلا بالإذن ومنهم من ألحق بالجد والأب الركن الثالث الوكيل وشرطه أن يكون صحيح العبارة فالمرأة مسلوبة العبارة في النكاح إيجابا وقبولا وكذا المحرم عندنا والصبي والمجنون مسلوبا العبارة مطلقا والأصح أن المحجور عليه بالتبذير صحيح العبارة وكذا المحجور عليه بالفلس فيصح توكيلهم وذكروا في توكيل العبد بقبول النكاح وتوكيل المرأة بتطليق غيرها وتوكيل الفاسق بالإيجاب في النكاح وجهين إذا قلنا إنه لا يلي مع القطع بأنه يتوكل في القبول وينبغي أن يطرد الوجهان أيضا في إيجاب العبد في النكاح والأسد الجواز في الكل إذ لا خلل في نفس العبارة وإنما امتنع الاستقلال لمعنى لا يقتضي منع الوكالة الركن الرابع الصيغة وفيه مسألتان إحداهما أن الإيجاب لا بد منه وهو قوله وكلتك أو أذنت لك أو ما يقوم مقامه وفي القبول ثلاثة أوجه أحدها لا يشترط لأنه تسليط وإباحة فأشبه إباحة الطعام وفي طريقة العراق أنه لابد من القبول ثم يكفي التراضي والقبول بالفعل وهذا عين إسقاط القبول بتنزيله منزلة الإباحة والثاني أنه يشترط لأنه عقد كالعقود والثالث قال القاضي إن قال بع وطلق وأتى بصيغة الأمر فهو كالإباحة وإن قال وكلتك أو أنبتك فهذا من حيث الصيغة يستدعي قبولا لينتظم وقد أطلق الأصحاب أن الوكيل لو عزل نفسه ينعزل وعلى رأي القاضي يحتمل أن يقال لا تأثير لرد الوكالة كما لا تأثر لرد الإباحة ويحتمل أن يقال الإباحة تبطل بالرد فيحتاج إلى استئنافها بعد ذلك إن قلنا لا يشترط قبوله ففي اشتراط علمه وجهان مرتبان على انعزالهبالعزل دون علمه وأولى بأن يشترط فإن قلنا يشترط علمه ففي اشتراط اتصاله بالوكالة مقترنا وجهان الثانية تعليق الوكالة بالشروط فيه خلاف مشهور منهم من بناه على اشتراط القبول فإن التعليق معه لا ينتظم قال الشيخ أبو محمد إن لم يشترط القبول جاز التعليق لأن الحاجة قد تمس إليه وإن شرطنا القبول فوجهان فإنا نجوز تعليق الخلع وقد شرط فيه القبول فإن أفسدنا التعليق فوجد الشرط قال العراقيون جاز التصرف بحكم الإذن وفائدة فساد الوكالة سقوط المسمى إن سمى له أجرة وقطع الشيخ أبو محمد بأن الإذن ليس منفصلا عن الوكالة فمعنى فسادها بطلان الإذن فرعان أحدهما لو قال وكلتك الآن ولكن لا تباشر التصرف إلا بعد شهر أو بعد قدوم فلان قطع العراقيون بالجواز وقالوا ليس هذا تعليقا إنما هو تأخير فيجب عليه الامتثال وبه قطع الشيخ أبو محمد الثاني إذا قال كلما عزلتك فأنت وكيلي وجوزنا التعليق عاد وكيلا فطريقه في العزل أن يقول كلما عدت وكيلي فأنت معزول حتى يتقاوم العزل والوكالة ويكون الأصل منع التصرف الباب الثاني في حكم الوكالة الصحيحة ولها أربعة أحكام الحكم الأول وجوب الموافقة والامتثال ويعرف ذلك من موافقة اللفظ ولا يعرف بمجرده بل قد يوافق اللفظ و لا يصح لمخالفة المقصود وقد يخالف اللفظ فيصح لموافقة المقصود فأما ما يوافق اللفظ في عمومه ويمتنع بمخالفة المقصود فذلك في الوكيل المطلق وفيه صور الأولى أن الوكيل بالبيع مطلقا لا يبيع بالعرض ولا النسيئة ولا بما دون ثمن المثل ولا بثمن المثل إن قدر على ما فوقه فإن فعل شيئا من ذلك لم يصح تصرفه عند الشافعي رضي الله عته لأن قرينة العرف عرفت هذه المقاصد فنزل منزلة اللفظ فهو كما إذا أمره بشراء الجمد في الصيف فلا يشتريه في الشتاء وإذا أمره بشراء الفحم في الشتاء فلا يشتريه في الصيف تركا لعموم اللفظ بقرينة الحال فيجب أن يبيع بالنقد الغالب وثمن المثل فإن باع بثمن المثل فطلب في مجلس الخيار بزيادة ففي وجوب الفسخ وجهان فصلناهما في كتاب الرهن الثانية أن يبيع ممن شاء من أقاربه ولا يبيع من نفسه عند الإطلاق وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يبيع ممن ترد شهادته لهوذلك وجه لأصحابنا مشهور في طريقة العراق والصحيح أنه ينفذ مهما راعى الغبطة وبيعه من نفسه خارج عنه بقرينة العرف نعم لو صرح بالإذن في بيعه من نفسه فقد ذكر ابن سريج وجهين القياس الظاهر صحته ووجه المنع أنه يتحد البائع والمشتري والبيع فعل شرعي متعد إلى مبتاع ومبيع فلا يقوم إلا بمفعولين وطرد ابن سريج هذا في ابن العم أنه هل يتولى طرفي النكاح لنفسه وكذا الوكيل في النكاح وطرد هذا في قطع اليد بإذن الإمام سرقة وقصاصا وإقامة الحد إذا تعاطاها من عليه بالإذن وكذلك من عليه الدين إذا قال له المستحق اقبض لي مننفسك وقال لو وكله من عليه الدين بإبراء نفسه جاز وطرد العراقيون الوجهين فيه ولعل منشأه أنه إذا قيل هل يفتقر إلى القبول يلتحق بسائر التصرفات وإلا فما ذكره ابن سريج ظاهر وكذا الخلاف في الوكيل بالخصومة من الجانبين أنه هل يصح ولا خلاف أن الأب يتولى طرفي البيع في مال ولده وذلك من خاصية الأبوة وفي تولي الجد طرفي النكاح على حفدته الوجهان ولو كان وكيلا بالبيع والشراء من الطرفين فينبغي أن يخرج على الوجهين فإن التناقض فيه لا يزيد على بيعه من نفسه ولو وكل عبدا ليشتري له نفسه من مولاه صح وفي طريقة العراق وجه أنه لا يصح لأن توكيل العبد كتوكيل المولى فإن يده بيده ولو وكله ليشتري له من نفسه لا يجوز على أحد الوجهين وهو ضعيف نعم قال صاحب التقريب لو أضاف العبد الشراء إلى موكله وقع عنه ولو أطلق وقع عن العبد وعتق لأن قوله اشتريت صريح في اقتضاء العتق فلا يتحول إلى الملك بمجرد النية ولو وكل العبد أجنبيا ليشتري له نفسه من سيده فإن صرح بالإضافة إلى العبد صح وإن أضمر وقع عنه لأن السيد لم يرض بالعتق والنقل إلى العبد كالإعتاق الثالثة الوكيل بالبيع إلى أجل إن فصل له الأجل لم يزد و إن أذنمطلقا في الأصل فوجهان أحدهما البطلان لأنه مجهول والأصح الصحة ثم يتقيد بشرط الغبطة وقيل لا يزيد على سنة فإنه أجل الشرع في الجزية و الزكاة وهو ضعيف الرابعة الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك تسليم المبيع قبل توفير الثمن لأنه لم يؤذن له فيه فإن وفر على المالك جاز التسليم لأنه مستحق فعليه الأداء أن لا يمنع من الحق لأنه ملكه بالتوكيل وكذلك التوكيل بالشراء يملك تسليم الثمن ويملك قبض المشتري لأن العرف يدل عليه وهو يملك قبض ثمن المبيع المعين فيه وجهان أحدهما لا لأنه لم يأذن وتعيين ملكه بالقبض يستدعي أمرا مجددا والثاني نعم لأنه من توابع البيع كقبض المشتري المعين فكذلك الخلاف في أن الوكيل بالخصومة في إثبات حق هل يملك استيفاءه الوكيل بالاستيفاء هل يملك الخصومة فيه ثلاثة أوجهالثالث أن الوكيل بإثبات الحق لا يملك الاستيفاء أما الوكيل بالاستيفاء فيملك الخصومة لأنه من جملة الاستيفاء وكذا الخلاف في أن الوكيل بالشراء إذا توجه الدرك بالثمن عند خروج المبيع مستحقا هل يخاصم في استرداد الثمن لأنه من التوابع ولا خلاف في أنه لا يملك الإبراء عن الثمن خلافا لأبي حنيفة ويقرب من هذا الأصل الخلاف في أنه هل يملك إثبات الخيار وشرطه فيه ثلاثة أوجه أحدها لا لأن لم يؤذن له فيه والثاني نعم لأنه من توابع العقد ومصالحه والثالث أنه يملك في الشراء للحاجة إلى التروي ولا يملك في البيع الخامسة الوكيل المطلق بالشراء إن اشترى عبدا معيبا يساوي ما اشتراه به فإن جهل العيب وقع عن الموكل وإن علمه فثلاثة أوجه لأحدها نعم لأن صيغة العبد عام والثاني لا لأن لعرف يخصص بالتسليم والثالث أن ما لا يجزئ في الكفارة لا يقع عن جهته فقوله اشتر رقبة كقول الله تعالى { فتحرير رقبة } أما إذا كان لا يساوي ما اشترى به فإن علم العيب لم يقع عن الموكل لأنه مخالف وإن جهل فوجهان أحدهما لا كما لو كان يغبن ولم يعرف والثاني نعم لأن الغبن لا تدارك له وإيقاع هذا عنه ووقوعه على رضا الموكل ممكن التفريع إذا اشترى المبيع المعيب بثمن المثل وقلنا يقع عنه فللموكل الرد وهل للوكيل الرد بالعيب نظر إن لم يكن العبد معيبا من جهة الموكل فالظاهر أن له ذلك ليخرج عن العهدة فيكون من توابع العقد ومصالحه وفيه وجه حكاه صاحب التقريب عن ابن سريج أنه لا يملك وهو متجه قياسا بل يرجع إلى الموكل أما إذا كان العبد معينا من جهة الموكل فوجهان مشهوران ووجه الفرق أنه قطع بالتعيين نظره فلعل له فيه غرضا يجبر العيب إذا علمهفإذا أثبتنا الخيار للوكيل فإذا رضي الموكل سقط خيار الوكيل فإن رضي الوكيل لم يسقط خيار الموكل فلو عاد الوكيل بعد الرضا جاز على أحد الوجهين لأن رضاه كان ساقطا وفيه وجه أنه لم يجز له الرد فلو أراد الوكيل الرد فادعى البائع رضا الموكل فعليه البينة أو يحلف الوكيل أنه لا يعلم رضا الموكل ويرد ليخرج عن العهدة أما إذا كان الوكيل عالما بالعيب وقلنا يقع عن الموكل فلا رد له وهل للموكل الرد فيه وجهان ووجه المنع أن علم الوكيل كعلم الموكل كما أن رؤيته تمنع الموكل من خيار الرؤية فإن قلنا له الرد فإذا رد هل يتحول العقد الآن إلى المشتري فيه وجهان ووجه المنع أنه وقع في الابتداء عن الموكل فلا يعقل انتقاله السادسة الوكيل المطلق بتصرف معين لا توكل فيه ولو فوض إليه تصرفات لا يطيقها فثلاثة أوجه أحدها لا لأنه لم يؤذن له فليفعل ما يقدر عليه وليترك الباقي والثاني نعم لأن قرينة الحال يدل على أنه أراد تحصيله منه بطريقة والثالث أنه لا يوكل في القدر الميسور ويوكل في الباقي آما إذا أذن له في التوكيل بان قال بع أو وكل عني فله أن يوكل أمينا فلو وكل خائنا لم يصح لأنه خلاف الغبطة فان كان أمينا فخان فهل للوكيل عزله فيه وجهان ثم إذا قال وكل عني فوكل أمينا فالوكيل الثاني وكيل الموكل لا ينعزل بعزل الوكيل فان قال وكل عن نفسك فيه وجهان أحدهما ان الوكيل الثاني وكيل الوكيل كما صرح به والثاني وكيل الموكل لأن الوكيل لا يملك فكيف يكون له وكيل ان قلنا انه وكيل الوكيل فله عزله وسبيل الموكل إلي عزله بعزل الوكيل الأول فان خصصه بالعزل فوجهان وان قلنا وكيل الموكل فلا ينعزل الوكيل الأول وهل ينعزل بموته وجهان ووجه الانعزال أنه فرع على الجملة ولو قال بع أو وكل ولم يقل عن نفسك أو عني فعلى أيهما يحمل على وجهين هذا كله في الوكيل المطلق أما الوكيل المقيد فيجب عليه أن يتبع قيود التوكيل ولا يخالف وفيه صور الأولى لو قال بع من شخص مخصوص أو في مكان مخصوص أو بنقد مخصوص أو وقت مخصوص أو أجل مخصوص لم يجز له ان يتعدى الى ما نهاه ولا الى ما سكت عنه اذ 1 تصور ان يكون له في المخصوص غرض وفي تخصيص المكان الذي لا يظهر فيه تفاوت ثمن وجه آخر أنه لا يجب اتباعه ويحمل التخصيص على وفاق فلو قال بع بمائة ولا تبع بما فوقه لا يبيع بما فوقه ولو قال بع بمائة واقتصر عليه لا يبيع منا دونه ويبيع بما فوقه ألانه امتثل ما آمر وزاد خيرا فلم تكن مخالفة كذلك إذا قال اشتر بالفين فاشتراه بآلف صح لأنه زاده خيرا آلا إذا نهاه عما دون الآلفين ولو قال بع بآلف درهم فباع بآلف دينار لم يصح قطعا لانه مخالفة في الجنس واللفظ لم يدل عليه فيبق ميله طبعا إليه فهو كما قبل التوكيل ولو قال بع بالنسيئة بمائة فباع بمئه نقدا فوجهان أحدهما أنه اختلاف جنس فلا يحتمل والثاني أنه يصح لأنه زاده مكان المطالبة في الحال فهذا زيادة قدر الثانية إذا سلم إليه دينارا وقال اشتر به شاة فاشترى بهشاتين وكل واحدة تساوي دينارا أو دينارا ونصفا لم يجز لأنه ربما يبغي شاة تساوي دينارا فلو اشترى شاتين كل واحدة يساوي دينارا فقولان أصحهما الصحة لما روي أنه عليه السلام دفع دينارا إلى عروة ليشتري لبه شاة فاشتري شاتين وباع إحديهما بدينار وجاء بدينار والشاة فقال عليه السلام بارك الله لك في صفقة يمينك فان قيل فما قولكم في بيع الشاة الثانية قلنا ذكر ابن سريج قولين ووجه الفساد يخرج الى تأويل الحديث وحمله الى أنه كان وكيلا مطلقا في التصرفات ووجه الصحة يعضد قول وقف العقود ويمكن أن يقال جرى هاهنا لفظ يدل على أن الذي جرى يوافق الرضا فلم يكن كوقف العقود بل يصح في الحال والقول الثاني أنه لا يصح وهذا لا وجه له مع الخبرولو قال بع هذا العبد بمائة فباع بمائة وعبد آخر يساوي مائة فقولان مرتبان وأولى بالمنع لانه جمع بين جنسين فان قلنا لا يقع عنه فوجهان أحدهما انه يفسد والثاني انه يصح في نصف العبد فكانه قال بع العبد بآلف فباع نصفه بإلف صح لانه زاده خير الثالثة لو كله بشراء عبد بألف فاشترى نصفه باربعمائة لم يقع عنه فلو اشترى النصف الباقي باربعمائة أخرى لم ينقلب إليه الكل بعد انصرافه عند ابتداء وفيه وجه لا يعتد به أما إذا قال اشتر لي عشرة اعبد بصفقة واحدة فليشتر من شخص واحد فلو اشترى من أشخاص في صفقة واحدة فوجهانأحدهما لالان الصفقة تتعدد بتعدد البائع والثاني نعم لان المقصود ان يكون الكل مجموعا في ملكه أما إذا قال اشتر لي عشرة اعبد مطلقا فله ان يشتري في صفقات وفي صفقة كيف شاء الربعة إذا وكله بشراء فاسد لم يصح الوكالة ولا يستفيد بها الشراء الصحيح ولو قال خالع زوجتي على خمر ففعل وقع الخلع كما لو تعاطاه بنفسه فلو خالع على خنزير فوجهان أحدهما لا يصح لانه مخالف والثاني نعم لان قوله في التعيين فاسد إنما الصحيح اصل الخلع حتى لو خالع على عوض صحيح نفذ الخلع وفسد العوض وكذا في الصلح عن الدم الخامسة الوكيل بالخصومة لا يقر على موكله لان اللفظ لا يتناوله وضعتا وعرفا خلافا لأبى حنيفة رحمه الله ولا تقبل شهادته لموكله فانه متهم فان شهد بعد العزل وكان قد انتصب مخاصما في الوكالة لم تقبل لانه صار ذا غرض طبعي في تصديق نفسه وتمشية قوله وان لم ينتصب فعزل سمعت شهادته وقال الأصحاب ليس له أن يعدل شهود خصم الموكل كما لا يملك الإقرار وهذا ضعيف لأنه لم يستفد التعديل من الوكالة فإنه يعدل من غير وكالة نعم لا يجعل تعديله وحده كإقرار الموكل بعد التهم ولا وجه لما أطلقه الأصحاب إلا أنه بتعديل الشهود مقصر في الوكالة وتارك حق النصح والغبطة له السادسة إذا قال خذ مالي من فلان فمات لم يأخذه من ورثته لأنه قد رضي بيد ورثته ولو قال خذ مالي من الحق على فلان جاز أن يأخذ من ورثته لأن قصده استيفاء الحق وكذلك لو وكل العدل في بيع المرهون وهو حنطة فأتلفها أجنبي فأخذ مثلها لم يكن له بيعها لأن الإذن لا يتناول البدل السابعة لو وكل رجلين بالخصومة فهل لكل واحد الاستبداد فيه وجهان أحدهما لا كالوصيين والوكيلين في التصرف والثاني نعم لأن العرف في الخصومة يجوز ذلك الثامنة إذا سلم إليه ألفا وقال اشتر بعينها عبدا فاشترى في الذمة لم يقع عن الموكل لمخالفته ولو قال اشتر في الذمة واصرف الألف فيه فاشترى بعينها فوجهان ووجه التصحيح أنه لم يتفاوت إلا أنه ينفسخ العقد بتلفه فلا يلزمه الألف عندالتلف ولو اشترى في الذمة للزمه في التلف والبقاء فقد زاده خيرا ولو سلم للألف وقال اشتر عبدا مطلقا فعلى ماذا يحمل فيه وجهان فإن حملنا على الشراء بعينه لم يجز الشراء في الذمة التاسعة إذا قال بع من زيد بألف فباع بألفين لم يجز لأن له في مسامحته غرضا بعد التعيين إلا إذا علم خلافه بالقرينة وإن وكله في بيع عبد بألف فباع نصفه بألف جاز ولو كان بما دون الألف لم يجز لأن الباقي ربما لا يشترى بما يكمل الألف ولو قال بع ثلاثة أعبد بألف فباع واحدا بما دون الألف لم يجز لأن الباقي ربما لا يشتري بما لايكمل الألف ولو باع بألف جاز وهل يبقى وكيلا في بيع الباقي وجهان أحدهما لا لحصول المقصود والثاني نعم كما إذا باع دفعة واحدة بألفين مع القدرة على بيع واحد بألف فإن قال اشتر العبد بمائة ولا تشتره بخمسين لم يشتر بالخمسين ولا بما فوق المائة ويشتري بما بين الخمسين والمائة وهل يشتري بما دون الخمسين وجهان ولو قال اشتر العبد بمائة فاشترى بمائة وعشرة لم يقع عن الموكلوقال ابن سريج يقع ويلتزم الوكيل من عنده عشرة وهو باطل بما لو باع العبد المأذون في بيعه بمائة بتسعين فإنه لا يصح البيع اعتمادا على ضمان العشرة وقال الإمام ما ذكره ابن سريج له وجه فإن من قال لغيره بع دارك من فلان ولك علي عشرة جاز على أحد الوجهين فكذلك فعله ينزل على هذا إذ ليس يرد عليه إذا قال بع بمائة فباع بتسعين لأن الوكيل والموكل في التزامه المال بأن يبيع بتسعين فإن قيل فحيث خالف الوكيل ما حكمه قلنا إن خالف في البيع لبطل أصلا وإن خالف في الشراء واشترى بعين مال الموكل أيضا بطل وإن كان في الذمة وقع عن الوكيل إلا إذا صرح بالإضافة إلى الموكل ففيه وجهان أحدهما أنه يلغي إضافته والثاني أنه يبطل من أصله لأنه لا يحتمل كلامه مع التصريح بإضافته إليه بخلاف المطلق الحكم الثاني للوكالة ثبوت حكم الأمانة للوكيل حتى أن ما يتلف في يده من المبيع والثمن والمشتري لا يضمنه إذا لم يتعد فلو طولب بالرد فامتنع عصى وصار ضامنا ولو انتفع بالمبيع أيضا صار ضامنا فلو باع بعد التعدي صح ولم يضمن الثمن وإن قبضه لأنه لم يتعد في عيبه ولو وكل ببيع شيء يساوي عشرة فباع بتسعة يجوز لأن هذا القدر يتغابن الناس بمثله والاحتراز عنه عسير فلو باع بثمانية لم يصح العقد ولا يضمن إذا لم يسلم لأنه هذيان صدر منه ولم يتعلق بالعين فيصح بيعه بعد ذلك بالعشرة فلو باع بثمانية وسلم فقد تعدى والموكل يسترد المبيع إن كان باقيا وإن تلف في يد المشتري ضمن المشتري عشرة وله أن يطالب الوكيل أيضا ولكن بكم يطالبه فيه ثلاثة أقوال أحدها بالعشرة وهو الأظهر والثاني بتسعة إذ لو باع بتسعة وسلم إليه لبرئ عنه والثالث أنه يطالبه بدرهم والباقي يتعين المشتري وبمطالبته إذ كان تنقطع المطالبة بأن يبيع بتسعة فإذا باع بثمانية فقد نقص درهم والصحيح هو الأول ثم كل ما ضمنه الوكيل يرجع به على المشتري لأنه تلف في يد المشتري فالقرار عليه والوكيل في السلم إذا أبرأ المسلم إليه عن المسلم في ولم يعترف بكونه وكيلا نفذ الإبراء ظاهرا ولا ينفذ باطنا وضمن الوكيل للموكل إن قلنا إنالحيلولة بالقول سبب الضمان ثم يضمن له قيمة رأس المال فإن الاعتياض عن المسلم فيه قبل القبض لا يجوز بخلاف ما لو باع عينا وأبرأ عن الثمن فإنه يضمن مبلغ الثمن لا قيمة المبيع ومهما طولب الوكيل أو المودع بالرد فكان في الحمام أو مشغولا بالطعام لم يعص بهذا القدر من التأخير وهو ظاهر بالعرف ولكن قال الأصحاب لو تلف في هذه المدة ضمن وإنما جاز له التأخير لغرض نفسه بشرط سلامة العاقبة وهذا منقدح إذا كان التلف بسبب التأخير وبعيد إذا لم يكن التأخير سببا فيه الحكم الثالث العهدة والمطالبة ولها ثلاث مواضع الأول في الشراء فالوكيل بالشراء إن سلم إليه الثمن كان مطالبا بتسليم ما سلم إليه وإن لم يسلم الموكل إليه شيئا وأنكر البائع كونه وكيلا فله مطالبته وإن اعترف بكونه وكيلا فثلاثة أوجه ذكرها ابن سريج أحدها أنه المطالب فإنه العاقد والثاني أنه لا يطالب إلا الموكل فإنه المتملك والوكيل سفير والثالث أنه يطالب أيهما شاء ثم إن طالب الوكيل فالأصح أنه يرجع على الموكل وفيه وجه أن قوله اشتر لي اقتراح هبة فهو كقوله أد ديني وفي الرجوع ثم خلاف الموضع الثاني إذا خرج المبيع مستحقا وقد تلف الثمن في يد الوكيل فالمشتري يطالب من فيه الأوجه الثلاثة أحدها الوكيل فقط فإنه تلف في يده والثاني الموكل فإنه سفير من جهته والثالث يطالبهما جميعا ثم قرار الضمان على من فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه على الوكيل إذا تلف في يده فالموكل يرجع عليه والثاني على الموكل لأن الوكيل كان مأمورا من جهته والثالث لا يرجع أحدهما على صاحبه بل كل من طولب استقر عليه الموضع الثالث الوكيل بشراء العبد إذا قبض العبد المشترى وتلف في يده وخرج مستحقا فالمستحق يطالب البائع لا محالة وفي مطالبته للوكيل والموكل الأوجه الثلاثة وكذا الخلاف في القرار وتقرير الضمان على الموكل هاهنا أبعد لأنه لم يسبق منه تغرير بخلاف التوكيل في البيع الحكم الرابع للوكالة الجواز فهو جائز من الجانبين وينعزل الوكيل بثلاثة أسباب الأول عزول الموكل إياه بمشهد منه وإن كان في غيبته فينعزل مهما بلغه الخبر وقيل بلوغ الخبر قولان المنصوص أنه ينعزل لأنه لا يفتقر إلى رضاه فلا يفتقر إلى حضوره وعلمه والثاني لا لأنه لا يوثق بتصرفه لتصور عزله دون معرفته فصار كالقاضي وفي القاضي وجه أنه ينعزل في الغيبة وهو بعيد فإن عزل القاضي بغير سبب لا يجوز وعزل الوكيل جائز ولا خلاف في أن الموكل لو باع ما وكل في بيعه أو أعتق انعزل الوكيل ضمنا فإن قلنا ينفذ عزله في الغيبة فليشهد الموكل عليه فإنه لا يسمع مجرد قوله بعد تصرف الوكيل السبب الثاني عزل الوكيل نفسه وتعديه في مال الوكالة ليس ردا للوكالة بل يبقى وكيلا على الأصح وإن صار ضامنا بإنكاره الوكالة هل يجعل إنشاء للرد فيه ثلاثة أوجه والأصح هو الثالث وهو أنه إن قال ذلك عن نسيانأو لغرض في إخفاء الوكالة فلا يكون عزلا وإن أنكر مع العلم فهو رد للوكالة من جهته الثالث أن يخرج الموكل بالجنون أو الموت عن أهلية التوكيل أو الوكيل عن أهلية التوكيل أو الوكيل عن أهلية الامتثال بالجنون والموت والأصح أنه لا ينعزل بالإغماء وينعزل بالجنون وإن قل وقيل لا ينعزل بهما وقيل ينعزل بهما جميعا فلو وكل عبده ثم أعتقه أو باعه أو كاتبه ففي انعزاله ثلاثة أوجه أحدها لا لعموم الإذن و بقاء الأهلية والثاني نعم لأن أمره محمول على الاستخدام وقد بطل محلية الاستخدام في حقه والثالث أنه ينظر إلى لفظه فإن قال وكلتك بقي بعد زوال سلطنته وإن قال بع و اشتر بصيغة الأمر فهو محمول على الاستخدام الباب الثالث في تنازع الوكيل والموكل وتنازعهما في ثلاثة مواضع الأول التنازع في أصل الوكالة أو صفتها كقول الوكيل وكلتني فقال ما وكلتك أو قال وكلتني ببيع الكل فقال بل بالبعض أو قال أذنت لي في البيع بالنسيئة فقال بل بالنقد أو قال أذنت في الشراء بعشرين فقال بل بالعشرة فالقول في جميع ذلك قول الموكل لأن الأصل عدمه فرعان أحدهما إذا باع الوكيل بالنسيئة وأنكر البائع الإذن في الأجل فإن كان المبيع قائما استرد والقول قوله ولو أنكر المشتري كونه وكيلا لم يقبل قول الموكل عليه بل يحلفه على أنه لا يعلم كونه وكيلا من جهته فإذا حلف فللموكل مطالبة الوكيل بقيمة السلعة ثم إذا انقضى الأجل فللوكيل أن يطالب المشتري بالثمن ويأخذه بما غرمه فإن زاد على ما غرمه فالزيادة لا يدعيها لنفسه ولا البائع ولا المشتري فماذا يصنع به وفي مثله خلاف مشهور فإن كذب الوكيل نفسه أيضا وقال صدق الموكل لم يكن له أن يطالب إلا بأقل الأمرين من الثمن أو القيمة ليجبر حق نفسه مما غرم الثاني إذا اشترى جارية عشرين فقال الموكل ما أذنت إلا في عشرة فالقول قوله فإن كان اشترى بعين ماله فهو باطل وإن اشترى في الذمة واعترف البائع بالوكالة فكمثل فإن أنكر الوكالة لم يقبل قوله على البائع ويغرم الوكيل للموكل ماله مهما حلف على أنه لم يأذن وتبقى الجارية في يد الوكيل فيتلطف الحاكم بالموكل ويقول له لا يضرك أن تقول للوكيل بعتك الجارية بعشرين حتى تسلم لك العشرون فإن قال ذلك حصل الغرض فإن قال إن كنت قد أذنت لك فلو بعتك ففي هذه الصيغة وجهان أصحهما وهو ظاهر كلام المزني الصحة لأن هذا من مقتضى الشرع وإن لم يصرح وإن أبى الموكل ذلك قال المزني يبيع الوكيل الجارية ويأخذ ما غرم من ثمنها وقال الإصطخري وجهان أحدهما ما قاله المزني والثاني أنه يملك ظاهرا وباطنا بناء على ما إذا ادعى على غيره أنك اشتريت داري فأنكر وحلف فيستحب للمشتري أن يقول إن كنت اشتريته فقد فسخت فإن لم يقل فالبائع على قول يبيع الدار ويأخذ ثمنها وعلى قول يملكه ويكون إنكاره كإفلاسه فهو أحق بعين ماله قال أبو إسحاق لا يملك الجارية قولا واحدا وهو الصحيح بخلاف مسالةالدار فإن تعذر الثمن ثبت الرجوع إلى المبيع وهاهنا لا معاملة بين الوكيل والموكل فعلى هذا الوجه أن يقال قد ظفر بغير جنس حقه فيأخذه بحقه ويقطع بهذا القول هاهنا لأن من له الحق لا يدعيه لنفسه بخلاف ما إذا ظفر بغير جنس حقه من مال من يدعي المال لنفسه النزاع الثاني في التصرف المأذون فيه فإذا قال الوكيل بعت أو أعتقت أو اشتريت وأنكر الموكل فقولان أحدهما القول قول الوكيل لأنه مأذون أمين قادر على الإنشاء وهو أعرف به والثاني أن القول قول الموكل إذا الأصل عدمه وقوله بعت إقرار على الموكل فلا يلزمه وكذا الخلاف إذا وكله بقضاء الدين فقال قضيت أما إذا ادعى الوكيل تلف المال في يده فالقول قوله لأنه أمين فإقامة البينة عليه غير ممكن ولو ادعى الرد على الموكل فكذلك القول قوله لأنه يبغي دفع العهدة عن نفسه لا إلزام الموكل شيئا وطرد المراوزة هذا في كل يد هي أمانة في حق من صدر منه إثبات اليد كيد الرهن والإجارة والوكيل بالجعل وذكر العراقيون في كل ذلك وجهين هذا مع القطع بأن الوكيل لو مات فادعى وارثة الرد لم يصدق لأنه ليس مؤتمنا من جهته وكذا الولي والوصي إذا ادعيا رد المال إلى الطفل بعد البلوغ وفي الولي وجه أنه يصدق نعم أشهر بالخلاف في أن ما صرفه إلى نفقته في صغره هل يطالب بالإشهاد عليه أم يصدق بمجرد يمينه لأن في إقامة البينة عليه نوع عسر والملتقط ومن طير الريح ثوبا في داره هؤلاء لا يصدقون في دعوى الرد ج4444444444444444444444 اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الوسيط في المذهب المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد بمجرد اليمين أما إذا ادعى الوكيل الرد على رسول الموكل والمودع فالظاهر أنه لا يصدق وفيه وجه أن الرسول كالمرسل فيجب على الموكل التصديق لأنه أمين فرع من يصدق في دعوى الرد فلو طولب بالرد هل له التأخير بعذر الإشهاد وجهان أحدهما لا لأنه مصدق يمينه والودائع تخفى غالبا والثاني نعم لأنه يريد أن يتورع عن اليمين الصادقة وأما من عليه الدين فله أن يؤخر الإشهاد إن كان دينه ثابتا ببينة وإن لم يكن قال العراقيون هو كالوديعة إذ يمكنه أن يقول لا يلزمني شيء فيصدق بيمينه مما ادعي عليه وقال المراوزة له تكليف الإشهاد ولو قال لوكيله لتقض ديني فليشهد على القضاء ليكون مراعيا الغبطة فإن لم يشهد وكان في غيبة الموكل ضمن مهما أنكر المستحق وإن كان في حضرة الموكل فوجهان وإذا قال سلم وديعتي إلى وكيلي فإن سلم بحضرته ولم يشهد لم يضمن وإن كان في غيبته فوجهان فإن قيل فمن في يده المال أو عليه الحق إذا اعترف لشخص بأنه وكيل المستحق بالاستيفاء فهل يجب عليه التسليم دون الإشهاد قلنا يجوز التسليم ولا يجب لأن الموكل لو أنكر وكالته لم تحصل براءة من عليه الحق وقال المزني يلزمه لأنه اعترف بكونه مستحقا للاستيفاء بالوكالة فصار كما لو كان في يده مال ميت اعترف لشخص بأنه وارثه لا وراث له سواه لا يطالبه بالإشهاد بل يجب عليه التسليم والفرق بينهما أنه اعترف للوارث بالملك ولا يتوقع من غير المالك دعوى يعتد به أما هاهنا فالإنكار من جهة الموكل المالك متوقع نعم لو قال لفلان علي ألف من جهة حوالة أحالها علي رجل آخر ففيه وجهان أنه أحدهما به يجب التسليم دون إقامة حجة على الحوالة لأنه اعترف بالاستحقاق بخلاف صورة الوكالة والثاني لا لأنه لم يجعله متأصلا في الاستحقاق بل زعم أنه تحول إليه من جهة مستحق فلعل المستحق ينكر النزاع الثالث في استيفاء الثمن وقد أطلق العراقيون فيه قولين كما في البيع والعتق والتفصيل فيه عند المراوزة أنه إن ادعى الموكل الثمن على المشتري فقال الوكيل قبضت وتلف في يدي فلا يجب تصديقه لأنه ليس يدعي على الوكيل شيئا فلا يتعرض الوكيل لغرم بسبب دعواه إلا إذا نسبه إلى تسليم المبيع دون إذنه فالقول قوله حتى لا يتعرض للغرم فإن حلف فهل يبرأ المشتري بحلفه وجهان أحدهما نعم لأنه صدق في استيفاء الثمن والثاني لا لأن يمينه حجة دافعة عنه لا يصلح لتبرئة ذمة المشتري أما إذا ادعى الموكل على الوكيل أنه قبض الثمن فأنكر الوكيل فالقول قوله فلو أقام الموكل بينه على القبض فادعى الوكيل تلفا أو ردا قبل الجحود لم يصدق لأنه صار خائنا بالجحود فإن أقام بينة فالأصح أنه لا يقبل لأن البينة تبتنى على الدعوة ودعواه مناقضة لقوله الأول وجحوده فلا يسمع ولو أقام البينة على تلف بعد الجحود فكذلك على أحد الوجهين ولو أقام البينة على رده بعد الجحود قبل لأنه إذا ثبت كونه غاصبا فأقصى ما عليه أن يرد ويشهد فكيف تكلفه أمرا يزيد عليه كتاب الإقرار وفيه أربعة أبواب الباب الأول في أركانه وهي أربعة المقر والمقر له والمقر به وصيغة الإقرار الركن الأول المقر وهو ينقسم إلى قسمين مطلق ومحجور عليه ونعني بالمطلق المكلف الذي لا حجر عليه فيقبل إقراره على نفسه بكل ما يتصور منه التزامه له لقوله تعالى { كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم } وقوله صلى الله عليه وسلم قولوا الحق ولو على أنفسكم وأما المحجور عليه فأسباب الحجر ستة الصبا والجنون والتبذير والرق والفلس والمرض أما الصبا والجنون فيقتضيان حجرا مطلقا عن سائر الأقارير نعم لو أقر الصبي بالتبذير والوصية قيل إن جعلناهما من أهلها ولو قال بلغت بالاحتلام صدق لأنه لا يقدر على إقامة بينة ولم يحلف إذ لا فائدة في تحليفه فإنه إن كذب فالصبي لا يأثم بالحلف وإن قال بلغت بالسن لم يقبل لأن تاريخ المواليد يعرف إلا الصبيالمجهول الخامل ففيه تردد و احتمال ولعل الأظهر الاعتماد على الإثبات في حقه كما فعلناه في صبيان الكفار لأجل الضرورة أما التبذير فلا يوجب حجرا عن الإقرار بموجبات العقوبات لأنه قادر على التزامها وإقراره بالأموال غير مقبول كما مضى في كتاب الحجر وفي إقراره بالإتلاف للمال خلاف ولا يقبل إقراره بالنكاح لأنه لا يستفيد به وفيه التزام مال ويقر بالطلاق لأنه يستقل به وكذا بالعفو عن القصاص وبالنسب والسفيهة إذا أقرت بالنكاح ففيه تردد من حيث إنها بالسفه ربما ترق نفسها في غير موضع أما الفلس فلا يوجب حجرا إلا في الإقرار بما يفوت حق الغرماء وفي إقراره بدين مستند إلى ما قبل الحجر أو بإتلاف مال في الحال إذا قلنا إن المتلف عليه يضارب الغرماء لو ثبت إتلافه بالحجر فيه قولان سبق ذكرهما في كتاب التفليس ثم ما يرد من إقراره لحق الغرماء في الحال فالصحيح أنه يطالب به بعد فك الحجر لا محالة أما الرق فلا يوجب حجرا عن الإقرار بالعقوبات لأنه مكلف قادر على التزامها ولا نظر إلى إبطاله حق السيد لأنه غير متهم فيه وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والمزني رحمهم الله لا يقبل إقراره نعم اختلف قول الشافعي رضي الله عنه أنه لو أقر بسرقة فقطعت يده فإنه غير متهم فهل يتعلق المسروق برقبته على قولين أحدهما لا لأنه يرجع إلى المال و الثاني بلى و أما إقراره بإتلاف مال يوجب التعلق برقبته و لا يوجب عقوبة فهو مردود إن لم يصدق السيد ثم الصحيح أنه يطالب به بعد العتق أما إقراره بدين المعاملة فلا يقبل في حق سيده إلا إذا كان مأذونا في التصرف فيتعلق ما أقر به بماله و إن أقر المأذون بمال مطلق فالظاهر أنه لا يقبل إذا لم يسنده إلى المعاملة و منهم من نزل المطلق على المعاملة ثم لو حجر السيد علية فأقر بأنه كان لزمه دين قبل الحجر فالظاهر انه لا يقبل لأنه لا يقدر على الإنشاء في هذه الحالة و حكي الشيخ أبو محمد وجها أنه يقبل فأنه لا يؤمن ان الحجر السيد عليه لما عرف إحاطة الديون به و هذا يعارضه أنه لا يؤمن أن يكذب العبد على سيده مهما حجر عليه أبد الدهر أما المرض فلا يوجب الحجر عن الإقرار في حق الأجانب بالإجماع و في حق الوارث قال الشافعي رضي الله عنه من أجار إقرار الوارث أجازه و من أبى رده فمن الأصحاب من قال هذا ترديد قول من الشافعي رضي الله ففي المسألة قولان و منهم من قطع بالصحة و هو الصحيح خلافا لأبي حنيفة لأنه لا مأخذ للرد ألا التهمة و حالة المرض حاله انتفاء التهم كيف ولو تبنى و لدا وحرم به ابن عمه المكاشح لقبل و كلام الشافعي رضي الله عنه محمول على حكاية مذهب الغير ثم إن قلنا إنه مردود فلو أقر لأخيه وله أبن ثم مات و لا أبن له أو أقر ولا ابن له ثم ولد له أبن فالاعتبار بحال الإقرار أو بحال الموت فيه خلاف مشهورفروع ثلاثة أحدها لو أقر في المرض بأنه و هب من الوارث قبل المرض و سلم فمنهم من قال لا يقبل قولا واحد لأنه أقر بما لا يقدر على إنشائه في الحال و اختيار القاضي أنه يقبل لأنه لو ثبت صدقه لنفذ فليكن له طريق الى الخلاص بالصدق على نفسه الثاني لو أقر بعين ما في يده لغيره ثم اقر بدين فالإقرار بالعين مقدم لأنه أقر بالدين و لا مال له و لو قدم الإقرار بالدين فوجهان أحدهما تقديم العين لأنه مات و لا مال له و الإقرار بالدين لم يحجر عليه في ماله في حال حياته و لذلك كان ينفذ تصرفاته فيه و الثاني أنهما يتزاحمان على التساوي إذ لاحدهما قوة التقدم و للآخر قوة الإضافة الى العين و كذلك لو أقر في حياته بدين مستغرق و أقر وارثه عليه بعد موته بدين آخرفقولان أحدهما يستبد الأول وإقرار الوارث إقرار بعد الحجر وهذا يقرب من القولين في إقرار المفلس وكذا الخلاف فيما يتجدد من دين بعد موته بتردي إنسان في بئر حفره في حياته أنه هل يقتضي مضاربة ما ثبت في الحياة من الديون فكذا الخلاف في الوارث إذا أقر بإقرارين متواليين أن اللاحق هل يزاحم السابق الثالث إذا ادعى إنسان أنه أوصى له بالثلث وآخر أنه أقر له بألف والميراث ألف فصدقهما الوارث قال الصيدلاني يصرف إلى الدين لأن قوله كقول المورث وقال أكثر الأصحاب إن أقر بالوصية أولا يسلم للموصى له الثلث والباقي للدين وإن جاءا معا قسم الألف بينهما على نسبة الأرباح كما إذا أقر لواحد بالألف ولآخر بثلث الألف الركن الثاني المقر له وله شرطان الأول أن يكون محلا للاستحقاق فلو قال لهذا الحمار علي ألف بطل إقراره ولو قال بسببه علي ألف جعل إقرارا لمالكه كأنه استأجر منه ولو قال لهذا العبد علي ألف فهو إقرار لسيده ولو تقال للحمل الذي في بطن فلانة علي ألف عن جهة وصية له أو عن إرث له صح فإنه مقصور وإن أطلق ولم يذكر السبب فظاهر النص أنه لا يقبل لأنه يبعد الاستحقاق للحمل فيحمل على الوعد والقول الثاني وهو الأقيس ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يصح وينزل على ما يمكن ولو أضافه إلى جهة معاملة وقلنا لا يقبل المطلق فهذا أولى وإن قبلنا المطلق فهذا كقوله لفلان علي ألف من ثمن الخمر وسيأتي وقيل إن هذا هزل محض فلا يقبل قولا واحدا فرعان أحدهما لو خرج الحمل ميتا طولب بتفسير إقراره حتى إن كان وصية رد إلى ورثة الموصى وإن كان إرثا صرف إلى بقية ورثة المورث وهذه مطالبة ليس يتعين مستحقها إذ لا يدرى أنها لمن هي فلعل القاضي ذلك بطريق الحسبة وإن خرج حيا وزاد على واحد سوي في الوصية بين الذكر والأنثى وفضل في الميراث الذكر على الأنثى الثاني لو انفصل لما دون ستة أشهر من وقت الإقرار فهو له ولو انفصل لما فوق أربع سنين فلا يصرف إليه ولو كان لما بينهما فقولان أظهرهما الصرف اعتمادا على الظاهر الشرط الثاني أن لا يكذب المقر له فإن كذب لم يكن تسليم المال إليه فيقرر في يد المقر أو يأخذه القاضي على رأي فإن رجع المقر له يسلم إليه وإن رجع المقر لم يؤثر لأنه ثبت بإقراره استحقاق القاضي أو المقر له وقيل أنا إذا قلنا يقرر في يده فرجوعه مقبول بشرط أن لا يرجع المقر له تعده فإن رجع تبينا بطلان رجوعه وبطلان تصرفاته الركن الثالث المقر به وشرطه أن يكون مما يستحق جنسه وأن يكون في يد المقر وولايته وتختص به ولا يشترط كونه معلوما ولو أقر بما في يد غيره فهو دعوى أو شهادة وليس بإقرار ولا يشترط أن يكون في ملكه لأن الإقرار ليس بمزيل بل شرطه أن لا يكون في ملكه حتى لو شهد بأنه أقر وكان ملكه إلى أن أقر بطلت الشهادة ولو قال هذه الدار ملكي وهي الآن لفلان فهو إقرار باطل ولو قال هذه الدار لفلان وكانت ملكي إلى الإقرار أخذناه بصدر كلامه وألغينا آخره المناقض له ولو قال داري لفلان أو مالي لفلان فهو باطل نص عليه الشافعي رضي الله عنه ولم يحمل على أن قوله داري أراد به إضافة السكون أو المعرفة وإن كان لذلك اتجاه فرع لو شهد بحرية عبد في يد غيره فلم تقبل شهادته فأقبل على شرائهصحت المعاملة وفي حقيقتها ثلاثة أوجه أحدها أنه شراء والآخر أنه فداء والثالث أنه بيع من جانب البائع فداء من جانب المشتري وهو الأسد ويبتنى عليه ثبوت الخيار لهما جميعا والأصح أن لا يثبت للمشتري لأنه ليس يثبت له ملك فيه بموجب قوله لا كشراء القريب فإن الأودني ذكر أنه يثبت الخيار للمشتري لأنه يملك أولا ثم يعتق عليه أما العبد إذا اشترى نفسه فلا خيار له ولا لبائعه منه قطعا لأنه عقد عباقة فهو كقوله أنت حر على مالي ونقل الربيع قولا أن هذه المعاملة لا تصح من السيد وعبده وهو بعيد وإن شهد أنه غصبه من فلان ثم اشتراه لم يصح الشراء إن صححنا بطريق الفداء إذ ليس فيه تخليص العبد ثم الولاء في المشهود بحريته موقوف لا للبائع ولا للمشتري فلو مات العبد قال المزني له أن يأخذ من ماله مقدار الثمن الذي بذله لأنه إن كذب في الشهادة فالمال إكساب عبده فجميعها له وإن صدق فهو للبائع بحكم الولاء وقد ظلمه بأخذ الثمن منه وقد ظفر بماله فيأخذه ومن الأصحاب من خالفهم لأنه يأخذه على تقدير أنه مظلوم وهو غير مصدق في الجهة وما ذكره المزني أقوم الركن الرابع صيغة الإقرار فإذا قال علي لفلان أو عندي لفلان ألف فكل ذلك التزام فلو قال المدعي لي عليك ألف فقال زن أو زنه أو خذ أو خذه لم يكن إقرارا وقال صاحب التلخيص قوله زنه إقرار دون قول زن وهو بعيد ولو قال بلى أو أجل أو نعم أو صدقت فكل ذلك إقرار ولو قال أنا مقر به فهو إقرار ولو قال أنا مقر ولم يقل به فلا لأنه ربما يكون مقرا ببطلان قوله ولو قال أنا أقر به قال الأصحاب هو إقرار قال القاضي صيغة للوعد بالإقرار فليس بإقرار بخلاف قول الشاهد أشهد فإنه صنيعة تعتد بها ودلت القرينة على أنه للحال لا للوعد ومنهم من قال وإن سلم أنه وعد فالوعد بالإقرار إقرار فرع لو قال أليس لي عليك ألف فقال بلى فهو إقرار ولو قال نعم فليسبإقرار معناه نعم ليس لك على ألف وقال الشيخ أبو محمد لا فرق بينهما فإن استعمالهما في وضع اللسان على وجه واحد شائع ولو قال أعطني عبدي هذا أو اشتر مني عبدي هذا فقال نعم فهو إقرار بالعبد ولو قال لي عليك ألف فقال لعل أو عسى أو أظن أو أقدر لم يكن إقرارا لأن كل ذلك للشك الباب الثاني في الأقارير المجملة وألفاظها كثيرة والذي يقصد بيانه عشرة ألفاظ اللفظ الأول الشيء فإذا قال لفلان علي شيء فيقبل تفسيره بكل ما ينطلق عليه اسم الشيء مما هو مال فلو فسر بما لا يتمول ويتصور المطالبة به كجلد الميتة والسرجين والكلب المعلم فوجهان أحدهما لا يقبل لأنه ليس بمال والثاني نعم لأنه شيء وهو عليه إذ فيه اختصاصه للمالك ويجب رده فإن فسره بخمر وخنزير فالظاهر أنه لا يقبل إذ لا يلزم به مطالبته وفيه وجه انه يقبل ولو فسر بحبه حنطة أو سمسم أو فصة ثومة فوجهان وظاهر النص أنه مقبول لأنه شيء وهو واجب الرد ومهم من قال لا يقبل وبنوا عليه أنه لا يسمع الدعوى بها ولا المطالبة بردها وهو بعيد أما إذا فسره برد جواب سلام وعيادة مريض فلا يقبل بحال فإن قيل لم صح الإقرار المجمل دون الدعوى المجملة قلنا لا فرق بينهما إذ يطالب المدعي ببيان الدعوى ويطالب المقر أيضا نعم لو امتنع المدعي من البيان فهو تارك حق نفسه لو امتنع المقر من البييان ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يحبس إلى البيان كمن أسلم على عشر نسوة والثاني أنه يجعل ناكلا عن الجواب واليمين حتى يحلف المقر له ويستفيد بإقراره تحول اليمين إليه فيحلف على ما يدعيه والثالث أنه يقال للمدعي أتدعي ما شئت وتعرض اليمين عليه فيحلف على ما يدعيه فإن نكل ردت عليك وهذا إبطال لفائدة التفسير ثم لو فسر المقر بدرهم مثلا فقال المدعي بل أردت بالشيء عشرة فالأصح أن دعوى الإرادة لا تقبل وكذا لو ادعى أن فلانا أقر لي بعشرة دراهم لم يسمع بل يقال ينبغي أنتدعى عشرة حتى تحلف على عين الحق لا على إقرار يحتمل الصدق والكذب بخلاف الشاهد يشهد على الإقرار فيسمع لأنه قد لا يطلع على حقيقة الملك اللفظ الثاني إذا قال غصبت فلانا على شيء ثم قال غصبت نفسه لم يقبل ولو قال غصبته الخمر أو الخنزير قال الشافعي رضي الله عنه قبلت التفسير وأرقت الخمر وقتلت الخنزير ولو قال له عندي شيء قال الأصحاب هو كما لو قال غصبت وقال الشيخ أبو محمد قوله له إثبات ملك فلا يقبل تفسيره بالخمر والخنزير اللفظ الثالث المال فإذا قال له علي مال قبل تفسيره بأقل ما يتمول ولم يقبل تفسيره بالكلب والسرجين والخنزير وما لا يتمول ولو فسر بمستولدة فالأظهر أنه يقبل لأنه مال ولو قال مال عظيم أو كبير فهو كالمال و لا تأثير لهذه الزيادة فكلمال عظيم وكثير بالإضافة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يقبل تفسير العظيم إلا بمائتي درهم ومن الأصحاب من قال لا بد وأن يذكر لوصفه بالعظيم وجها من عظم في الجثة أو الجرم أو يزيد على أقل ما يتمول بشيء ليظهر له فائدة وذلك خلاف نص الشافعي رضي الله عنه اللفظ الرابع الأكثر فإذا قال له علي أكثر من مال فلان قبل بتفسيره بأقل ما يتمول على معنى أن الحلال أكثر من الحرام أو ما في الذمة أبقى ولو قال أكثر مما شهد به الشهود على فلان فكمثل ومعناه أن ذلك زور ولو قال أكثر مما قضى به القاضي فكمثل ومنهم من أبى هذا في القضاء وقال يجب تنزيله على الصدق ولو قال أكثر من الدراهم التي في يد فلان وفي يده ثلاثة ففسر بثلاثة يقبلويكون الأكثر للمرتبة ولو فسر بأقل منه قال الجماهير لا يقبل وقال الشيخ أبو محمد يقبل تنزيلا على المرتبة اللفظ الخامس كذا إذا قال لفلان علي كذا فهو كما لو قال شيء فيفسر بما مضى ولو قال كذا كذا فهو تكرار ولو قال كذا وكذا فهو كقوله شيء وشيء فقد جمع بين مبهمين أما إذا قال كذا درهم يلزمه درهم واحد وكذا إذا قال كذا كذا درهم فيكون تكريرا والواجب درهم ولو قال كذا وكذا درهم نقل المزني قولين أحدهما أن الواجب درهم فكأنه عقب مبهمين ببيان واحد والثاني درهمان فكأنه فسر كل واحد منهما به وقال أبو إسحق المروزي وجماعة المسألة على حالتين فإن قال كذا وكذا درهما لزمه درهمان لأنه نصب على التفسير فيكون تفسيرا لكل واحد وإن قال كذا و كذا درهم بالرفع لزمه درهم واحد وقال أبو حنيفة يلزمه بقول كذا درهما عشرون درهما وبقوله كذا كذا درهمالزمه أحد عشر درهما وبقوله كذا وكذا درهما أحد وعشرون درهما مراعاة لمطابقة اللفظ فأقل الدره ينتصب الدرهم بعده على هذا النظم ولو قال كذا درهم صحيح فقد سلم أنه لا يلزمه مائة وإن كان الدرهم لا ينكسر إلا بعده وبعد نصف درهم عنه احترزنا بالصحيح اللفظ السادس ذكر المبين عقيب مبهم كقوله له علي ألف ودرهم فالأول عندنا مبهم يرجع في تفسيره إليه وقال أبو حنيفة رحمه الله صار مفسرا إذا كان العطف بين المكيلات والموزونات وسلم أنه إذا قال ألف وثوب يبقى الألف مجملا أما إذا قال ألف درهم وخمسة عشر درهما فالدرهم بيان لأنه لم يثبت بنفسه وخمسة عشر اسمان جعلا اسما واحدا فلا يختص بالبيان بالعشر عن الخمس ولو قال ألف ومائة وخمسة وعشرون درهما فالدرهم تفسير للكللما ذكرناه و قال الاصطخري و هو تفسير الأخير و ما سبق مجمل فإنه مقطوع عنه بواو العطف وهو متروك عليه لأنه على خلاف عادة الحساب وإذا قال له درهم و نصف ففي النصف وجهان ولعل الأصح أيضا أنه مفسر بالدرهم اللفظ السابع الدراهم إذا قال له علي درهم يلزمه درهم فيه ستة دوانيق عشرة منها تساوي في الوزن سبعة مثاقيل وهي دراهم الإسلام في الدية و غيرها فلو فسر بعدديات فيها أربعة دوانيق إن كان متصلا قبل فكأنه قال درهم الا دانقين وفيه وجه أن هذه الصيغة لا تصلح للاستثناء فلا تقبل وإن كان منفصلا لم يقبل الا إذا كان في بلد يعتاد التعامل بها فوجهان أحدهما ينزل عليه كما في البيع و الثاني لا لأن البيع إيجاب في الحال و الحال حال التعامل و الاقرار إخبار عن سابق ليس يدري متى وجب فيرعي أصل الشرع فيه والتفسير بالدراهم المغشوشة كالتفسير بالنقص ولو فسر الدراهم بالفلوس لم يقبل أصلا و لا فرق بين أن يقول على دراهم أو دريهمات أو دراهم صغار فيما قدمناه من الوزن وإذا قال دراهم فمن حيث العدد لا ينزل على أقل من ثلاثة دراهم و إذا قال مائة درهم عددا لزمه الجمع بين الوزن و العدد فلو أتي بخمسين عددا يساوي مائة درهم وزنا فقد ترددوا فيه فرع لو قال له على من درهم إلي عشرة فثلاثة أوجه أحدها أنه يلزمه ثمانية فلا يدخل الحدان فيه والثاني تسعة فيدخل الحدان الأول و الثالث عشرة فيدخل الحد اللفظ الثامن في معنى الإضافة إلي الظرف و له أربع صور الأولى أن يقول له عندي زيت في جرة وسمن في بستوقة وسيف فيغمد لا يكون مقرا بالظرف خلافا لأبي حنيفه رحمه الله وكذا لو قال عندي بستوقة فيها سمن وغمد فيه سيف و جرة فيها زيت لا يكون مقرا الا بالظرف وكذلك إذا قال له عندي عبد على رأسه عمامة ودابة على ظهرها سرج لا يكون مقرا بالفرس والعبد كما لو قال له عندي عمامة على رأس عبد وسرج على ظهر فرس لايكون مقرا بالفرس والعبد وقال صاحب التلخيص إنه إذا قال عبد على رأسه عمامة يلزمه العمامة بخلاف الفرس عليه سرج لأن ما في يد العبد لسيده وهو الذي أورد في طريقة العراق وأنكر المراوزة هذا الفرق وزيفوه إذ ينقدح أن يقول عبد على رأسه عمامة لي كيف وقد صرحوا بأنه لو قال لفلان في يدي دار مفروشة لم يلزم الفرش وإن جعله صفة وما كان في دار الإنسان فهو في يده وذكر العراقيون في الثوب المطرز وجهين أنه هل يكون إقرارا بالطراز إذا كان الطراز يعمل بعد النسج ولو قال له عندي خاتم وجاء بخاتم و عليه فصه و قال ما أردت الفصفوجهان الأظهر انه مقر به لأن الاسم شامل ولو قال له عندي جارية فجاء بجارية في بطنها جنين و أدعي كونه جنينا له فوجهان مرتبان و ها هنا أولى بإن لا يؤاخذ بالجنين بل من يؤاخذه يأخذه من التبعية في البيع ولو قال له عندي فص في خاتم أو جنين في يطن جارية لا يكون مقرا بالجارية و الخاتم الصورة الثانية إذا قال له عندي ألف درهم غي هذا الكيس لا يكون إقرار بالكيس ثم إن لم يكن في الكيس شئ يلزمه ألف و إن كان ولكنه ناقص عن ألف قال أبو زيد لا ما يلزمه الا في الكيس للحصر و قال القفال يلزمه الإتمام كما لو لم يكن في الكيس شئ أما إذا عرف بالألف و اللام وقال له عندي ألاف الذي في الكيس فإنكان ناقصا فالأظهر أنه لا يلزمه الإتمام للحصر و لو لم يكن فيه شئ حكي الشيخ أبو على قولين و قربهما من القولين فيما إذا قال لأشربن ماء هذه الأداوة و لا ماء فيها أن اليمين هل تنعقد فإن قلنا اليمين ينعقد فها هنا يصح الاقرار ويلزمه و إن قلنا لا تنعقد فالإقرار ها هنا لغو الصورة الثالثة أن يقول لفلان في هذا العبد ألف درهم أو له من هذا العبد ألف درهم يطالب بتفسيره فإن قال وزن فيه ألف درهم فيقول وكم وزنت أنت فإن قال ألفا فالعبد بينهما و إن قال ألفين فالعبد إثلاث وإن قال وزن هو ألفا في عشرة و اشتريت الباقي أنا بألف صدق في الكل لأنه محتمل و قال مالك يسلم للمقر له مقدار ما يساوي ألفا من العبد و ما يبقي بيقى للمقر وان قال جزء العبد عليه بألف فيثبت موجبه ولو قال هو مرهون عنده بألف فوجهان أحدهما لا يقبل لأن الدين في الذمة لا في العبد و الثاني يقبل لأن الإضافة إليه معقولة كما في جناية العبد الصورة الرابعة إذا قال له في هذا المال ألف أو في ميراث أبي ألف لزمه الألف و لو قال له في مالي ألف أو في ميراثي من أبي ألف لم يلزمه الألف لأضافته إلي نفسه و يفيد الوعد بالهبة هذا هو الظاهر المقطوع في طريقة العراق و نقل صاحب التقريب و القاضي من نص الشافعي رضي الله عنه في قوله له من مالي ألف أنه يلزمه بخلاف ما إذا قال في ميراثي من أبي فإنه لا يلزمه ثم قالوا أختلف الأصحاب على طريقين منهم من قال قولان بالنقل و التخريح ومنهم من فرق وقال القاضي الفرق بالعكس أولى لأنه إذا قال في ميراثي من أبي أحتمل أن يكون الدين على أبيه و الميراث له لأن الدين عندنا لا يمنع من صحة الإرث ثم قال الشيخ أبو على أخطأ بعض الأصحاب بطرد الطريقين فيما إذا قال لفلان من داري نصفها فإن الشافعي رضي الله عنه نص أنه لو قال داري لفلان كان الاقرار باطلا لأضافته إلي نفسه فلا فرق بين النصف و بين الكل و أنما السديد المعقول ما نقل في طريق العراق اللفظ التاسع في تكرير المقر به إذا قال على درهم درهم درهم لا يلزمه الا درهم واحد لأنه محتمل للتكرار ولو قال درهم و درهم لزمه درهمان لأن الواو منع التكرار و لو قالعلى درهم و درهمان لزمه ثلاثة دراهم ولو قال درهم فدرهم لزمه درهم أي فدرهم لازم أو خير منه و لو قال أنت طالق فطالق يقع طلقتان إذ لا ينقدح فطالق خير منه و نقل أبن خيران الجواب من المسألتين و جعلهما على قولين ولو قال درهم و درهم درهم و قال أردت بالثالث تكرار الثاني قبل و لو قال أردت تكرار الأول لم يقبل و عند الاطلاق يلزمه ثلاثة ولو قال أنت طالق و طالق و طالق ولم ينو شيئا فقولان أحدهما أنه يقع طلقتان و يجعل الثالث تكرار الثاني و الثاني أنه يقع ثلاث لأنه لم يقصد التكرار فنقل أبن خيران قولا إلي الاقرار حتى لا يلزم عند الاطلاق الا درهمان ومن فرق عول على ان التأكيد يليق بالطلاق الذي هو إنشاء دون الأخبار ولو قال درهم ثم درهم فكلمه ثم كالواو في قطع التأكيد ولو قال درهم فوق درهم أو تحت درهم أو تحت درهم او فوقه درهم أو مع درهمأو معه درهم فلا يلزمه إلا درهم واحد والباقي يكون على تأويل ملك المقر أي درهم فوق درهم لي وفي نظيره في الطلاق يقع طلقتان إذ لا ينقدح هذا وقيل بتخريج ذلك في الإقرار وهو بعيد ولو قال درهم قبل درهم أو قبله درهم أو بعد درهم أو بعده درهم يلزمه درهمان لأن ذلك لا يحتمل إلا في تأخير الوجوب وتقديمه ولو قال درهم بل درهم يلزمه درهم واحد ولو قال بل درهمان يلزمه درهمان لأنه أعاد الأول في الثاني ولو قال درهم بل ديناران يلزمه درهم وديناران لأن الثاني رجوع وليس بإعادة ولو قال عشرة لا بل تسعة يلزمه العشرة لأنه رجوع ولو قال ديناران بل قفيزان يلزمه الكل لأنه رجوع وليس بإعادة ولو قال درهم بل درهمان بل ثلاثة دراهم لا يلزمه إلا ثلاثة دراهم ويكون ما مضى معادا فيه هذا كله إذا جرى على الاتصال فلو أقر بألف يوم السبت وبألف يوم الأحد لا يلزمه إلا ألف واحد ويجمع بينهما فالأخبار تتداخل إلا أن يظيف إلى سببين مختلفين فلو أضاف أحدهما دون الآخر نزل المطلق على المضاف ولا يختلف ذلك بتكرير الإشهاد فلو شهد شاهدان أنه أقر يوم السبت بألف وآخران أنه أقر يوم الأحد بألف لم يلزمه إلا ألف ولهذا قالوا لو شهد أحدهما على إقراره يوم السبت بألف والآخر على إقراره يوم الأحد بألف ثبت ألف وإن لم يجتمعا على إقرار واحد ولكن اجتمعا في حق المخبر عنه وكذلك إذا حكى أحد الشاهدين العجمية من لفظ المقر في الإقرار وحكى الآخر العربية يجمع بينهما ومثل ذلك في الأفعال كالغضب والقبض والإنشاءات كالبيع والقذف لا يجمع هكذا نقل صاحب التقريب النفي ثم قال في المسألتين قولان بالنقل والتخريج أما تخريجه في الجمع في جانب الإنشاءات فبعيد وللتخريج في جانب الأقارير وجه لأنهما لم يجتمعا على شيء واحد ولا خلاف في أنه لو ادعى حقا وشهد له الشهود بل لو ادعى على الإقرار من عليه الحق قبل ولم يكن ذلك مخالفة في نفسه ولم يلزمه أن يدعي الإقرار حتى يوافقه لفظ الشهود بل لو ادعى الإقرار لم يسمع وقال قائلون لابد من دعوى الإقرار لتتوافق الشهادة والدعوى ولا يجب على الشاهد إذا شهد على الإقرار أن يذكر كونه مكلفا طائعا بلهو المفهوم عند الإطلاق فلو أقام المشهود عليه بينة على أنه كان مكرها قدمت بينة الإكراه ولو أقام بينة على أنه كان في الحبس والقيد صار الظاهر معه حتى يكون القول قوله في الإكراه اللفظ العاشر إذا قال هذا ولدي ولدته هذه الجارية وقد علقت به في ملكي فهو إقرار بالاستيلاد في الأم ولو قال ولدته ولم يقل علقت به في ملكي ولا ولدت في ملكي فوجهان ظاهر النص أنه إقرار بالاستيلاد بناء على الغالب ولو قال ولدت في ملكي ولم يقل علقت في ملكي فوجهان مرتبان وأولى بالثبوت فرع دخيل في هذا الكتاب وهو إذا تنازع رجلان في جارية فقال أحدهما زوجتنيها وقال الآخر بعتكها والنظر في أربعة أمور الأول في فصل الخصومة قال الأصحاب هما خصومتان إذ كل واحد يدعي عقدا فعليه إثباته ويدعي عليه عقد فالقول قوله فتعرض اليمين على كل واحد في نفي ما يدعي عليه وفي إثبات ما يدعيه مهما رد اليمين عليه استدرك صاحب التقريب و قال من يدعى أنه باع فهو يطلب الثمن فله التحليف على نفي الشراء أما من يدعي التزويج على الآخر و الآخر قد قال بعت فقد أنكر ملك نفسه في الجارية فلو أقر لكان لا يقبل إقراره فأي فائدة في تحليفه ثم قال الآن يبني على أن يمين الرد كالبينة ففائدته النكول و استدراكه على وجهه النظر الثاني أنه إن حلف الزوج نفي على الشراء لم يطالب بالثمن و للبائع الرجوع في الجارية منهم من قال يصير كأنه عجز عن أستيفاء الثمن بالإفلاس فيفسح ويثبت حقه في الجارية وإن زاد قيمتها على الثمن ومنهم من فال لا بل طريقه انه ظفر بغير جنس حقه فيأخذ منها مقدرا الثمن منه هذا كله إذا لم يكن قد استولدها فإن جرى الاستيلاد أمتنع الرجوع بموجب قول البائع وكان الولد أيضا حرا بموجب قوله فلا مرجع له النظر الثالث أن الزوج هل يحل له وطؤها نظر فإن كان صادقا حل له و طؤها باطنا وفي الظاهر وجهان أحدهما نعم لأن العبرة بقولهما وهي حلال بموجب قول البائع و الزوج جميعا والثاني أنها حرام لوقوع الاختلاف في الجهة فأنه لو قال لي عليك ألف من قرض فقال بل من ثمن مبيع فهل يقدر على المطالبة فيه خلاف فالاختلاف في الجهة في البضع أولى ومنهم من شبه هذا بما إذا اشترى زوجته بشرط الخيار فقد قال الشافعي رضي الله عنه لا يطؤها في مدة الخيار فإنه لا يدري أيطأ زوجته أو مملوكته مع أنه كيف ما كان فهو حلال و سبيل حل إشكال النص تخريجة على أقوال الملك وإن قلنا الملك للبائع فله ذلك فإنه يدري أنه يطأ زوجته وإن قلنا للمشترى فلا لأنه يطأ مملوكته بملك ضعييبف يمنع الوطء لبقاء خيار البائع وإن قلنا أنه موقوف ملا يطأ وهو الذي أراد الشافعي رضي الله عنه لأنه لا يدري أيطأ زوجته فتحل أو يطأ مملوكته بملك ضعيف فلا تحل له النظر الرابع نفقة الولد بعد الاستيلاد على المستولد لأنه حر بموجب قول البائع فنفقته على ابيه و نفقته المستولدة على المستولد إن قلنا تحل له وإن قلنا لا تحل له فوجهان أحدهما على البائع إذ يقبل قوله في زوال ملكه عليه لا في ما على غيره وهو سقوط النفقة والثاني أنها تأكل من كسبها فأن لم يكن فمن بيت المال لأنها فقيرة الباب الثالث في تعقب الإقرار بما يرفعه وهو قسمان الأول أن يعقبه بما يرفعه كله و فيه مسائل سبع الأولى إذا قال لفلان على ألف من ثمن خمر أو خنزير أو من ضمان شرط فيه الخيار لنفسه أو سبب فاسد أسنده إليه و يعتاد التعامل بمثله على الفساد ففيه قولان أحدهما أنه يلزمه الألف و الإضافة الفاسدة رفع بعد إثبات فهو كقوله على ألف ألا ألفا و الثاني ولعله الأولى أنه لا يلزمه لأنه لم يقر بملزوم شئ و كلامه منظوم في نفسه فصار كما إذا قال أنت طالق أن شاء الله فإنه لما أنتظم لم يكترث باندفاع الطلاق و قطع الاكثرون بأنه لو قال لفلان على ألف أن شاء الله لا يلزمه شئ لأنه للشك في الإقرار و للتعليق في الإقرار و حكي صاحب التقريب عن بعض الأصحاب طرد القولين و لا خلاف في أنه إذا قال له على ألف إذا جاء رأس الشهر و قصد به التعليق أنهيخرج عن القولين بخلاف ما إذا قال إذا جاء رأس الشهر فله على ألف فإنه لا يلزمه قولا واحد لأنه قدم كلمة التعليق إلا أن يفسر ذلك بأجل أو وصية فيحتمل ولكن لا يلزمه دون تفسيره ولو قال لك على ألف ان شئت قال الأصحاب لا يلزمه لأنه تعليق بالمشيئة قال الإمام ليخرج على القولين إن قدم صيغة الالتزام وإن أخر فيقطع بأنه لا يلزمه الثانية إذا قال على ألف لا يلزمني يلزمه الألف لأنه متناقض ولو قال ألف قضيته فطريقان منهم من قطع باللزوم لتناقضه ومنهم من خرج على القولين إذ ذلك مما يطلق في العادة الثالثة إذا قال علي ألف مؤجل طريقانمنهم من قطع بالقبول للصحة والاعتياد جميعا و منهم من خرج على القولين لأنه لو ذكر الأجل منفصلا لم يقبل وجعل مانعا للزوم فكذلك إذا ذكره متصلا و كذا إذا قال علي ألف من ثمن عبد أن سلم سلمت لأنه إضافة صحيحة معتادة و لو قال علي ألف مؤجل من جهة تحمل العقل فيقطع بصحته لأن الأصل فيه الأجل و الحلول فيه دخيل ومنهم من خرج على القولين الرابعة إذا قال له علي ألف ثم جاء بألف و قال هذه وديعة عندي فقال المقر له ما أقررت به ألف أخر هو دين فالذي قطع به المراوزة قبوله و عليه يدل نص الشافعي رضي الله عنه على أنه لو قال علي شئ ثم فسر بالوديعة قبل لأن الوديعة عليه ردها و قد يتعدى فيها فيضمن نعم لو قال تلف في يدي فلا يقبل قوله في سقوط الضمان لأن قوله علي مستشعر به وقال العراقيون في اتحاد الألف قولان وإن قال له على ألف في ذمتي فقولان مرتبان وأولى بأن لا يفسر بالوديعة ولو قال له علي ألف دينا في ذمتي فأولي بأن يتعدد و ها هنا يظهر خيال التعدد و يبعد تفسيره بالوديعة فإن قلنا إن التفسير بالوديعة منفصلا مقبول فمتصلا أولى وإن قلنا لا يقبل فيخرج المتصل على قولي الإضافة إلي الجهات الفاسدة ولو قال له علي ألف درهم عارية في طريقة العراق أنه يلزمه لأن إعارة الدراهم يصح فتكون مضمونة وإن قلنا لا يصح فهي عارية فاسدة مضمونه وفي طريقة المراوزة أن عارية الدراهم إذا لم تصح فهي باطلة لأنها غير قابلة للانتفاع أصلا فلا ضمان فعلى هذا يخرج على قولي الإضافة إلي الجهة الفاسدة الخامسة لو قال هذه الدار لك عارية أو هبة قال الشافعي رضي الله عنه له أن يخرج المقر له منها مهما شاء لأن قوله لك وإن كان ظاهره للملك فإذا تعقب بالعارية نزل عليه وكذا لو قال لك هبة ثم قال أردت هبة لم أقبضها فموجب النص القبول و قال صاحب التقريب ينبغي أن يخرج الكل على قولي ثمن الخمر و الخنزير لأنهرفع لما تقدم من لام التمليك وهو فاسد لأن اللام ظاهر في التمليك ومحتمل لوجوه في الإضافة إذا ذكر متصلا به السادسة إذا قال رهنت فأقبضت أو وهبت وأقبضت ثم قال كنت أقبضت فلانا و ظننت أن القبض حاصل به نص الشافعي رضي الله عنه على قبول دعواه في تحلف الخصم و لا خلاف أنه لو قال كذبت من غير تأويل لم تقبل دعواه ولو قال أقررت أشهادا على الصك على العارية ثم لم يتفق ففي قبول الدعوى للتحليف وجهان أولاهما القبول لأنه محتمل فلا خلاف أن العربي إذا أقر بالعجمية ثم قال لقنت ولم أفهم أنه تقبل دعواه السابعة إذا قال هذه الدار لزيد بل لعمرو سلم إلي زيد فهل يغرم لعمرو فيه قولان المنصوص ها هنا أنه لا يغرم لأن الدار قائمة ومنازعة صاحب اليد فيها ممكن ولم يصدر منه إلا مجرد قول والثاني وهو القياس أنه يضمن بالحيلولة كما لو أبق المغصوب من يده وهذا الخلاف جار في شهود المال إذا رجعوا وعين المال باقية أو إمكان المطالبة بقيمته قائم فإنهم هل يغرمون ثم من الأصحاب من أطلق القولين ومنهم من خصص بما إذا لم يسلم إلى زيد بنفسه بل أخرج القاضي من يده فإن سلمه ففعله غصب بموجب قوله موجب للضمان أما إذا قال غصبت الدار من زيد وملكها لعمرو وسلم إلى زيد لم يلزمه شيء لعمرو لأنه يحتمل أن يكون مرتهنا أو مستأجرا وغصبت فبرىء بالرد عليه فلا يغرم للثاني وقيل بتخريج ذلك على القولين منه أما إذا قدم الإقرار بالملك فقال هي لفلان وأنا غصبتها من فلان فالأكثرون سووا بين الصورتين حتى يسلم إلى من غضب منه ولا يغرم للمالك ومنهم من رأى تخريج هذا على القولين ظاهرا وزعم أنه يسلم إلى الأول وهل يغرم للثاني قولان القسم الثاني فيما يرفع بعض الإقرار وفيه ثلاث مسائل الأولى جواز الاستثناء الأقل والأكثر مهما بقي من المقر به شيء فلو قال علي عشرة إلا تسعة قبل فما يلزمه إلا درهم ولو قال عشرة إلا عشرة بطل الاستثناء ولزمه العشرة ولو قال علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة هكذا إلى أن انتهى إلى الواحد يلزمه خمسة لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات فإذا جمع صيغ الإثبات على اليد اليمنى والصيغ التي بعدها على اليسرى اجتمع على اليسرى خمسة وعشرون وعلى اليمن ثلاثون فإذا أسقطت المنفي عن المثبت بقي خمسة الثانية الاستثناء من غير الجنس صحيح عندنا وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح إلا في استثناء المكيل من الموزون أو الموزون من المكيل وصورته أن يقول علي ألف درهم إلا ثوبا فمعناه إلا قيمة ثوب ولكنمعناه أن يفسر قيمة الثوب بما ينقص عن الألف فلو فسره بما استغرق فوجهان أحدهما بطلان التفسير إلى أن يفسر بما ينقص عن الألف والثاني بطلان أصل الاستثناء الثالثة الاستثناء عن العين كقوله هذه الدار لفلان والبيت الفلاني منها لي أو هذه الدار لفلان إلا الباب أو هذا الخاتم إلا الفص أو هؤلاء العبيد إلا واحدا فالمذهب صحة الاستثناء وفيه وجه أن الاستثناء إنما ورد في اللسان عن الأعداد فلذلك يقبل وإلا فالأصل أن رفع الإقرار السابق باطل فرع لو قال هؤلاء العبيد لفلان إلا واحدا وقلنا صح طولب بتعيينه وقبل قوله فلو ماتوا إلا واحدا فقال هذا هو المستثنى فالصحيح قبوله كما لو عين أولا ثم مات الآخر وفيه وجه أنه لا يقبل لأنه يوجب إعدام أثر الإقرار بخلاف ما لو قال غصبت هؤلاء العبيد إلا واحدا فإنه يقبل تعين الواحد الباقي لأن أثر الإقرار يبقى في مطالبته بقيمة الموت الباب الرابع في الإقرار بالنسب وهو قسمان أحدهما أن يقر على نفسه ويستلحق شخصا فقوله مقبول بشرط أن يسلم عن تكذيب الحس بأن يكون المستلحق أكبر سنا منه أو مثله وعن تكذيب الشرع بأن يكون المستلحق مشهور النسب لغيره وعن تكذيب المقر له بأن يكون بالغا فيكذبه فلا يثبت النسب في هذه الصور الثلاثة وإنما يثبت في مجهول يولد مثله لمثله وهو أن يقر إن كان بالغا أو هو صغير أو مجنون أو ميت حتى لا يتصور تكذيبه فإن إقراره ليس بشرط فلو استلحق صغيرا فمات الصغير ورثه ولو مات المستلحق ورثه الصغير بل لو مات الصغير أولا وله ميراث ثم استلحقه قبل قوله عندنا ولم يترك بسبب التهمة خلافا لأبي حنيفة نعم لو مات بالغا فاستلحقه ذكر العراقيون وجهين ومال القاضي إلى أنه لايقبل إذا خيره إلى موته مع مصادفته حالة يتصور تصديق المقر له فيه يوهم كذبه وهذا لا يليق بمذهب الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يرد الأقارير بالتهم نعم لو استلحق صغيرا فبلغ وأنكر فيه وجهان أحدهما لا مبالاة بإنكاره إذ حكمنا بثبوت النسب والتوريث من الجانبين والثاني يقبل وإنما كان ذلك حكما بشرط سلامة العاقبة كتصحيح الأقارير والتصرفات في مرض الموت فرعان أحدهما له أمتان ولكل واحدة منهما ولد ولا زوج لهما فقال أحد هذين الابنين ولدي فقد ثبت نسب واحد مبهما فيطالب بالتعيين فإذا عين تعين وعتق وصارت الأم مستولدة إن كان قد قال هذا ولدي منها قد علقت به في ملكي وإن أطلق وقال ولدي منها فقد ذكرنا فيه وجهين فإن مات قبل التعيين فتعيين الورثة كتعيين المورث وإن عجزنا عرضنا على القائف وتعيين القائف كتعينه في النسب والاستيلاد وسائر الأحكام فإن عجزنا عن القائف أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته عتق ولم يثبت نسبه ولا ميراثه إذ لا عمل للقرعة إلا في العتق وبينهما عتق مبهم وهل يقرع بين الأمتين وجهان أحدهما لا إذ أمية الولد والعتق به تبع بسبب الولد ولا نسب والثاني نعم لأن لهما نسبا وإحداهما عتيقة بحكم ذلك فيقرع لأجل العتق وهل يقف نصيب ابن من الميراث وجهان أحدهما بلى إذ أحدهما نسيب والثاني لا لأنه نسب ميئوس عن ظهوره والموالاة به فلا يؤثر في التوريث الفرع الثاني أمة لها ثلاثة أولاد فقال السيد أحد هؤلاء ولدي استولدتها به في ملكي فهو إقرار بأمية الولد ويطالب بالتعيين فإن عين الأصغر عتق وثبت نسبه وإن عين الأوسط ثبت نسبه وعتق الأصغر أيضا وثبت نسبه لأنه ولد على فراشه إلا إذا ادعى الاستبراء وقلنا الولد ينتفي بمجرد دعوى الاستبراء في المستولدة وعند ذلك يحكم بعتق الأصغر لأنه ولد المستولدة ولاكن ولكن إذا عتقت الستولدة بموت السيد وفيه وجه أنه لا يعتق لاحتمال استولدها بالأوسط وهي مرهونة ولنا لا ينفذ الاستيلاد فبيعت وولدت الأصغر في يد المشتري ثم اشتراهما المستولد وقلنا يقود الاستيلاد ولكن لا يتعدى إلى ولد ولدت في ملك الغير والقائل الأول إن اعترف بهذا التفريع فيأتي دفع مطلق الإقرار بهذا التقدير البعيد هذا إذا عين قبل الموت فإن مات فوارثة أو القائف يقومون مقامه فإن عجزنا عنهم أقرع بين الأولاد الثلاثة فإن خرج على الأصغر تعين للعتق وإن خرج على الأوسط عتق مع الأصغر إلا على تقدير الخروج على مسألة الرد قال المزني معترضا على نص الشافعي رضي الله عنه كيف يدخل الصغير القرعة وهو حر بكل حال وما ذكره المزني خطأ لأنه يدخل في القرعة ليخرج عليه فيقتصر العتق علي أو يخرج على غيره فيعتق هو مع غيره ثم قال الشافعي رضي الله عنه لا تأثير للقرعة في النسب والميراث مصروف إلى الوارث المتيقن وراثته قال المزني وينبغي أن يوقف ميراث ابن وهو ظاهر القياس ولكن الشافعي رضي الله عنه لم ير الموقف بعد اليأس عن ظهور هذا النسب القسم الثاني أن يقر بالنسب على مورثه ومن له ولاية استغراق الميراث فله إلحاق النسب بمورثه سواء انفرد أو كانوا جميعا وقال أبو حنيفة رحمه الله لو خلف ابنا واحدا فأقر بأخ آخر لم يثبت إلا إذا كانا ابنين وهو ضعيف فإنه إذا لم تعتبر صفات الشهود بل قبل قبول الأقارير فلا معنى للعدد ثم قال الأصحاب يعتبر إقرار الزوج والمولى المعتق إذا كان من جملة الورثة ولا مبالاة بإقرار التقريب المحجور بسبب من الأسباب وإن كان هو أقرب إلى النسب لأنه مأخوذ من استحقاق الإرث وفي الزوج والمولى المعتق وجه أنه لا يعتبر قولهما والبنت الواحدة إذا أقرت وأقر معها إمام المسلمين ففي ثبوت النسب بقول الإمام وجهان أحدهما نعم كالمولى المعتق والثاني لا لأنه غير مستحق وإنما المستحق وجهة الإسلام فلا يتصور صدر الإقرار منه أما إذا خلف ابنين فأقر أحدهما وأنكر الآخر فالنسب لا يثبت قطعا ونص الشافعي رضي الله عنه على أن الميراث لا يثبت لأنه فرع النسب وعليه إشكالات قررناها في مسائل الخلاف ولأجله خرج ابن سريج وجها أنه يرث وذكر صاحب التقريب طريقين أحدهما أن الميراث يثبت باطنا وهل يثبت ظاهرا وجهان والثاني أنه لا يثبت ظاهرا وهل يثبت باطنا وجهان التفريع إن قلنا يثبت الميراث على المقر فإذا كانت التركة ستمائة فيأخذ المقر له من المقر كم وجهان أحدهما مائة وخمسين وهو نصف ما في يده لأنه أعترف له بالمساواة في كل شيء والثاني مائة وهو ثلث ما في يده فإنه مظلوم بالمائة الأخرى من المنكر و قال صاحب التقريب هذا إذا كان المقر مجبرا في القسمة فلو كان القسمة بالتراضي فقد تعدى بتسليم نصيبه إلى المكذوب فيغرم له والقياس ما قاله فروع سبعة الأول لو أقر أحد الابنين بزوجية امرأة لأبيه وأنكر الآخر فالظاهر أنه لا يثبت الميراث كما في النسب وفيه وجه أنه يثبت لأن المقصود بالإقرار ها هنا الإرث دون الزوجية الثاني أقر أحد الابنين وأنكر الآخر ومات المنكر نظر فإن كان خلف ابنا وهو مقر ففيه وجهان أحدهما يثبت الميراث لأن الاستغراق لهم وقد توافقوا والثاني لا لأنه فرع فليس له تكذيب أصله وهو يلتفت على أن الوارث هل يلتحق بمن نفاه المورث باللعان وإن لم يخلفا إلا الأخ المقر فوجهان مرتبان وأولى بالثبوت ولو أنه مات قبل التكذيب فلا خلاف في أن الميراث يثبت بتوافق الباقين لأن التكذيب لم يصدر منه بعد الثالث خلف ابنين صغيرا وكبيرا فأقر الكبير بأخ ثالث وجهان أحدهما أنه لا يثبت لا نسب ولا ميراث إذ الحق لهما والثاني نعم يثبت ويستدام بشرط أن لا ينكر الصبي إذا بلغ الرابع إذا خلف ابنا واحدا فقال لمجهول أنت ابن أبي فقال وأنت لست ابنا له وأنا ابن له فوجهان أحدها أن المقر يحجب لأن المجهول وارث بقوله وهو منكر قوله والثاني أنهما يشتركان ولا يبالى بتكذيبه وفيه وجه ثالث أن المكذب لا يستحق شيئا لأنه أخرجه عن أهلية الإقرار بتكذيبه الخامس اقر لاثنين بالأخوة فتكاذبا بينهما فوجهان أحدهما أنهم يشتركون ولا يؤثر تكاذبهما نظرا إلى قول الأصل والثاني أنهما لا يرثان إذ لم يتوافق على إرث كل واحد منهما الجميع السادس إذا أقر الأخ بابن لأخيه قال الأصحاب يثبت النسب دون الميراث إذ لو ثبت الميراث لحرم الأخ عن الميراث وخرج عن أهليةالإقرار وصار دورا ومنهم من قال يثبت النسب والميراث جميعا ومنهم من قال لا يثبت النسب أيضا مع الميراث السابع إذا أقر أحد الابنين بألف وأنكر الآخر والتركة ألفان فيؤخذ من نصيب المقر خمسمائة أو ألف فيه قولان أحدهما ألف مؤاخذة له بموجب قوله في أنه لا ينفك جزء من التركة بما بقي من الدين شيء والثاني يكتفى بحصته والتوجيه مذكور في الخلاف كتاب العارية والنظر في أركانها و أحكامها و فصل الخصومة فيها فإما الأركان فأربعة الأول المعير ولا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للمنفعة غير محجور عليه في التبرع فأن العارية تبرع بالمنافع فيصح من المستأجر وللمستعير أن يستوفي المنافع بوكيله بنفسه وهل له ان يعير فيه وجهان أظهرهما المنع لأن الإذن مخصوص به فهو كالضيف الثاني المستعير ولا يعتبر فيه إلا أن يكون أهلا للتبرع عليه الثالث المعار ويعتبر فيه شرطان أحدهما أن يكون منتفعا به مع بقائه فلا معنى لإعاره الأطعمة وفيإعارة الدراهم والدنانير وإجارتهما لمنفعة التزيين ثلاثة أوجه أحدها نعم لأن غرض التزيين من المقاصد والثاني لا لأنه غرض بعيد والثالث يصح الإعارة لأنه مبرة ولا يصح الإجارة لأنه معاوضة فيستدعي منفعة متقومة فإن أبطلناها ففي طريقة العراق أنها مضمونة لأنها إعارة فاسدة وفي طريق المراوزة أنها غير مضمونه لأنها غير قابلة للإعارة فهي باطلة الشرط الثاني أن يكون الانتفاع مستباحا فلا يجوز إعارة الجواري للاستمتاع ولا للاستخدام إذا كان المستعير غير محرم وكانت الجارية في محل الشهوة فإن جرىفهو صحيح ولكنه محظور وكذا تكره استعارة أحد الأبوين للخدمة وكذا إعارة العبد المسلم من الكافر وتحرم إعارة الصيد من المحرم الرابع صيغة الإعارة ولابد فيه من الإيجاب وهو قوله أعرت أو خذ أو ما يفيد معناه ويكفي القبول بالفعل ولا يشترط اللفظ كاستباحة الضيفان فلو قال أعرتك حماري لتعيرني فرسك فهو أجاره فاسدة غير مضمونة ولو قال اغسل هذا الثوب فهو استعارة لبدنه لأجل العمل فإن كان الغاسل ممن يعمل بالأجرة فالظاهر أنه يستحق الأجرة كما يستحق الحمامي والحلاق والتعويل فيه على القرائن ولهذا ذكر القاضي في المعاطاة في البيع وجهين لأجل القرائن أما أحكامها فثلاثة الأول الضمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العارية مضمونة مؤداة وقال أبو حنيفةرحمة الله أنها غير مضمونة ولا خلاف أنها مضمونة الرد على المستعير ثم في كيفية الضمان ثلاثة أقوال أحدها أنه يضمن بأقصى قيمته من يوم القبض الى يوم التلف كضمان المغصوب وعلى هذا يحدث وكذا المستعار في يده مضمونا والثاني أنه يعتبر قيمته يوم القبض والثالث هو الأصح أنه يعتبر قيمته يوم التلف إذ في اعتبار يوم القبض ما يوجب ضمان الأجزاء المستحقة بالاستعمال وضمانها غير واجب لأنها تلفت بالإذن وفيه وجه بعيد والمستعير من المستأجر هل يضمن فيه وجهان أحدهما لا ابتناء يده على يد غير مضمونة والثاني نعم نظرا إليه في نفسه والمستعير من الغاصب يستقر عليه الضمان إذا تلف العين في يده ولو طولببالأجرة ولم يكن استوفي المنفعة بل تلفت تحت يده يرجع به على المعير لأن يده في المنفعة ليس يد ضمان وإن كان استوفاه ففي الرجوع قولان أحدهما نعم للغرور فأنه لم يرض بضمان المنافع والثاني لا تغليبا للإتلاف على الغرور وحد المستعير كل طالب أخذ المال لغرض نفسه من غير استحقاق فعلى هذا لو جمحت دابة فأركبها ر أيضا ليروضها له وارسل وكيلا في شغل له واركبه دابته وفتلفت لا ضمان له لأنه ليس آخذا لغرض نفسه ولو وجد من اعيا في الطريق فأركبه بطريق القربة ففيه نظر من حيث أن الراكب منتفع ولكن الأظهر أن لا ضمان لأن المالك هو المطالب لركوبه ليقترب به الى الله تبارك وتعالى ولو أركب المالك مع نفسه رديفا فتلفت الدابة تحتهما قال الأصحاب على الرديف نصف الضمان الأولى أن لا يجب لأن الدابة في الملك ما دام هو راكبا والرديف ضيف كالضيف الداخل في الدار ولو أودعه ثوبا وقال إن شئت فالبسه عند الحاجة فهو قبل اللبس وديعة وبعده عارية مضمونة الحكم الثاني التسلط على الانتفاع وهو بقدر التسليط لأن منتفع بالأذن فإن تعين جهة المنفعة فلا كلام وإن تعددت كما إذا أعار أرضا فإن عين زراعة الحنطة مثلا فله أن يزرع ما ضرره مثل ضرر الحنطة ودونه ولا يزرع ما ضرره فوقه وإن أطلق فالظاهر فساده إذ يتردد بين الغراس والبناء والزراعة فهو غرر ظاهر وفيه وجه أنه يصح ويتسلط على الكل ولو قال أنتفع كيف شئت فوجهان من حيث أنهفوض الى مشيئته ولو عين الزراعة فالظاهر الجواز وإن لم يعين المزروع لأن الأمر فيه قريب ولو عين الغراس فله أن يبني وكذلك بالعكس لتساويهما وقيل لا لأن ضرر الغراس في باطن الأرض وضرر البناء في ظاهر الأرض فهما مختلفان في الجنس الحكم الثالث الجواز وللمعير الرجوع مهما شاء إلا إذا أعار لدفن ميت فيمتنع نبش القبر سواء كان الميت جديدا أو عتيقا إلى أن يندرس أثر المدفون فعند ذلك يفعل ما يريد وقبل الاندراس لو كان له فيه أشجار فله السقي بشرط أن لا يظهر الميت وكذلك لو أعار جدارا ليضع الجار عليه جذعه فلا يستفيد بالرجوع قبل الانهدام شيئا إذ لا أجرة له حتى يطالب به وفي هدمه بأرش النقض تصرف في خاص ملك الجار في الجانب الثاني من الجذع فأما إذا أعار أرضا للبناء والغراس مطلقا فله الرجوع وليس له لنقض ملك المستعير مجانا لأنه محترم وضعه من غير عدوان ولكن يتخير المالك بين الثلاث خصال بين أن يبقى بأجرة أو يتملك البناء بقيمته أو ينقض ويبذل أرشه والخيرة في التعيين للمالك ترجيحا لجانبه فإنه معير ولا حق للمستعير إلا أن لا يضيع ماليته ثم إذا رجع والبناء بعد لم يرفع جاز للمالك الدخول ولا يتصرف في البناء ولايجوز للمستعير الدخول وتنزها وهل يجوز مرمة الجدران فيه خلاف وجه الجواز أن حقه مضمون عن التلف وفي المنع من العمارة تضييع ويجوز للمعير بيع الأرض وعليها بناء المستعير قبل التملك وهل يجوز للمستعير بيع البناء فيه وجهان وجه المنع أنه معرض للهدم أن أراد المعير هذا إذا كانت الإعارة مطلقة أو مقيدة بالتأبيد فلو قال أعرت سنة فإذا مضت قلعت البناء مجانا فله ذلك اتباعا للشرط ولو اقتصر على قوله أعرت سنة لم يجز له النقض بعده مجانا فكان يحتمل أن يحمل على طلب الأجرة بعده كما يحتمل الهدم والأصل حرمة ملكه وقال أبو حنيفة رحمه الله فائدة التأقيت جواز القلع مجانا أما إذا أعار للزراعة ورجع قبل الإدراك فالمذهب أنه يجب ابقاؤه الى الإدراك وليس له قلع الزرع ولكن له أخذ الأجرة لأن هذا اقرب الطرق بخلاف الغراس في الإجارةالمؤقتة فإنه وإن صبر بقية المدة افتقر إلى القلع بعدها وفيه وجه للعراقيين أنه لا يستحق الأجرة إلى الإدراك ووجه لصاحب التقريب أنه يقلع الزرع كالغراس أو لا يقلع الغراس كالزرع وهو من تخريجه وتصرفه فرعان أحدهما لو بادر المستعير وقلع الغراس هل يلزمه تسوية الحفر فيه وجهان أحدهما نعم ليرد ما أخذ كما أخذ والثاني لا لأن المأذون في الغرس مأذون في القلع وقد حصل من المأذون فيه فصار كما لو تلفت الدابة المستعارة أو تعبت بالركوب الثاني إذا حمل السيل ونواة لأنسان إلى ملك غيره فأنبتت شجرة فهل لمالك الأرض قلعها مجانا فيه وجهان لتعارض الحرمة في الجانبين و الأولى ترجيح مالك الأرض و تسليطه على القلع و أما فصل الخصومة فلها ثلاث صور الأولى إذا قال راكب الدابة لمالكها أغرتنيها فقال المالك بل أجرتكها قال الشافعي رضي الله عنه القول قول الراكب ولو قال ذلك زارع الأرض لماكلها قال القول قول المالك نص عليه في المزارعة فأختلف الأصحاب على طريقين أحدهما قولان لتقابل الاصلين إذ يمكن أن يقال الأصل وجوب الضمان في المنفعة وعدم ما يسقطها أو الأصل عند طريان الأذن عدم الضمان و منهم من قرر التعيين و فرق بأن العارية في الدواب ليس ببعيد وفي الأرض بعيد و هذا الترجيح في مظنة تعارض الاصلين لا بأس به التفريع الأول إن قلنا القول قول الماك فيحلف على نفي الإعارة ولا يتعرض لإثبات الإجازة و المسمى فإنه مدع فيهما ثم إذا حلف أخذ أقل الأمرين من المسمى أو أجرة المثل و قال القاضي و العراقيون إنه يتعرض للإجارة فيحلف أنه ما أعار و لكنه أجر لينتظم الكلام لا ليثبت الإجارة و ذكر العراقيون قولا آخر أن فائدته إثبات المسمى إظهارا لفائدته وهو بعيد أما إذا نكل المالك قال العراقيون لا يرد على الراكب لأنه لا يدعي لنفسه حقا فيبني عليه القضاء بالنكول قال القاضي ترد و فائدته دفع الغريم وهو أقرب من القضاء بالنكول فإن قيل فلو تنازعا قبل مضي مده تتقدم المنفعة فيها قلنا القول قول الراكب في نفي ما يدعى عليه من الإجارة للمستقبل الصورة الثانيه أن يقول المالك بل غصبتنيها قال المزني القول قول الركب إذ الأصل عدم الغضب إحسانا للظن بالناس ثم خالفا أكثر الأصحاب و قالوا الأصل عدم الأذن و بقاء حق المالك في المنفعة و قيل المذهبان قولان للشافعي و الأولى القول المخالف للمزني الثالثة أن يقول الراكب أكريتنيها و غرضه إسقاط الضمان عند التلف واستحقاق الإمساك فقال المالك أعرتكبها فالقول قول المالك فإنه يدعي عليه إجارة و الأصل عدمها ثم يستفيد بالحلف استحقاق القيمة عند التلف و جواز الرجوع عند القيام كتاب الغصب الغصب عدوان محض لقوله صلى الله عليه وسلم من غضي شبرا من أرض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة وهو سبب للضمان لقوله عليه الصلاة و السلام على اليد ما أخذت حتى ترد والنظر في الكتاب يحصره بابان الباب الأول في الضمان والنظر في ثلاثة أركان الموجب والموجب فيه والواجب الركن الأول الموجب للضمان وهو ثلاثة التفويت بالمباشر أو التسبب أو إثبات اليد لغرض نفسه من غير استحقاق أما الأول فهو المباشرة وحده إيجاد علة التلف كالقتل والأكل والإحراق ونعني بالعلة ما يقال من حيث العادة إن الهلاك حصل بها كما يقال حصل بالقتل والأكل والإحراق أما التسبب فهو إيجاد ما يحصل الهلاك عهده ولكن بعلة أخرى إذا كان السبب ما يقصد لتوقع تلك العلة فيجب الضمان على المكره على إتلاف المال والإكراه سبب وعلى من حفر بئرا في محل عدوان إذا تردى فيه بهيمة أو عبد أو إنسان فإن ردى فيه غيره فيه فالضمان على المردي تقديما للمباشرة على التسبب كما في الممسك مع القابل في الحر أما في العبد فيطالب الممسك أيضا لأنه بالإمساك غاصب والمكره وإن كان مباشرا فمباشرته ضعيفة أنتجها الإكراه فلم يقدم عليه أما إذا رفع حافظ الشيء حتى ضاع لعدم الحافظ بسبب آخر لا يقصد برفع الحافظ فلا ضمان عليه كما إذا فتح رأس الزق فاتفق هبوب ريح بعده فسقط وضاع فلا ضمان لأنه لا يقصد بفتح رأس الزق هبوب الريح والضياع به كما لو بنى دارا فطيرت الريح ثوبا وألقاه في داره فضاع لا يضمن وكذلك لو حبس المالك عن الماشية فعاث الذئب فيها وكذلك لو حمل صبيا إلى مضيعة فاتفق ثم سبع فافترسه فلا ضمان في الكل إذ لا مباشرة و لا يد و لا تسبب إذ حد السبب ما ذكرناه نعم لو حمل الصبي إلى مسبعة أو فتح رأس الزق فشرقت الشمس وذاب فيه وجهان لعل الأظهر وجوب الضمان فإنه يقصد به ذلك كما أنا نقول إذا غصبت الأمهات فنتجت الأولاد حدثت من ضمانه لأنه يتوقع من إثبات اليد على الأمهات ثبوت اليد على الأولاد وكذلك لو غصب رمكة فأتبعها المهر ففي دخوله في ضمانه تردد وأما رفع القيد عن الحيوان سبب يقصد لإفلات الحيوان ولكن ينظر فإن كان المقيد حيوانا عاقلا كالعبد فإذا أبق لا ضمان لأنه مختار فينقطع التسبب به وهو كما لو هدم الحرز فسرق المال لا يضمن المال ولو دل السراق لم يضمن فأما الحيوان الذي ليس بعاقل كالطير والبهيمة فإذا فتح باب القفص وحل رباط البهيمة فضاعت فالمذهب الظاهر أنه إن طار على الاتصال ضمن وإن كان على الانفصال لم يضمن إذ يظهر حوالته عند الانفصال على اختيار الحيوان وعند الاتصال كأنه نفر بالتعرض للقيد وقال مالك رحمه الله يضمن في الحالتين وهو قول الشافعي رضي الله عنه منقدح من حيث المصلحة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يضمن أصلا وهو قول للشافعي رضي الله عنه حوالة على الاختيار والعبد المجنون من قبيل الدابة والطير وفي العبد العاقل المقيد الإباق أيضا وجه بعيد أنه يضمن إذا حل القيد عنه وهو ضعيف لأنه في معنى الممسك مع المباشر أما إذا فتح رأس الزق فتقاطرت قطرات من المائع إلى أسفل الزق وابتل وسقط وجب الضمان لأن السقوط بالابتلال و إلا بتلال بالتقاطر والتقاطر بالفتح وهو طريق مقصود له و مسلوك إليه بخلاف السقوط بهبوب الريح ولو فتح الزق وفيه سمن جامد فقرب غيره منه نارا حتى ذاب فقد قيل لا ضمان على واحد والأصح أنه يجب الضمان على الثاني لأنه كالمردي مع الحافر هذا تفصيل السبب والمباشرة وتمام النظر فيه يذكر في كتاب الجنايات أما إثبات اليد فهو سبب للضمان ومباشرته بالغصب في تسببه في ولد المغصوب فإن إثبات اليد على الأم سبب للثبوت على الولد فكان الولد مضمونا عندنا لذلك خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإنه قال أثبت اليد ولكن لم تزل يد المالك والغصب عبارة عن إزالة يد المالك وليس كذلك عندنا بدليلأن المودع إذا جحد الوديعة لم يزل يد المالك بل كان زائلا قبله وكذلك إذا طولب بولد المغصوب فجحد ضمن وإن لم يتضمن جحوده زوال يد المالك إذ لم يكن قط في ملكه ثم إثبات اليد في المنقول بالنقل إلا في موضع واحد وهو أنه لو أزعج المالك عن دابته فركبها أو عن فراشه وجلس عليه فهو ضامن لأنه غاية الاستيلاء وقيل إنه لا يضمن ما لم ينقل أما العقار فيضمن بالغصب عند إثبات اليد عليه عندنا خلافا لأبي حنيفة فإن قيل فما حد الغصب في العقار قلنا له ركنان الأول إثبات الغاصب يده وذلك لا يحصل إلا بالدخول في العقار والآخر إزالة يد المالك و ذلك يحصل بإزعاجه فإن أزعج ولم يدخل لا يضمن و إن دخل ولم يزعج فإن قصد النظارة أو الزيارة لم يضمن وإن قصد الاستيلاء صار الدار في يدهما فهو غاصب نصف الدار ولو كان الداخل ضعيفا والمالك قويا لم يكن غاصبا وإن قصد لأن مالا يمكن لا يتصور قصده و إنما هو حديث نفس ووسوسة وإن كان المالك غائبا وفصد ضمن وإن كان يقدر على الانتزاع من يده كما إذا سلب قلنسوة ملك فإنه غاصب وإنما ذلك قدره على إزالة الغصب وفي العقار في هذه الصورة وجه أنه لا يضمن فإن قيل فلو أثبتت يد على يد الغاصب وتلف فيها قلنا كيف ما كان فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الغاصب و إن شاء ضمن من أخذ من الغاصب وإن كان جاهلا لأن الجهل لا ينتهض عذرا في نفى في الضمان وقد وجد إثبات اليد على مال الغير من غير إذن المالك ولكن قرار الضمان على الغاصب إن كانت تلك اليد في وضعها يد أمانة كيد المرتهن ويد المستأجر والوكيل والمودع وإن كان يد ضمان فالقرار عليه كيد العارية و السوم والشراء و قال العراقيون يد المرتهن والمستأجر ها هنا كيد العارية لأنه لهم غرضا في أيديهم بخلاف المودع والوكيل بغير جعل والأولى الطريقة الأولى نعم تردد الشيخ أبو محمد في يد المتهب لأنه وإن لم تكن يد الضمان فهو تسليط تام وهو يد الملاك إلا أنا إذا ضمناهم بأقصى القيم وكانت القيمة زائدة في يد الغاصبونقص قبل أخذ الأجر فالزيادة لا يطالب بها إلا الغاصب ثم مهما رجع طولب بالأصل وهو من عليه القرار فهو الغرض وإن طولب غيره رجع على من عليه القرار فإن قيل فلو أتلف الآخذ من الغاصب قلنا القرار عليه أبدا إلا إذا غره الغاصب وقدم الطعام إليه للضيافة فأكل ففيه قولان أحدهما النظر إلى مباشرته والثاني بل القرار على الغاصب لأنه غار ولو قدمه إلى المالك وغره فأكله فقولان مرتبان وأولى بأن يحال على المالك حتى ذكر الأصحاب ترددا فيما إذا أودع المالك فتلف تحت يده وأنه هل يسقط الضمان ولو قال للمالك اقتل هذا العبد فإنه لي فقتل سقط الضمان عن الغاصب لأنهلا غرور مع تحريم القتل بخلاف الضيافة ولو قال أعتق فأعتق ففيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه لا ينفذ العتق لأنه قصد به جهة الوكالة فهو معذور بخلاف ما إذا رأى عبدا في ظلمة فظنه أنه للغير فقال أنت حر فإنه ينفذ لأنه غير معذور والثاني ينفذ العتق ولا يطالب الغاصب بالغرم لأنه نفذ عتقه في ملكه فلا معنى للغرم والثالث أنه ينفذ العتق ويطالب بالغرم لكونه غير معذور أما إذا زوج الجارية من المالك غرورا فاستولدها نفذ الاستيلاد قطعا لأنه فعل وقد صادف ملكه ومنهم من شبب أيضا فيه بخلاف الركن الثاني في الموجب فيه وهو الأموال وينقسم إلى المنفعة والعين أما العين فينقسم إلى الحيوان وغيره أما الحيوان فالعبد مضمون عند الغصب والإتلاف بكمال قيمته وإن زاد على أعلى الديات خلافا لأبي حنيفة وجراح العبد من قيمته عند قطع أطرافه كجراح الحر من ديته في القول المنصوص وعلى هذا إذا قطع الغاصب يد عبد فنقص من قيمته ثلثاه لزمته الزيادة لأنه فات تحت يده فيجب السدس بحكم الغصب والنصف بحكم الجناية فيلزمه أكثر الأمرين من الأرش أو قدر النقصان فلو سقطت يد العبد بآفة في يد الغاصب فلا يضمن إلا أرش النقصان على هذا المذهب لأن التقدير خاصيته الجناية ولذلك نقول المشتري إذا قطع يدي العبد المبيع لا نجعله قابضا كما العبد لأن خاصية الجناية لا يتعدى إلى البيع أما سائر الحيوانات فالمتبع فيها النقصان وقال أبو حنيفة رحمه الله في عين الفرس والبقر ربع قيمته وهو تحكم أما الجمادات فكل متمول معصوم مضمون أما الخمر فلا يضمن عندنا لا للذمي ولا للمسلم وقال أبو حنيفة رحمه الله يضمن للذمي وكذا الخنزير والملاهي أيضا غير مضمونه فإن تكسيرها واجب نعم لا يتبع بيوت أهل الذمة ولكن إذا أظهروها كسرناها واختلفوا في حد الكسر المشروع فقيل إنه لا تحرق أصلا إذ فيه إتلاف الخشب ولكن يرخص وهو غاية المبالغة وقيل إنه يكفي أن يفصل بحيث لا يمكن استعماله في المحرم ولا يكفي قطع الوتر بالإجماع وقيل إنه يرد إلى حد يفتقر إلى من يرده إلى الهيئة المحرمة إلى استئناف الصنعة التي يفتقر إليها المبتدئ للصنعة وهذا هو الأقصد كذا القول في كسر الصليب أما المنفعة فيضمن بالتفويت والفوات تحت اليد العادية ولكن من العبد و سائر الأموال والمكاتب و المستولدة ملحق في ضمان العين والمنفعة بالقن وأما منفعة البضع فلا يضمن باليد إ نما يضمن بالإتلاف وأما منفعة بدن الحر إن استخدمه إنسان ضمنه وإن حبسه وعطله فوجهانأحدهما بلي للتفويت والثاني لا لأنه فات تحت يد الحر المحبوس وعلى هذا ينبني ما إذا أورد الإجارة على عينه ثم سلم نفسه ولم يستعمله إن قلنا بالحبس يضمن لافتستقر الأجرة وإلا فلا وكذلك لو استأجر حرا فهل إجارته إن قلنا لا يدخل تحت يده فلا وإن قلنا يضمن بالحبس لدخوله تحت يده فيصح الإجارة ولو ولبس ثوبا وغرم أرش نقص البلي فهل يندرج تحته أجره المثل وجهان وكذا لو غصب عبدا فاصطاد فهو لمولاه فهل يسقط به أجرة منفعته لحصوله له وجهان وفي ضمان منفعة الكلب المغصوب وجهان ولو اصطاد بكلب مغصوب فالصيد للمالك على أحد الوجهين الركن الثالث في الواجب وينقسم إلى المثل والقيمة أما المثل فواجب في كل ما هو من ذوات المثل وقيل في حده إنه كل موزون أو مكيل وهو باطل بالمعجونات و المعروضات على النار وقيل إنه كل مقدر بالوزن والكيل يجوز السلم فيه ويجوز بيع بعضه ببعض وهذا يخرج منه العنب والرطب وإخراجه عن المثليات بعيد ويدخل فيه صنجات الميزان والملاعق المتساوية في الصنعة الموزونة وليست مثلية والصحيح أنه الذي تتماثل أجزاؤه في القيمة والمنفعة من حيث الذات لا من حيث الصنعة وفي المثليات ست مسائل الأولى إذا أعوز المثل رجعنا إلى القيمة فإن كانت القيمة قد اختلفت في مدة بقاء العين المغصوبة وبعدها فثلاثة أوجه أحدها أن الواجب أقصى قيمة المغصوب من يوم الغصب إلى يوم التلف لأنا عجزنا عن المثل فصار كأن لا مثل له ويرجع إلى قيمة المغصوب والثاني أنا نوجب قيمة المثل لأنه الواجب فيراعى أقصى القيم من وقت تلفالمغصوب إلى وقت إعواز المثل والثالث أنه يرعى أقصى القيمة من وقت الغصب إلى الإعواز وقيل إلى وقت الطلب الثانية إذا غرم القيمة ثم قدر على المثل ففي رد القيمة وجهان أحدهما لا إذ تم القضاء بالبدل فصار كالصوم في الكفارة والثاني يرد كالعبد الآبق إذا رجع بعد الغرم الثالثة إذا أتلف مثليا فظفر به المالك في غير ذلك المكان لم يطالبه بالمثل لأن مثله هو ما يؤدي في ذلك المكان ولكن إذا تعذر ذلك فيغرم في الحال القيمة بالحيلولة إلى إن يتيسر الرجوع إلى ذلك المكان بخلاف ما إذا مضى زمان فإن إعادة الزمان الماضي غير ممكن فاكتفينا بما ليس مثلا وذكر الشيخ أبو محمد وجها أنه يطالب بالمثل عند اختلاف المكان إلا إذا لم تكن له قيمة كالماء على شط دجلة وذكر الشيخ أبو علي وجها أنه إن كان القيمة مثله أو أقل فله المطالبة وإن كان أكثر فلا والمشهور الأول والدراهم والدنانير مثلية فيخرج على الوجه ولو غصب في بلدة وأتلف في بلدتي فظفر به في ثالث فقلنا لا يطالب بالمثل فله أن يطالب بقيمة أي بلدة شاء من بلدته الغصب والإتلاف وكذا يطالب في البلدتين إذا ظفر به فيهما أما المسلم إليه قال صاحب التقريب لا يطالب بالقيمة أيضا لأنه اعتياض عن المسلم فيه قبل قبضه وهذا فيه احتمال فيمكن أن يقال يأخذ للحيلولة ولا تكون معاوضة فإن لم يقل ذلك فليثبت للمستحق فسخ لتعذر الاستيفاء الرابعة إذا كسر آنية قيمتها عشرون ووزنها عشر فالنقرة من ذوات الأمثال ففيه وجهان أعدلهما أن الوزن يقابل بمثله والصنعة بقيمتها من غير جنس الآنية حذرا عن الربا وفيه وجه أنه لا يبالي بالمقابلة بجنسه فيكون البعض في مقابلة الصنعة كما لو أفرد الصنعة بالإتلاف الخامسة لو لم يوجد المثل إلا بأكثر من ثمن المثل ففي تكليفه ذلك وجهان السادسة لو اتخذ من الحنطة دقيقا وقلنا لا مثل للدقيق أو من الرطب تمرا وقلنا لا مثل له ففي طريقة العراق أنه يلزمه الحنطة والتمر لأن المثل أقرب والأولى أن يخير بين المثل والقيمة لأنه قوت كلاهما فأشبه ما لو اتخذ من المثلي مثليا كالشيرج من السمسم فإنه يتخير بين المثلين القسم الثاني المتقومات وفيه أربع مسائل الأولى إذا أبق العبد المغصوب طولب الغاصب بقيمته للحيلولة ولا يملك العبد خلافا لأبي حنيفة رحمه الله بل لو عاد العبد يجب رده و استرداد القيمة وما دام العبد قائما يصح الإبراء عن هذه القيمة ولا يجبر المالك على أخذ القيمة لأنها ليست عين حقه وهل يغرم قيمة المنفعة والزوائد الحاصلة بعد الضمان إن كان الغاصب هو الذي عيبه في شغله غرم وإن هرب العبد فوجهان وهو تردد في أن علائق الغصب هل تنقطع في الحال بالضمان ولو عاد العبد فهل للغاصب حبس العبد إلي أن يرد إليه القيمة قال القاضي له ذلك و أسند إلي نص الشافعي رضي الله عنه في غير المختصر و كذلك قال المشتري إذا اشترى شراء فاسدا يحبس المبيع إلي أن يرد عليه الثمن و فيما ذكره احتمال ظاهر الثانية إذا تنازعا في تلف المغصوب قال بعض الأصحاب القول فول المالك إذ الأصل عدم التلف وقال المحققون بل القول قول الغاصب فإنه ربما صدق فتخليد الحبس عليه أبدا غير ممكن فإن حلف الغاصب على التلف فقد قيل لا يطالب المالك الغاصب بالقيمة لأن العين قائمة بزعمه فلا يستحق القيمة و الأصح أن له ذلك إذا تعذر بسبب الحلف الرجوع أما إذا تنازعا في مقدار القيمة فالقول قول الغاصب قطعا لأن الأصل براءة الذمة فإن أقام المالك شهودا على الصفات دون القيمة لم يجز للمقومين الاعتماد على الوصف في التقويم لأن المشاهدة هي المعرفة للقيمة نعم لو أبعد الغاصب في التقليل فيطالب بأن يترقى إلى أقل درجة محتملة هذه الصفات وإن قال كل واحد منهما لا ندري القيمة فلا تسمع دعوى المالك ما لم يعين ولا يمين على الغاصب ما لم يكين وإن قال الغاصب هو مائة فأقام المالك شاهدا أنه فوق المائة ولم يعينوا قبلت الشهادة في وجوب الزيادة على المائة وقيل أنه لا تقبل الثالثة إذا تنازعا في عيب في أصل الخلقة فالقول قول الغاصب إذ الأصل عدم السلامة وقيل لا بل الظاهر هو السلامة ولو اختلفا في صنعة العبد فالقول قول الغاصب وقيل بل القول قول المالك لأنه أعرف بالصنعة وهو ضعيف الرابعة إذا تنازعا في الثوب الذي على العبد المغصوب فالقول قول الغاصب لأن العبد وما عليه في يده فإذا قال هو لي لم تزل يده إلا ببينة الباب الثاني في الطوارئ على المغصوب في نقصان أو زيادة أو تصرف وفيه ثلاث فصول الأول في النقصان وفيه مسائل أربع الأولى إذا غصب شيئا يساوي عشرة فعادت قيمته إلى درهم فرد العين لم يلزمه النقصان خلافا لأبي ثور لأن الغائب هو رغبات الفارس ولم يفت من العين شيء وإن تلف بعد أن عاد إلى درهم لزمه قيمته عشرة إن كان من ذوات القيمة وإلا فيشتري مثله بدرهم ولو غصب ثوبا وقيمته عشرة فعاد إلى خمسة ثم لبسه حتى عاد إلى أربعة فقد نقص باللبس درهم وهو خمس الثوب فالقدر الفائت يغرمه بأقصى القيم وهو درهمان خمس العشرة فيردهما مع الثوب فما بقي اكتفى به وما فات غرم بحساب أقصى القيم وهذا حكم الفوات والتفويت ولو جنى على ثوب فمزقه خرقا لم يملك الخرق عندنا ولكن يرد ما بقي مع أرش النقص ليس للمالك سواء وقال أبو حنيفة رحمه الله الغاصب يملك الخرق ويضمن الكل هذا إذا كانت الجناية واقعة فلو بل الحنطة حتى استمكن العفن الساري منه قال الشافعي رحمه الله يتخير المالك بين أن يطالبه بالمثل أو يأخذ الحنطة المبلولة ويغرمه الأرش وهو خلاف قياس الشافعي رضي الله عنه إذ المبلولة لها قيمة على كل حال وهو عين ملك المالك فليتعين له فخرج بعض الأصحاب قولا كذلك وهو أنه ليس له إلا الأرش ومن قرر النص وجه بأنه نقصان لا موقف لآخره حتى يضبط وطرد هذا فيما لو اتخذ الحلوة من الدقيق والسمن والفانيذ وتردد الشيخ أبو محمد في السل والاستسقاء في العبد من حيث إنه لا وقوف له غالبا إلى الهلاك فهو من وجه كالإهلاك أما إذا طحن الحنطة فلا وجه إلا الرد للدقيق فإن ليس بإهلاك وإن كان يقصر مدة الادخار هذا في غير العبد أما العبد فيضمن الغاصب جملته بأقصى قيمته تلف أو أتلف وإن قطع إحدى يديه غرم أكثر الأمرين من أرش النقص أو مقدار اليد إن قلنا إن أطراف العبد مقدرة والزيادة على المقدر للفوات تحت يده ولو سقطت يده بآفة سماوية فالأصح أنه لا يضمن المقدر لأن التقدير خاصيته الجناية وإن قطع يد العبد في يد الغاصب غير الغاصب فالمالك يتخير فيطالب القاطع بالمقدر أو الغاصب بأرش النقص فإن زاد المقدار فهل يطالب الغاصب بتلك الزيادة فيه وجهان منشؤهما أنه وجب بجناية ولكن من غيره في يده ولو قطعت يد العبد قصاصا أو في حد فهو من حيث إنه مهدر يضاهي السقوط بآفة ومن حيث إنه قطع يضاهي الجناية ففي لزوم المقدر على الغاصب تردد فرع لو قتل العبد قتل قصاص فاستوفى السيد القصاص لم يبق له على الغاصبمطالبة بقيمته وإن كان قيمة العبد القاتل أقل لأنه بالاستيفاء كأنه استرد فهو في حق الغاصب كالاسترداد ولو كان تعلق برقبة العبد مال فهو في حق مستحق المال كالموت حتى لا يجب على السيد الفداء بأن قتل قاتله لأن غرض القصاص يعم أعراض المالية وهل له أن يعفو على غير مال يبنى على القولين في موجب العمد المسألة الثانية إذا نقص العبد بأن جنى جناية استحق عليها القصاص فقتل كان للسيد مطالبة الغاصب بأقصى قيمته لأنه مات بجناية تحت يده ولو تعلق الأرش برقبته فيغرم الغاصب للمجني عليه أرش الجناية كما يغرمه المالك إذا منع البيع وكأن الغاصب مانع فإن مات العبد في يده بعد الجناية يغرم للمالك قيمته وللمجني عليه الأرش فإن سلم القيمة أولا كان للمجني عليه أخذ القيمة من المالك لأنه بدل عبد تعلق برقبته حقه ثم إذا أخذه المجني عليه رجع المالك بما أخذه على الغاصب لأنه لم يسلم له المسألة الثالثة إذا نقل التراب من أرض المالك وتلف التراب فهو من ذوات الأمثال وإن كان باقيا فله أن يطالبه بالرد وتسوية الحفر فإن أبى المالك لم يكن للغاصب أن ينقل التراب إلى ملكه بغير إذنه فإنه تصرف في ملكه إلا إذاكان يتضرر بالتراب بكونه في ملكه أو في شارع يخاف أن يتعثر به غيره ويضمن فله أن يرد إلى ملكه إن لم يجد مكانا آخر وقد نقل العراقيون من نص الشافعي رضي الله عنه أنه يجب أرش نقصان الحفر على الغاصب وفي البائع إذا أحدث الحفر بقلع أحجار كانت له فيه أنه يلزمه التسوية ثم ذكروا طريقتين أحدهما قولان بالنقل والتخريج أحدهما لا من حيث إنه مقابلة فعل بمثله فهو بعيد كتكليف بناء الجدار بعد هدمه والثاني بلى لأن التسوية كما كان ممكن والبناء يختلف والطريقة الثانية الفرق تغليظا على الغاصب في مطالبته بالأرش بعدوانه أما إذا حفر بئرا في داره فللغاصب طمها لأنه في عهدة الضمان لو تردى فيها إنسان فلو قال المالك أبرأتك عن الضمان فهل ينزل ذلك منزلة الرضا بالحفر ابتداء فيه في سقوط الضمان وجهانفإن قلنا نعم فليس له طمها وإلا فله ذلك نفيا للعهدة المسألة الرابعة إذا أخصى الغاصب العبد يلزمه كمال قيمته فإن سقط ذلك العضو بآفة سماوية فلا يلزمه شيء لأن القيمة تزيد به ولا ينقص وكذا إذا كان سمينا سمنا مفرطا فنقص بعضه وزادت به قيمته لم يلزمه شيء وإن أخذ زيتا وأغلاه حتى رده إلى نصفه ولم تنقص قيمته يلزمه مثل ما نقص لأن له مثلا بخلاف السمن ولو أغلى العصير حتى نقص وزنه وزادت قيمته فيجب مثل ما فات وقال ابن سريج لا يجب لأن الفائت هو المائية التي لا قيمة لها بخلاف الزيت فإن جميع أجزائه متقومة ولو هزلت الجارية ثم عادت سمينة أو نسيت الصنعة ثم عادت وتعلم أو تذكرففي وجوب ضمان ما فات وجهان أحدهما أنه يجب وإنما العائد رزق جديد والثاني أنه ينجبر به لأنه رد كما أخذ وفي التذكر أولى بأن ينجبر لأنه عاد ما كان بالتذكر بخلاف السمن و كذا لو كسر الحلي ثم أعاد مثل تيك الصنعة فعلى الخلاف و لو أعاد صنعة أخرى لا ينجبر وإن كان أرفع مما كان حتى لو غضب نقرة قيمتها درهم و أتخذ منه حليا قيمته عشرة و جب رد الحلي ولا يقوم له صنعة لأنه متعد بها و للمالك أن يجبره على الكسر و الرد إلي ما كان فإن نقص بكسرة هـ قيمة النقرة غرم النقصان فلا يغرم نقصان الكسر فإنه مجير عليه و لو كسر بنفسه دون إجبار غرم و إن كان من صنعته لأنه صار ملكا للمالك تبعا للنقرة ولو غضب عصيرا فصار خمرا غرم العصير بمثله لفوات ماليته فلو أنقلب خلا فوجهان أحدهما أنه يطالبه بمثل العصير والخل أيضا له وهو رزق جديدوالثاني أنه يسترد الخل وأرش النقصان إن نقص قيمة الخل من العصير وهذا أعدل ومثل هذا الخلاف جار في البيضة إذا تفرخت والبذر إذا تعفن وصار زرعا والأصل الاكتفاء بالزرع والفرخ لأنه استحالة في عين ملكه ولو غصب خمرا فتخلل في يده أو جلد ميتة فدبغه ففي الجلد والخل ثلاثة أوجه الأصح أنه لمغصوب منه والثاني أنه للغاصب إذا حدثت المالية بفعله والثالث أن الجلد للمغصوب منه فإن اختصاصه به كان محترقا بخلاف الخمر الفصل الثاني في الزيادة وفيه خمس مسائل الأولى زيادة الأثر كما إذا غصب حنطة فطحنها أو نقرة فصاغها أو ثوبا فقصره أو خاطه أو طنا فضربه لبنا فلا يملك الغاصب شيء من ذلك وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا أبطل أكثر منافعه ملكه ثم لا يصير الغاصب شريكا بسبب الصنعة لأنه عدوان لا قيمة له فهو للمالك وللمالك أن يجبره على إعادته إلى ما كان إن أمكن ذلك أو تغريمه أرش النقصان إن نقص الثانية زيادة العين بأن غصب ثوبا قيمته عشرة وصبغه بصبغ من عندهقيمته عشرة فإن كان الثوب يساوي عشرين فهو بينهما فيباع بعشرين ويأخذ كل واحد عشرة وإن وجد زبون اشترى بثلاثين صرف إلى كل واحد خمسة عشر ولم يكن الصبغ كالخياطة فإن الخياطة عين العدوان والصبغ عين مملوكة وإن كان يشترى بخمسة عشر فلصاحب الثوب عشرة وللغاصب خمسة والنقصان محسوب على الصبغ فإنه تابع ولو لم يشتر إلا بعشرة فالكل لصاحب الثوب ولو لم يشتر إلا بثمانية غرم الغاصب درهمين وهكذا التفصيل فيما لو طير الريح ثوبا وألقاه في إجانة صباغ وكذلك إذا غصب الصبغ من إنسان والثوب من إنسان فإن أثر العدوان لا يظهر في إبطال الملك من عين الصبغ وهو عين ماله هذا كله إذا كان الفصل غير ممكن فإن قبل الصبغ الفصل فللغاصب أن يفصله كما له أن يقلع غراسه وزرعه وإن كان يؤدي إلى نقصان الثوب ولكن يفصل ويغرم أرش النقصان فإن امتنع الغاصب فللمالك أن يجبره على الفصل ويغرمه أرش نقصان الثوب كما في الغرس ونقل العراقيون عن ابن سريج أنه لا يجبر لأنه يؤدي إلى تفويت الصبغ فهو تعنت محض بخلاف الزرع والغراس لأن الصبغ يضيع بالفصل فإن كان لا يضيع يجبر إلا إذا ظهر في الثوب نقصان لا يفي الصبغالمفصول به فهو أيضا ضياع فروع أربعة أحدها أن بيع الثوب دون الصبغ والصبغ دون الثوب فيه وجهان كالوجهين في قطعة أرض لا ممر لها إلا بأن يشترى لها ممر لأنه لا يمكن أنتفاع بأحدهما دون الآخر الثاني إذا أراد المالك بيع الثوب أجبر الغاصب على بيع الصبغ إذ لا يرغب في الثوب دونه فلا يعطل قيمة الثوب عليه ولو أراد الغاصب بيع الصبغ فهل يجبر المالك على بيع الثوب وجهان أحدهما نعم لأنهما شريكان فلا يفترقان والثاني لا لأنه متعد بصبغه فلا يملك الإجبار الثالث لو قال الغاصب وهبت الصبغ من المالك فهل يجبر على القبول فيه وجهان مطلقان في طريقة العراق ووجه الإجبار التبعية كما في نعل الدابة المردودة بعيب قديم إذا كان النعل للمشتري والوجه أن يفصل فإن كان الصبغمعقودا لا يمكن فصله فيجبر أو قبل الفصل من غير نقصان ظاهر في الصبغ والثوب فلا يجبر على القبول إذ لا ضرورة للغاصب في التمليك وإن كان يقبل الفصل وينقص قيمته وقلنا إنه يجبر على الفصل فعند هذا له ضرورة في التمليك فينقدح وجهان ووجه الفرق بينه وبين النعل مع الاشتراك في نوع ضرورة أنه متعد الرابع لو قال المغصوب منه أبدل قيمة الصبغ وأتملكه عليك كما يفعل معير الأرض بغراس المستعير لم يمكن منه لأنه قادر ها هنا على إجباره على الفصل مجانا أو على البيع وبيع الثوب سهل بخلاف العقار المسألة الثالثة إذا غصب أرضا وبنى فيها أو زرع أو غرس فحكمه حكم الصبغ القابل للفصل وقد ذكرناه المسألة الرابعة في الخلط إذا خلط الزيت المغصوب بزيت هو ملكه نص الشافعي رضي الله عنه يشير على أنه هلك في حق المغصوب فيه إذ قال للغاصب أن يسلم إليه مثل حقه من أي موضوع شاء وقياس مذهبه أن يتعين فيما خلطه به وأن يصيرا شريكين إذ ليس المالك بأن يقدر هلاك زيته بأولى من الغاصب ولا أثر لفعل الغاصب عند الشافعي رضي الله عنه فمن الأصحاب من قرر النص وقال الزيت إذا اختلط بالزيت انقلب وهذا تعليل الشافعي رضي الله عنه والإشكال قائم إذا الخلط من الجانبين فلم كان الهالك ملك المغصوب منه ومنهم من خرج قولا على القياس وطرد قولين ومنهم من قطع بأنه لو خلط بمثله فهما شريكان ولو خلط بالأجود أو الأردأ فقولان التفريع إن قلنا هلك حقه فيغرم المثل من أين شاء فإن سلم ما هو الأردأ فله الرد وإن سلم ما هو أجود فعليه القبول وإن قلنا يبقى ملكه فلو خلطه بالمثل قسم بينهما وإن خلط مكيلة قيمتها درهم بمكيلة قيمتها درهمان فتباع المكيلتان ويقسم بينهما على نسبة الملك فلو قال المالك آخذ ثلثي مكيلة عن حقي فنص الشافعي رضي الله عنه المنع لأنه رباونقل البويطي الجواز وكأنه أسقط بعض حقه وسمح عليه بصفة الجود في الباقي وهو بعيد فروع أحدها خلط الدقيق كخلط الزيت الثاني خليط الزيت بجنس آخر كالشيرج فيه طريقان منهم من قطع بأنه كالهالك ومنهم من طرد الخلاف الثالث خلط ماء الورد بالماء فإن بطلت رائحته فإهلاك وإلا فهو خلط بغير الجنس الرابع خلط الحنطة البيضاء بالحمراء أو السمسم بالكتان فعليه التمييز وإن تعب فيه لأنه متعد فيه المسألة الخامسة في التركيب فإذا غصب ساجة وأدرجها في بناية نزع وهدم عليه بناؤه خلافا لأبي حنيفة ولو غصب لوحا وأدرجها في سفينة فكمثل إلا إذا كان فيه حيوان محترم أو مال لغير الغاصب وأدى نزعه إلى فواته فيغرم الغاصب القيمة في الحال للحيلولة ويؤخر نزعه إلى أن ينتهى إلى الساحل وإن لم يكن فيه إلا مال الغاصب فوجهان أحدهما لا يبالى به فإنه متعد ولذلك نخسره في مؤنة الرد مالا وهذا كمؤنة الرد والثاني أنه يؤخر لأن ماله محترم في غير محل العدوان بخلاف البناء على الساجة فإنه عدوان بخلاف مؤنة الرد فإنه سعي في الخروج عن الواجب أما إذا غصب خيطا وخاط به جرح حيوان محترم وخيف من النزع الهلاك فلا يجب إلا القيمة وكل حيوان متمول لا يؤكل لحمه فهو محترم وفيما يؤكل لحمه خلاف لأن ذبحه ممكن ولكنه لغير مأكلة وهو منهي عنهو أما الخنزير و الكلب العقور فينزع منه و في العبد المرتد و الميت خلاف لأن المثلة أيضا فيهما محذور فلا يبعد أن يقاوم غرض الاختصاص بمالية العين ولو كان يخاف من نزع الخيط من الآدمي طول الضنى و بقاء الشين فيه خلاف كمثله في العدول إلي التيمم عن الوضوء و حيث منعنا النزع فيجوز الأخذ ابتداء من مال الغير إذا لم يجد غيره و إن تعدى في الابتداء و صار إلى حال يخاف النزع فلا ينزع الآن للضرورة فرعان أحدهما فصيل أدخله في بيته فكبر فيه ينقض بناءه و يخرج لأنه متعد و إن دخل بنفسه فيخرج لحق الحيوان و هل يغرم صاحب الفصيل أرش النقض لتخليص ملكه فيه خلاف و كذا إذا سقط دينار في محبرة بقصد صاحب المحبرة أو بغير قصده فهو كالفصيل الثاني زوج خف يساوي عشرة غاصب فرد خف و قيمةالباقي ثلاثة فيه ثلاثة أوجه أحدهما أنه يغرم سبعة لأن ما أخذه يساوي ثلاثة و الباقي فات بأخذه و الثاني يغرم ثلاثة لأنه قيمة ما أخذه فليشتر به المالك فرد خف ليعود كمال قيمته والثالث يغرم خمسة توزيعا لنقصان الانفراد فإنه لو أتلف غيرة الفرد الثاني لوجب التسوية بينهما الفصل الثالث في تصرفات الغاصب و النظر في طرفين الأول في الوطء فإذا باع جاريه مغصوبة فوطئها المشتري إن كان عالما بالغصب لزمه الحد و يلزمه المهر أن كانت الجارية مستكرهة و إن كانت راضية فوجهان أحدهما يجب لأن المهر للسيد فلا أثر لرضاها بخلاف الحرة و الثاني لا لقوله عليه السلام لا مهر لبغيه وهذا عام ثم أن وطئ على ظن الجواز فلا يلزمه إلا مهر واحد و إن وطئ مرارا ما دامت الشبهة متحدة اعتبارا لسبب الحرمة بالنكاح الذي هو الأصل وإذا أوجبنا المهر في صورة الاستكراه ووطئ مرارا تردد فيه الشيخأبو محمد و ميل الإمام إلي التعدد لأن مستنده الاتلاف لا الشبهة و قد تعدد الاتلاف و هل للمالك مطالبة الغاصب بالمهر فإنه وجب بالوطء في يده فيه تردد من حيث أن اليد لا تثبت على منافع البضع و هذا بدله أما الولد فهو رقيق إن كان عالما و لا نسب له فإنه ولد الزنا وإن انفصل حيا أنفصل من ضمانه فإن مات ضمنه وأن أنفصل ميتا فالأظهر أنه لا يضمن لأنه لم يستيقن حياته بخلاف ما إذا أنفصل ميتا بجناية فإنه يحال الموت على السبب الظاهر و فيه وجه أنه يضمن لأنه مات تحت يده بخلاف الولد لو كان حرا عند الجهل وأنفصل ميتا فإن اليد لا تثبت على الحر و على هذا لا يمكن أن يغرم عشر قيمة الام لأنه فوات بإفة سماوية و التقدير نتيجة الجناية فيلزم أن يغرم كل قيمته بتقدير حياته وكذلك في البهيمة وهو بعيد الطرف الثاني فيما يرجع به المشتري على الغاصب إن كان عالما لم يرجع بشيء لأنه غاصب مثله و تلف تحت يده وإن كان جاهلا فلا يرجع بقيمة العين أن تلف تحت يده لأنه دخل فيه على شرط الضمان و نقل صاحب التقريب قولا في القدر الزائد على الثمن أنه يرجع به أما زيادة القيمة قبل قبض المشتري لا يطالب به المشتري بحال و إنما يطالب به الغاصبوأما أجرة المنفعة التي فاتت تحت يده يرجع بها وما فات باستيفائه فيخرج على قولي الغرور مع مباشرة الاتلاف فكذا مهر المثل إذا غرمه بالوطء فإنه متلف و الغاصب غار و المتزوج من الغاصب لا يرجع بالمهر لأنه دخل على قصد ضمان البضع و يرجع المشتري بقيمه الولد لأن الشراء لا يوجب ضمانه وكذا الزوج ولو بنى فقلع بناءه فالأظهر أنه يرجع بأرش نقض الهدم على الغاصب لأنه فات بغروره و إليه ميل القاضي و فيه وجه أنه متلف بالبناء فلا يرجع و لا خلاف أنه لا يرجع بما أنفق لأن ذلك يتفاوت فيه الناس ولو تعيب المغصوب في يد المشتري نص الشافعي رضي الله عنه أنه يرجع قال المزني هو خلاف قياسه لأن الكل من ضمانه حتى لم يرجع فيه فكيف يرجع بالأجزاء فمن الأصحاب من وافق وذهب ابن سريج إلى تقرير النص و هو أن ضمان المشتري ضمان عقد والبعقد لا يوجب ضمان الأجزاء وكذلك إذا تعيب قبل القبض وجب الإجازة بكل الثمن ولو باع عبدا بجاريه ثم رد الجارية بالعيب و العبد معيب بعيب حادث لم يجز له طلب الارش معه بل عليه أخذه أو اخذ قيمته فلا يضمن إجراؤه مع رد عينه فرع نقصان الولادة عندنا لا ينجبر بالولد خلافا لأبى حنيفه رحمه الله عليه كتاب السلم والقرض كتاب السلم والقرض و فيه قسمان القسم الأول السلم و الأصل فيه قوله عليه السلام و من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم و الدين يثبت في الذمة اختيارا بالمعاوضة و القرض أما المعاوضة فالبيع و في معناها سائر المعاوضات في حق إثبات المال في الذمة و أما السلم ففيه ثلاثة أبواب الباب الأول في شرائطه و هي سبعة الأول أن يكون المسلم فيه دينا لأن لفظ السلم السلف للدين فإن قيل فلو عقد البيع بلفظ السلم بان قال أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد قلنا لم ينقعد سلما و في انعقاد البيع به قولان ذكرهما القاضي أحدهما لا لأن لفظ السلم ينبو عن العين والثاني نعم لأن المقصود بحكم الحال صار معلوما منه و هو قريب مما إذا قال بعتك بلا ثمن أنه أهل ينعقد ذلك هبة فإن قيل فلو أسلم بلفظ الشراء فقال اشتريت منك مائة كر من حنطة صفتها كيت وكيت قلنا ينعقد ذلك و في ثبوت شرائط السلم من تسليم رأس المال ومنع الاعتياض وجهان أحدهما أنه يثبت لأن هذه الشرائط منوطة ببذل المال في مقابلة دين لا باسم السلم و الثاني أنه منوط باسم السلم إذ ليس يعقل فيه المعنى نعم هل يجوز الاعتياض على هذا عن الحنطة فيه طريقانمنهم من قال فيه قولان كما في الثمن ومنهم من قطع بالمنع لأنه مقصود في جنسه بخلاف الثمن فإن قيل و هل يشترط في المسلم فيه بعد كونه دينا تأجيله قلنا لا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله إذ قال الشافعي رضي الله عنه إذا جاز السلم مؤجلا فهو حالا أجوز و عن الغرر أبعد ثم له ثلاثة أحوال أحداها أن يصرح بالحلول فهو حال و الأخر أن يطلق ففيه وجهان أحدهما البطلان لأن مطلقه يشعر بالأجل و هو مجهول والأصح الصحة لأن السلم بيع إلا انه في دين الثالثة أن يصرح بالأجل فلا بد و أن يكون معلوما وفيه مسائل الأولى أن التأجيل بالحصاد و العطاء و القطاف و الدياس وما يتقدم و يتأخر فاسد فأنه مجهول و المذهب جواز تأقيته بالنيروز و المهرجان فإنه معلوم وكذا بفصح النصاري و فطر اليهود إن كان يعلم ذلك دون مراجعتهم فانه لا يعتمد على أقوالهم ولو اقت بنفر الحجيج فوجهان لأن للحجيج نفرين ومن صحح نزل على الأول وهو جار في تأجيله الى ربيع و جمادى فانه متعدد و تعيين الأول للأداء محتمل الثانية لو قال الى شهر رمضان أو الى أول يوم الجمعة يصح و يحل الأجل بأول جزء من رمضان و الجمعة و لو قال تؤديه في رمضان أو في الجمعة لم يجز جعله ظرفا ولم يبين وقبته ولو قال الى ثلاثة أشهر وهو وقت مستهل الهلال حسب الأشهر الثلاث بالأهلة و إن كان في أثناء الشهر كمل ذلك الشهر ثلاثين و أحتسب شهران بالأهلةأتباعا لفهم أهل العادة في اتباع الأهلة و قال أبو حنيفة رحمة الله إذا أنكسر شهر واحد كمل كل شهر ثلاثين ثلاثين أما إذا قال الى أول الشهر أو الى آخره قال الأصحاب هو باطل لأن أول الشهر يعبر به عن النصف الأول و العشر الأول و كذا الآخر فهو مجهول قال إمام الحرمين إذا لم يكن للشافعي رضي الله عنه في نص في و المسألة لفظية فليس يبعد مخالفة الأصحاب إذ يظهر أن يقال المفهوم منه أول جزء من الشهر وآخر جزء منه فلا فرق بين أن يقول الى رمضان أو يقول الى أول رمضان ولا بين أن يقول الى العيد أو الى آخر رمضان الثالثة قال الشافعي رضي الله عنه لو لم يذكر أجلا فذكراه قبل التفرق جاز و هذا يكاد يكون إلحاق زيادة بالعقد في مجلس القعد وطرده الأصحاب في إلحاقات الزيادات في المجلس وكان الشافعي رضي الله عنه يقول السلم المطلق لا يصرح بالحلول بل هو موقوف في حق الأجل على أن يتفرقا فالمجلس وقت البينان للأجل ولو ذكر أجلا مجهولا و حذف في المجلس لم ينقلب العقد بعد فساده صحيحا لأن المجلس حريم لعقد منعقد فإذا فسد فلا حريم له و حكي عن صاحب التقريب وجه أنه ينحذف وهو بعيد الشرط الثاني القدرة على التسليم و العجز مانع و هو ينقسم الى المقارن و الطارئ أما المقارن فلو أسلم في مفقود حالة العقد موجود لدى المحل صح عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لأن القدرة عنده تعتبر وقت الوجوب بحكم الشرط و لو كان مفقود الجنس لدى المحل بطل وفاقا وان وجد في موضع أخر فإن قرب من البلد بحيث ينقل إليه ذلك الشئ لغرض المعاملة جاز و إن كان لا ينقل إلا في مصادرة أو بخفة مع عسر فلا يصح ولو أسلم في وقت الباكورة في قدر كثير يتعسر تحصيله و لكن بعد عشر ففيه وجهان وهو قريب من بيع الطائر المفات في دار فيحاء بعسر أخذه ولم يذكر هذا الوجه فيما يعسر نقله الى مكان التسليم لأن التشاغل بنقله قبل وجوبه لا يجب و بعد وجوبه يفتقر الى مدة فيتراخى عن وقت الاستحقاق و ليس يبعد أيضاذكر وجه فيه أما العجز الطارئ فهو طريان آفة قاطعة للجنس ففي أنفساخ العقد قولان أحدهما نعم لأنه لو أقترن بالابتداء لمنع فاشبة تلف المبيع قبل القبض و الثاني لا لأن الوفاء به في السنة الثانية ممكن و العقد وارد على الذمة فأشبه إباق المبيع فإنه يثبت الخيار ثم ليس هذا الخيار على الفور وهو كخيار الاباق وخيار المرأة في الايلاء لأنه نتيجة حق المطالبة بالمستحق وهو قائم متجدد في كل حال و الأصح أنه لا يسقط و إن صرح بالإسقاط كما لا يسقط بالتأخير وفيه وجه أنه يسقط فرع لو أنقطع قبل المحل وعلم دوام الانقطاع الى المحل ففي تنجز الانفساخ و الفسخ قولان يضاهيان ما إذا قال لآكلن هذا الطعام غدا فتلف قبل الغد بآفه هل يحنث في الحال وهو محتمل جدا الشرط الثالث أن يكون المسلم فيه معلوم الوصف ولا يمكن استقصاء كل وصف مقصود ولكن كل وصف مقصود تختلف به القيمة اختلافا ظاهرا فقد صاغ أهل اللغة عنه عبارة فلا بد من ذكره ثم ينزل كل وصف على أقل الدرجات فإذا ذكر عبدا كاتبا لم يشترط التبحر فيه بل ما يطلق عليه الاسم فرعان أحدهما أن الوصف المعرف ينبغي أن يكون معلوما لغير المتعاقدين حتى يرجع إليهم عند التنازع و لسنا نعني به الأشهاد على السلم بل نريد به الاحتراز عن اللغة العربية التي لا يفهمها أهل الاستفاضة فإن فهمها عدلان سوى المتعاقدين دون أهل الاستفاضة ففيه وجهانو كذا المكيال ليكن معروفا لغيرهما فلو لم يعرفه الا عدلان فوجهان الثاني لو أسلم في الجيد جاز ونزل على أقل الدرجات و في الاجود لا يجوز إذ لا جيد إلا وفوقه جيد فله أن يطلب غير ما يسلم إليه و لو أسلم في الردئ لم يجر إلا في رداءة النوع كالجعرورة لأن رداءة العيب لا ضبط لها و لو أسلم في الأردأ فوجهان و الأصح الجواز لأن طلب الأردأ مما يسلم أليه من ردئ تعنت و عناد الشرط الرابع تعريف المقدار بالوزن أو الكيل في المسلم فيه و يجوز الوزن في المكيل و الكيل في الموزون بخلاف الربويات فإن ذلك مبنى على التعبد نعم لا يصح السلم في مكيال من المسك و العنبر فإن ذلك لا يعد ضبطا فالمتبع المعرفة المعتادة أما المعدودات فلا يكفي فيها العد لتفاوتها بل لا بد من الوزن فيسلم فيالبطيخ و الرمان و البيض و الباذنجان بالوزن وفي الجوز و للوز قد لا يضبط الوزن لتفاوت القشور و لكن إن وجد نوع يتساوى غالبا عرف بالوزن ويجمع في اللبنات بين الوزن و العد لأن ذلك لا يعز وجوده فإنه مضروب بالاختيار و كذا الأجر أن لم نلحقه بالدنس على رأى لاثر النار فيه فرع إذا عين مكيالا لا يعتاد الكيل به كالقصعة و الكوز بطل العقد به لعلتينأحداهما الجهل بقدر المسلم فيه فانه لا يدرى أن الصفقة رابحه أم خاسرة و الأخرى أنه ربما يتلف فيتعذر الوفاء بالعقد و السلم يصان عن غرر لا غرض فيه ولو قال بعتك من هذه الصبرة بملاء هذا الكوز فالأصح الصحة لأن الأقوى التعليل بالغرر و توقع التلف في السلم ومن علل بالجهل أبطل البيع والسلم الحال متردد بين البيع و السلم المؤجل ففيه وجهان أما إذا عين مكيالا معتادا لو شرط الكيل به فلا يتعين إذا لا غرض فيه وهل يفسد به العقد فيه وجهان و الأصح صحة العقد لانه هذيان لا يتعلق به غرض فان قيل فلو عين شجرة أو بستانا و قال أسلمت اليك من ثمرة هذا البستان قلنا يبطل لعلتينإحداهما ظهور الغرر بتوقع الجائحة في البستان المعين والأخرى مناقضة الدينية لأن ما يظهر من ثمرة الشجرة متعين لملكة و حق الدين أن يسترسل في الذمة أما إذا أضاف الى ناحية يبعد فيها وقوع الآفة فإن أفاد تنويعا صح كقوله معقلي البصرة لأن الإضافة كالوصف هاهنا وأن لم يفد تنويعا فمنهم من قال هو كتعين المكيال إذ لا فائدة له ومنهم من قطع بأنه لا يبطل لأنه تعيين لا يضيق مجالا أصلا الشرط الخامس تعيي مكان التسليم في المسلم فيه و فيه قولان و في محلهما ثلاثة طرق أحدها أنه إن كان في النقل مئونة فلا بد من التعين و إلا فقولان و الثاني عكس ذلك و الثالث إطلاق القولين ولعل الأصح أنه لا يشترط ولكن ينزل المطلق على مكان العقد الشرط السادس تسليم رأس المال في المجلس لأن رأس المال إذا كان دينا كان بيع الكالئ بالكالئ و إن كان عينا فيجب تعجيله لأنه أحتمل الغرر في المسلم فيه لحاجة فيجبر ذلك بتأكد العوض الثاني بالتعجيل ثم لا خلاف أنه لو كان رأس المال نقدا ولم يعينه ثم عينه في المجلس كفاه لأن المجلس كالحريم فله حكم الابتداء و كذلك القول في بيع الدراهم بالدراهم في الصرف و اما في بيع الطعام بالطعام وجهان من حيث إذا لم يعين طالت أو صافه وظهر قضية الدينية و قرب من بيع الدين بالدين بخلاف النقود فرع إذا فسخ السلم بسبب استرد عين رأس المال إن كان عمينا عند العقد وان عين عند القبض فوجهان و الأصح الرجوع الى عينه فالقبض في المجلس كإيراد العقد عليه وهو ملتفت أيضا على أن المسلم فيه إذا رد بعيب كان ذلك نقضا للملك في الحال فهو تبين لعدم جريان الملك فيه إذا خالف الوصف المستحق الشرط السابع تقدير رأس المال وفيه قولانأحدهما وهو القياس و هو اختيار المزني أنه يجوز أن يكون جزافا اعتمادا على العيان كما في البيع و الثاني لا بد من التقدير لأنه قد يفسخ السلم فيحتاج الى الرجوع إليه أو الى قيمته فيتعذر والسلم يبعد عن الغرر ما أمكن واختلفوا في أن هذا الخلاف هل يجرى في الجهل بقيمة رأس المال وفي السلم الحال فإن قيل و هل يشترط كون المسلم فيه مثمنا حتى لا يجوز السلم في النقود قلنا فيه وجهان و الأصح جواز السلم منها إذ لا مانع منه الباب الثاني في بيان ما يجب وصفه في المسلم فيه على التفصيل و ما يمتنع السلم فيه لعزة وجوده أو لعدم إحاطة الوصف به والنظر في أجناس من الأموال الجنس الأول الحيوان والسلم فيه جائز عندنا خلافا لأبي حنيفة و المعتمد فيه الأحاديث و الآثار و إلا فالقياس منعه إذ أقرب الحيوانات إلي قبول الوصف الطيور والحمامات و يختلف الغرض بكبرها و صغرها ونحن لا نجوز السلم في المعدودات إلا بالوزن و الوزن لا يضبط الحيوان مع اشتماله على أخلاط متفاوتة ولكن إذا ثبت بالأحاديث فالرتبة العليا منه السلم في الرقيق و يشترط فيه النوع و اللون و الذكورة والأنوثة و السن فيقول عبد تركي أسمر ابن سبع أو أبن عشرو الأصح أنه لا بد من ذكر القامة فيقول طويل أو قصير أو ربع ثم ينزل من كل رتبه على الأقل ولا يقيد ذلك بالأشبار فيعز وجوده و قال العراقيون لا يشترط القامة أما التعرض لآحاد الأعضاء و كيفية أشكالها فلا يعتبر لأن ذلك بين أن يطول أو ينتهي إلي عزة الوجود وأما الكحل و الدعج و تكلثم الوجه وكون الجارية خميصة مثقلة الأرداف ريانة الساقين و ما يجري مجراه مما يقصد و لا يطول و لا ينتهي الى عزة الوجود قال العراقيون لا يشترط وميل المراوزة الى أشتراطه و في الملاحة تردد للقفال منشؤه أنها جنس يعرف أو يختلف بميل الطباع الرتبة الثانية البهائم قال الشافعي رضي الله عنه يقول في البعير أسلمت اليك في ثني من نعم بني فلان غير مودن نقي من العيب سبط الخلق مجفر الجنبين أما الثني فهو الذي استكمل خمس سنين و بيان السن لا بد منهو المودن الناقص القصير و مجفر الجنبين عظيمهما و هو يضاهي التعرض للقد في العبيد وقوله نقي من العيوب احتياطا و لا بد أيضا من ذكر اللون فرع إن أختلف نعم بني فلان قال العراقيون صح و نزل على ما ينطلق عليه الاسم وهذا تساهل بل الوجه القطع باشتراط تمييز الأنواع إذا سهل ذلك وكذلك الخيل يتعرض فيها للون والسن والنوع كالعربي والتركي أما الشياة كاللطيم و الأغر و المحجل فذكرها احتياط و ليس بشرط الرتبة الثالثة الطيور و يتعرض فيها للون و النوع و الكبر و الصغر و سنها لا يعرف أصلا فرع إذا شرط مع الجاريه الخادمة و لدها لأن ذلك لا يعز وجوده في الحاضنات و إن كان يطلب الجارية للتسري فقد ينتهي شرط ذلك الى عزة الوجود فلا يجوز الجنس الثاني في أجزاء الحيوان و زوائده و فيه مسائل الأولى يصح السلم في اللحم فيقول لحم بقر أو غنم أو ضأن أو معز ذكر أو أنثى خصى أو غير خصي رضيع أو فطيم معلوفة أو راعية من الفخد أو من الجنب و لا يشترط فإنه كالنوى من التمر الثانيه إذا شرط في اللحم الهزال لم يجز لأنه عيب لا ينضبط بالعادة ولو لا أسلم في المشوي و المطبوخ قالوا لا يجوز لاختلاف أثر النار و قال الصيدلاني إذا أمكن ضبطه بالعادة جاز فإن الأصح جوازه في الخبز و الدقيق و الدبس و السكر والفانيد و في الخبز و الدبس وجه أخر بعيد الثالثة السلم في رءوس الحيوانات قيل التنقية من الشعور باطل و بعد التنقية قولان ووجه المنع أنها تشمل على مركبات تختلف المقاصد بها والوزن لايحصره و الكبر منه مقصود فيلتحق بالمعدودات لا بالحيوانات و الاكارع أولى بجوار السلم فيها لأنها اقرب الى قبول الضبط الرابعة السمك المملح يجوز السلم فيه إن لم يكن للملح وزن و إلا فلا إذ لا يعلم المقصود منه بالوزن الخامسة الجلود المدبوغه أن كانت غير مقطوعة على التناسب لم يجز السلم فيها لتفاوت أطرافها وإن قطعت كالنعال السبتية فالظاهر جواز السلم فيها بالوزن و فيه وجه للمنع للتفاوت في الغلظ و الدقة السادسة يجوز السلم في زوائد الحيوان من اللبن و السمن و الزبد و المخيض فيذكر الوزن و الصفة و ما يختلف به القيمة و يذكر الحموضه في المخيض و ينزل على أقل الدرجات و يذكر في الصوف و الوبر اللين و الخشونة و الطول و القصر الجنس الثالث الثياب وأصولها فيذكر في الثوب الطول والعرض واللون والأصل أنه من قطن أو كتان أو من إبريسم والبلد الذي ينسج فيه إن اختلفت به القيمة ويسلم في القطن فيذكر اللين والخشونة واللون والوزن وإن كان مستترا بالجوز لم يجز السلم فيه ويجوز السلم في المحلوج وغير المحلوج وإن كان فيها الحبات وكذلك يذكر في الإبريسم الدقة والغلظ والناحية التي منها يجلب ويصح السلم في المصبوغ من الثياب فيذكر قدر الصبغ ودرجاته وتردد العراقيون في المصبوغ بعد النسج وزعموا أن ذلك ضم صبغ لا يعرف قدره إلى الثوب وهو باطل بالمصبوغ قبل النسج الجنس الرابع الفواكه يجوز السلم في رطبها و يابسها وآلات الصيادلة إلا ما هو مخلوط منه فيذكر من جميعها ما تختلف به القيمة ويذكر في العسل أنه جبلي أو بلدي والجبلي خير وأنه ربيعي أو خريفي والخريفي خير ويذكر اللون ويتعرض للمعتوق و الحدوث في الرطب وبعض الفواكه ولا حاجة إليه في البر والحبوب إذ لا يختلف به غرض إلا إذا قرب من السوس فإن ذلك عيب وأما الشهد قال الفوراني هو مختلط فلا يسلم فيه والأصح جوازه لأنه متناسب الجنس الخامس الخشب فما يراد للحطب تقل صفاته فيذكر الجنس واللون والوزن ولا حاجة إلى ذكر اليبوسة فإن الرطوبة عيب في الحطب و الغلظ والدقة لابد من ذكره وما يراد للنجر كالجذوع والعمد فيذكر الطول والعرض والاستدارة والنوع وقال الشيخ أبو محمد تحتاج إلى شرط الوزن أيضا لأنه قد يصير حطبا فيطلب وزنه والمنحوت من الخشب لا يجوز السلم فيه لتفاوت أجزائه إلا إذا تناسب على وجه يمكن ضبطه ولا يختلف ويجوز السلم في خشب النبال قبل النحت الجنس السادس في الجواهر فيذكر في الحديد الوزن والذكورة والأنوثة ويتعرض في النحاس وغيره لما تختلف به القيمة ويتعرض في حجر الرحى للطول والعرض والاستدارة و الوزن و اللآلى و اليواقيت لا يسلم فيها لعزة وجودها إذا أطنب في وصف ما تختلف به القيمة و اللالىء الصغار التي لا يعز وجودها يجوز السلم فيها بالوزنقال الشيخ أبو محمد و كذلك فيما يتحلى به غالبا و هو مالا يزيد وزنه على سدس فإن ذلك أيضا يكثر وجوده و تعرق صفاته الجنس السابع المختلطات و هي ثلاثة أضرب الأول المختلط المختلط خلقة كاللبن و الشهد يجوز السلم فيها الثاني مالا يقصد خليطه كالجبن و فيه الانفحة و الخبز و فيه الماء والملح يجوز السلم فيه لأنه في حكم الجنس الفرد الثالث ما يقصد جميع أركانه كالمعجونات و المرق و معظم الحلاوى و الخفاف و الصنادل و القسي و النبال لا يجوز السلم في شئ منها لأنه لا ينضبط آحاد أركانه و كذلك قسى العرب و إن لم يكن فيه الا خشب و لكن يتفاوت تخريطه و هيأته ويجوز السلم في دهن البان و البنفسج لأنه لا يقصد تخليطه بل لا يخالطه البنفسج فإن السمسم يروح بالبنفسج ثم يعتصر و ظن المزني أنه يختلط بعينه فمنع السلم فيه وهو غلطفرعان أحدهما خل الزبيب و التمر قطع العراقيون بجواز السلم فيه و قطع المراوزة بالمنع لأنه يمنع معرفة المقصود إذ قدر الماء يختلف فيه الثاني العتاببي مركب من القطن و الابرسيم فيه وجهان لأنه في حكم جنس واحد من وجه ونص الشافعي رضي الله عنه على السلم في الخز وهو محمول عند هذا القائل على ما إذا لم يكن فيه ابريسم بل أتحذ جنسه وعلى الجملة المحكم في جميع ذلك العرف و العادة و لا يمكن الوفاء بجميع الصور و فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه الباب الثالث في أداء المسلم فيه و النظر في صفته وزمانه و مكانه أما الصفة فلو آتى بغير جنسه لم يجز قبوله لأنه أعتياض و إن أتي باردا منه جاز قبوله ولم يجب وإن أتى بأجود وجب قبوله وقيل لا يجب لأنه فيه منة وهو بعيد ولو أتي بنوع أخر كما لو أسلم في الزبيب الأبيض فأتى بالأسود ففي جواز القبول وجهان منشؤه أن أختلاف النوع كاختلاف الوصف أو كاختلاف الجنس وترددوا في أن التفاوت بين السقية من الحنطة و ما يسقى من السماء تفاوت صفة أو تفاوت نوع وكذلك في الرطب مع التمر وترددوا في أن التفاوت بين الهندي و التركي من العبيد اختلاف جنس أو اختلاف نوع فرع لو أسلم في لحم السمك لم يلزمه قبول الرأس و الذنب و كذا لحم الطير و لو أسلم في السمك و الطير لزمه القبول أما الزمانفلا يطالب الا بعد المحل و لكنه لو جاء به قبل المحل فإن كان له في التعجيل غرض فإن كان له بالدين رهن أو ضمان أو المكاتب عجل النجوم يجبر على القبول وإن لم يكن غرض سوى البراءه نظر فإن كان للممتنع غرض بأن كان في وقت نهب و عارة أو كانت دابة يحذر من علفها فلا يجبر و إن لم يكن غرض في الامتناع فقولان أحدهما يجبر لأن الأجل حق من عليه الدين و قد أسقطه والثاني لا لأن فيه منة فإن قيل لو صرح من عليه الدين بإسقاط الأجل هل يسقط حتى تتوجه عليه المطالبة قلنا فيه وجهان أحدهما لا لأن الأجل وصف تابع كالصحة في الدراهم لا يسقط بمجردها مع بقاء الأصل و الثاني نعم لأن الدين عليه و الأجل هو له فرعان أحدهما لو خاف المسلم إلية الانقطاع لدى المحل فهل يكون هذا عذرا في التعجيل فيه وجهان الثاني لو سلم في غير مكان العقد و كان فيه مئونة فهذا عذر من جانب المستحق فلا يجبر أما إذا أتى بالحق بعد حلوله فلا شك في الإجبار إن كان للمؤدي غرضوإن لم يكن غرض فطريقان ولا أثر ها هنا لعذر المستحق منهم من قال فيه قولان كما قبل المحل لأنه حقه فله التأخير إلى حيث يشاء ومنهم من قطع بالإجبار لغرض البراءة فليأخذ أم ليبرىء أما مكان التسليم يتعين فيه مكان العقد إما بالتعيين أو بالإطلاق فلو ظفر به في غيره وكان في نقله مؤنة لم يطالب به وإن لم يكن مؤنة فله المطالبة وكذا في سائر الديون إلا في الغاصب فإن في مطالبته مع لزوم المؤنة وجهان تغليظا عليه من حيث منعناه من المطالبة بالمثل لما فيه من المؤونة فلا بد من القيمة لوقوع الحيلولة بعد ثبوت الاستحقاق وتوجه المطالبة هذا تمام القول في السلم القسم الثاني من الكتاب النظر في القرض والنظر في حقيقته وركنه وشرطه وحكمه أما الحقيقية فهي مكرمة جوزتها الشريعة لحاجة الفقراء ليس على حقائق المعاوضات و لذلك لا يجوز شرط الأجل فيه لأن المقرض متبرع والمتبرع بالخيار في تبرعه بالرجوع والأجل يمنع الرجوع ولو لزم الأجل لكان معاوضة ولو جب التقابض في المجلس فإنه مقابلة دراهم بمثلها وقال مالك رحمه الله يثبت الأجل ولذلك لو رجع عن الإقراض في الحال قبل تصرف المستقرض وطالب به جاز وقال مالك رحمه الله لا يجوز وطرد ذلك في العواري وكأن القرضعند الشافعي رضي الله عنه إذن في الإتلاف بشرط الضمان فهو قريب منه إن لم يكن عينه أما ركنه فالمقرض و المقرض و الصيغة أما الصيغة فقوله أقرضتك أو أخذه بمثله و هل يشترط القبول وجهان أحدهما لا لأنه أن في الإتلاف بعوض و الثاني نعم لأنه يملكه المستقرض بالقبض أو التصرف فليس إتلافا محضا وأما المقرض فليس يشترط فيه الا أهلية التمليك و التبرع فإنه تبرع و لذلك لا يجوز في مال الطفل الا لضرورة و كذا المكاتب على ما سيأتي في الرهن أما المقرض فكل ما يجوز السلم فيه ويتسلط قرضه الا الجواري ففيه قولان منصوصان القياس الجواز كما في العبيد ووجه المنع أن المستقرض يتسلط على الوطء ويتسلط على الاسترداد فيبقى الطء في صورة إباحة و لا خلاف في أنه لو كانت الجاريه محرما للمستقرض جاز إقراضها و قد نقل عن الصحابة النهي عن إقراض الجواري فاستحسن الشافعي رضي الله عنه ذلك و قال الأصحاب بناء القولين على أن المستقرض يملك بالقبض أم بالتصرف فإن قلنا يملك بالقبض فلا يجوز الإقراض لأنه يؤدي الى استباحة الوطء و إن قلنا بالتصرف فعم و منهم من عكس الترتيب و قال إن قلنا يملك بالتصرف فلا لأنه يقع في يده من غير ملك ففيه خطر الوطء ولا خطر إذا ملكناه فليطأها فإن قيل وما لا يجوز السلم فيه و لا يجوز بيع بعضه ببعض هل يجوز إقراضه قلنا أطلق الأصحاب منعه و ذكر الشيخ أبو على وجها في جواره و هل هو مبني على أن المقرض يرد المثل في ذوات القيم فإن قلنا يرد القيمة أو القيمة جاز إقراض كل مال متقدم أما شرطه فهو أن لا يجر منفعة لنهي رسول صلى الله عليه وسلم عن قرض جر منفعة فإن شرط زيادة أو منفعة فسد حتى لا يفيد الملك و صحة التصرف فيه و للشرط صور أحدها إن شرط الكفيل و الرهن و الشهادة في القرض يجوز لأنه أحكام له لا زيادة عليه ولو شرط رهنا في دين آخر فهو منفعة و كذا إذا شرط في المكسرة رد الصحيح أو أن يشتري منه شيئا الثانية أن يشترط في الصحيح رد المكسور فهذا غير مفسد لأنه وعد بمسامحة ثم لا يلزم وكذلك إذا شرط الأجل لا يلزم و لا يفسد الا إذا كان في زمان نهب وغارة فهو مفسد لأن فيه غرضا الثالثة أن يقول أقرضتك هذا بشرط أن أقرضك غيره صح ولم يلزم الشرط لأنه وعد وكذا إذا قال و هبت بشرط أن أهب بخلاف ما إذا قال بعتك بشرط أن أهبك شيئا فيفسد البيع لأن العوض يكون مبذولا في مقابلة المبيع و المتوقع هبته فيتطرق إليه خلل و جهل هذا في الربويات أما في غير الربويات ففي شرط الزيادة وجهان أحدهما التسوية لعموم النهي والثاني الجواز لأن الزيادة تلزم بالعقد و المقابلة و قد وجدت و لكن يمتنع ذلك في الربويات و هذا فاسد لأن صيغة المعارضة لم تشترط فإن شرط فهو بيع فاسد و ليس بقرض و القرض بمطلقه ليس له حكم البيع و لذلك عند ترك الزيادة في الربويات لم يشترط التقابض فإن قيل نقل أنه عليه السلام أستسلف بعيرا ببعيرين قلنا كان ذلك في عقد السلم أما حكمه فهو التمليك و لكن بالقبض أو بالتصرف فيه قولان مفهومان من معاني كلام الشافعي رضي الله عنه أقيسهما أنه بالقبض لأنه لا يتقاعد عن الهبة مع أنه للعوض فيه مدخل و لأنه يملك التصرف بعد القبض فيدل على تقدم الملك و الثاني أنه يملك بالتصرف فيتبين تقدم الملك عليه لأنه تفويت بالأذن بشرط الضمان و ليس بتمليك و عقد و التفويت يحصل بإزالة العين أو الملك التفريع إن قلنا يملك بالقبض فله أن يرده بعينه إذله أن يرد بدله فهو أولى و لو رجع المقرض في عينه جاز له لأنه أقرب من بدله وله أخذ بدله و ذكر الشيخ أبو محمد وجها أن النظر فيه الى جانب المستقرض و إرادته فإن لم يرد عينه فله ذلك و أن قلنا يملك بالتصرف فلا خلاف في أنه يملك بكل تصرف مزيل للملك كالبيع و الإعتاق و ما يستباح بالإباحة كالاعاره و الاستخدام فلا يملك به واما الإجارة و الرهن و البيع بشرط الخيار ففيه طرق قال الشيخ أبو محمد كل ما يقطع رجوع الواهب و البائع في عين متاع المفلس يملك نه هاهنا و قال آخرون كل تصرف لا ينعقد بدون الملك فيخرج الرهن عنه فإنه يجوز في المستعار بخلاف الإجارة و قال آخرون كل تصرف لازم يتعلق بالرقبة فيدخل فيه الرهن و يخرج منه الإجارة و البيع الجائز وقال آخرون لا يملك الا بتصرف مزيل للملك أصلا فإن قيل المستقرض ماذا يؤدي قلنا المثل في المثليات و في ذوات القيم وجهان أشبههما بالحديث رد المثل لما روي انه عليه السلام أستقرض بكرا ورد بازلا و قال عليه السلام خيركم أحسنكم قضاء و لأنه لو و جب القيمة لافتقر الى الإعلام و الثاني و هو القياس وجوب القيمة و الله أعلم و أحكم كتاب الرهن وفيه أربعة أبواب الباب الأول في أركان عقد الرهن ومصححاته وأركانه أربعة الراهن والمرهون والمرهون به وصيغة العقد الركن الأول في المرهون وفيه ثلاثة شرائط الشرط الأول أن يكون عينا فلو رهن دينا لم يصح لأنه يلزم بالقبض والقبض لا يصادف غير ما يتناوله العقد ولا مستحقا بالعقد ولذلك لا يصح هبة الدين فإنه لا يلزم إلا بالقبض بخلاف بيع الدين فإنه يصح على رأي وكذلك لو باع درهما بدرهم ثم عين في المجلس صح لأن البيع سبب استحقاق قبل القبض فيتعين بالقبض بخلاف الهبة والرهن فرع الإفراز ليس بشرط بل يصح رهن المشاع خلافا لأبي حنيفة ثم تجري المهايأة بين الراهن والمالك نعم لو رهن نصيبه من بيت معين من جملة دار مشتركة ففيه وجهان ومنشأ المنع أنه ربما يقتسم الشريك فيقع الجميع في حصته فلا يبقى للرهن مقر فلو صححنا فوقع ذلك احتمل أن يقال هو تلف واحتمل أن يقال الراهن ضامن والتفويت منسوب إليه الشرط الثاني أن يكون المرهون قابلا للبيع عند حلول الحق فلا يجوز رهن الموقوف وأم الولد وكل ما لا يجوز بيعه وبيان هذا الشرط برسم ثمان مسائل المسألة الأولى رهن سواد العراق من عبادان إلى الموصل طولا ومن القادسية إلى حلوان عرضا فإن اعتقاد الشافعي رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه أخذها من الغانمين وحبسها على المسلمين والخراج عليهم أجرة فيها وقال ابن سريج بل باعها من أهل العراق فهو ملك وأما أشجارها وأبنيتها فيجوز رهنها وفاقا فإنها مستحدثة المسألة الثانية رهن المبيع في زمان الخيار جائز إن كان الخيار للمشتري وحده ولزم البيع هكذا ذكره الشافعي رضي الله عنه وفيه وجه أنه لا ينعقد بل لا بد من تقديم الإلزام ووجه أخر أنه يلزم البيع ولا ينعقد الرهن وقد ذكرناه في كتاب البيع المسألة الثالثة قال الشافعي رضي الله عنه رهن الأم دون ولدها جائز إذا لاتفرق فيه اختلف الأصحاب منهم من قال معناه أنها تباع عند الحاجة مع الولد ومنهم من قال لا بل أراد به أنه لا تفرقه في نفس الرهن وإلا فتباع دون الولد فإن الرهن لم يرد على الولد ولكن يقع ذلك قهريا لا اختياريا فلا يمتنع التفريق التفريع إن قلنا تباع مفردا فلا كلام وإن قلنا تباع مع الولد فيتعلق حق المرتهن بما يخص من الثمن وفي تقديره وجهان أحدهما أنه تقوم الأم مفردا فإذا هي تساوي مائة فتقدر مع الولد فإذا هي تساوي مائة وعشرون فالولد سدس الجملة فيختص المالك بسدس جملة الثمن ولا يتعلق الرهن به والثاني أن الولد أيضا يقدر مفردا كما قدرت الأم مفردة فيقال الولد دون الأم كم يساوي وفي هذا تقل قيمته لأنه يكون ضائعا فإذا قالوا خمسين مثلا وقيمة الأم مائة فالولد ثلث وهذا الخلاف جار في أرض بيضاء رهنت ثم أنبتت غراسا لأن الغراس غير مرهون وذكر صاحب التقريب أن الأم أيضا تقوم مع الولد فيقال أم لها ولدكم قيمتها فينقص إذ يكون قلبها إلى ولدها لأنها رهنت مع وجود الولد نعم لو حدث الولد بعد الرهن كان نظيرا لمسألة الغراس المسألة الرابعة رهن ما يتسارع إليه الفساد بالدين الحال أو بدين مؤجل يحل قبل توقع الفساد جائز فيباع عند الإشراف على الفساد في الدين وإن كان يفسد قبل الحلول وشرط بيعه عند الإشراف وجعل ثمنه رهنا صح أيضا وإن شرط أن لا يباع بطل وإن أطلق ففيه قولان أحدهما أنه يصح مطلقة مشعر بالإذن في البيع وتحول الوثيق إلى الثمن والثاني الفساد لأنه ليس مفهوما بمطلق الرهن فإن قيل لو طرأ دواما ما يعرضه للفساد قلنا لم يفسد الرهن ولكن يباع عند الإشراف على الفساد ويجعل بدله رهنا فإن قيل لو تطابق المتعاقدان على نقل الوثيقة من عين المرهون إلى غيره فينبغي أن يجوز كما لو شرط ذلك فيما يشرف على الهلاك في ابتداء العقد قلنا فيه وجهان ووجه المنع أن ما يحتمل في الدوام إذا طرأ بالضرورة لا يحتمل ابتداء و لذلك لا يجوز رهن الدين وإن تعلق في الدوام بالقيمة في ذمة المتلف المسألة الخامسة رهن العبد المرتد صحيح بناء على الصحيح في جواز بيعه ثم إن قتل في يد المرتهن وكان الرهن مشروطا في بيع فثبوت الفسخ للمرتهن في البيع يبتنى على أن من اشترى عبدا مرتدا وقتل في يده هل يكون من ضمان البائع المسألة السادسة رهن العبد الجاني يبتنى على صحة بيعه فإن منعناه فهو ممنوع و إلا فوجهان ووجه المنع أنه يمنع الوثيقة ولذلك يمتنع رهن المرهون و إن قدر الراهن على بيعه إذا قضى الدين وهاهنا يقدر على بيع شرط الفداء بعده وقد يتعوق فيفسخ بيعه فلا تحصل معه الوثيقة ولذلك يقدم أرش الجناية في دوام الرهن على الرهن فرع لو حفر العبد بئرا فرهن فتردى فيها إنسان فتعلق الضمان برقبته ففي تبيين فساد الرهن وجهان مستندهما إسناد التعلق إلى أول السبب فيكون كالمقارن ولو قتل قتلا موجبا للقصاص وقلنا موجب العمد القود المحض فرهن ثم عفىعلى مال ففي إسناد انتقال التعلق وجهان وهاهنا الاستناد أولى لأن القتل سبب تام دون حفر البئر المسألة السابعة إذا علق عتق العبد بصفة ثم رهنه فإن قلنا لو وجدت الصفة في حالة الرهن نفذ إما لقوة العتق أو لأن العبرة بحالة التعليق خرج ذلك على رهن ما يتسارع إليه الفساد فإن قلنا لا ينفذ فهو بالرهن مدافع حكم التعليق فالأصح جوازهكما لو دفعه بالبيع وفيه وجه آخر أنه يفسد لضعف الرهن بخلاف البيع أما المدبر فقد قال الشافعي رضي الله عنه ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخا وهذا مشكل لأن بيع المدبر جائز عند الشافعي رضي الله عنه وليس يندفع التدبر أيضا بالرهن فإنه إذا مات يقضى ديونه ويعتق المدبر وإن لم يكن في ماله وفاء فالمدبر لا يعتق وإن لم يرهن فذهب أكثر الأصحاب لذلك إلى صحة الرهن ووجه النص أن يقال لعله يموت وله مال فلا يمكن تنجيز العتق قبل أداء دينه وتأخيره إلى الأداء دفع للعتق فالرهن لا يقوى عليه ويتأيد بالوجه المذكور في إبطال رهن العبد المعلق عتقه بصفة المسألة الثامنة إذا رهن الثمار على الأشجار نظر إن كان بعد بدو الصلاح والدين حال جاز ذلك ثم يقطف في أوانه ويباع بعضه ويجعل مؤنة على القطاف ويجفف إن أمكن وإلا التحق بما يتسارع إليه الفساد وإن كان قبل بدو الصلاح فللفساد ثلاث مثارات أحدها تسارع الفساد بعد التجفيف وقد سبق والثاني امتناع بيعه إلا بشرط القطع فإن أذن في البيع بشرط القطع جاز وإن صرح بمنع البيع بشرط القطع فسد وإن أطلق فالظاهر أنه يصح وبشرط القطع في بيعه ويباع وذكر صاحب التقريب قولين في موجب الإطلاق ووجهه أنه لم يرض بنقصان المالية فعلى هذا يفسد الرهن وله التفات على إطلاق الرهن فما يتسارع إليه الفساد أنه هل يكون كالمصرح بتجويز بيعه المثار الثالث للفساد توقع الآفة والجوائح ويظهر ذلك إذا قدر الدين مؤجلا وفي المنع بهذا السبب قولان أحدهما يمنع كما يمنع البيع والثاني لا لأن المحذور ثم ضياع الثمن عند الاجتياح وهاهنا لا يفوت أصل الحق فرع إذا تلاحقت الثمار بعد الرهن ففي انفساخ الرهن قولان كما في التلاحق في الثمار المبيعة قبل القبض والأصح أنه لو كان قبل القبض ينفسخ وفيه وجه مستخرج من الخلاف في العصير إذا صار خمرا قبل القبض وهو بعيد لأن ذلك يتوقع مصيره خلا بخلاف التلاحق فإنه لا يزول ولو رهن زرعا يتزايد وشرط قطعه في الحال جاز وإن شرط التبقية فحكمه حكم الثمار التي تتلاحق غالبا والرهن باطل فيهما كما في البيع الشرط الثالث أن لا يمتنع إثبات يد المرتهن عليه وقبضه له فإن القبض ركن في الرهن وفيه مسألتان إحداهما رهن المصحف والعبد المسلم من الكافر فهو مرتب على البيع وأولى بالصحة لأن إثبات اليد أهون من إثبات الملك وكذا رهن السلاح من الحربي مرتب على بيعه منه ورهنه من الذمي جائز وفاقا كبيعه الثانية رهن الجواري صحيح على المذهب الظاهر وذكر الشيخ أبو علي قولا أن رهن الجارية الحسناء باطل إلا أن تكون محرما للمرتهن فالوجه القطع بالصحة ثم إن كان محرما أو عدل على يد عدل أو كان المرتهن يوثق بديانته أو كان معه جماعة من أهله ترعه الحشمة عنها لم يكره التسليم و إلا فيكره إثبات يده عليها وعلى الجملة فهو قريب من رهن المصحف من الكافر فإن قيل فهل يشترط أن يكون المرهون ملك الراهن قلنا لا فإن الشافعي رضي الله عنه نص على أنه لو رهن المستعار بإذن المعير صح الرهن وغمض حقيقة هذا العقد على الأصحاب واستخرجوا من تردد الشافعي رضي الله عنه في بعض الأحكام قولين في أن هذا عارية أم ضمان فمن قال إنه عارية أشكل عليه لزومه ومن قال ضمان أشكل عليه تعلق الضمان برقبة المال ثم بنوا الأحكام على قولين وهذا البناء غير مرتض عندنا بل نعلل كل حكم بما يليق به من غير بناء وحقيقة هذا العقد لا يتمحض بل هو فيما يدور بين المرتهن والراهن رهن محض وفيما بين المعير والمستعير عارية وفيما بين المعير والمرتهن حكم الضمان يزدحم عليه مشابه العارية والضمان و يتبين ذلك بالنظر في ثلاثة أحكام الأول اللزوم في حق المعير ولا يلزم قبل قبض المرتهن بحال وإذا قبض المرتهن فالصحيح أنه يلزم في حق المعير لأنه أثبت بعاريته شيئا من حقه أن لا يعير وتلزم فهو كما لو أعار الأرض لدفن الأموات إذ لزم لأن فيه هتك حرمة الميت كذلك في رجوعه إبطال وثيقة المرتهن بعين ماله وقد أذن في إثباته وقال القاضي له الرجوع إذا فرعنا على قولنا إنه عارية وهذا ضعيف لأنه لا يبقى للرهن معنى وقد حكى العراقيون عن ابن سريج أنا إذا قلنا إنه عارية فلا يصح هذا العقد إذ لا يبقى له فائدة وهو فاسد لأنه خلاف نص الشافعي رضي الله عنه وقال صاحب التقريب إن كان الدين حالا رجع وإن كان مؤجلا فوجهان يقربان مما إذا أعار أرضا للبناء إلى مدة وفيه كلام فإن قيل فهل يقدر على إجبار الراهن على فك الرهن وإن لم يقدر على فسخ الرهن قلنا إن كان الدين حالا فلا خلاف في أنه يملك إجباره وقبل حلول للأجل قولان أحدهما أنه يملك لأنه عارية في حق المستعير والثاني لا يملك لأن فيه أداء الدين قبل لزومه وهو متعلق بالمرتهن فإن قيل فهل يباع هذا في حق المرتهن فقط قلنا إن كان للراهن مالا فلا يباع بحال لأن مطلق الرهن لا يسلط عليه إلا إذا جدد به إذنا وإن صار معسرا ففيه خلاف إذ أطلق الأصحاب أن إذا قلنا إنه عارية فلا يباع إلا بإذن مجدد وهذا أيضا يضعف القول بصحة الرهن فإنه أخص فوائده فليجعل الإذن حاصل بالرهن ولازما بحكم الحال وهو الذي يقتضيه فقه المسألة ولا يترك الفقه بقول القائل إن هذا لا نظير له فإن سببه أن يقال إن مثل هذه الواقعة غير متصور وينبني على ما تقدم خلاف لا محالة في أن عتقه هل ينفذ الحكم الثاني أن العبد لو تلف في يد المرتهن فهو غير ضامن تمحيصا للرهن في حقه والمستعير هل يضمن قالوا ينبغي على أنه عارية أو ضمان فإن قلنا ضمان لا يضمن وهو ضعيف بل هو مستعير محض في حق المعير فينبغي أن يضمن ولكن نص الشافعي رضي الله عنه وقال ولو أذن له فرهنه فجنى فأشبهالأمرين أنه لا يضمن بخلاف المستعير و فرع على أن المستعير يضمن ما فات بجناية العبد بناء على أحد الرأيين في ان المستعير يضمن ضمان المغصوب وهاهنا لم يضمنه فعن هذا اضطر الأصحاب إلى ذكر قول في أنه ليس بعارية وإنما هو ضمان فرع لو بيع العبد في الدين بإذن مجدد أو بأصل الرهن يرجع المعير على المستعير بقيمته أو بالثمن فيه خلاف قال القاضي إذا قلنا ( إنه ) عارية يرجع بالقيمة وهو بعيد فإن ما زاد على القيمة مستفاد في مقابلة ملكه فكيف يسلم للمستعير الحكم الثالث أنه هل يشترط في هذه الإعارة معرفة قدر الدين وجنسه وحلوله وتأجيله فيه خلاف يحتمل أن لا يشترط ذلك ويجعل عارية في هذا الحكم ويحتمل أن يشترط لأن الأغراض تتفاوت به وينتهي إلى اللزوم وبنى الأصحاب ذلك على أنه عارية أو ضمان فرع إذا عين المعير شيئا من ذلك إن قلنا إنه لا يشترط فلا يجوز مخالفته إذا عين إلا في النقصان كما إذا أذن في الرهن بألف فرهن بخمسمائة فإنه زاد خيرا ولو قال أعرني لأرهن بألف فأعاره هل يتقيد بما ذكره المستعير تنزيلا للإسعاف على تفصيل الالتماس فيه وجهان الركن الثاني المرهون به وله ثلاث شرائط ( وهو ) أن يكون دينا ثابتا لازما الأول أن يكون دينا فلا يجوز الرهن بعين معصوبة ولا مستعارة وإن جوزنا كفالة الأعيان على الرأي فالرهن وثيقة دين في عين والضمان توثيق دين بضم ذمة إلى ذمة فلا يفارق الرهن الضمان إلا في ضمان العهدة فإنه جائز والصحيح أن الرهن به غير جائز لأنه جوز للمصلحة ترغيبا في معاملة من لا يعرف حاله ولا ضرر على الضامن وفي الرهن ضرر لا ينظر له آخر وفيه وجه أنه يجوز كالضمان لأنه إذا رضي به فقد أضر بنفسه الشرط الثاني أن يكون الدين ثابتا فلو قال رهنت منك هذا بألف تقرضنيه فقال ارتهنت ثم أقرض لم ينعقد الرهن بل يجب إعادته وكذلك إذا قال بألف تبيع به هذا الثوب مثلا فثبوت الدين حالة الرهن لا بد منه وقيل إنه لو جرى الإقراض والبيع في مجلس الرهن صح وهو فاسد فرع لو مزجا شقي البيع بشقي الرهن كما إذا قال بعت منك العبد بألف وارتهنت منك هذا الثوب به فقال اشتريت و رهنت قال الأصحاب هذا صحيح بخلاف ما إذا قال لعبده كاتبتك على ألفوبعت منك هذا الثوب بدينار فقال قبلت الكتابة واشتريت فإنه فيه وجهين لتقدم شق البيع على تمام الكتابة والفرق أن الرهن من مصالح البيع ولذلك جاز شرطه فيه مع امتناع شرط عقد في عقد فمزجه به أكد فيحتمل للمصلحة وذكر القاضي وجها مخرجا في الرهن من الكتابة والفرق واضح هذا إذا وقع الختم بأحد شقي الرهن والبداية بأحد شقي البيع فإن وقع الختم بأحد شقي البيع فلا يصح لتقدم تمام الرهن على صحة البيع وثبوت الدين الشرط الثالث لزوم الدين والديون منقسمة فما لا مصير له إلى اللزوم فلا رهن به كنجوم الكتابة فإن للعبد أن يعجز نفسه مهما شاء وما وضعه على اللزوم والجواز فيه طارئ يجوز الرهن به كالثمن في مدة الخيار وهو تفريع على قول زوال الملك واستحقاق الثمن وما وضع على الجواز ولكن قد يصير إلى اللزوم كالرهن بالجعل في الجعالة قبل العمل فيه وجهان ولعل سبب المنع التخريج على الشرط الثاني وهو أن سبب ثبوت الدين هو العمل المأذون فيه دون مجرد الإذن فكأن سبب الثبوت لم يجز بخلاف البيع في زمان الخيار فإنه سبب تام على الجملة في الاستحقاق فإن قيل وهل يشترط للدين أن لا يكون به رهن قلنا لا بل يجوز أن يزاد في المرهون وإن اتحد الدين لأن الدين غير مشغول بالرهن فزيادة الوثيقة فيه معقولة وهل تجوز الزيادة في الدين مع اتحاد المرهون فيه قولان أحدهما وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله المنع لأن رهن المرهون باطل وإليه يرجع حاصلة والثاني وهو اختيار المزني الصحة لأن الحق لا يعدوهما و لا مقابلة بين المرهون والدين إلا من جهة الوثيقة وإنما لا يجوز رهنه من غير المرتهن لحقه وإن رضي فمن ضرورة أن يجعل فسخا لأن الجمع بين حقيهما غير ممكن فرع لو جنى العبد المرهون جناية فقال المرتهن أنا أفديه ليكون مرهونا عندي بالفداء وأصل الدين فإن جوزنا الزيادة في الدين فلا كلام وإن منعنا فقولان مفهومان من معاني كلام الشافعي رضي الله عنه في أن المشرف على الزوال كالزائل أم لا فإن قلنا كالزائل فهو جائز فكأنه ابتداء رهن بالدينين جميعا الركن الثالث الصيغة وشرطها و موجبها ونريد بالصيغة الإيجاب والقبول ولا بد منهما وفيه مسائل خمسة الأولى كل شرط يوافق وضع الرهن كقوله بشرط أن يباع في حقك أو يقبض أو ( غرض ) لا يتعلق بالعقد كقوله بشرط أن لا يأكل إلا الشعير ولا يلبس إلا الحرير فهو لغو لا يضر اقترانه بالصيغة وكل شرط يناقض مقتضاه كقوله بشرط أن لا أقبض ولا يتقدم به على الغرماء فهو مفسد للرهن وكل شرط لا يناقض ولكن لا يقتضيه لمطلق العقد ويرتبط به غرض كقوله بشرط أن تكون المنافع أو النتاج أو الثمار الحاصلة من المرهون لك ففي فساد الرهن قولان ووجه التصحيح أن الشرط ليس يتعرض لمقاصد المرهون بالتغير بل يزيد مالا يقتضيه فيلغى ولا خلاف في أنه لو باع بشرط أن يرهن بالثمن ما يسلم للبائع منافعه فالبيع فاسد لأن الطمع يتعلق بالزوائد ويصير كالجزء من العوض فيرجع الفساد إلىركن العقد وأما الرهن فليس بمعاوضة الثانية إذا قال رهنت الأشجار بشرط أن تكون الثمار رهنا إذا حدد ففي صحة الشرط قولان ووجه الصحة أن الرهن عندنا لا يسري لضعفه فإذا قوي بالشرط سرى الثالثة إذا قال أقرضتك هذا الألف بشرط أن ترهن به و بالألف القديم الذي لي عليك شيئا فالقرض فاسد لأنه جر منفعة ولكن إذا أخذ ووفى بالشرط ورهن بالألفين لم يصح بالألف الذي فسد قرضه لأنه ما ملكه بعد ولم يتلف إلا إذا أتلفه فيكون ذلك دينا وإذا لم يصح به فهل يصح بالألف القديم فيه قولا تفريق الصفقة فإن صححنا فلا يوزع بل يجعل الكل مرهونا به بخلاف البيع فإن وضع الرهن على أن كال جزء مرهون بجميع الدين هذا إذا علم أن الرهن غير واجب عليه لفساد الشرط فإن ظن وجوبه لأجل الشرط قال القاضي لا يصح كما لو أدى ألفا على ظن أنه عليه فلم يكن فإنه يسترد لأن الرهن تبرع وهو يظن الآن وجوبه وقطع الشيخ أبو محمد وغيره بالصحة لأن الأداء لا يتصور إلا بوجوب سابق ولا وجوب والرهن يتصور من غير وجوب ومساق كلام القاضي يلزمه أن يقول لو شرط بيعا في بيع فباع وفى بالشرط على ظن الوجوب يفسد بيعه والشيخ أبو محمد يصحح البيع و لا ينظر إلى اعتقاده الرابعة إذا قال رهنتك هذه الخريطة بما فيها وما فيها غير مرئي خرج على بيع الغائب فإن أبطل خرج في الخريطة على تفريق الصفقة فإن كانت الخريطة لا يقصد رهنه في مثل هذا الدين فوجهان أحدهما الصحة لظاهر اللفظ والثاني المنع لفهم المقصود ولو قال رهنت الخريطة ولم يتعرض لما فيها وكانت الخريطة لا تقصد فهل تجعل عبارة عما في الخريطة مجازا بقرينة الحال يخرج على هذين الوجهين الخامسة هل يندرج الأس و المغرس تحت اسم الشجرة والجدار في الرهن فيه خلاف مرتب على البيع وأولى بأن لا يندرج لضعف الرهن وفي الثمار غير المؤبرة وجهان بخلاف ضعف الرهنوكذا في الجنين خلاف وأولى بأن يدرج من الثمار لأن الثمار قد تفرد بالاستثناء والتصرفات واللبن في الضرع منهم من ألحقه بالجنين ومنهم من قطع بأنه لا يندرج لتحقق وجوده فهو كالثمار المؤبرة والأوراق من التوت كالثمار المؤبرة ومن غيره يندرج وفي الصوف على ظهر الحيوان ثلاثة أوجه من حيث إنه يضاهي الثمار المؤبرة من وجه والأغصان من وجه وفي الثالث يفرق بين ما استجز وبين القصير الذي لا يعتاد جزه وأغصان الخلاف كالصوف المستجز وأغصان سائر الأشجار يندرج الركن الرابع العاقد ويعتبر فيه ما يعتبر في البيع وزيادة أمر وهو أن يكون من أهل التبرع بالمرهون لأن الرهن تبرع فلا يجوز لولي الطفل وللمكاتب والمأذون في التجارة على كل حال بل لا بد من تفصيل أما ولي الطفل فالنظر في رهنه وارتهانه أما ارتهانه فيجوز عند العجز عن استيفاء الدين ولا يجوز مع القدرة ويجوز عند تأجيل الدين ويتأجل دينه بالبيع بالنسيئة وله ذلك إذا ظهرت فيه الغبطة ولكن بشرط الارتهان حتى قال العراقيون لو باع ما يساوي مائة بمائة نقدا وعشرين نسيئة لم يجز الإ بشرط الارتهان بالعشرين وهو سرف بل الوجه جوازه دون الرهن إذا كان يثق بذمة من عليه الدين فلا يزيد ذلك على إيضاعه مال اليتيم للتجارة وهو جائز لأجل الزيادة بخلاف الإقراض فإنه يحرم فيه الزيادة فلا يجوز إلا في زمان نهب وغارة أما رهن ماله فلا يجوز إلا بغبطة ظاهرة كما إذا بيع منه ما يساوي ألفينبألف وأخذ منه رهن يساوي ألفا لأن أقصى ما في الباب أن يتلف المرهون أمانة فيكون قد حصل على ألفين في مقابلة ألفين فإن زاد قيمة المرهون وجملة الثمن على المشتري لم يجز لانه حجر ناجز في ألفين من غير حصول على ألفين قال الشيخ أبو محمد لو رهن عقارا وكان في الشراء غبطة جاز إذ لا يخاف فوت العقار والمنفعة له وبيع عقار الطفل لا يجوز إلا لحاجة حتى نفك الحجر عنه ويجوز الرهن أيضا لحاجة فاقة كما إذا افتقر الصبي إلى طعام وله عقار يتوقع من ريعه ما يفي بثمن الطعام فله أن يشتري ويرهن وحكم المكاتب حكم ولي الطفل وحكم المأذون مرتب على المكاتب وأولى بالمنع لأن الرهن قد لا يتناوله اسم التجارة ولذلك لا يقدر على إجارة نفسه الباب الثاني في القبض والطوارئ قبله وفيه قسمان القسم الأول في القبض و هو ركن في الرهن لا يلزم إلا به خلافا لمالك رحمه الله فإنه قال يلزم بنفسه و طرد ذلك في الهبة و الإعارة و كل تبرع ثم يشترط لصحة القبض من التكليف و الأهلية ما يشترط للعقد و اليد مستحقة للمرتهن و لو أناب فيه نائبا جاز و لا يجوز أن ينيب الراهن و لا عبده القن و لا مستولدته لآن يدهم يد الراهن و يجوز أن ينيب مكاتبه و في عبده المأذون له في التجارة ثلاثه أوجه يفرق في الثالث بين أن تركبه الديون فتنقطع سلطته السيد عما في يده و يضاهي المكاتب و بين أن لا تركبه الديون و النظر الآن في صوره القبض و هو التخليه في العقار و النقل في المنقول و في الاكتفاء في المنقول في التخليه خلاف كما في البيع و قطع القاضي بالفرق لأن البيع يوجب استحقاق القبض فيكفي التمكين فيه و هاهنا لا استحقاق بل القبض سبب الاستحقاق فلا وقع لمجرد التمكين أما إذا رهن المودع من المودع الوديعة فقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا يلزم بمجرد قوله رهنت بل لابد من إذن جديد في القبض ونص في الهبة على خلافه فقال الأصحاب قولان بالنقل والتخريج ومن قرر النصين فرق بالضعف والقوة وتوجيه القولين من قال يكتفي به جعل قوله رهنت بقرينة الحال رضا بالقبض ومن لم يكتف به نظر إلى مجرد الصيغة وهي لا تدل على القبضولذلك لا يجوز للمرتهن أخذ المرهون إذا لم يكن في يده إلا بإذن جديد ثم سواء قلنا لا يفتقر إلى إذن جديد أو قلنا يفتقر فإذا فلا بد من مضي مدة يتصور تحقيق صورة القبض فيها حتى يلزم فهل يشترط الرجوع إلى بينة ومشاهدة المرهون فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا بد منه ليتحقق التمكن يكون كالقبض لنفسه وهو نص الشافعي رضي الله عنه إذ قال ولو كان في المسجد والوديعة في بيته لم يكن قبضا حتى يصير إلى منزله والثاني أنه لا يشترط الرجوع إذ لا فائدة للرجوع والثالث أنه إن استيقن وجوده أو غلب على ظنه فلا فائدة في الرجوع وإلا فيرجع ليتيقن وجوده فإن قلنا يشترط الرجوع ففي اشتراط نقله من مكان إلى مكان وجهان واشتراط النقل هو الغاية فلا ذاهب إلى أنه يجب رده على الراهن واسترداده بعد ذلك وروى العراقيون عن حرملة أنا إذا لم يشترط إذنا جديدا فلا يشترط أيضامضي الزمان وهو محتمل لكنه بعيد من المذهب ثم إن شرطنا شيئا سوى مضي الزمان فهل تجوز الاستنابة فيه فعلى وجهين ووجه المنع أنه إنما يصير قابضا بالضم إلى ما سبق من النقل فلا يقبل التعدد والأصح أن البيع من المودع مسلط على التصرف وناقل للضمان دون إذن جديد بخلاف الرهن فإنه محصل للملك وهو في يده وفيه وجه أنه كالرهن والأصح أن الرهن من الغاصب كالرهن من المودع وفيه وجه أنه لا بد من إذن جديد قطعا إذ لم يسبق هاهنا إذن حتى ينصرف الآن إلى جهة الرهن فإن قيل فهل يبرأ الغاصب عن ضمان الغصب بالرهن قلنا عندنا لا يبرأ خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لأن يد الغاصب لم تنقطع فلا ينقطع حكمه بخلاف ما إذا أودع عند الغاصب فإن الطاهرينقطع لأنه عاد إلى المالك حكما إذ يده يد المودع ويد المرتهن لنفسه ولو آجره فوجهان لأنه مردد بين أن نجعل للآجر لما فيه من تقرير أجرته أو للمستأجر للانتفاع وفي الوكالة بالبيع وجهان مرتبان على الإجارة وأولى بأن لا يبرأ لأنه كالمستأجر فيه إلا أن غرض المالك هاهنا في اليد أظهر ولو رهن من المستعير ففي براءته عن ضمان العارية وجهان مبنيان على أنه هل يضمن ضمان المغصوب ولو أبرأ الغاصب صريحا عن الضمان مع بقاء اليد ففي البراءة وجهان من حيث إنه إبراء عما لم يتم سبب وجوبه إذ تمام الوجوب بالتلف ثم إذا قلنا لا يبرأ الغاصب فله أن يرد على الراهن ويسترد ويجبر الراهن على الأخذ والرد بعد لزوم الرهن القسم الثاني من الباب الكلام في الطوارئ قبل القبض والنظر في تصرفات الراهن وأحوال العاقد وأحوال المعقود عليه أما التصرفات فكل ما يزيل الملك فهو رجوع عن الرهن لأنه جائز وهو ضده وما لا يزيل الملك كالتزويج ليس برجوع إذ لا مضادة والإجارة رجوع عن الرهن إن قلنا يمنع البيع وإلا فالظاهر أنه ليس برجوع كالتزويج والتدبير بحكم نص الشافعي رضي الله عنه أنه رجوع إذ جعله مانعا من الرهن كما سبق وعلى تخريج الربيع ليس برجوع وهو القياس أما أحوال العاقدين فموت الراهن نص الشافعي رضي الله عنه أنه سبب للفسخ ونص في موت المرتهن على أنه يسلم إلى الورثة فقيل قولان بالنقل والتخريج ووجه التردد متشابهته للجعالة و الوكالة و هي تنفسخ بالموت و للبيع الجائز فإن مصيره إلي اللزوم و هو لا ينفسخ و من قرر النصين فرقة من حقوق الغرماء و الورثة يتعلق بالمرهون عند موت الراهن فإن مصيره إلى اللزوم و هو لا ينفسخ ومن قرر فرق من حقوق الغرماء و الورثة يتعلق بالمرهون عند موت الراهن و عماد الرهن من جانب المرتهن الدين و استحقاقه لا يتأثر موته و في جنون العاقدين خلاف مرتب على الموت و في السفه خلاف مرتب على الجنون وأولى بأن لا ينفسخ فإن عدم العقل دون عدم الروح أما الأحوال المعقود عليه ففي انفساخ الرهن بإنقلاب العصير خمرا وجهان و في جناية العبد و إباقه وجهان مرتبان و أولى بأن لا ينفسخ و هو قريب من الخلاف في الجنون و أنقلاب العصير خمرا أولى بالفسخ لأنه ينافي المالية و لذلك يزول الرهن بعد القبض به و لكن إذا عاد خلا عاد وثيقة الرهن بسبب اختصاص اليد كما عاد ملك المالك بسبب الاختصاص بالعين و يمكن أن يقال كان الرهن موقوفا كما نقول في وقف النكاح على انقضاء العدة في ردة المنكوحة و مصير العصير خمرا في البيع قبل القبض كهو في الرهن بعد القبض التفريع إذا قلنا لا ينفسخ به قبل القبض بل إذا عاد خلا عاد الرهن كما بعد القبض فلو أقبض و هو خمرا فالقبض فاسد فلو صار خلا أمسكه لنفسك لم يكف و لو قال أقبضه لنفسك فيكون هو القابض و المقبض و في مثله خلاف في البيع هكذا قاله الأصحاب قال صاحب التقريب أبو القاسم بن قاسم القفال الشاشي ينبغي أن يكون هذا كإذن المودع بعد الرهن منه إذ لا فرق بينهما فإن قيل و هل يجوز السعي في التخليل قلنا التخليل حرام عند الشافعي رضي الله عنه لحديث أبي طلحة ثم الخمر إن لم يكن محترما و هو ما أعتصر لأجل الخمريه فإن خلل بالقاء ملحفهو تجس لعلتين إحداهما تحريم الخليل و الأخرى ثبوت حكم النجاسة للمتحلل وذلك لا يزول إلا بالماء تعبدا بخلاف أجراء الدن فإن فيه ضرورة فإن خلل بالنقل من ظل إلى شمس فوجهان بناء على العلتين و إن لم يجر إلا مجرد قصد الإمساك ليتخلل فالظاهر أنه طاهر و فيه وجه فإن أعتصره للخمريه فصار خلا من غير قصد فهو طاهر إذ لا قصد و لا فعل و إن كانت الخمرة محترمه و في التي أعتصرت للخل فهو طاهر في جميع الصور إلا إذا القي فيه ملح فإن نقل من الظل إلى الشمس فالظاهر طهارته فإن قيل فالعناقيد إذا استحالت بواطنها و أشتدت ما حكمها قلنا بواطئها نجسة و في جواز بيعها وجهان يجريان في البيضة المذرة ووجه التصحيح الاعتماد في الحال على طهارة الظاهر و فائدته المنتظرة عند التخلل و التفرخ الباب الثالث في حكم الرهون بعد القبض في حق المرتهن و الراهن فهذا يبني على فهم حقيقة الرهن وحقيقته إثبات الوثيقة لدين المرتهن في العين حتى يثبت عليه اليد ويختص به فيقدم على الغرباء عند الزحمة وبأمن فوات الدين بالإفلاس فيتضمن الرهن تجديد سلطنة للمرتهن لم تكن وقطع سلطنة للراهن كانت فالنظر يتعلق بما انقطع من الراهن وما تجدد للمرتهن وبيان محل الوثيقة وغايتها التى عندها ينقطع فهي أربعة أطراف الطرف الأول فيما حجر على المالك فيه وهو كل ما يفوت وثيقة المرتهن أو بعضها أو ينقصها وتصرف الراهن من ثلاثة أوجه الأول التصرف القولي فكل ما ينقل الملك الى غيره كالبيع والهبة او ينقص الملك كالتزويج والاجارة إذ يقلل الرغبة في الحال أو يزحم المرتهن كالرهن من غيره هـ فهو ممنوع ولا منع من إجارة تنقضي مدتها قبل حلول الدين أما ما يسقط الملك كالإعتاق فيه ثلاثة أقوال أحدها انه لا ينفذ فانه يفوت الوثيقة من العين كالبيع والثاني ينفذ ويغرم فانه يسري الى ملك الشريك وحق المرتهن لايزيد عليه والثالث أنه أن كان موسرا نفذ وغرم وإلا فلا فانه إذا لم يمكن تغريمه يبق العتق في المرتهن تفويتا محضا أما إذا رهن نصف العبد فالصحيح آن أعتاقه في النصف المستبقى إذا نفذ سرى الى المرهون مهما كان موسرا ألانه في معنى صورة السراية إلى ملك الغير لوجوده محلا فارغا في الابتداء بل أولى منه التفريع إن قلنا ينفذ و يغرم ففي وقت نفوذ العتق طريقان أحدهما أنه ينفذ في الحال لأنه صادف ملكه والثاني أنه يخرج على الأقوال في ملك الشريك فعلى قول متنجز و على آخر يتوقف على بذل البدل و على الثالث على بذل البدل يتبين حصوله من وقت الانشاء وإن وإن قلنا لا ينفذ العتق ففي نفوذه عند فك الرهن وجهان أحدهما بلى إذ صادف ملكه و أندفع لمانع و ألان فقد أرتفع و الثاني لا لأنه ليس بمعلق ولم يتنجر فلا يعود بعد اندفاعه و لا خلاف في أنه لو بيع في حق المرتهن و عاد إليه يوما من الدهر لا ينفذ أما تعليق العتق في المرهون إن أتصل بالصفة قبل فك الرهن فحكمه حكم العتق و إن وجد الصفة بعده فالأصح النفوذ و فيه وجه أنه لا ينعقد التعليق في حاله لا يملك التنجير فيها و هو ملتف تعليق الطلقة الثالثة في حق العبد الوجه الثاني لتصرفه الوطء و هو ممنوع لأنه يعرض الملك لنقصان الولادة و في الصغيرة و الآيسة وجه و الأصح حسم الباب فإن أقدم فلا حدو لا مهر و الولد حر نسيب له و في الاستيلاد خلاف مرتب على العتق وأولى بالحصول لأنه من جملة الأفعال فإن حكمنا به وجب عليه قيمتها يوم الاحبال فيجعلها رهنا بدلها و إن قلنا لا يحصل فإن بيعت و في بطنها الولد الحر صح و فيه وجه أنه يبطل و يجعل ذلك كاستثناء الحمل و إن أنفك الرهن فالأصح هاهنا عود الاستيلاد وإن ماتت من طلق هذا الاستيلاد فعليه القيمة لأنه المتلف بوطئه و كذلك إذا وطئ أمه بالشبهة الغير فماتت في الطلق و فيه وجه آخر ذكره الفوراني أنه لا يجب إذ يبعد إحالة الهلاك على الوطء مع تخلل أسباب حبلية و لو ماتت زوجته من الطلق فلا ضمان قطعا لأنه تولد من مستحق و في الحرةالموطوءة بالشبهة وجهان ووجه الفرق أن الحوالة عليها ممكن فإنها صاحبة الحق و اليد لها في نفسها بخلاف الأمة و كذلك في الزنا فإن كان مع استكراه فلا يمكن الحوالة عليها لأنا لا نعرف كون الولد منه و الشرع منع النسب فإن أقر بإنه من إحباله ففي كلام الأصحاب ما يدل على أنه لا يجب أيضا فإن السبب ضعيف و كأنه في الأمة حصل مثل إثبات اليد عليها باستعمال رحمها في تربية الولد فكان كالهلاكه تحت اليد التفريع إذا أوجبنا القيمة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه باعتبار أقصى القيم من يوم الاحبال الى يوم الموت و كأن الاحبال غصب و أستيلاد و الثاني باعتبار يوم الموت و الثالث باعتبار يوم الاحبال الوجه الثالث الانتفاع و هو جائز عندنا للراهن في الدار المرهونه بالسكون و في العبدالمحترف بالاستكساب وفي الفحل بإنزائه على الإناث إن لم ينقص من قيمته وكذا الإنزاء على الأنثى إن لم ينقص الإحبال من قيمتها أما الغراس في الأرض فممنوع لأنه يقلل الرغبة في الأرض إذا بيعت دون الغراس وذكر الربيع في الدين المؤجل وجها أنه لا يمنع من الغراس فربما تفي الأرض بجميع الدين أو توفى الزيادة من موضع آخر فإن لم يكن قلع عند البيع أما في الحال فلا منع وهو منقاس التفريع إن قلنا يمنع فلو غرس قلع ولو حمل السيل النوى فأنبت لا يقلع في الحال ولكن عند البيع يقلع إن لم يتعلق حق الغرماء به بالحجر عليه بالفلس فإن تعلق لم يقلع وكذلك على مذهب الربيع إذا جوز الغراس بل يباع الكل ويوزع الثمن وفي كيفية التوزيع كلام سبق في التفريق بين الولد والأم في الرهن فرع ليس للراهن المسافرة بالعبد المرهون أصلا لأنه حيلولة عظيمة واليد مستحقة للمرتهن فلا تزال إلا لضرورة والضرورة في الانتفاع لا في السفر وكذلك لا يسافر زوج الأمة بها ويسافر بها سيدها تقديما لحقه وترغيبا له في تزويجها ويسافر الزوج بزوجته الحرة لأن مقصود النكاح أغلب وهو صاحبه وهي صاحبة الحق والحظ في النكاح وكذلك لو أمكن استسكاب العبد في يد المرتهن لم ينتزع من يده فإن لم يحسن إلا الخدمة انتزع من يده نهارا ورد ليلا وللمرتهن أن يكلفه الإشهاد عند الانتزاع في كل يوم وهل له أن يكلف الراهن ذلك وهو مشهور العدالة فيه وجهان فإن قيل ما منعتموه من التصرفات لو أذن فيه المرتهن قلنا لايمتنع منه بإذنه فالحق لا يعدوهما ثم ما من ضرورته فسخ الرهن كالإعتاق والهبة يرفع الرهن ولا قيمة عليه إذا أعتق بإذنه وله أن يرجع عن الإذن قبل وقوع التصرف فإذا أذن في الهبة فله الرجوع قبل القبض إذ به يتم المأذون فيه وفي الرجوع عن الإذن في البيع في مدة الخيار وجهان فإن قيل هل يتعلق حقه بالثمن إذا أذن في البيع في مدة الخيار قلنا إن كان بعد حلول الدين وأذن لأجل قضاء حقه فلا شك وإن كان قبلهفإن أطلق لم يكن الثمن عندنا رهنا خلافا لأبي حنيفة رحمة الله عليه فإن قال بشرط أن يجعل الثمن رهنا ففي ذلك قولان مأخذه جواز نقل الوثيقة إلى عين أخرى وإن قال بشرط أن يعجل حقي من الثمن فالشرط فاسد وكذا الإذن لأنه ما رضي بالبيع إلا بعوض وهو التعجيل ولم يسلم العوض بخلاف ما إذا قال للوكيل بع ولك من الثمن عشرة أجرة فإنه لم يفسد الإذن وفسد الشرط لأنه لم يقابل العوض بالإذن بل قابله بالعمل فعند الفساد يرجع إلى أجرة المثل فإن قيل فمن مات وعليه دين فتعلقت الديون بتركته فما قولكم في تصرف الورثة فيها بالبيعقلنا فيه طريقان منهم من خرج على قولي العبد الجاني لأنه ثبت شرعا لا اختيارا بخلاف الرهن ومنهم من قطع بالمنع نظرا للميت ومبادرة إلى تبرئة ذمته ثم اختلفوا في أن قول المنع هل يطرد في الدين إذا لم يستغرق ومن لم يطرد علل بأن أكثر التركات لا تخلو عن دين ما فيبعد الحجر بسبب درهم في مال كثير فإن قيل فلو ظهر دين برد عوض بالعيب وتوجهت المطالبة بالثمن بعد أن باع الورثة التركة قلنا إن فرعنا على المنع من البيع ففي تتبعه بالنقض وجهان من حيث إن الدين متراخ وسببه متقدم وكذلك لو كان حفر بئرا فتردى فيه بعد موته إنسان وهاهنا أولى بأن لا يسند إذ الحفر ليس سببا للهلاك بمجرده فإن قلنا لا يتبع بالنقض فإن وفوا بالدين فذاك وإلا فالأصح أنه الآنيفسخ إذ لا دين عليهم حتى يطالبوا وفيه وجه أن ما مضى وتعلق به حق المشتري لا يفسخ فكأنهم قد فوتوا التركة فعليهم الضمان الطرف الثاني في بيان جانب المرتهن وقد تحدد له استحقاق اليد في الحال واستحقاق البيع في تأني الحال ولأجل استحقاق اليد وجب على الراهن التعهد والمؤنة لبقائه في يده ولا يجب على المرتهن الضمان بحكم هذه اليد ولا يملك الانتفاع والاستمتاع فهذه خمسة أمور في جانبه لا بد من معرفتها الأول استحقاق اليد في الحال وهو ثابت بمطلق الرهن عند اللزوم بالقبض ولذلك يرد ليلا إليه عند الانتفاع نهارا ولا تزال يده إلا خوفا من فوات منفعة مقصودة فتقدم المنفعة المقصودة على اليد التابعة للحق لأنها لا تطلب إلا لحفظ محل الحق ولو شرط التعديل على يد ثالث جاز ويكون العدل نائبا عن المرتهن لأنه مستحق اليد ولذلك لا يجوز شرط التعديل على يد المالك لأن يده لا تصلح للنيابة عن غيره وهو مستقل بالملك وللراهن أيضا حظ في يد العدل فإنه ربما لا يثق بيد المرتهن فلهذا لا يجوز للعدل أن يسلم إلى أحدهما دون إذن صاحبه ولا أن يسلم إلى ثالث دون إذنهما فإن فعل ضمن ثم إن سلم إلى المرتهن ضمن للراهن والقرار على المرتهن مهما تلف في يده وإن سلم إلى الراهن ضمن للمرتهن القيمة لتكون عنده رهنا فإذا قضي الدين ردت إليه القيمة وله أن يكلف الراهن القضاء لفك ملكه كما في المعير لأجل الرهن فرع لو تغير حال العدل بفسقه أو جنايته على العبد قصدا أو بزيادة فسق على ما عهد من قبل فلكل واحد طلب إزالة يده إلى عدل آخرالأمر الثاني استحقاق البيع وهو ثابت عند حلول الدين إن لم يوف الراهن الدين من موضع آخر ولكن لا يستقل به المرتهن ولا العدل الذي في يده دون إذن الراهن أو إذن القاضي ولو باع العدل بإذن أحدهما لم يصح بل لا بد من إذنهما وفيه فروع أربعة الأول أنه لو رجع أحدهما عن الإذن امتنع العدل عن البيع فرجوع الراهن عزل فإنه الموكل وإذن المرتهن شرط وليس بتوكيل ولذلك لو عاد المرتهن وأذن بعد رجوعه جاز ولم يجب تجديد التوكيل من الراهن ومساق هذا الكلام من الأصحاب مشعر بأنه لو عزل الراهن ثم عاد ووكل افتقر المرتهن إلى تجديد الإذن وعليه يلزم لو قيل به أن لا يعتد بإذنه للعدل قبل توكيل الراهن فليؤخر عنه ويلزم عليه الحكم ببطلان رضا المرأة للوكيل بالنكاح قبل توكيل الولي وكل ذلك محتمل ووجه المساهلة إقامة دوام الإذن مقام الابتداء تعلقا بعمومه وأنه إن لم يكن يعمل في الحال أولى بالاحتمال فليقدر مضافا إلى وقت التوكيل وإذا احتملت الوكالة التأقيت والتعليق كان الإذن أولى بالاحتمال الثاني لو إذن الراهن للعدل عند الرهن بالبيع عند حلول الأجل لم يفتقر إلى مراجعته ثانيا عند الحلول وفيه وجه أنه لا بد منه إذ قد يسمح بالإذن في غير وقت البيع ثم يرى أن يوفي الدين من موضع آخر في وقت الحلول الثالث أنه لو ضاع الثمن في يد العدل فهو أمانة فلو سلمه إلى أحدهما دون إذن الثاني فهو ضامن ولو أذن له الراهن في التسليم إلى المرتهن فسلم وأنكر المرتهن فهو ضامن لعجزه عن الإثبات فإن صدقه الراهن ونسبه إلى التقصير في ترك الإشهاد ففي الضمان وجهان ولو كان قد شرط الإشهاد فلا شك أنه يضمن ولو ادعى موت الشهود وصدق لم يضمن وإن كذب فوجهان الرابع إذا باع العدل بالغبن بطل بيعه وإن باع بثمن المثل وهو في الحال يطلب بزيادة لم يصح وإن طلب في المجلس أيضا انفسخ العقد لأنه في حكم الابتداء فإن أبى الراغب من قبول البيع بعد إظهاره فالأصح أنا نتبين أن الانفساخ لم يكن إذ بان أن الزيادة لم يكن لها حقيقة وفيه وجه أنه لا بد من تجديد العقد فإن الفسخ قد وقع ثم في تجديد البيع من الأول والبيع من الراغب الثاني عند إطلاق الإذن وجهان أحدهما أنه لا يجوز إلا بإذن مجدد إذا الوكالة الأولى انفسخت بالامتثال بالبيع الأول والثاني الجواز وتنزيل البيع على ما يفيد ويتقرر وإخراج الأول عن كونه امتثالاالأمر الثالث تعهد المرهون ومؤنته على الراهن وليس يمنع منه حتى من الفصد والحجامة والختان ويمنع عن قطع سلعة يخاف منها سراية ويجب عليه كراء الإصطبل للدابة مع العلف وقال الشافعي رضي الله عنه إذا رهنه ثمرة الشجرة فعلى الراهن سقيها وإصلاحها و جذاذها وتشميسها كما يكون عليه نفقة العبد وقد قال صلى الله عليه وسلم وعلى من يحلبه ويركبه نفقته له غنمه وعليه غرمه فإن امتنع أجبره القاضي لحق المرتهن هذا مذهب العراقيين وقالت المراوزة لا يلزمه الإنفاق على الحيوان إلا لحق الله تعالى فلم يرهن منه إلا على ذلك فإن امتنع بيع جزء من المرهون وجعل نفقة له فإن خيف استيعاب المرهون بالنفقة ألحق بما يتسارع إليه الفساد وبيع بما لا يحتاج إلى نفقة وكذلك يحذر من بيع البعض لأنه تشقيص فينفق عليه من منفعته وكسبه وإلافيباع ولعل الأول أصح 0 ويتأيد بالمكري فإنه يجب عليه عمارة الدار من عنده وفاء بتقدير ما التزم الأمر الرابع المرهون أمانة في يد المرتهن لا يسقط بتلفه شيء من الدين خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فلو تصرف فيه بما لا يجوز ضمن ضمان المغصوب فروع أربعة أحدها لو رهن عنده أرضا وأذن له في الغراس بعد شهر فهو قبل الغراس أمانة وبعده عارية مضمونة والرهن مستمر فإن غرس قبل الشهر قلع مجانا وإن غرس بعد الشهر لم يقلع إلا ببدل الثاني إذا كان الدين مؤجلا بشهر فقال رهنت منك بشرط أن يكون مبيعا منك بالدين عند حلول الأجل فالرهن فاسد والشرط فاسد ولكنه في الشهر الأول أمانة لأنه مقبوض على حكم الرهن وفي الثاني مضمون لأنه مقبوض على حكم شراء فاسد وللفاسد حكم الصحيح في الضمانومنهم من استثنى ما إذا عرف فساد البيع فأمسكه عن جهة الرهن التفريع لو غرس بعد مضي الشهر على ظن صحة البيع لم يقلع غرسه مجانا لأنه مأذون فيه في ضمن البيع ولو علم الفساد قلع مجانا لأنه حرم عليه ذلك فلا حرمة لقلعة الثالث إذا ادعى المرتهن رد الرهن أو تلفه فالقول قوله عند المراوزة كما في المودع وطردوا ذلك في المستأجر وأيدي الأمانات كلها وقال العراقيون ذلك من خصائص الائتمان لأنه مصدق بقوله إذا ائتمنه وألحقوا الوكيل بغير أجرة بالمودع وذكروا في الوكيل بأجرة وجهين الرابع قال المراوزة المرتهن من الغاصب والمستأجر منه على جهل حكمهما حكم المودع على جهل حتى إنهم يطالبون بالضمان والقرار على الغاصبوالعراقيون سووا بين الكل وذكروا في مطالبتهم وجهين وعند المطالبة ذكروا في قرار الضمان وجهين الأمر الخامس تصرفات المرتهن وهو ممنوع من جميعها قولا وفعلا وليس له الانتفاع أيضا ولو وطئ مع العلم بالتحريم فحكمه الوطء بالشبهة حكم الزنا وإن جهل وكان حديث العهد بالإسلام فحكمه حكم الوطء بالشبهة ومنهم من قطع بسقوط الحد وتردد في المهر والنسب وحرية الولد لضعف هذه الشبهة وهو بعيد ثم قال القاضي من لا يعرف هذا القدر فكأنه لا معرفة له فإذا اكتفينا بهذا في إثبات الأحكام فينبغي أن نقول المجنون إذا زنا فحكمه حكم الوطء بالشبهة وإن إذن الراهن وعلم التحريم فهو زان وقيل إن مذهب عطاء إباحة الوطء بالإذن فيصير شبهة ويلتحق بالوطء بالشبهة فأما إذا ظن الإباحة فهذه الشبهة أقوى وفي المهر وجهان أحدهما السقوط لإذنه والثاني الوجوب كما للمفوضة إذ لا يؤثر الإذن في إسقاط عوض الأبضاع وفي قيمة الولد طريقان أحدهما أنه كالمهر لأنه نتيجة الوطء والثاني القطع بالوجوب لأنه لم يأذن في الاستيلاد وهذا ينقضه أن المرتهن لو إذن للراهن نفد استيلاده قطعا الطرف الثالث في محل الوثيقة وهو عين المرهون أو بدلها فأما بدل المنفعة كالكسب والعقر أو الزيادة الحاصلة من العين كالولد واللبن والثمر والصوف فلا يتعدى الرهن إليها عندنا وخالف أبو حنيفة رحمه الله في الزيادات الحاصلة من العين وفي العقر أيضا هذا إذا كان الولد حادثا علوقه بعد الرهن وانفصاله قبل الحاجة إلى البيع فإن كان مجتنا في الحالتين جميعا فيباع الحامل في حقه ولا ينظر إلى ما في بطنها وإن كان مجتنا عند العقد منفصلا حال البيع ففيه قولان مأخذه التردد في الاستتباع وأن الحمل هل يعرف فإنه إن لم يعرف لم يندرج وكأنه حدث الآن وإن علق بعد الرهن وكان مجتنا عند البيع فكذلك فيه قولان فإن قلنا إنه لا يعرف فكأنه زيادة متصلة فلا كلام فإن قلنا لا يتعلق بالحمل فلا يمكن بيع الأم دون الحمل ولا بيع الكل مع التوزيع فإن قيمة الحمل لا تعرف وقد تنقص القيمة بالحمل فتؤخر إلى وقت انفصال الولد أما بدل العين فيتعدى إليه الرهن ونعني به أرش الجناية فإنه يوضع رهنا وما دام في ذمة الجاني هل نسميه مرهونا أم نقول زال الرهن ثم عاد عند التعيين كما نقول في العصير إذا انقلب خمرا ثم خلا فيه خلاف ثم الراهن بالمطالبة أولى فهو المالك فإن تكاسل فللمرتهن المطالبة فإن أبرأ الراهن لم ينفذ قطعا ولم يلحق بالإعتاق وإن أبرأ المرتهن لم يصح ولكن هل يكون ذلك فسخا للرهن في حقه فعلى وجهين ووجه المنع أن الفسخ كان تحصل ضمنا للإبراء فإذا لم يحصل المتضمن فلا عموم لقوله فلا يحصل الضمن الطرف الرابع في غاية الرهن وما به انفكاكه وهو بفسخ الرهن أو فوات المرهون بغير بدل أو قضاء الدين أما الفسخ فلا يخفى وكذا فوات عين المرهون بأفة سماوية ويلتحق به ما إذا فات الملك فيه بغير بدل وذلك إنما يكون بجناية العبد فإنه يتعلق الأرش برقبته فإن فداه السيد استمر الرهن وإن بيع في الجناية فقد فات الملك وفات وثيقة الرهن ولا ضمان على الراهن لأنه لم يكن من جهته وإنما لم يمنع الرهن حق الجناية لأنه لا يزيد على حق المالك وقدم حق المجني عليه على حق المالك مصلحة في حسم الجنايات فأما إذا كانت الجناية متعلقة بالسيد فلها ثلاثة أحوال إحداها أن يجني على طرفه أو على عبده بما يوجب القصاص فله قتله لأن مرتبته لا تتقاعد عن رتبة الأجنبي وإن عفا عن القصاص على مال فلا مطمع في فك الرهن في قدر الجناية لأن السيد لا يثبت له دين في ذمة عبده حتى ينبني عليه التعلق بالرقبة ثم البيع فيه ثم فك الرهن به وفيه وجه عن ابن سريج أن له فك الرهن في قدر الجناية ويظهر أثر الجناية في حق المرتهن وإن لم يظهر في حق العبد الثانية إذا جنى على ابن الراهن فمات الابن وانتقل الحق إلى الراهن فله القصاص وإن عاد إلى مال فهل يستحق فك الرهن به ينبني على أن الملك الطارئ هل يقطع دوام الدين الذي استحق قبل الملك وفيه خلاف وهذا في حكم دوام دين لأنه استحق من قبل والإرث دوام فإن قتل ابن الراهن وقلنا إن الدية تثبت للقتيل أولا ثم للوارث فحكمه ما سبق وإن قلنا إنه للوارث ابتداء فهو كما لو جنى على الراهن ابتداء ولو قتل الراهن فليس للابن فك الرهن به قطعا لأنه ليس يفيد في حق المورث والوارث فإن المورث ها هنا هو المالك الثالثة إذا جنى على عبد آخر له مرهون إن كان من شخص آخر فللراهن القصاص ولا مبالاة بفوات حق المرتهن فإن عفا على مال تعلق حق مرتهن القتيل بالعبد وإن عفا مطلقا أو من غير مال فهو كعفو المفلس المحجور عليه لأن الراهن محجور عليه كالمفلس وعفو السيد عن المال ينزل جناية العمد منزلة الخطأ وإن كان موجبه المال فيباع الجاني في حق مرتهن القتيل فإن كان حقه يتأدى ببعض العبد القاتل لكونه دون قيمته بيع ذلك القدر في حقه وبقي الباقي رهنا عند مرتهن القاتل وإن لم يرض مرتهن القاتل بعيب التشقيص يباع الكل ويوضع الفاضل عن أرش الجناية رهنا عنده ولو تساوت القيمتان وتراضى المالك ومرتهن القتيل بأن يجعل العبد رهنا بدل القتيل جاز وإن أبى المرتهن أعني مرتهن القتيل فهل يجبر عليه فيه وجهان أما إذا كان القتيل مرهونا عنده أيضا فإن كان بذلك الدين بعينه فهو فوات محض في حقه وإن كان بدين آخر يخالفه في القدر أو الجنس أو مقدار الأجل فله أن يفك الاول ليباع ويجعل رهنا بالثاني وإن استوى الدينان من كل وجه قدرا وجنسا وأجلا فقال بيعوه لينتقل حقي إلى ثمنه فإني لا آمن جنايته فهل يكون هذا من الأغراض المعتبرة فيه وجهان السبب الآخر في فك الرهن قضاء الدين وهو قسمان الأول أن يقضى من غير المرهون فإن قضي جميع الدين انفك الرهن وإن بقي من الدين درهم بقي جميع المرهون رهنا فلا ينفك ببعض الدين بعض المرهون بل الدين ينبسط على أجزاء المرهون ولذلك نقول لو مات أحد العبدين بقي الثاني رهنا بالجميع وكذلك لو رهن عبدين بألف وسلم أحدهما كان رهنا عندنا بجميع الألف خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإما إذا تعدد العقد لم يكن أحدهما متعلقا بالآخر وذلك بتعدده في نفسه كما إذا رهن نصفي عبد في صفقتين بألفين ثم قضي أحدهما انفك أحد النصفين ولذلك لو تعدد مستحق الدين كما إذا رهن من رجلين وقضى دين أحدهما أو تعدد المستحق عليه فارتهن من رجلين فلا يقف حكم أحدهما على الآخرولا نظر إلى اتحاد الوكيل وتعدده في باب الرهن لأنه ليس عقد عهدة بخلاف صفقة البيع فإنها قد تتعدد بتعدد الوكيل وهل تتعدد بتعدد المالك فيه وجهان وصورته أن يستعير عبدا من رجلين ويرهنه بألفين عليه ويرهن من شخص واحد ثم سلم ألفا وقصد به فك نصيب أحدهما فمنهم من قال لا ينفك نظرا إلى اتحاد الدين والعقد ومنهم من نظر إلى تعدد المالك ولو استعار عبدين من رجلين ففي التعدد وجهان مرتبان وأولى لانضمام تميز المرهون إلى تميز المالك ولو مات الراهن وخلف ابنين ذكر صاحب التقريب قولين والصحيح أن له حكم الاتحاد نظرا إلى حال الرهن نعم لو مات الراهن قبل الرهن وتعلق الدين بالتركة بإقرار الابنينفقضى أحدهما نصيبه ففي انفكاك نصيبه قولان ظاهران من حيث إن التعدد مقترن بالابتداء وهو بناء على أن أحدهما لو أقر هل يطالب بتمام الدين فرع حيث يتميز الحكم بتعدد المالك فإذا قضى أحد الشريكين نصيبه واستقسم المرتهن فكان الشيء مكيلا أو موزونا قال الشافعي رضي الله عنه له ذلك وهو تفريع على أن القسمة إفراز حق لا بيع حتى يتصور في المرهون ثم يراجع القاضي الراهن فيه فإن أبى أجبره عليه وفي مراجعة المرتهن وجهان من حيث إنه لا ملك له ولكن له حق فإن كانت القسمة قسمة تعديل كما لو رهن رجلان عبدين مشتركين ثم قضى أحدهما نصيبه وهما متساويا القيمة ففي الإجبار عليها قولان فإن قلنا يجبر فالرجوع إلى المرتهن ها هنا أولى لأنه أقرب إلى حقيقة البيع من قسمة الجزية القسم الثاني في قضاء الدين من ثمن المرهون وذلك ببيعه عند حلول الدين فلا يستقل المرتهن به بل يرفعه إلى القاضي ثم القاضي لا يبيع بل يكلف الراهن قضاء الدين أو الإذن في البيع فإن أذن وقال للمرتهن بعه لي واستوف الثمن لي ثم اقبضه لنفسك صح بيعه واستيفاؤه له وفي قبضه لنفسه خلاف منشؤه اتحاد القابض والمقبض فإن قال بعه لي واستوف لنفسك صح البيع وبطل استيفاؤه لنفسه لأنه لم يتعين بعد ملك الراهن إذ لم يستوف له أولا ولكن يدخل في ضمانه لأنه استيفاء فاسد فله في الضمان حكم الصحيح ولو قال بعه لنفسك بطل الإذن إذ لا يتصور أن يبيع مال الغير لنفسه فليقل بعه لي فإن قال بع مطلقا ففيه خلاف واختلفوا في تعليل المنع منهم من علل بأنه مستحق للبيع فينصرف مطلق اللفظ إلى جانبه فهو كقوله بع لنفسك ومنهم من علل بأنه متهم في ترك المماكسة لأنه في غرض نفسه يتحرك فعلى هذه العلة لو قدر الثمن أو كان قبل حلول الأجل أو كان الراهن حاضراقالوا بصحة بيعه فرع لو حضر الراهن مجلس القاضي وكلف المرتهن إحضار الرهن حتى يقضي دينه لم يلزمه معاملة بل عليه قضاء الدين فإذا قضى فليس عليه أيضا إحضاره فإنه أمانة في يده فليس عليه إلا التمكين من الأخذ الباب الرابع في النزاع بين المتعاقدين وهو في أربعة أمور العقد و القبض والجناية و ما يوجب فك الرهن به النزاع الأول في العقد و مهما اختلفا فيه فالقول قول الراهن لأن الأصل عدم الرهن فروع ثلاثة الأول إذا تنازعا في قدر المرهون فالقول قول الراهن لأن الأصل عدم الرهن فلو صادفنا في يد المرتهن أرضا و فيها نخيل وادعى كون النخيل رهنا فأنكر الراهن وجوده لدى العقد كفائه ذلك إن أمكن صدقه و يحلف عليه وإن كذبه الحس فله أن يحلف على نفي الرهن لا على نفي الوجود فلو أستمر على إنكار الوجود على خلاف الحس جعل ناكلا عن اليمين وردت اليمين على المرتهن فإن ترك ذلك ورجع الى أنكار الرهن لم يمنع منه وإن كذب نفسه فيما سبق من أنكار الوجود الثاني إذا أدعى رجل على رجلين رهن عبد واحد لهما عنده فكذبه أحدهما و صدقه الآخر فللمصدق أن يشهد على المكذب لأن الشريك يشهد على الشريك ولو ادعى رجلان على رجل رهن عبد واحد منهما فكذب أحدهما فشهدالمصدق للمكذب ففي قبوله وجهان بنبليان على أنه لو لم يشهد له هل كان المكذب يشاركه في نصفه مؤاخذة له بتصديق وكذا الخلاف فيما لو ادعيا هبة عبد فصدق أحدهما فهل يأخذ المكذب مما سلم له النصف ولا خلاف في أنهما لو أدعيا وراثة عبد فصدق أحدهما يشاركه المكذب فيه الثالث لو أدعى رجلان على رجل واحد أنه رهن عبده منه على الكمال فصدق أحدهما سلم إليه وهل يحلف للثاني ينبني على أنه لو أقر للثاني هل كان يغرم له و فيه قولا ضمان الحيلولة فإن قال رهنت من أحدكما و نسيت فيحلف على نفي العلم فإن نكل رد اليمين عليهما فإن تحالفا أو تناكلا فسخ القاضي الرهن لتعذر الإمضاء وأن حلف الراهن على نفي العلم فالصحيح أنهما يتحالفان كما لو نكل و فيهوجه أنه انتهت الخصومة أما إذا كان في يد أحدهما وأقر الراهن للثاني بعد وقوع الاتفاق على جريان رهن وقبض مع كل واحد لكن وقع النزاع في السبق فقولان اختيار المزني ترجيح اليد على الإقرار وهو ضعيف والأصح النظر إلى موجب الإقرار ثم فرغ المزني وقال لو قال صاحب اليد كان في يد المقر له قبل هذا ولكن غصبا فيقال له اعترفت باليد وادعيت الغصب فهو في يده إذا لا في يدك النزاع الثاني في القبض والقول فيه ايضا قول الراهن ايضا إذ الأصل عدمه إذا كان في يد الراهن فإن كان عند النزاع في يد المرتهن فكذلك القول قوله إن قال غصبتنية وفيه وجه بعيد وأن قال أعرتكه أو أكريتكه أو أودعتكه فوجهان ووجه الفرق أنه أقر بقبض مأذون فيه ويجريان الرهن وهو يدعي صرفه عن جهة الرهن فالظاهر خلافه وكذا الخلاف إذا قال المشتري للبائع أعرتك المبيع بعد قبض المبيع عن جهة البيع وقال البائع بل هو محبوس بأصل الثمن وحق الحبس لا يبطل بالإعارة ولو اتفقا على أن الراهن أذن في القبض وقال الراهن لم نقبض بعد فإن كان في يده فالقول قوله وإن كان في يد المرتهن فهو المصدق به فرع لو قامت بينة على الراهن بالإقباض بعد إنكاره فقال كذب الشهود لميلتفت اليه فلو شهدوا على إقراره فقال صدقوا لكني كذبت في الإقرار فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا يقبل كما لو أقر في مجلس القضاء ثم رجع و الثاني يقبل لأنه ممكن فليتمكن من تحليف الخصم على نفي العلم بذلك و الثالث وهو الاعدل أنه قال غلطت لوصول كتاب وكيل لي أو أشهدت على الرسم في القبالة قبل التحقيق فيسمع حتى يحلف الخصم و إن قال كذبت عمدا فلا يسمع النزاع الثالث في الجناية أن جنى على المرهون و اعترف الجاني و صدقه الراهن دون المرتهن غرمه للراهن و لم يتعلق بالارش حق المرتهن و إن صدقه المرتهن دون الراهن غرم للمرتهن فإن قضى الراهن دينه من موضع آخر أنفك الرهن و بقي هذا مالا لا يدعيه أحد لنفسه فهو لبيت المال أو يرد على الجاني فيه خلاف أما إذا جنى المرهون و اعترف به المرتهن فالقول قول الراهن و إذا بيع العبد في دين المرتهن لم يكن للمجني عليه إخراج الثمن من يد المرتهن مؤاخذة له بقوله لأن حق المجني عليه لا يتعلق بالثمن إن صح البيع و إن بطل فكمثل لآن الثمن للمشتري لا للمرتهن و الراهن أما إذا أعترف به الراهن دون المرتهن أو قال الراهن ابتداء رهنته بعد الجناية المستغرقة أو كان مغصوبا أو معتقا ففي قبول إقراره ثلاثة أقوال كما في العتق إذا تعارض قيام الملك و انتفاء التهمة مع تعلق حق المرتهن و يجرى هذا الخلاف في العبد المستأجر و الصحيح أنه لا يجري في المبيع إذا قال كنت أعتقته قبل البيع إذ لا ملك في الحال والصحيح أنه لا يجري فيه إذا لم تكن الجناية مستغرقة لأن التهمة قائمة التفريع ان قلنا لا يقبل اقراره فيحلف المرتهن على نفي العلم فإن حلف فهل يغرم الراهن للمجني عليه ينبني على قولي الغرم بالحيلوله وإن نكل فترد اليمين على المجني عليه أو الراهن فيه قولان إن قلنا على المجني عليه فإن حلف استحق عليه و لم يغرم الراهن للمرتهن لأنه أبطل حق نفسه بنكوله و إن نكل فات المرتهن به و لم يغرم الراهن للمجني عليه شيئا لأنه أبطل حق نفسه بنكوله و إن قلنا ترد على الراهن فإن حلف سلم للمجني عليه و إن نكل فهل للمجني عليه أن يحلف له و يقول ليس لك أن تبطل حقي بنكولك فيهقولان ووجه المنع أن يمين الرد قد انتهت نهايتها بنكول المردود عليه أعني الرهن وإن قلنا يقبل إقراره فهل للمرتهن تحليفه وجهان ووجه المنع انه أقر على ملك نفسه فإن قلنا لا يحلف فقد تبينا بطلان الرهن تصديقا له فليس للمرتهن إلا الخيار في البيع الذي شرط فيه الرهن إن كان قد شرط وكذلك إن قلنا إنه يحلف فحلف وإن نكل المقر حلف المرتهن وفي نتيجة حلفه قولان أحدهما تقرير العبد في يده والثاني أن يغرم له الراهن فإن قلنا بالغرم فهل يثبت له خيار الفسخ في البيع المشروط فيه ولم يسلم عين العبد المشروط وإنما يسلم قيمته فيه وجهان ووجه منع الخيار أنه يجعل بإقراره متلفا بعد الإقباض وغارما وذلك لا يوجب الخيار فإن قيل فلو أقر الراهن بالاستيلاد قلنا يثبت حرية الولد و النسب وفي أميه الولد ما ذكرناه في العتق و زيد هاهنا أمر و هو أنها لو أتت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الرهن كان كدعوى العتق قبل الرهن و إن كان لأكثر فلا لأنه يحتمل تراخيه عن الرهن فلا يقبل فهو كما لو أعترف باستيلاد متراخ فإن قلنا لا ينفذ أستيلاده إذا صدق فلا كلام و إن قلنا ينفذ ففي اقراره وجهان مأخذه إقرار المبذر بإتلاف أو طلاق لأنه أقر بما ينفذ لو أنشأه ولكنه ممنوع من إنشائه شرعا النزاع الرابع فيما يفك الرهن وفيه أربعة فروع الأول إذا كان المرتهن أذن في بيع الرهن و باع الراهن ورجع المرتهن و ادعى أنه رجع قبل بيعه و قال الراهن بل رجعت بعد البيع فالأظهر أن القول قوله فإن الأصل عدم الرجوع و يعارضه أن الأصل عدم البيلبع فيبقى أن الأصل استمرار الرهن و قيل إن القول قول الراهن إذ المرتهن أعترف بالإذن و البيع ويدع رجوعا سابقا والأصل عدمه الثاني لو سلم إلى المرتهن ألفا به رهن و له على الراهن ألف آخر لا رهن به فتنازعا و قال الراهن سلمته عن جهة الرهن فانفك فالقول قوله لأنه يختلف بنيته و هو أعرف به و العبرة بنيته حتى لو ظن المرتهن أنه أودعه و هو قصد قضاء الدين حصل الملك دون قصد التمليك ولو قال المؤدي ما قصدت شيئا فوجهان أحدهما التوزيع على الدينين و الثاني أنه يقال له الآن ينبغي أن تنوي ما تريد وكذا الخلاف في الوكيل عن جهة مستحقين إذا قبض ثم اختلفوا في الجهة الثالث إذا باع العدل المرهون بالإذن و ادعى تسليم الثمن الة المرتهن فالقول قول المرتهن لأنه ليس أمينه إلا في حفظ المرهون فلا يلزمه تصديقه في الثمن الذي هو بذل المرهون و لا يجوز صرفه إلي المرتهن إلا بإذن الراهن ثم للمرتهن مطالبة من شاء من العدل والراهن فإن ضمن العدل لم يرجع على الراهن لأنه مظلوم بزعمه ولا يرجع إلا على من ظلمه الرابع إذا تنازعا في عيب المرهون أنه قديم يثبت خيار الفسخ في البيع المشروط فيه أم حادث القول قول الراهن إذ الأصل عدم العيب و لذلك كان القول قول البائع في مثل هذه الصورة و لو قال المرتهن أقبضتني العصير المرهون بعد انقلابه خمرا و قال الراهن بل قبله ولا فسخ لك فقولان أحدهما أن الأصل بقاء الحلاوة و الثاني أن الأصل عدم القبض الصحيح و الراهن يدعيه و هذا يلتفت على أن المدعي هو الذي يحكي و سكوته و هو المرتهن هاهنا أو من يدعي خلاف الظاهر و هو الراهن هاهنا وفيه قولان و هذا تنازع بالحقيقة يرجع إلي العقد والقبض فليلحق بالقسم الأول كتاب التفليس والتفليس أن يجعل من عليه الدين مفلسا ببيع ماله ومهما التمس الغرماء الحجر عليه بديونهم الحالة الزائدة على قدر ماله فللقاضي الحجر عليه وبيع ماله في حقهم فإن قيل فلو كانت الديون مؤجلة قلنا لا لأنه لا مطالبة في الحال والصحيح أن الديون المؤجلة لا تحل بالحجر على المفلس ولا بالجنون وإن كانت تحل بالموت فإن قيل فإن لم تكن الديون زائدة على المال قلنا في المساوية للمال وجهان وفي المقاربة للمساواة وهي ناقصة وجهان مرتبان وإن لم تقارب فلا حجر عليه بخلاف الميت فإن الورثة يمنعون من التركة وإن لم يستغرق الدين نظرا للميت فإن قيل فلو التمس بعض الغرماء قلنا إن زاد دينه على قدر المال أجيب وإن ساوى أو قارب فعلى الخلاف ولو التمس المفلس بنفسه دون الغرماء ففي إجابته وجهان أشبههما بالحديث أنه يجاب إذ حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ بالتماسه وأبو حنيفة لم ير هذا الحجر ومعتمدنا حجره عليه السلام على معاذ وقول عمر رضي الله عنه في خطبته ألا إن أسيفع أسيفع جهنية رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج فادان معرضا فأصبح وقدرين به فمن كان عليه دين فليأتنا غدا فإنا بايعو ماله غدا وقاضو دينه فمن كان له عليه دينفليحضر ثم دين الغرماء ينقسم إلى ما يكون عن ثمن مبيع والمبيع قائم وإلى ما يكون عن غيره القسم الأول من الكتاب فيما إذا لم يكن من ثمن مبيع أو كان ولكن المبيع هالك فالنظر في ثلاثة أحكام فيما امتنع من التصرفات بالحجر وفي بيع ماله وفي حبسه الحكم الأول التصرف المحجور فيه وهو كل تصرف مبتدأ يصادف المال الموجود عند ضرب الحجر ففيه ثلاثة قيود الأول ما يصادف المال احترز به عن التصرف في البضع جلبا بالنكاح وإزالة بالخلع وفي الدم استيقاء بالقصاص وإسقاطا بالعفو وفي النسب إثباتا بالاستلحاق وإسقاطا باللعان وفي المال الجديد باجتلاب باحتطاب أو احتشاش أو اتهاب أو قبول وصية أو شراء على المذهب الأصح فكل ذلك لا حجر فيه وكذلك لو أقر بما يوجب عليه قصاصا أو رشا قبل منه ويؤاخد منه بالأرش بعد فك الحجر لا من هذا المال ولو أقر في عين مال بأنه مغصوب أو وديعة عنده ذكر الشافعي رضي اللهعنه في القديم قولين ووجه القبول نفي التهمة وكونه أهلا للإقرار فقال المحققون يجب طرد هذا في الإقرار بالدين حتى يقضى من المال مع سائر الغرماء أيضا لنفي التهمة وإلا فلا فرق أما ما يصادف عين المال كالعتق والبيع والهبة والرهن والكتابة كل ذلك فاسد ولا يخرج ذلك على عتق الراهن لأن هذا الحجر لم ينشأ إلا للمنع من مثله مقصودا فإن في تنفيذه تضييع الحقوق ثم لو فضل العبد المعتق أو المبيع أو أبرأ عن الدين ففي تنفيذ العتق قولان وفي البيع قولان مرتبان وأولى بأن لا يقبل الوقف ووجه التنفيذ أن البيع صدر من أهله وصادف محله وكنا نظنه دافعا لحق لا سبيل إلى دفعه والآن تبين أنه لم يحصل به دفع محذور وفائدة هذا القول أنا ما دمنا نجد سبيلا إلى قضاء الدين من موضع آخر نفعل فإن لم نجد صرفنا إليه المبيع ثم المكاتب ثم المعتق فنجعله آخرها وهذا الترتيب مستحق على هذا القول القيد الثاني قولنا المال الموجود عند الحجر احترزنا به عما تجدد بإرث أو باحتطاب أو وصية أو اتهاب أو شراء إذا صححنا الشراء ففي تعدي الحجر إليه وجهان فمن قائل المقصود الحجر عليه في نفسه ومن قائل يقول المقصود الحجر في المال وهذا لم يكن موجودا ثم إذا صححنا الشراء فهل للبائع التعلق بعين المبيع وقد أنشأ البيع في حال الحجر والإفلاس فيه ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين أن يعلم إفلاسه أو لا يعلم والظاهر أنه إذا كان جاهلا ثبت الخيار فإن قلنا لا يثبت الخيار لأن هذا الحجر لم يضرب لأجله بل ضرب قبله ففي الثمن وجهان أحدهما يصبر ولا يضارب به فإنه دين جديد والمال لا يصرف إلى دين جديد والثاني أنه يضارب لأنه أدخل في ملكه شيئا جديدا بدينه الجديد وسائر الديون الجديدة من مهر نكاحه وضمانه وغيره لا تقضى من ماله إلا ما هو من مصلحة الحجر كأجرة الكيال والحمال فإنها تقدم على سائر حقوق الغرماء القيد الثالث قولنا مبتدأ احترزنا به عن مسألتين إحداهما أنه لو اشترى به شيئا ووجد به عيبا وكانت الغبطة في رده فله ذلك وليس للغرماء منعه لأن سبب استحقاقه قد سبق ولو تعذر الرد بعيب حادث استحق الأرش ولا ينفذ إبراؤه كما لا ينفذ في سائر الديون لأنه إبطال حق الغرماء ولو أمكن رده ولكنه مع العيب يساوي أضعاف الثمن فليس له الرد لأنه تفويت من غير غرض فلذلك ليس لولي الطفل في مثل هذه الصورة الرد ثم لا يطالب بالأرش فإن الرد ممكن في حقه وإنما وقع الامتناع مع الإمكان للمصلحة الثانية إذا اشترى بشرط الخيار ثلاثة أيام فحجر عليه قبل مضي المدة قال الشافعي رضي الله عنه له الفسخ والإجازة دون الغرماء لأنه ليس بمستحدث فمن الأصحاب من وافق هذا الإطلاق ولم يشترط عليه رعاية الغبطة ومنهم من قال يفرع على أقوال الملك فحيث كان بالفسخ أو الإجازة مزيلالملك فلا يجوز إلا بشرط الغبطة كما في الرد بالعيب وحيث يكون جالب ملك لا مزيلا فلا حجر عليه إذ ليس عليه الاكتساب والتحصيل ومن أطلق علل بأن الملك لم يثبت بعد فهو في الابتداء بخلاف الرد بالعيب فرعان الأول أنه لو كان له على غيره دين فأنكر فرد اليمين عليه فنكل أو كان له شاهد ولم يحلف فليس للغريم أن يحلف إذ لا حق له على غير من عليه الدين ونص الشافعي رضي الله عنه على القولين في نكول الوارث أن الغريم هل يحلف فمنهم من خرج هاهنا قولا ووجهه أنه لا يبطل حق الغريم بالإبراء فكذا بالنكول ومنهم من فرق بأن الوارث ليس يدعي الدين لنفسه فهو والغريم سواء في أنهما يدعيان للميت والميت عاجز وأما هاهنا المستحق حي فاليمين من غير المستحق مع نكوله بعيد وكذلك الأصح أن الغريم هاهنا لا يبتدئ بالدعوى على الإنسان بأن للمفلس عليه حقا بخلاف الميت وقال الشيخ أبو محمد إذا قلنا يحلف لا يبعد أن يدعي ابتداء به والثاني لو أراد من عليه الدين سفرا منعه من له دين حال ومن له دين مؤجل فلا بل يلازمه إن أراد مطالبته عند حلول الأجل وفي سفر للغزو خلاف لأن المصير إلى الهلاك الذى هو سبب الحلول وهو بعيد ولو طلب صاحب الدين كفيلا أو إشهادا لم يلزمه وفي لزوم الإشهاد وجه بعيد وفي سماع الدعوى بالدين المؤجل خلاف وكذا بالدين الحال مع الاعتراف بالإفلاس وكذا بالدين على العبد وكذا دعوى المستولدة الاستيلاد على المبيع قبل أن تعرض على البيع الحكم الثاني بيع مال المفلس وقسمته وللقاضي ذلك بشرط رعاية الغبطة والمصلحة فيبيع بثمن المثل ولا يسلم المبيع قبل قبض الثمن ويبادر إلى بيع الحيوان ولا يطول مدة الحجر ويبيع بحضور المفلس فهو أبعد عن التهمة وربما يطلع المفلس على زبون يشتري بزيادة ويجمع أثمان السلع ليقسم على نسبة الديون دفعة واحدة فإن لم يصبروا قسم كل ما يحصل ولا يكلف الغرماء حجة على أن لا غريم سواهم اكتفاء بأنه لو كان لظهر مع استفاضة الحجر فلو ظهر غريم بدين قديم لم ينقض القسمة بل رجع على كل غريم بما يقتضيه التوزيع ولو خرج مبيع مستحقا رجع المشتري بالثمن على الغرماء وتقدم بمقداره لا بطريق المضاربة فإن بيع ماله من مصلحة الحجر ولا يرغب الناس فيه ما لم يثقوا بضمان الدرك على الكمال ثم لا يبيع جميع ماله بل ينفق عليه مدة الحجر وعلى زوجته وأقاربه ويترك له عند البيع نفقة يومه وكذا لزوجته وأقاربه ولم يلحق بالمعسر في إسقاط نفقة القريب عنه في هذا اليوم ويترك له دست ثوب يليق بمنصبه حتى الطيلسان والخف إن كان حطه عنه يخرق مروءته وكذلك لو مات قدم تكفينه وتجهيزة فإنه حاجة وقته ثم يقتصر على ثوب واحد أم لا بدل له من ثلاثة أثواب فيه خلاف ذكرناه في الجنائز والمذهب أنه يباع مسكنه وخادمه ونص في الكفارات على أنه يعدل إلى الصوم وإن وجد خادما ومسكنا فقيل يطرد القولين نقلا وتخريجا وقيل بالفرق من حيث إن حق الله مبني على المساهلة وأن الكفارة لها بدل وقيل أيضا يباع الخادم دون المسكن ثم يقتصر على ما يليق به في المسكن وما يترك له إذا كان موجودا في يده يشترى له إذا لم يكن ثم لا يستكسب في أداء الديون بإجارته خلافا لأحمد بن حنبل رحمه الله وقال مالك إذا كان مثله يؤاجر نفسه كلف ذلك وفي إجارة مستولدته وجهان وكذا إجارة ما وقف عليه فإن قلنا يفعل ذلك فالحجر يدوم إلى الوفاء بتمام الديون لأن ذلك لا مرد له ثم إذا اعترف الغرماء بأن لا مال له سوى ما قسم فهل ينفك الحجر أم يحتاج إلى فك القاضي خيفة غريم آخر يظهر فيه وجهان وكذا الخلاف لو تطابقوا على رفع الحجر عنه ومنه يتشعب خلاف في أنه لو لميكن له إلا غريم واحد فباع ماله منه بالدين الذى عليه قال صاحب التلخيص يصح إذا لحق لا يعدوهما وفيه رفع الحجر بسقوط الدين وقال أبو زيد لا يصح فربما يكون له غريم آخر قال الشيخ أبو علي لو باع بإذن الغريم من أجنبي أو باعه من الغريم لا بالدين لم يصح وفاقا لأنه ليس فيه رفع الحجر قال إمام الحرمين يحتمل أن يقال يصح إذ الحق لا يعدوهما الحكم الثالث حبسه إلى ثبوت إعساره فإذا قسم ما وجد من ماله وبقي بعض الدين أو ادعى على من لا مال له ظاهرا واعترف فيحبس فإن ظهر للقاضي عناده في إخفاء المال يترقى إلى تعزيره بما لا يزيد في كل نوبة على الحد فإن أقام بينة على الإعسار خلي في الحال وأنظر إلى ميسرة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تسمع بينة الإعسار إلا بعد مضي أربعين يوما أو شهرين في رواية ثم ليشهد من يخبر بواطن أحواله فإنه يشهد على النفي فإذا قال الشاهد خبرت بواطن أحواله كفى ذلك فإنه عدل فيصدق فيه كما في أصل الشهادة وكذا الشهادة على أن لا وارث سوى الحاضر ثم للغريم أن يحلفه مع الشاهد فلعل له مالا لا يطلع الشاهد عليه فإن قال لست أطلب يمينه لم يحلف وإن سكت فالقاضي هل يحلفه ثم يخليه منالحبس أو يخليه دون التحليف فيه وجهان فمن قال يحلفه جعل ذلك من أدب القضاء وأما إذا عجز عن إقامة بينة الإعسار فإن عهد له من قبل يسار فلا يغنيه إلا البينة وإن لم يعهد قط موسرا فثلاثة أوجه أحدها القول قوله إذ الأصل الفقر واليسار طارئ والثاني لا إذ الغالب على الحر القدرة والثالث أن الدين إن لزمه باختياره فالظاهر أنه لم يلتزم إلا مع القدرة وإلا فالقول قوله التفريع إن قلنا القول قوله فيقبل يمينه على البدار وكان يحتمل هاهنا توقف كما قال أبو حنيفة في الشهود وإن قلنا لا يقبل فلو كان غريبا فتخليد الحبس عليه إضرار فللقاضي أن يوكل به شاهدين يستخبران عن منشئه ومولده ومنقلبه ويحصل لهما غلبة ظن في إعساره بقرينة حاله فيشهدان على الإعسار فرع في حبس الوالدين في دين الولد وجهان أحدهما المنع لأنه تعذيب وعقوبة والولد لا يستحق عقوبة على والديه وهذا ضعيف لأن المقصود منه الإرهاق إلى قضاء الحق ومنعه يؤدي إلى أن يعترف الوالد بالدين ويمتنع عن الأداء مع اليسار ويعجز عن استيفائه فإن قيل يلازم إلى أن يؤدي قلنا إن لم يمنع عن تردده في حاجاته مع الملازمة فهو تعذيب للملازم ولا يجدي شيئا وإن منع من التردد إلى أن يقضي الدين فلا معنى للحبس إلا هذا والسجان هو الملازم القسم الثاني من الكتاب فيما إذا كانت الديون لازمة من أثمان السلع وهي قائمة فللبائع الرجوع في عين متاعه لقوله صلى الله عليه وسلم من مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه وقال أبو حنيفة لا يثبت الرجوع وضبط المذهب أن يقدر استيفاء كمال العوض الحال المستحق في معاوضة محضة سابقة على الحجر بسبب إفلاس المستحق عليه يثبت الرجوع على الفور إلى عين المعوض إذا كان قائما بحاله والضبط مقيد بقيود لا بد من بيانها القيد الأول التعذر وهو مؤثر فإنه لو قدر على استيفاء كمال الثمن بعد الإفلاس لتجدد مال أو لكون المال مساويا للديون فلا رجوع له ولو قال الغرماء خذ تمام الثمن بعد الإفلاس فنحن نقدمك به ثبت الرجوع لأنه ربما لا يتقلد منهم ويحذر ظهور غريم آخر لا يرضى به فالتعذر حاصل أما الحال فقد احترزنا به عن المؤجل فلا رجوع به إذ الرجوع ينبني على تعذر الثمن والتعذر ينبني على توجه الطلب ولم يتوجه الطلب ومنهم من قال يثبت الفسخ ولكن يقرر المبيع وتوقف إلى أن يحل الأجل فيسلم إليه ولا يفتقر إلى استئناف حجر بسببه وفيه وجه آخر أن الدين يحل بالفلس كما يحل بالموت والجنون فهو كالديون الحالة وهو بعيد ثم إذا قلنا لا فسخ فلو صرف المبيع إلى حقوق الغرماء فلا كلام وإن حل الأجل قبل أن يتفق الصرف إليهم ففي ثبوت خيار الفسخ الآن وجهان والأصح ثبوته كما لو حل قبل الحجر وفي الفسخ بعد الحجر إذا حل الدين قبل الحجر وجه ضعيف أنه لا يثبت من حيث إن البيع لم يقتض حبس المبيع إذا كان الثمن مؤجلا في العقد أما قولنا المستحق في معاوضة محضة احترزنا به عن النكاح والخلع والصلح عن الدم فإن تعذر العوض فيه لا يوجب الفسخ وجوبنا به الإجارة والسلم فإذا تعذر المسلم فيه بإفلاس المسلم إليه رجع المسلم إلى رأس المال إن كان باقيا بعينه وإلا ضارب بقيمة المسلم فيه فما يسلم له بالقسمة يشتري به جنس حقه ويسلم إليه إذ الاعتياض غير ممكن عنه فلو سلم إليه مائة درهم فصار يوجد المسلم فيه بكماله بعشرة لانخفاض الأسعار فعلى وجه يشترى له بالعشرة كمال حقه والباقي يسترد وعلى وجه لا يسلم له كمال حقه كما لم يسلم للباقين فيقدر كأن القيمة كانت كذلك في حال القسمة فما يفضل منه يرد إلى الباقين وهو القياس وفي الإجارة إذا أفلس المكتري بالأجرة فمصادفة المكري عين الدار أو الدابة المكراة كمصادفته عين ملكه فيفسخ العقد فيه لأن محل المنفعة قائم مقام المنفعة وفيه وجه أن المنفعة ليس عينا حتى يقال وجد عين متاعه وهو ضعيف ثم إن كان مكتري الدابة في أثناء الطريق حيث أفلس فلا يضيعه بل ينقله إلى مأمن بأجرة المثل ويقدم بها على الغرماء ولا يلزمه النقل إلى مقصده وكذلك لو كان أرضا فزرعها فليس له قلع زرعه بل يبقى الزرع بأجرة المثل ويقدم بها على الغرماء لأن فيه مصلحة مال الغرماء وهو الزرع وليس هو كما لو باع الأرض ورجع فيها بعد زراعة المشتري فإنه يلزمه تبقية الزرع بغير أجرة لأن المنفعة غير مقصودة في البيع بخلاف الإجارة وفيه أيضا وجه منقول عن ابن سريج أنه يطالب بالأجرة كما لو بقي الغراس والبناء أما إذا أفلس المكري والإجارة واردة على عين الدابة أو الدار فالمكري يستوفي المنفعة فإن حقه تعلق بالعين فيتقدم به ولا يتراخى عن المرتهن ثم يباع في حق الغرماء في الحال إذا قلنا الإجارة لا تمنع البيع وإن قلنا تمنع فيؤخر بيعه كما يؤخر بيع المرهون وأما إذا أورد الإجارة في الدواب على الذمة فليس له إلا الرجوع إلى الأجرة إن قام بعينها أو المضاربة بقيمة المنفعة فإن كانت المنفعة لا تتجزأ كالقصارة في ثوب واحد وكالحمل إلى بلد يؤدي تقطيعه إلى أن يبقى في الطريقضائعا فله الفسخ بهذا العذر ليضارب بالأجرة أما قولنا سابقة على الحجر احترزنا به عما يجري سبب لزومه بعد الحجر كما إذا باع من المفلس المحجور عليه في أنه هل يتعلق بعين متاعه وقد ذكرنا ذلك وكذلك لو أفلس المكري والدار في يد المكتري فانهدمت ثبت له الرجوع إلى الأجرة وهل يزاحم به الغرماء فيه وجهان منهم من قال لا فإنه دين جديد ومنهم من قال بلى لأنه سببه سابق وهو الإجارة وكذلك لو باع جارية بعبد فتلفت الجارية في يد المفلس المحجور فرد بائعها العبد بعيب فله طلب قيمة الجارية قطعا لأنه أدخل في مقابلتها عبدا في يد الغرماء ولكن هل يتقدم بالقيمة أم يضارب بها ذكر القاضي وجهين والأصح المضاربة أما قولنا بسبب إفلاس المستحق عليه احترزنا به عن الامتناع مع القدرة فذاك لا يثبت الرجوع لأن السلطان قادر على استيفائه فليس التعذر محققا وفيه وجه آخر أنه يثبت ولو كان بانقطاع جنس الثمن فإن جوزنا الاعتياض عنه فلا تعذر وإن منعنا فيثبت الرجوع لأنه تعذر محقق فكان في معنى الإفلاس وهو كانقطاع المسلم فيه فإنه يثبت الرجوع إلى رأس المال أما قولنا إنه يثبت الرجوع على الفور احترزنا فيه عن التأخير وفيه وجهان أحدهما أنه يبطل به كالرد بالعيب فإنه لدفع ضرار والثاني أنه على التراخي لأنه نتيجة توجه الطلب بالثمن فما دام الطلب قائما كان الرجوع ثابتا كمطالبة المرأة في الإيلاء بالطلاق أما قولنا إذا كان قائما احترزنا به عن الهالك والخارج عن ملكه فإن تعذر الرجوع فيه فلا يبقى إلا المضاربة بالثمن لأنه لا فائدة في الفسخ إذ لو أمكن تقديمه بالقيمة لقدم بالثمن وإذا لم يكن بد من المضاربة فالثمن أولى ما يضارب به وفيه وجه آخر أنه إذا كانت القيمة زائدة على الثمن فله الفسخ ليضارب بها أما إذا زال الملك ثم عاد فهو مبني على القولين في أنه كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد وإذا تعلق بالمبيع حق لازم كالرهن والكتابة فهو كفوات العين ولكن لو كان فزال فلا أثر لما مضى فهو في الحال واجد عين ماله أما قولنا بحاله احترزنا به عن تغير المبيع وهو منقسم إلى التغير بالنقصان وإلى التغير بالزيادة أما النقصان فينقسم إلى نقصان صفة ونقصان عين أما نقصان الصفة إن حصل بآفة سماوية فالبائع إما أن يقنع بعيبه أو يضارب مع الغرماء بالثمن كما لو تعيب المبيع في يد البائع قبل القبض وإن تعيب بجناية أجنبي فيرجع إلى الباقي فيضارب بقسطه من الثمن ولا يطالب بالأرش إذ ربما يكون الأرض مثل القيمة بأن يكون الجاني قد قطع يديه فغرم كمال قيمته وذلك يعتبر في حق المشتري دون البائع وإن كان بجناية المشتري فطريقان منهم من قال جنايته كجناية الأجنبي ومنهم من قال بل كالآفة السماوية أما النقصان بفوات البعض كما لو تلف أحد العبدين وقيمتهما على التساوي فالنص أنه يرجع إلى الباقي ويضارب بثمن التالف وقيل إنه إن أراد الرجوع فليأخذ الباقي بكل الثمن احترازا عن تفريق الصفقة ولو باع عبدين بمائة وقبض خمسين وتلف أحد العبدين وقيمتهما على التساوي فالنص أنه يرجع إلى الباقي ويحصر المقبوض في التالف وفيه قول مخرج أنا نشيع فنقول يرجع إلى نصف العبد الباقي ويضارب بنصف ثمن التالف وما قبض موزع عليهما جميعا فرع اشترى بعشرة دراهم عشرة أرطال زيتا وأغلاه حتى عاد إلى ثمانية أرطال ورجعت القيمة إلى سبعة دراهم فهو نقصان صفة لزوال الثقل أو نقصان عين لفوات بعض المعقود عليه فيه وجهان أما التغير بالزيادة فالزيادة تنقسم إلى ما حصلت من عينه وإلى ما اتصل به من خارج أما الحاصل من عينه فما هو متصل من كل وجه كالسمن وكبر الشجرة فلا حكم لها ويسلم ذلك مجانا للبائع ولا أثر للزيادة المتصلة إلا في الصداق والمنفصلة من كل وجه كالولد المنفصل و الثمرة المنفصلة لا أثر لها أيضا بل تسلم للمشتري ويرجع البائع إلى الأصل وفي البذر إذا زرعه المشتري حتى نبت والبيض إذا تفرخ في يده والعصير إذاانقلب خمرا ثم انقلب خلا خلاف أنه يجعل كزيادة عينية كما في الغصب أم يجعل موجودا متجددا ويقال المبيع قد عدم وهذا غيره أما الزيادة المتصلة من وجه دون وجه فهو الحمل فإن كان مجتنا عند البيع والرجوع التحق بالسمن وإن كان مجتنا حالة البيعة منفصلا حالة الرجوع فقولان أحدهما أنه يسلم للمشتري لأنها زيادة حدثت بالانفصال ولا حكم لوجوده قبله والثاني أن الحمل كان موجودا وإنما الانفصال نمو وتغير حال وإن كان حائلا عند البيع وحاملا عند الرجوع فالظاهر أن الحمل يتبع في الرجوع كما في البيع وفيه وجه أنه يبقى على ملك المشتري لأنه زيادة حادثة على ملكه والثمرة ما دامت غير مؤبرة فهي كالحمل المجتن ولكن الثمرة أولى بأن يعطى لها حكم الاستقلال فروع أربعة الأول إذا كان الولد منفصلا ففي رجوعه في الأم دون الولد تفريق بينهما ففيه وجهان أحدهما أنه مخير بين المضاربة بالثمن أو أن يبذل قيمة الولد ليرجع في عين الأم فإن لم يبذل فهو كالفاقد عين ماله إذ تعلق به حق لازم للولد ليس يمكنه قطعه عنه والثاني أنه لا يجعل به فاقدا بل تباع الأم والولد ويخصص بقيمة الأم الثاني إذا قال البائع رجعت في الأشجار المبيعة قبل التأبير فرجع الثمار إلي وكذبه المفلس فالقول قوله إذ الأصل استمرار ملك المفلس فإن صدقه الغرماء لم يقبل قولهم على المفلس وللمفلس أن يأخذ الثمار ويجبرهم على القبول من جهة دينه فإن أبوا وزعموا أنه حرام لم يمكنوا منه بل عليهم القبول أو الإبراء ثم إن قبلوا فللبائع الاسترداد منهم مؤاخذة لهم بقولهم وكذا السيد إذا حمل إليه العبد النجوم في الكتابة فقال هو مغصوب لأن قوله لا يقبل على المكاتب فلو قالوا أخذنا حقوقنا فله الإجبار ليعجل فك الحجر عن نفسه فله فيه غرض فإن قالوا فككنا الحجر وقلنا إنه ينفك بفكهم فينبني على أن مستحق الدين هل يجبر على القبول ولو صدقه البعض وكذبه البعض فتصرف الثمرة إلى من صدق المفلس كيلا يؤدي إلى الضرر فإن هذا ممكن فلو كان للمصدق ألف وقد أخذ الثمرة بخمسمائة وللمكذب أيضا ألف وقد بقي من المال خمسمائة فالصحيح أنه يقسم بينهما أثلاثا وفيه وجه أن المصدق يقول ما أخذته فهو حرام بزعمك علي فألفي باق كماله بزعمك فأساويك وهو ضعيف الثالث إذا بقي الثمار للمشتري فليس للبائع منعه من الإبقاء إلى أوان الجذاذ فكذا لا يقلع زرعه فلو قال المفلس أقلعه لأقضي ديني بما يشتري به وأفك الحجر عن نفسي فله ذلك لأنه غرض صحيح وإن كان الحجر لا ينفك فهو ممنوع لأنه إضاعة مال من غير فائدة الرابع أنه إذا كان الرجوع يقتضي عود الثمار إليه ولكن كانت الثمار قد تلفت فيرجع بحصة الثمار من الثمن مضاربة ويرجع في عين الشجرة وتعرف حصته بالتوزيع على القيمة ويعتبر في الثمرة أقل القيمة في يوم العقد إلى القبض تقليلا للواجب عليه فإنه إن كان يوم العقد أقل فلم يدخل ما تناوله العقد في ضمانه وإن كان أكثر فهو زيادة على ملكه وفي الشجرة وجهان أحدهما أنه يعتبر أكثر القيمتين من العقد إلى القبض لأن فيه أيضا تقليل الواجب على المشتري وعليه ما سبق والثاني ذكره القاضي أنه يعتبر الأقل لأنه إن كان قيمة يوم العقد أقل فما زاد بعده عاد إليه بعود الشجرة فهي زيادة متصلة تسلم له مجانا فلا يحتسب عليه وللزيادة المتصلة مراتب إن تلفت لا يطلب البائع قيمتها وإن بقيت فاز بها البائع مجانا ولا يطالب بقيمته وإن كان بتقدير قيمته تختلف قيمة غيره فهل يحتسب عليه فيه هذا الخلاف أما الزيادة المتصلة بالمبيع من خارج فثلاثة أقسام عين محض وأثر محض وما هو عين من وجه ووصف من وجه أما العين المحض هو أن يبني في الأرض أو يغرس فيها ففيه ثلاثة أقوال أحدها أن المتغير به كالمفقود إذ يؤدي رجوعه إلى الإضرار بالمشتري والثاني أنه واجد عين ماله ولكن لا يرجع فيه بل يباع ويفوز بقيمة الأرض دون البناء والغراس والأصح هو الثالث أنه يرجع في عين الأرض ويتخير في الغراس بين أن يتملك ببدل أو ينقض ويغرم الأرش أو يبقي بأجرة ورأيه في التعيين متبع هذا إذا كانت الزيادة قابلة للتمييز فإن لم تقبل كما لو خلط مكيلة زيت بمكيلة من عنده فإن كان ما عنده أردأ أو من جنسه فالبائع يرجع إلى مكيله ويقسم بينهما فإن نقص وصفه فهو عيب حصل بفعل المشتري وإن كان ما عنده أجود فقولان أحدهما الرجوع كالصورة الأولى والثاني هو فاقد لأن في رجوعه إضرارا بالمشتري أو تناقضا في كيفية الرجوع ومن الأصحاب من طرد قولا في منع الرجوع في الخلط بالجنس وهو خلاف النص فإن قلنا يرجع فقولان أحدهما أنه يباع الجميع ويوزع عليهما على نسبة قيمة ملكيهما والثاني أنه يقسم الزيت بنفسه على نسبة القيمة حتى أنه لو كان مكيلة البائع تساوي درهما ومكيلة المشتري تساوي درهمين فللمشتري مكيلة وثلث وللبائع ثلثا مكيلة وهذا فيه محظور من باب الربا وفي البيع اعتراف بالعجز عن الرجوع عن العين وطرد ابن سريج القولين في تفصيل الرجوع في الخلط بالأردأ وكان الشافعي رضي الله عن يميل إلى صيانة جانب المشتري ولا يبالي بنقصان في جانب البائع وابن سريج يسوي بينهما وإن خلط الزيت بالشيرج فالصحيح أنه فاقد عين ملكه لأنه انقلب الجنس به القسم الثاني ما هو وصف من وجه وعين من وجه كما لو صبغ الثوب بصبغ من عنده فإن لم يزد في قيمة الثوب فإن البائع يرجع بالثوب وإن زادت القيمة فهو شريك بالقدر الذى زاد فإن كان قيمة الصبغ درهما وقيمة الثوب عشرة فصار بالصبغ يساوي خمسة عشر فللمشتري منه قدر درهم وللبائع منه قدر عشرة والأربعة حصلت بالصنعة على الثوب لا على الصبغ لأن الصبغ تبعفينبني على أن الصنعة يسلك بها مسلك الأثر أم العين كما سيأتي القسم الثالث الأثر المحض كما لو طحن الحنطة وراض الدابة وقصر الثوب وعلم العبد حرفة ففيه قولان أحدهما أن له حكم العين كما في الصبغ وقد سبق حكمه والثاني أنه أثر لا قيمة له كما إذا صدر من الغاصب في المغصوب بخلاف الصبغ فإنه عين والفرق ظاهر من حيث إن عمل المشتري محترم وقد حصل وصفا يستأجر عليه ببذل المال فكان متقوما وفعل الغاصب عدوان لا يتقوم بخلاف صبغه فعلى هذا نجعل القصارة كالصبغ ويوزع الثمن عند بيع الثوب عليهما باعتبار قيمتهما وإن تضاعفت القيمة فيضاعف حق كل واحد منهما وإن ارتفع قيمة الثوب دون القصارة كان الزائد حق البائع دون المشتري فرع لو استأجر أجيرا للقصارة وأفلس قبل أداء الأجرة والثوب باق فإن قلنا إن القصارة أثر فليس للأجير إلا المضاربة وإن قلنا إنه عين فله حق حبس الثوب فإن كان قيمة الثوب عشرة وقيمة القصارة خمسة والأجرة درهم فيختص البائع بعشرة والأجير بدرهم ويصرف أربعة إلى سائر الغرماء ولو كانت الأجرة خمسة وقيمة القصارة درهما فإن البائع يختص بعشرة وصرف الدرهم الزائد إلى الأجير وله المضاربة بالأربعة الباقية هكذا نص الشافعي رضي الله عنه ولم يحكم بأن الأجير وجد عين متاعه وهو القصارة فيفسخ ويقنع بها زادت القيمة أو نقصت ومن الأصحاب من قضى بذلك طردا لقياس تنزيله منزلة العين من كل وجه وهو خلاف النص فإنه لا يمكن إلحاقه بالعين من كل وجه ولكن لم ير الشافعي رضي الله عنه تعطيل حق المشتري ولمحصله أيضا حق حبس ووثيقة فيه وهو الأجير فأما أن نجعل عين سلعة حتى يفسخ العقد فيها فهو بعيد كتاب الحجر أسباب الحجر خمسة الصبى والجنون والرق والفلس وقد ذكرناها والتبذير وهو عبارة عن الفسق مع صرف المال إلى وجه ليس فيه غرض صحيح ديني أو دنيوي وأبو حنيفة رحمه الله خالفنا في هذا الحجر وفي حجر المفلس وفيه فصلان الفصل الأول في السبب وهو يتصل تارة بالصبي وتارة يطرأ بعد البلوغ فإن اتصل بالصبي بأن بلغ الصبي غير رشيد اطرد حجر الصبي ويكفي لدوام الحجر أحد المعنيين وهو الفسق أو الإسراف في المال لأن كل واحد ينافي اسم الرشد وقد قال الله تعالى { فإن آنستم منهم رشدا } وإن طرأ بعد أن بلغ رشيدا فلا بد من مجموع الأمرين فإن طرأ التبذير بأن كان يصرف المال إلى ملذ الأطعمة على وجه لا يليق به اقتضى الحجر ثم في عود الحجر أو الحاجة إلى إعادة القاضي وجهان أظهرهما الحاجة إلى الإعادة فإنه يدرك بضرب من الاجتهاد ولو طرأ مجرد الفسق أو مجرد التبذير بأن كان يصرف المال إلى ملاذ الأطعمة على وجه لا يليق به ففي اقتضائه الحجر وجهان والمذهب أنه لا يقتضيهبخلاف ما لو اتصل بالصبي لأن الحجر ثم مستيقن فلا يرفع إلا بيقين ولا يتيقن الرشد مع الفسق والإطلاق هاهنا مستيقن فلا يعاد الحجر إلا بيقين وليس من الإسراف أولا صرف المال إلى وجوه الخيرات فلا سرف في الخير ثم ولي المبذر والمجنون أبوه أو جده إن اتصل الجنون والتبذير بالصبي وإن عاد بعد زوال ولاية الولي فوجهان أحدهما أنه من كان في حالة الصغر والثاني أنه القاضي لأنه صار مستقلا بنفسه فلم يكن تبعا لأصله ومهما عرف رشده قبل البلوغ فبلغ انفك الحجر بمجرد البلوغ وأسباب البلوغ أربعة الأول السن وهو خمس عشرة سنة في الغلام والجارية وقال أبو حنيفة ثمان عشرة سنة وفي رواية اقتصر في الجارية على سبع عشرة سنة ومعتمدنا ما روى الدارقطني أنه قال صلى الله عليه وسلم إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود الثاني الاحتلام ويصدق فيه الصبي إذ لا يمكن فيه المعرفة إلا بقوله وفي احتلام الصبية وجهان لخفاء خروج الماء منها في الغالب فقيل أقيم الحيض مقام ذلك في حقها ثم قال الأصحاب إذا احتلمت وإن لم يحكم ببلوغها أمرناها بالاغتسال كما نأمرها بالوضوء من الحدث وكما إذا احتلمت بعد البلوغالثالث الحيض في حق النساء الرابع نبات العانة في حق صبيان الكفار إذ أمر عليه السلام بالكشف عن مؤتزرهم وكان يقتل من أنبت منهم وفي تعرف ذلك في صبيان المسلمين خلاف والأظهر أنه لا يتبع إذ هى أمارة تعلقنا بها للعجز عن معرفة سنهم واحتلامهم إلا بقولهم ثم لاشك أن بقول الوجه وإنبات الإبط أبلغ في الدلالة وأما انفراق الأرنبة ونهود الثدي وبحوحة الصوت فلا تعويل عليه فرع الخنثى إذا احتلم بفرج الرجال أو حاض بفرج النساء لم يحكم ببلوغه للاحتمال فإن اجتمع الأمران فوجهان أحدهما لا لتعارض الأمر في العلامة إذ كل واحد أسقط حكم الآخر والثاني أنه الأصح أنه يقضى ببلوغه ويبقى الإشكال في الذكورة والأنوثة وينقدح ظاهرا أن يحكم بالبلوغ بأحدهما كما نحكم بالذكورة والأنوثة بأحدهما بناء على ظن غالب ثم ننقض ذلك الظن إن ظهر نقيضه الفصل الثاني فيما ينفذ من التصرفات وما لا ينفذ والضبط فيه أن كل ما كان لا يدخل تحت حجر الولي في حق الصبي كالطلاق والظهار والخلع واستلحاق النسب والإقرار بما يوجب القصاص أو الحد مما لا يتعلق بالمال مقصودا فهو مستقل به لأنه مكلف والمتضي للحجر صيانة ماله وذلك لا يتضى الحجر في هذه التصرفات وما يتعلق بالمال ينظر فيه فما هو في مظنة الضرر هو مسلوب الاستقلال فيه كالتبرعات والبيع والشراء والإقرار بالدين ولو عين له الولي تصرفا أو وكله أجنبي ففي سلب عبارته خلاف والظاهر صحة عبارته كما في الطلاق وغيره وقيل إنه مسلوب العبارة لأن الحجر قد اطرد في المال فلم يؤثر البلوغ فيه وكذلك في العبارة المتعلقة به ومنهم من قال تصح عبارته في النكاح دون الأموال وعلى العبارة يخرج قبوله الهبة والوصية فإنه لا ضرر فيه فأما تدبيره ووصيته ففيه قولان مرتبان على الصبي وأولى بالنفوذ فروع ثلاثة الأول لو أقر بإتلاف مال الغير فيه وجهان القياس المنع كالصبي والثاني أنه يقبل لأنه مكلف قادر على الإتلاف فليقدر على الإقرار الثاني بيع الاختبار الذى يبتلى به الصحيح فساده إن جرى قبل البلوغ وإنما المراد الامتحان بمقدمات البيع ثم مهما امتحن فبلغ انفك أيضا الحجر لمجرد البلوغ من غير حاجة إلى إنشاء الفك ولو بلغ غير رشيد ثم صار رشيدا فالأظهر أنه ينفك أيضا من غير حاجة إلى إنشاء الفك الثالث لو أحرم بالحج انعقد إحرامه ثم إن كان عن فرض إسلامه هيأ الولي أسبابه والأمتعة من الزاد والراحلة ثم فيه وجهان أحدهما أنه كالمحصر فيتحلل والآخر أنه كالمفلس لا يتحلل إلا بلقاء البيت كتاب الصلح وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في الصحيح والفاسد والصلح عن الشافعي رضي الله عنه ليس عقدا مخالفا للبيع أو للهبة ولكنه إن كان بمعاوضة فهو بيع يصح بلفظ البيع ويصح البيع بلفظه واستثنى صاحب التلخيص الصلح عن أرش الجنايات فقال لا يصح بلفظ البيع واستثنى بعض الأصحاب البيع ابتداء من غير تقدم خصومة فقالوا لا يصح بلفظ الصلح فلا يطلق لفظ الصلح إلا بعد تقدم خصومه فلا يحسن أن يقال لصاحب المتاع صالحني عن متاعك على كذا أما استثناء صاحب التلخيص فقد استدرك الشيخ أبو علي عليه وقال هو بيع دين ويجوز أن يستعمل فيه لفظ البيع إن كان معلوم القدر والصفة ولا يجوز لفظ الصلح أيضا إن كان مجهول القدر والصفة وإن كان معلوم القدر مجهول الصفة كإبل الدية ففي جواز بيعه بطريق الاعتياض عنه وجهان بلفظ الصلح والبيع جميعا نعم لو قلنا موجب العمد القود المحض فالمصالحة عنه على مال جائز ولا يصح إطلاق لفظ البيع فيه وأما استثناء الأصحاب وهو إطلاق لفظ الصلح ابتداء أيضا خالف فيه بعض الأصحاب أيضا وقالوا إنه جائز فتحصلنا فيه على وجهين الاستثناء الثالث أن يصالح على بعض المدعى فالظاهر صحته ويكون هبة للبعض فيؤدي معنى الهبة ولفظ البيع لا يحصل به هذا الغرض فصلح الحطيطة بلفظ البيع باطل ومن الأصحاب من حكى عنه أن الشيخ أبو علي منع هذا لأنه ينبئ عن المعاوضة أعني لفظ الصلح ولا معاوضة هاهنا هذا إذا صالح عن عين فإن صالح عن دين نظر فإن صالح عن دين آخر فلا بد من التسليم في المجلس فإنه بيع كالئ بكالئ وإن صالح على عين وسلم في المجلس صح وإن لم يسلم فالأظهر الصحة لأنه عين وفيه وجه يجري ذلك في لفظ البيع وصلح الحطيطة في الدين بمعنى الإبراء عن البعض صحيح ولكن في افتقاره إلى القبول خلاف كما في الإبراء بلفظ الهبة فرع لو صالح من ألف حال على مؤجل فهو باطل لأنه وعد محض لا يلزم ومن المؤجل على الحال وعد من الجانب الآخر وكذا من الصحيح على المكسر ومن المكسر على الصحيح ولو صالح من ألف صحيح على خمسمائة مكسر كان إبراء عن خمسمائة ووعدا من الباقي وكذا عن ألف حال على خمسمائة مؤجلة فإما عن ألف مؤجل على خمسمائة حالة أو عن ألف مكسر على خمسمائة صحيحة ففاسد لأنه نزل عن قدر للحصول على وصف زائد فهو فاسد ولا يصح نزوله إذ لم يسلم له ما طمع فيه ولو اعتاض عن ألفي درهم له عليه ألفا درهم وخمسين دينارا فالأصح صحته ويجعل مستوفيا للألف معتاضا عن الباقي خمسين دينارا وفيه وجه آخر أنه مسألة مد عجوة لأن لفظ الصلح للمعاوضة هذا كله في الصلح على الإقرار فأما الصلح على الإنكار فهو باطل عند الشافعي رضي الله عنه إن جرى مع المدعى عليه على عين أخرى وفي صلح الحطيطة على الإنكار وجهان ووجه الصحة أنه بمعنى الهبة والإبراء وذلك ليس يستدعي عوضا فإذا سلم له البعض واتفقا على أنه ملكه إذ يملكه بزعم المدعى عليه بكونه هبة وبزعم المدعى بكونه مستحقا لم يبق إلا الخلاف في الجهة وهذا كله إذا قال المدعى عليه صالحني عن دعواك أو صالحني مطلقا فلو قال بعني الدار فهو إقرار ولو قال صالحني عن الدار فهل يجعل إقرارا ليصح الصلح على الإقرار فوجهان الظاهر أنه ليس بمقر أما الصلح على الإنكار مع الأجنبي إن قال الأجنبي هو مقر وأنا وكيله صح لتقار المتعاقدين وإن قال هو منكر ولكني أعرف أنك محق وإنما أصالح له فوجهانينظر في أحدهما إلى إقرار متعاطي العقد وفي الثاني إلى من يقع العقد له فإن كان المدعى دينا فوجهان مرتبان وأولى بالجواز لأنه مستقل بقضاء دين غيره دون قوله فلا يؤثر إنكاره فيه فرعان أحدهما لو قال الأجنبي أنت محق وأنا أشتريه لنفسي فإني قادر على الانتزاع من يده ففي صحة شرائه وجهان وجه المنع أن الشرع يمنعه من الانتزاع فإن ظاهر اليد يدل على أن ذلك له والعجز الشرعي كالعجز الحسي الثاني إذا أسلم على عشرة نسوة ومات قبل البيان فالميراث موقوف بينهن ويصح الاصطلاح على عين التركة ويكون التفاوت فيه محمولا على المسامحة والهبة وذلك محتمل وإن كان مجهولا للضرورة ولو جرى على غير التركة لم يجز لأن من أخذ عوضا فلا بد وأن يثبت له ملك في معوض الباب الثاني في التزاحم على الأملاك والنظر فيه يتعلق بالطرق والجدار الحائل بين الملكين والسقف الحائل بين السفل والعلو أما الطرق والشوارع لا يتعلق بها الاستحقاق الطرق وهي المواضع التى ألفيت شوارع في البلاد والصحاري ومبداها في البلاد أن يجعل الإنسان ملك نفسه شوارع أو يتفق الملاك في الأحياء على فتح أبواب الدور إلى صوب واحد فلو انفرد بالتصرف في الشوارع بفتح باب إليه لم يكن جاز وكذا لو أخرج جناحا لا يضر بالمارة لأن الهواء بقي على أصل الإباحة والاختصاص بالأرض للشروع فليوضع الجناح إلى حيث لا يمنع المحمل مع الكنيسة وأبعد مبعدون فقالوا إلى أن لا يمنع الرمح المنصوب في يد فارس وقال أبو حنيفة رحمه الله وإن فعل ذلك فلآحاد المسلمين المنع وإنلم يمنع فله الاعتماد على السكوت أما التصرف في أرض الشوارع بنصب دكة أو غرس شجرة حيث لا يضيق على المارة فيه وجهان قال القاضي الشوارع كالموات فيما عدا الطروق فلا يمنع إلا مما يبطل الطروق وقال آخرون بل تعين الأرض للطروق فلا تصرف إلى غيره فالزقاق قد يتضايق فيؤدي إلى الضرر أما السكة المنسدة الأسفل فهي كالشوارع عند العراقيين وهو بعيد إذ يلزم عليه أن يجوز أن يفتح إليها باب وإن لم يكن وفيه ضرر حاضر وتجويزه بعيد والمراوزة قالوا هو ملك مشترك بين السكان ومن هو في أعلى السكة هل هو شريك فيما دون باب داره إلى أسفل السكة فيه وجهان من حيث إنه قد يدور في جميع السكة لأغراضه فعلى هذا يمتنع إحداث زيادة انتفاع لم تكن إلا برضاء الشركاء فإن رضوا فهو إعارة ولهم الرجوع فمن فتح بابا جديدا أو أشرع جناحا فلمن تحته الاعتراض دبادة وفيمن فوقه وجهان ولو سد الباب القديم وفتح بابا جديدا أقرب إلى باب الدرب فلا منع منه وإن ترك ذلك الباب فوجهان من حيث إنه قد يجتمع الدواب والناس على الباب الآخر فكأنه زيادة انتفاع وكذا الخلاف إذا فتح إلى داره باب دار أخرى ملاصقة له كان بابها إلى الشارع فإنه يكاد يكون زيادة في الانتفاع فأما فتح الكوة للاستضاءة فلا منع منه وأما الجدار الحائل إن كان ملك واحد فليس للآخر التصرف فيه إلا بإذنه فإن استأذن في وضع جذع عليه فليس عليه الإجابة إن تضرر وإن لم يتضرر فالجديد أنه لا يجب وهو القياس والقديم وجوبه لقوله عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخرفلا يمنعن جاره من أن يضع خشبة على جداره ولعله تأكيد للاستحباب التفريع إذا لم يوجب فلو رضي فهو إعارة فلو انهدم الجدار فالظاهر انفساخ الإعارة فيفتقر إلى إعادتها وإن رجع قبل الانهدام فله ذلك وفائدته التسلط على النقض بشرط أن يغرم الأرش إذا بنى بإذنه وقال القاضي فائدته المطالبة بالأجرة في المستقبل فإن الطرف الآخر في الملك الخالص للمستعير فلا يمكنه أن ينقص ذلك أما الجدار المشترك فالنظر في الانتفاع والقسمة والعمارة أما الانتفاع فلا يجوز إلا بعد التراضي كسائر الأملاك المشتركة وأما الاستناد إليه ففي المنع منه تردد لأنه عناد محض أما القسمة فجائزة بالتراضي في الطول والعرض جميعا ثم لا يتصرف كل واحد بما يضر بصاحبه لأن الأملاك متلاصقة ولا يجبر على قسمة الجدار في كل الطول ونصف العرض لأنه لا يسلط على الانتفاع بوضع الجذوع ولأن القرعة قد تخرج على نقيض المراد وقال صاحب التقريب لا قرعة بل يتعين لكل واحد جانبه أما في جميع العرض وبعض الطول فالإجبار عليه يبنى على المعنيين فإن الانتفاع يتعذر للاتصال ولكن القرعة لا تتعذر أما الأساس فلا مانع من الإجبار على قسمته إلا أمر القرعة وفي مذهب صاحب التقريب ما يدفع عسره أما العمارة فإذا استرم الجدار فهل لأحد الشريكين أن يجبر الآخر على العمارة في قولان أحدهما وهو القديم بلى للمصلحة حذارا من تعطيل الأملاك والجديد لا لأنه ربما يتضرر هو بصرف ماله إلى العمارة إذا كان لا يتفرغ له فالضرر متقابل فعلى هذا ليس له منع الشريك إلا من الاستبداد بالعمارة لأنه عناد محض وكذا الخلاف في أن صاحب العلو هل له أن يجبر صاحب السفل على إعادته ليبني عليه علوه ولا خلاف في أن لصاحب العلو الاستبداد ببناء السفل وإن كانمتصرفا في ملك غيره دفعا للضرر فروع ثلاثة أحدها الجدار المشترك إن أعاده أحدهما فالنقض المشترك عاد مشتركا ولو أعاد السفل بالنقض الذى كان عاد ملكا لصاحب السفل فلو هدمه بعد أن بناه غرم له لأنه دخل في ملكه مبنيا ولصاحب السفل أن ينتفع به وكذا لو أعاد صاحب العلو ينقض نفسه فلا يمنع صاحب السفل من السكون في ملكه وإن أحاط به جدران غيره وقال صاحب التقريب له أن يمنعه منه إلى أن يغرم له القيمة وهذا يليق بالقول القديم ثم على القول القديم لا يجبره إلا على القدر الذى يخرجه عن كونه خرابا ضائعا وللقاضي أن يستقرض عليه إن كان غائبا فالشريك لو استبد بالاتفاق دون إذن القاضي ففي رجوعه ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين أن لا يكون في البلد قاض فيكون معذورا أو يكون الثاني لو أعاد أحد الشريكين لاجدار بالنقض المشترك بشرط أن يكونثلثا الملك له في النقض جاز فكأنه جعل سدس النقض أجرة له على عمله ولو تعاونا وشرطا التفاوت قال الأصحاب لا يجوز لأن النقص متساو والعمل متساو وفيه وجه إذ لأحدهما أن يتبرع بالعمل على الآخر ويبذل للآخر على عمله الذى صادف ملكه عوضا من النقض وكل ذلك يجوز بشرط أن يملك النقض دون الجدار فإن ذلك يؤدي إلى تعليق الملك في العوض الثالث من له حق إجراء الماء في أرض الغير فليس عليه العمارة إذا استرمت الأرض وكذا إن كان من جهة الماء على الظاهر من المذهب أما السقف الحائل بين العلو والسفل فلصاحب العلو الجلوس عليه ولصاحب السفل الاستظلال به وإنما يتصور ذلك بأن يبيع صاحب السفل حق البناء على سطحه من غيره فيبني الغير وقال المزني هذا البيع باطل إذ لا مبيع وإنما هو إجارة فلبؤقت وشبه هذا بالاعتياض عن الجناح المشرع في دار الغير فإنه ممنوع والشافعي رضي الله عنه جوز أن يباع حق الملك إذا كان مقصورا كعين الملك في حق الممر ومجرى الماء ومسيله وكذلك حق وضع الجذوع فروع الأول اختلفوا في أن هذا هل ينعقد بلفظ الإجارة مع ما فيه من التأييد الثاني يجب عليه أن يعلم موضع البناء وقدره وأن اللبنات في الجدار منضدة أو متجافية الأجواف ولا حاجة على الأظهر إلى ذكر الوزن فلو باع حق البناء على الأرض فإنه لا يحتاج إلى ذكر تنضيد اللبنات أيضا لأن الأرض لا تتأثر به الثالث صاحب السفل إذا هدم السفل غرم لصاحب العلو حق البناء ولم ينفسخ لأن حكم البيع غالب على هذا العقد فإذا أعاد السفل استرد ما غرمه إذ كان ذلك للحيلولة وكذا الأجير يغرم في الحال ما يشتري به حق البناء ثم يسترد عند إعادة السفل الباب الثالث في التنازع وفيه مسائل خمسة الأولى إذا ادعى رجلان دارا في يد ثالث زعما أنهما شريكان فيه فصدق أحدهما يساهمه المكذب في القدر الذى يسلم له إن ادعيا عن جهة إرث وإن ادعيا عن جهة شرائين أو هبتين أو جهتين مختلفتين فلا يساهم وإن ادعيا عن جهة شراء واحد أو هبة واحدة فوجهان أحدهما لا لأن الصفقة تتعدد بتعدد المشتري والثاني بلى لأن العقد اقتضى الملك في كل جزء على الشيوع فعلى هذا يلتفت ما إذا باعا عبدا مشتركا فأخذ أحدهما نصيبه من الثمن هل يستبد به أم يقال كل جزء من الثمن فهو مشترك إلى القسمة ولا خلاف أن كل جزء من النجوم في العبد المشترك إذا كوتب مشترك لأن تنجيز العتق في نصيب أحدهما مضر الآخر الثانية ادعى رجل على رجلين دارا في يدهما فأقر أحدهما ثبت نصيبه فلو صالحه على مال وأراد المنكر أخذه بالشفعة فله ذلك إن تعدد جهة ملكيهما وإن كان عن جهة إرث فلا لأنه بإنكاره كذبه في أصل الدعوى فبطل الصلح بزعمه وبقي الملك لشريكه فهو مؤاخذ بقوله وفيه وجه الثالثة إذا تنازعا جدارا حائلا بين ملكهما فالظاهر أنه في يدهما فيحكم بالشركة فلو اتصل طرف الجدار بجدار خالص لأحدهما اتصال ترصيف صار هو صاحب اليد وكذلك لو كان على خشبة و أصل تلك الخشبة داخل في خالص ملك أحدهما ولو كان لأحدهما عليه جذوع لم تكن اليد له خلافا لأبي حنيفة لأنه اختصاص بزيادة انتفاع فضاهى ما لو تنازعا دارا و هما فيها ولأحدهما فيها أقمشة وليس كما لو تنازعا دابة أحدهما آخذ بلجامها والآخر راكب فإنها في يد الراكب إذ ليس ثم علامة ظاهرة للاشتراك وهاهنا كون الجدار حائلا علامة ظاهرة للاشتراك فلا يغير إلا بسبب ظاهر وكذلك لو كان معاقد القمط أو الطاقات المرتبة أو الأطراف الصحيحة من اللبنات في أحد الجانبين فلا مبالاة بشئ من ذلك فرع لو شهدت بينة لأحدهما بملك الجدار وتنازعا في الأس فالمشهود له صار صاحب اليد في الأس إذ ليس الأس حائلا بين الملكين حتى يقال الاشتراك فيه ظاهر بخلاف الجدار إذا كان عليه جذع الرابعة تنازع صاحب العلو والسفل في السقف فهو بينهما لأنه حائل بين ملكيهما وهو لأحدهما أرض وللآخر سماء وذلك إذا كان يمكن إحداثه بعد بناء العلو بوضع أطراف الجذوع عليه فيثقبة الجدار فإن لم يمكن إلا قبل بناء العلو فهو متصل بالسفل اتصال ترصيف فاليد لصاحب السفل ثم إذا قضينا بالاشتراك ففي جواز التعليق لصاحب السفل منه ثلاثة أوجه أحدها الجواز مكافأة لصاحب العلو فإنه يستبد بالجلوس عليه والثاني المنع لأن ذلك القدر ضرورة في حقه والثالث أنه إذا افتقر إلى شق السقف بوتد لم يجز وإلا جاز له ذلك فإنه حقيقة المكافأة على التساوي الخامسة إذا كان علو الخان لواحد وسفله لآخر وتنازعا في العرصة فإن كان المرقي في أسفل الخان فالعرصة في يدهما وإن كان في وسطه فالعرصة إلى المرقى في يدهما وما تحته فيه وجهان وكذا لو كان في الدهليز أما إذا كان خارجا فالعرصة في يد صاحب السفل ولو تنازعا في نفس المرقى فهو في يد صاحب العلو إلا إذا كان تحته بيت لصاحب السفل ينتفع به فهو سقف له كما أنه مرقى لصاحب العلو فهو في يدهما كتاب الشفعة وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في أركان الاستحقاق وهى ثلاثة المأخوذ والآخذ والمأخوذ منه الركن الأول المأخوذ وهو كل عقار يجبر فيه على القسمة أما قولنا عقارا احترزنا به عن المنقولات فلا شفعة فيها إذ لا يتأبد الضرار فيها فلم تكن في معنى العقار نعم يستتبع العقار الجدران والأشجار لاتصالها بها على التأبيد ولا يتعلق حق الشفيع بالثمار المؤبرة و سواء تأبرت بعد العقد أو حال العقد مهما كانت مؤبرة عند الآخذ وإن لم تكن مؤبرة فقولان سواء كانت موجودة حالة العقد أو وجدت بعده إذا بقيت عند الآخذ غير مؤبرة أحدهما يأخذه الشفيع لأن ما يتبع في العقد يتبع في الشفعة كأغصان الشجر والثاني لا لأن الأغصان تبقى في معنى الثوابت بخلاف الثمار وأما قولنا يجبر فيه على القسمة احترزنا به عن الحمام والطاحونة والبئر التى يسقى بها النواضح إذا كانت صغيرة فلا شفعة فيها إذ ليس فيها ضرار مؤنة القسمة وتضييق المرافق وهو مناط الشفعة ولأجله لم تثبت للجار وقال ابن سريج تثبت فيه الشفعة لضرار المداخلة على التأبيد ونعني بالمنقسم ما تبقى منفعته بعد القسمة ولو على تضايق فيبقى حماما فيه وطاحونة وقيل المعنى أن يبقى فيه منفعة ما ولو للسكون وقيل أن تبقى تلك المنفعة من غير تضايق كالدار الفيحاء وعرصة الأرض والوجهان بعيدان فروع ثلاثة أحدها من له في الدار الصغيرة عشرها ليس له إجبار صاحبه على القسمة لأنه تعنت من غير فائدة فلا يجبر صاحب العشر على القسمة ولصاحب الكثير غرض فيه وجهان فإن منع فلا شفعة من الجانبين الثاني الأشجار إذا بيعت مع قرارها دون البياض المتحلل بينهما في ثبوت الشفعة للشريك فيها وكذا الجدار العريض إذا بيع مع الأس وجهان أحدهما نعم لأنه بيع مع الأرض فصار كالبائع والدار والثاني لا لأن الأرض فيه تبع والمتبوع منقول والعبرة للمتبوع لا للتابع الثالث دار سفلها لواحد وعلوها مشترك إن كان السقف لصاحب السفل فلا شفعة في العلو لأنه لا أرض له فلا ثبات وإن كان السقف لشركاء العلو فوجهان ووجه المنع أنه لا أرض له والسقف لا ثبات له الركن الثاني الآخذ وتثبت الشفعة لكل شريك في الدار وإن كان كافرا إلا إذا كانت شركته بالوقف فإن قلنا لا يملكه الموقوف فلا شفعة وإن قلنا يملك فوجهان مبنيان على أنه هل يقسم الوقف والملك ولا تثبت للجار وإن كان ملاصقا وقال أبو حنيفة رحمه الله يثبت للجار و وإن لم يكن شريكا وقيل للشافعي رضي الله عنه قول مثله وحكي عن ابن سريج وهو غير صحيح نعم لو قضى حنفي لشفعوي به فهل يحل له باطنا فيه وجهان فرع الشريك في الممر إذا لم يكن شريكا في الدار لا شفعة له في الداروإذا بيع الممر وهو مملوك منسد الأسفل فإن لم يقبل القسمة أي لا يصلح للممر بعد القسمة فلا شفعة على المذهب وإن كان ينقسم نظر فإن كان للمشتري في غير المأخوذ طريق آخر إلى داره سوى الممر ثبتت الشفعة وإن لم يكن فثلاثة أوجه أحدها لا لأن فيه ضررا بالمشتري في غير المأخوذ بالشفعة والثاني أنه يثبت لأن حق الممر تابع والثالث أنه إن أراد الأخذ وجب له تجويز الاختيار للمشتري جمعا بين الحقين وإن أبى ذلك فلا شفعة له الركن الثالث المأخوذ منه وهو كل من استفاد الملك اللازم بمعاوضة في الشقص المشاع أما المعاوضة فقد احترزنا بها عن الهبة فلا شفعة فيها كما في الإرث لأنه لا عوض حتى يؤخذ به وقال مالك رحمه الله يؤخذ بقيمته وحوينا فيه الشقص إذا جعل أجرة في إجارة أو صداقا في نكاح أو عوضا في خلع أو كتابة أو صلح عن دم أو متعة فيؤخذ بالشفعة بقيمة مقابله فإن الشرع قد قوم جميع ذلك وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يؤخذ إلا المبيع وقولنا بمعاوضة احترزنا به عن الملك العائد بالإقالة والرد بالعيب فإنه لا يؤخذ بالشفعة كما إذ أسقط الشفيع حتى باع المشتري وعاد إليه بإقالة فلا يتجدد الحق لأن العائد هو ملك المشتري بذلك الشراء فليس حاصلا بخروجالثمن عن ملكه على طريق الرد وقولنا لازم احترزنا به عن المبيع في زمان الخيار إذا كان الخيار للبائع لم يؤخذ إذ لا سبيل إلى البائع للشفيع وإن كان للمشتري وحده فطريقان أحدهما أنه لا يؤخذ لأن العقد لم يستقر بعد وربما قلنا لا ملك له والثاني أنه يخرج على القولين في أنه لو وجد به عيبا فهو أولى بالرد على البائع أو الشفيع بالأخذ فيه قولان أحدهما الشفيع أولى لأن حقه ثابت بالعقد ولا ضرر عله إذا سلم له كمال الثمن والثاني المشتري أولى إذ لا يحق للشفيع إلا بعد العقد وربما يكون للمشتري غرض في عين ثمنه فإن قلنا الشفيع أولى فلو حضر بعد الرد ففي رده الرد وجهان فإن قلنا يرد فهو بطريق تبين البطلان أو بطريق الإنشاء في الحال فيه وجهان ويقرب من هذا أن الشقص المشفوع إذا كان صادقا وهم الشفيع بأخذهفطلق الزوج قبل المسيس قال أبو إسحاق المروزي الزوج أولى لأن سببه سابق وقال ابن الحداد لو أفلس مشتري المشفوع بالثمن فالشفيع أولى بالأخذ من البائع بالرجوع فقال الأصحاب هما جوابان متناقضان ففي المسألتين للشيخين وجهان فإن قلنا في مسألة الإفلاس الشفيع أولى فالبائع هل يختص بالثمن فيه وجهان واختيار ابن الحداد أنه يضارب لأن حقه قد بطل فروع عشرة الأول إذا اشترى ذمي شقصا مشفوعا من ذمي بخمر وفيه لمسلم أو ذمي شركة فلا يحكم بالشفعة لأن الشراء الفاسد لا يفيد الملك فملكه قائم ولو أخذ الذمي ثمن خمر وسلمه عن الجزية لم نقبله إذا رأينا ذلك وإن لم نره واعترف به ففيه وجهان ووجه الجواز أنه لا اعتماد على قولهم الثاني سلم العبد عن نجوم الكتابة شقصا ثم رد إلى الرق ففي بطلان حق الشفعة وجهان من حيث إنه كان عوضا أولا ثم خرج عن كونه عوضا الثالث أوصى لمستولدته بشقص إن خدمت أولاده شهرا ففي الشفعةوجهان لأنه مردد بين الوصية والمعاوضة الرابع العبد المأذون له الأخذ بالشفعة إن كان شريكا لأنه من التجارة وإن عفا لم يسقط حق سيده وإن عفا سيده لم يكن له الأخذ وإن كان بعد إحاطة الديون به الخامس الوصي إن اشترى للطفل شقصا وهو شريك فله أخذه وإن باع فأخذ من المشتري لم يجز لأنه متهم فيه فكأنه يبيعه من نفسه وللأب ذلك لأنه يبيع من نفسه فهذا لا يزيد عليه وقيل إنه يحتمل التجويز في الموضعين لأن الغبطة لا تخفى والوكيل بالبيع هل يأخذ ما باع بالشفعة فيه وجهان ووجه المنع التهمة والأصح الجواز السادس يجب على الأب أن يأخذ بالشفعة لطفله إذا كان فيه مصلحة فإن لم يفعله فعله القاضي فإن أسقط الأب الشفعة كان للصبي الطلب بعد البلوغ وإن بيع بشئ فيه غبطة للصبي ففي وجوب الشراء وجهان والفرق أن الشفعة تثبت وفي الإهمال تفويت والتفويت ممتنع وإن لم يكن الاكتساب واجبا السابع إذا كان المشتري أحد الشركاء في الدار فلا يؤخذ الجميع منه بل يترك عليه ما كان يخصه لو لم يكن مشتريا وقال ابن سريج يؤخذ الكل لأنه يؤدي إلى أن يأخذه بالشفعة من نفسه وهو محال والشراء لا يوجب ملكا لازما في المشفوع فليؤخذ والمذهب الأول الثامن حكى القفال عن ابن سريج أنه قال أن عامل القراض إذا اشترى بمال القراض شقصا للمالك فيه شركة فله الأخذ ثم أنكر القفال وقال كيف يأخذ ملك نفسه وفيه احتمال من حيث إن العامل يستحق بيعه لينض المال وفي ذلك إضرار به فله دفع هذا الضرر كما له دفع ضرر أصل الملك التاسع إذا باع المريض شقصا يساوي ألفين بألف من أجنبي وثلث ماله واف به ولكن الشفيع وارث فلو أخذه لوصلت المحاباة إليه ولصار ذلك ذريعة ففيه خمسة أوجه أحدهما يصح ولا يثبت الشفعة حذارا من وصول المحاباة والشفعة علىالجملة تسقط بأعذار فهذا من جملتها والثاني يصح وتثبت الشفعة وتكون المحاباة من المريض مع الأجنبي لا مع الوارث وحسم الحيل غير ممكن والثالث لا يصح البيع إذا لو صح لاستحال نفي الشفعة واستحال إثباتها أيضا وما أدى إلى محال فهو محال والرابع أن هذه الإحالة في النصف فيصح البيع على النصف بألف وتبطل في الباقي والخامس أن الإحالة في حق الشفيع فيأخذ النصف بألف ويترك الباقي على المشتري العاشر تساوق رجلان إلى مجلس الحكم و هما شريكان في دار يزعم كل واحد منهما أنه السابق في الشراء وأنه يستحق نصيب الآخر بالشفعة فيعرض اليمين عليهم فإن تحالفا أو تناكلا تساقط قولهما وإن حلف أحدهما أخذ نصيب الآخر وإن أقام كل واحد بينة نظر إلى التاريخ فإن أرخا بيوم واحد فوجهان أحدهما يتساقطان فكأن لا بينة على الآخر لأنه لا فائدة الثاني أنه يحكم بهما ويقدر جريان العقدين معا فلا شفعة لأحدهما على الآخر إذ ليس أحدهما قديما بالإضافة إلى الآخر الباب الثاني في كيفية الأخذ وحكم المأخوذ منه وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول فيما يحصل به الملك ولا بد من رضا الشفيع فإنه غير مجبر ولا يشترط رضا المشتري فإنه مقهور ولا يكفي قول الشفيع أخذت وتملكت وأنا طالب بل يحصل الملك بأمرين أحدهما بذل الثمن والآخر تسليم المشتري الشقص إليه راضيا بذمته فإن وجد الرضا دون تسليم الشقص والثمن فوجهان أحدهما يحصل لأنه معاوضة فبعد التراضي لا يشترط القبض والثاني لا إذ لا عبرة برضا المشتري وهو مقهور فلا بد من أمر زائد وهو تسليم الشقص أو أخذ الثمن ولو رفع الشفيع الأمر إلى القاضي وطلب وقضى له القاضي ففي حصول الملك وجهان ولو أشهد على الطلب ولم يقض القاضي فوجهان مرتبان وأولى بأن لا يحصل ثم إنقصر في تسليم الثمن بطل ملكه بطريق التبين له أم بطريق الانقطاع فيه وجهان هذا إن رضي المشتري فإن أبى إلا أخذ الثمن فهل يبقى خيار الشفيع إلى أن يسلم الثمن فيه وجهان والأظهر أن الملك لا يحصل بالقضاء والإشهاد وإن حصل فلا يبقى الخيار ويمتنع التصرف على المشتري وفاء بتحصيل الملك وعلى الأحوال كلها فللمشتري حبس الشقص إلى تسليم الثمن بخلاف البائع فإن فيه أقوالا لأنه رضي بزوال الملك فرع هل تلتحق معاوضة الشفيع بالبيع في ثبوت خيار المجلس من جانب الشفيع بعد التملك فيه وجهان ذكرناهما في أول البيع ووجه الفرق أن إثبات خيار المجلس من أحد الجانبين بعيد ولا خلاف في أن خيار الشرط لا يثبت وكذا الخلاف في أن تصرف الشفيع قبل القبض وبعد التملك هل ينفذ ووجه الفرق أن ملك الشفعة كأنه ملك بناء قهري يضاهي الإرث بخلاف البيع وكذا ثبوت الملك بالشفعة فيما لم ير فيه خلاف مرتب على البيع وأولى بالثبوت فإن أثبتنا الملك فله الخيار عند الرؤية وللمشتري الامتناع عن قبول الثمن إلى أن يراه الشفيع فإنه لا يثق بالتصرف في الثمن الفصل الثاني فيما يبذل من الثمن وفيه مسائل الأولى أن الشفيع يأخذ الشقص بما بذله المشتري إن كان مثليا فبمثله وإن كان متقوما فبقيمته يوم العقد ليجبر ما فات عليه إذا أخذ ما حصل له وإذا كان الثمن مائة منا من الحنطة قال القفال والأئمة يكال ويسلم مثله كيلا فإن المماثلة في الربويات بمعيار الشرع وطردوا هذا في إقراض الحنطة بالوزن ومنعوه وقال القاضي يكفي الوزن في مسألتنا إذ المبذور في مقابلة الشقص وقدر الثمن معياره لا عوضه وكذا في القرض فإنه لو كان معاوضة لشرط التقابض في المجلس الثانية اشترى شقصا بألف إلى سنة فثلاثة أقوال الجديد وهو الأصح أن الشفيع يتخير بين أن يعجل الألف ويأخذ أو يؤخر إلى حلول الأجل فيأخذ ويسلم بعد الحلول إذ إثبات الأجل عليه يضر بالمشتري فإنه قد لا يرضى بذمته وعلى هذا إن أخر وأشهد على الطلب لم تبطل شفعته وإن لم يشهد فوجهان ووجه بقاء الشفعة أنه معذور ولو مات المشتري وحل عليه الدين لم يحل على الشفيع لأنه حي فهو كضامن لدين مؤجل مات المضمون عنه والقول الثاني حكاه حرملة أنه يملك الشفيع بثمن في ذمته مؤجل كما لو ملكه المشتري ثم إن كان مليا أو كان له كفيل سلم إليه الشقص وإلا فلا وهو مذهب مالك ومن الأصحاب من لم يشترط الكفيل واليسار وقال هو كالمشتري الثالث حكاه ابن سريج أن الشفيع يأخذ في الحال بعوض يساوي ألفا إلى أجل إذ التأخير إضرار وتكليفه النقد إضرار وتنقيص النقد عن المبلغ وقوع في الربا فهذا هو الأقرب الثالثة إذا اشترى شقصا وسيفا بألف وقيمة السيف مائة وقيمة الشقص مائتان أخذ الشقص بثلثي الألف وترك السيف بالباقي ثم لم يكن للمشتري خيار التبعيض لأنه دخل على بصيرة من الأمر ولو انهدم الدار قبل الأخذ نقل المزني أنه يأخذ بكل الثمن ونقلالربيع أنه يأخذ بحصته فاختلف طرق الأصحاب في تنزيل النصين والأقرب من جملة ذلك أنه إن ارتجت الدار ولم ينفصل منها شئ فهو عيب محض فيأخذ بكل الثمن كما يأخذ المشتري المبيع قبل القبض إذا تعيب وإن انهدم نظر فإن فات بعض العرصة بسيل يغشاه مع بعض البناء أخذ الباقي يحصته فإن كان جميع العرصة باقية نظر فإن تلف بعض النقض فيبني على أن السقوف من الدار كاليد من العبد أو كأحد العبدين في مقابلته بقسطه من الثمن فيه قولان فإن قلنا كاليد فهذا تعيب فيأخذ بالكل كما قاله المزني وإن قلنا كأحد العبدين فيأخذ الباقي بحصته وإن كان النقض قائما فقد صار منقولا في الدوام ولا شفعة في المنقول ففي بقائه في الاستصحاب قولان ذكرناهما ويدل عليهما هذه النصوص فإن قلنا يؤخذ النقض فيؤخذ الجميع بكل الثمن إذ يبقى الانهدام عيبا محضا وإن قلنا لا يؤخذ النقض وجعلناه كأحد العبدين أخذ الباقي بحصته وإن قلنا إنه كاليد احتمل القولين إذ يبعد أن يفوز المشتري بشئ مجانا وكذا الخلاف لو تلف النقض بجنابة أجنبي وحصل الغرم للمشتري الرابعة إذا اشترى الشقص بألف ثم انحطت مائة فللحط أربعة أسباب الأول أن يكون ببإبراء البائع فإن كان بعد اللزوم فهو مسامحة مع المشتري لا يلحق الشفيع خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وإن كان في زمان الخيار فالأظهر أنه يلحقه وقال العراقيون ينبني على أقوال الملك فإن قلنا الخيار لا يمنع الملك فيصح الإبراء وفي اللحوق بالعقد والشفيع وجهان وإن قلنا يمنع الملك فلم يستحق البائع الثمن ففي نفوذ الإبراء خلاف فإن صح فيلحق الشفيع والأصح صحة الإبراء واللحوق لأنه يمكنه في الابتداء أن تصير الزيادة وسيلة إلى دفع الشفعة فيباع بأضعاف الثمن ويبرأ في المجلس السبب الثاني أن يجد البائع بالثمن عيبا فإن كان الثمن عبدا فإن رده قبل أخذ الشفيع فهو أولى أم الشفيع فيه قولانمرتبان على المشتري إذا أراد رد الشقص بالعيب والأولى هاهنا تقديم البائع فإنه لا حق للشفيع عليه ولم يسلم له العبد وإن وجد العيب بعد أخذ الشفيع فالصحيح أن الشفعة لا تنقض ولكن يرد العبد ويرجع إلى قيمة الشقص فإن كان تسعمائة أو كان ألفا ومائة فهل يجري التراجع من الشفيع والمشتري بالزيادة والنقصان وجهان أحدهما لا لأن الشفعة بناء على العقد وهذا أمر حادث والثاني نعم يرجع الشفيع على المشتري إن نقص والمشتري على الشفيع إن زاد إذ صار هذا مقام الشقص به على المشترى السبب الثالث المسألة بحالها وقد طرأ على العبد عيب حادث منع الرد فطالب البائع المشتري بالأرش فقد استمر بمقدار الثمن فإن رضي بالعيب فهل يقتصر من الشفيع بقيمة المعيب فيه وجهان منحيث إنه قد يظن أن هذه مسامحة مع المشتري على الخصوص السبب الرابع أن يجد المشتري عيبا بالشقص فإن كان بعد أخذ الشفيع فلا رد له ولا أرش لأنه روج على غيره كما روج عليه إلا أن يرد الشفيع عليه بالعيب فعند ذلك له الرد على البائع فإن وجد العيب قبل أخذ الشفيع وقد حدث به عيب مانع فاسترد الأرش فهذا يلحق الشفيع قطعا لأنه موجب العقد في عين الشقص ولو تصالحا على عوض وصحح الصلح ففي لحوق ذلك بالشفيع وجهان إذ قد يظن أنه عوض عن حق الخيار الخامسة إذا اشترى بكف من الدراهم مجهولة المقدار نص الشافعي رضي الله عنه على سقوط الشفعة إذ الأخذ بالمجهول غير ممكن نعم لو ادعى على المشتري العلم به فيحلف على نفي العلم وقال ابن سريج لا تسقط الشفعة بل يعين الشفيع قدرا ويحلف المشترى عليه فإن أصر على قوله لا أعرف جعل ناكلا وحلف الشفيع فإن حلف على مقدار يظن أنه صدق فيه فقد استحق وإن حلف المشتري على أن ما عينه الشفيع هو دون ما اشتراه به ولكنه لا يدري قدر الزيادة فيقال للشفيع زد وادع إلى أن يحلف المشتري أو ينكل وهو كما لو ادعى ألفا على إنسان دينا فقال المدعى عليه لا أدري مقداره فإنه لا يسمع بل يجعل ناكلا إن استمر عليه والمذهب الأول السادسة الشفيع يسلم الثمن إلى المشتري والمشتري إلى البائع ولا معاملة بين الشفيع والبائع هذا هو المذهب وفيه وجه أنه يسلم إلى البائع وكأن المشتري عقد له ولو كان المبيع في يد البائع وتعلل المشتري به لم يكن ذلك عذرا فإنه إذا سلم الثمن أجبر البائع على أخذ الثمن ورفع اليد ولو خرج الثمن مستحقا نظر إن خرج ثمن العقد مستحقا فقد بان بطلان العقد وانتفاء الشفعة وإن خرج ثمن الشفيع مستحقا بعد أن أخذ فإن لم يعرف الشفيع فهو معذور والقول قوله أنه لم يعرف ولكن هل يتبين أنه لم يحصل ملكه بذلك الثمن وإنما يحصل بالثاني فيه وجهان وإن عرف كونه مستحقا ففي بطلان شفعته بتقصيره وجهان ووجه بقاء الحق أنه لم يقصر في الطلب والأخذ ثم في تبيين بطلان الملك بالثمن المستحق وجهان مرتبان وهاهنا أولى بأن يتبين ويقال حصل الملك بالثمن الثاني وتظهر فائدة ذلك في ارتفاع الملك وزيادته ولو خرج الثمن زيوفا لا يبطل الملك الحاصل ولا حق الشفعة لأن ذلك مما يمكن الرضاء به فرع لو خرج الشقص مستحقا بعد أن بنى فيه الشفيع نقض المستحق بناءه مجانا قال القاضي ويرجع الشفيع على المشتري بأرش النقض إذا قلنا يرجع المشتري على الغاصب أخذا من قاعدة الغرور وفيه إشكال لأن المشتري مقهور هاهنا فكيف يحال الغرور إليه ثم قد يكون جاهلا فإن كان مقهورا لم ينقدح الرجوع وإن رضي بالثمن أو طلبه انقدح ثم إن كان جاهلا انقدح أن يرجع هو به على البائع فإنه منشأ الغرور السابعة أن يزيد الثمن على الشفيع بأن يبني المشتري ويغرس فليس له قلعة مجانا بل عليه أن يبذل قيمته ويتملك عليه أو ينقضه بأرش أو يبقيه باجره كما يفعل المعير بالمستعير خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإنه قال ينقضه مجانا فأما زرعه فيبقيه بغير أجرة لأن أمده معلوم وكأن المنفعة كالمستوفاة بالزراعة فهو كما لو اشترى أرضا مزروعة إذ الشفيع من المشتري كالمشتري من البائع وفي العارية تبقى بأجرة وقد خرج في مسألتنا أيضا منه وجه ولكنه غريب وقد اعترض المزني على المسألة وقال عند الشافعي رضي الله عنه لا يثبتشفعة الجوار ولا يتصور البناء على المشترك إلا بالرضا فإن لم يكن رضا فهو عدوان منقوض فقال الأصحاب يتصور بأن يقاسم الشريك المشتري على ظن أنه وكيل البائع أو يكون غائبا فيقسم القاضي عنه أو يكون قد وكل وكيلا في القسمة وهو غائب فلا يسقط حقه بشئ من ذلك فإن قيل فالشفعة لرفع ضرر مؤنة الاستقسام وكيفما كان فقد انقطع وهو الآن جار لا يحذر الاستقسام قلنا ذلك يعتبر حالة الاستحقاق ودوامه حالة الأخذ لا تعتبر فإن قيل فلو باع نصيبه مع الجهل بالشفعة ففي بطلان الشفعة خلاف لانقطاع السبب عن الأخذ فالانقطاع بالقسمة هلا كان كالانقطاع بالبيع حتى يخرج على الخلاف قلنا قطع الشافعي رضي الله عنه هاهنا لأنه إن زالت الشركة بقي الجواز وهو نوع اتصال كان شركة في الابتداء فلا ينقطع حكمها ما لم يزل تمام الاتصال فكأن الجواز يصلح للاستصحاب إن لم يصلح للابتداء أما تصرفات المشتري بالوقف والهبة والوصية فكلها منقوضة وإن باع فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ بالثاني أو ينقض الثاني ويأخذ بالأول وعن أبي إسحاق المروزي أنه لا ينقض بيعه لأن الأخذ به ممكن كما لا ينقض بناؤه مجانا الثامنة إذا تنازع المشتري والشفيع فإن تنازعا في قدر الثمن فالقول قولالمشتري لأنه أعرف به والملك ملكه فلا يزال إلا بحجة وإن أنكر المشتري كونه شريكا فعليه إثبات كونه شريكا وإلا فالقول قول المشتري يحلف على أنه لا يعلم له في الدار شركاء ولا يلزمه البت بخلاف ما لو ادعى ملكا في يده فإنه يجزم اليمين على نفي ملك الغير لأن هذا ينزل منزلة نفي فعل الغير وإن أنكر المشتري الشراء فإن كان للشفيع بينة أقامها وأخذ الشقص والثمن يسلم إلى المشتري إن أقر وإن أصر على الإنكار فثلاثة أوجه أحدها أنه يبقى في يد الشفيع والثاني يحفظ كما يحفظ المال الضائع والثالث أنه يجبر المشتري على القبول حتى تبرأ الشفيع ويحصل له الملك أما إذا لم يكن له بينة وكان البائع مقرا فاختيار المزني أنه تثبت الشفعة لأن البائع والشفيع متقاران على أن قرار الملك للشفيع فلم يمتنع بقول من لا قرار لملكه والثاني وهو اختيار ابن سريج ومذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت لأنه فرع المشتري ولا يثبت الشراء إلا بقول المشتري أو بحجة التفريع إن قلنا له الشفعة فماذا يصنع بالثمن نظر إن قال البائع ما قبضت الثمن فيسلم إليه وفي كيفيته وجهان أحدهما أنه يسلم إليه ابتداء لأنه الأقرب والثاني أنه ينصب القاضي عن المشتري نائبا ليقبض له ثم يسلم عن جهته إلى البائع وفيه إشكال إذ نصب النائب عمن ينكر الحق لنفسه بعيد وإن قال البائع قبضت الثمن فوجهان أحدهما أنه يترك في يد الشفيع فلعل المشتري يقر والثاني يحفظه القاضي فإنه ضائع وقيل إنه تسقط الشفعة إذا أقر البائع بالقبض لعسر الأمر الفصل الثالث في الأخذ عند تزاحم الشركاء وله ثلاثة أحوال الحالة الأولى إذا توافقوا في الطلب وزع القاضي عليهم بالسوية فأن تفاوتت حصصهم فقولان أحدهما أنه يوزع على عدد الرؤوس وهو القول القديم وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله والمزني والثاني أنه يوزع على الحصص وهو الجديد وتوجيهه مذكور في الخلاف فروع ثلاثة الأول إذا مات الشفيع وخلف ابنا وبنتا وقلنا الشفعة على قدر الرؤوس فهاهنا في التفاوت وجهان ومأخذه أن الوارث يأخذ بشركته الناجزة أو يرث حق الشفعة والأصح أنه يرث ويتفاوتان للتفاوت في الإرث والثاني مات رجل وخلف ابنين ودارا بينهما فمات أحد الابنين وخلف ولدين فباع أحدهما نصيبه فالجديد وهو القياس الحق أن الشفعة يشترك فيها أخوه وعمه والقول القديم أن الأخ مقدم لقرب الإداء بالأخوة وهو بعيد الثالث إذا باع أحد الشريكين نصيبه من شخصين في صفقتين متعاقبتين فإن المشتري الأول شريكه عند الشراء الثاني فهل يساهم الشريك القديم في الشفعة مع أن حصته التى بها استحقاقه معرضة لنقض الشريك القديم فيه ثلاثة أوجه أحدها لا لأنه ملك مزلزل معرض للنقض فكيف ينقض به غيره وهو غير مصون عن النقض في نفسه والثاني نعم لأنه شريك حالة الشراء فتوقع زوال ملكه لا يمنعه من الحق والثالث أن الشريك القديم إن عفا عن الشفعة في نصيبه فقد استقر ملكه فله الأخذ وإن كان يأخذه فلا يحسن الأخذ بالمأخوذ في نفسه الحالة الثانية أن يعفو بعض الشركاء نقدم عليه أن المنفرد لو عفا عن بعض حقه سقط كل حقه لأن التجزئة إضرار بالمشتري وما امتنع تجزئته فإسقاط بعضه إسقاط كله كالقصاص وفيه وجهان غريبان أحدهما أنه لا يسقط شئ أصلا لأن مبنى القصاص على السقوط بخلاف الشفعة والثاني أنه يسقط ما أسقطه ويبقى الباقي إن رضي به المشتري أما إذا عفا أحد الشركاء فالمذهب أن الشريك الآخر يأخذ الكل ويسقط حق المسقط وقيل إنه يأخذ الثاني نصيبه وقيل لا يسقط نصيب الآخرين كما في القصاص وقيل لا يسقط حق السقط والكل بعيد الحالة الثالثة إن تغيب بعض الشركاء فالحاضر يأخذ حذارا من التشطير على المشتري فإذا حضر الآخر شاطر الأول فإن حضر ثالث قاسمهما فإن أخر الأول تسليم كل الثمن وقال أؤخر إلى حضور الآخرين ففي بطلان حقه وجهان ثم إذا أخذ الثاني من الأول لم يطالبه بالغلة للمدة الماضية لأنه متملك عليه كما أن الشفيع متملك على المشتري فرع لا يجوز التبعيض على المشتري مهما اتحدت صفقته فإن تعددت الصفقة بتعدد البائع أو بتعدد المشتري فله أخذ مضمون أحدهما وفيما إذا اتحد المشتري وتعدد البائع وجه أنه لا يأخذ إلا الكل أما إذا اشترى شقصين من دارين والشريك فيهما واحد ففيه وجهان أحدهما يأخذ الكل حذارا من تفريق الصفقة وهي متحدة والثاني له الاقتصار على واحد كما لو لم يكن شريكا إلا في أحدهما الباب الثالث فيما يسقط به حق الشفعة وقد اختلف في مدته قول الشافعي رضي الله عنه فالصحيح وهو الجديد أنه على الفور لقوله عليه السلام الشفعة كحل العقال ولأنه قريب الشبه من الرد بالعيب فإنه نقض ملك لدفع ضرره والثاني وهو الذى رواه حرملة أنه يتمادى إلى ثلاثة أيام لأن التأبيد إضرار بالمشتري وإيجاب الفور إضرار بالشفيع فإنه قد يحتاج إلى روية ومدة النظر في الشرع ثلاثة أيام بدليل مدة الخيار ويطرد هذان القولان في قتل المرتد وتارك الصلاة وطلاق المؤلي ونفي الولد باللعان وفسخ الزوجة بإعسار الزوج وخيار الأمة إذا عتقت والثالث أنه على التأييد كحق القصاص وهذا القول لا يطرد إلا في خيار الأمة وعلى هذا اختلفوا في أمرين أحدهما أنه يسقط بصريح الإبطال وهل يسقط بدلالة الإبطال كقوله بعه ممن شئت فيه وجهان والثاني أن المشتري هل يرفع الشفيع إلى القاضي ليأخذ أو يسقط حتى يكون على ثقة في التصرف فيه قولان والتفريع بعد هذا على الصحيح وهو أنه على الفور فيسقط بكل ما يعد في العرف تقصيرا في الطلب وما لا يعد تقصيرا فلا وبيانه بسبع صور الأولى أنه إذا بلغه الخبر فينبغي أن يشهد على الطلب وينهض إلى طلب المشتري أو يبعث وكيلا فإن كان عاجزا عن طلبه بمرض أو حبس في باطل فإنه إن كان في دين حق فهو غير قادر على الأداء أو كان المشتري غائبا ولم يجد في الحال رفقة يخرج معها وكيله فلا يسقط حقه فإنه معذور فإن كان المشتري حاضرا فخرج بنفسه ولم يشهد فالمذهب أنه ليس بتقصير وإن لم يخرج بنفسه لعذر وقدر على التوكيل فلم يوكل فثلاثةأوجه الثالث أنه كان يلزمه فيه منة أو مؤنة فهو معذور وإلا فلا فإن عجز عن التوكيل فليشهد فإن لم يفعل فقولان أحدهما أن الإشهاد مستحب قطعا للنزاع وإلا فلا حاجة إليه والثاني أنه في الحال لا أقل من الإشهاد إذا لم ينهض للطلب الثانية أنه لو كان في حمام أو على طعام أو في نافلة فالأصح أنه لا يلزمه القطع ومخالفة العادة بل يجري على المعتاد وفيه وجه أنه يلزمه ذلك تحقيقا للبدار الثالثة أنه لو أخر ثم قال إنما أخرت لأني لم أصدق المخبر نظر فإن أخبره عدلان فلا يعذر وإن أخبره فاسق أو صبي أو كافر ومن لا تقبل روايته فمعذور وإن أخبره عدل واحد أو عبيد ومن تقبل روايته لاشهادته فوجهان والأصح أنه لا يعذر ولو كذب المخبر وقال بيع بألفين فإذا هو بألف أو بالصحيح فإذا هو مكسرأو بالمؤجل فإذا هو حال أو بالعكس أو بيع من زيد فإذا هو من عمرو أو قيل اشترى النصف بخمسين فإذا هو اشترى الكل بمائة أو بيع بالدراهم فإذا هو بالدنانير أو بالعكس فعفا ثم تبين كذب المخبر فحقه باق وله الطلب ولو أخبر أنه بيع بألف فإذا هو بألفين فعفا ثم طلب فلا لأن من رغب عن ألف فهو عن ألفين أرغب ولو قال جهلت بطلان الحق بالتأخير وكان ممن يشتبه على مثله فهو أيضا معذور الرابعة إذا ألفى المشتري فقال السلام عليك جئت طالبا لم يبطل حقه لأنه إقامة سنة ولو قال اشتريت رخيصا وأنا طالب بطل حقه لأنه اشتغل بفضول لا فائدة له فيه فإن قال بارك الله لك في صفقة يمينك وأنا طالب قال العراقيون لا يبطل لأنه تهنئة وقياس المراوزة الإبطال لأنه فضول في هذا الموضع ولو قال بكم اشتريت قال العراقيون يبطل وقال المراوزة لا لأن له غرضا فلعله يستنطقه بالإقرار ويبين المقدار إذ عليه تبتنى رغبته في الطلب الخامسة إذا زرع المشتري الأرض ثم علم الشفيع فأخر تسليم الثمن لأنه لا ينتفع في الحال لا يبطل حقه لأنه لا يتحصل على فائدة في الحال ولكن ينبغي أن يعجل الطلب ويؤخر الثمن السادسة لو باع ملكه قبل الأخذ مع العلم بالشفعة فهو إسقاط للشفعة وإن كان جاهلا فقولان أحدهما يسقط إذ لم يبق شريكا فلا يبقى ضرر عليه والثاني أنه لا يبطل لأن الحق ثبت ولم يجر إسقاطه فيبقى ومثله جار فى الأمة إذا لم تشعر حتى عتق العبد والمشتري إذا لم يشعر بالعيب حتى زال السابعة لا يجوز أخذ العوض عن حق الشفعة ولا عن حق حد القذف ولا عن مقاعد الأسواق وقال أبو إسحاق المروزي أنا أخالف الأصحاب في هذه المسائل الثلاث والمقصود أنه لو صالح الشفيع بطلت شفعته ولم يثبت العوض إن كان عالما بالبطلان فإن ظن الصحة فوجهان والأولى أن لا يبطل فرع إذا تنازعا في العفو فالقول قول الشفيع أنه عفا فلو أقام بينة على أنه أخذ بالشفعة والشيء في يده وأقام المشتري بينة على العفو فوجهان أحدهما بينة الشفيع أولى لأنه صاحب اليد والثاني بينة المشتري لأنه يشتمل على مزيد وليس فيه تكذيب الآخر فلو شهد البائع على العفو قبل قبض الثمن لم يجز إذ بقي له علقة الرجوع بالإفلاس وبعد القبض فوجهان من حيث توقع التراد بالأسباب ولو شهد بعض الشركاء على البعض بالعفو فإن كان قد عفا الشاهد قبلت شهادته وإلا فلا فإنه يجر إلى نفسه نفعا والله أعلم بالصواب كتاب القراض وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في أركان الصحة وهي ستة العاقدان والعوضان ورأس المال وصيغة العقد ومستند صحة القراض الإجماع وقد عرف ذلك بما روي أن عبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر لما انصرفا من غزوة نهاوند أتحفهما والي العراق بإقراض مال من بيت المال ليشتريا به أمتعة فيربحان عليه ويسلمان قدر رأس المال إلى عمر فكلفهما عمر رضي الله عنه رد الربح وقال ما فعل ذلك إلا لمكانتكما مني فقال عبد الرحمن بن عوف لو جعلته قراضا على النصف فأجاب إليه فدل ذلك على أن القراض كان بينهم معروفا مفروغا منه ولعل مستندهم فيه صحة المساقاة إذ كل واحد منهما معاملة يحتاج إليه رب المال لتنميته وهو عاجز عنه بنفسه لقصوره وعن استئجار غيره لجهالة العمل فنبدأ بالركن الأول وهو رأس المال وله أربعة شرائط الأول كونه نقدا فلا يورد القراض إلا على النقدين وهي الدراهم والدنانير المسكوكة أما النقرة وسائر العروض فلا وكذا على المغشوش على الصحيح لأن النحاس فيه سلعة ولا يورد على الفلوس قطعا وعلة هذا الشرط أمران أحدهما أن مقصود العقد الاتجار وإنما جوز رخصة وفي الإيراد على العروض تضييق فقد لا تروج في الحال والثاني أنه لا بد عند القسمة من الرد إلى رأس المال ليتبين الربح فلو أورد على وقر حنطة وقيمته في الحال دينار فقد يربح تسعة ثم تغلو الحنطة فلا يوجد الوقر إلا بعشرة دنانير فصاعدا فيحبط الربح لا بخسران في التجارة الثاني أن يكون معلوم المقدار فلو قارض على صبرة من الدراهم بطل لأن جهله يؤدي إلى جهل الربح وهو عوض في العقد الثالث التعيين فلو أورد على ألف لم يعين فسد إلا إذا عين في المجلس فيصح كبيع الدراهم بالدراهم ولو سلم إليه ألفين في كيسين وقال أودعتك أحدهما وقارضتك على الآخر ولم يعين فيوجهان في الصحة أحدهما الجواز للتساوي والثاني لا لعدم التعيين ولو قارضه على ألف وهو عنده وديعة جاز وكذا لو كان عنده غصبا ولكن هل ينقطع الضمان فيه وجهان أحدهما لا كالرهن والثاني نعم لأن الأمانة مقصودة في هذا العقد فهو إلى الوديعة أقرب وفي طريقة العراق ذكر الوجهان في صحة القراض ولعله غلط إذ لا مستند لاشتراط عدم الغصب فإذا صحت الوديعة والرهن والوكالة فبأن يصح القراض أولى الرابع أن يكون رأس المال مسلما إلى العامل يدا لا يداخله المالك بالتصرف واليد فلو شرط لنفسه يدا أو تصرفا معه فهو فاسد لأنه تضييق وكذا إذاشرط مراجعته في التصرف أو مراجعة مشرفه ولو شرط أن يعمل معه غلامه فالنص الجواز في المساقاة والقراض جميعا وفيه وجه لأن يد الغلام يد المالك الركن الثاني عمل العامل فإنه أحد العوضين وفيه ثلاث شرائط الأول أن يكون تجارة أو من لواحقها أما الحرف والصناعات فلا فلو سلم إليه دراهم ليشتري حنطة فيطحن ويخبز ويكون الربح بينهما فهو فاسد وليس له إلا أجرة المثل بل إذا لم يشترط عليه فاشترى الحنطة وطحن وخبز انفسخ القراض لأن الربح حصل بالعمل والتجارة جميعا وما ليس تجارة لا يقابل بالربح المجهول والتمييز غير ممكن أما النقل والوزن ولواحق التجارة فهي تابعة أما إذا سلم إليه مالا لينقل إلى بلد ويشتري به سلعة ويبيع والربح بينهما ففيه وجهان من حيث إن النقل عمل مقصود انضم إلى التجارة ولكن لما كان يعتاد السفر في التجارة ترددوا فيه فرع لو قال قارضتك على الألف الذى عليك فاقبضه لي من نفسك واتجر فيه فهو فاسد إذ لا يصح قبضه له من نفسه فلا يملك فلو اشترى له بدراهم نفسه شيئا فهو كما لو قال اشتر لي هذا الفرس بثوبك ففعل ففي وقوعه عن الآمر وجهان أحدهما لا لأن عوضه ملك غيره والثاني بلى ولكن يقدر انتقال الملك في العوض ضمنا إما هبة وإما قرضا وفيه أيضا وجهان الشرط الثاني أن لا يعين العمل تعيينا مضيقا فلو قال لا تتجر إلا في الخز الأدكن والخيل الايلق فسد وكذلك إذا عين للمعاملة شخصا لأنه قد لا يربح عليه ولو عين جنس البز أو الخز جاز ثم يتبع فيه موجب الاسم فكل ما يسمى بزا يتصرف فيه وذلك معتاد لا تضييق فيه الثالث إطلاق القراض قال الشافعي رضي الله عنه لا يجوز القراض إلى مدة فاتفق الأصحاب أنه لو أقت إلى سنة وصرح بمنع البيع بعده فهو باطل إذ قدلا يجد راغبا قبله وإن قال لا تشتر بعده وبع أي وقت شئت فوجهان أحدهما لا لأنه تضييق والثاني يجوز إذ له منعه من الشراء مهما أراد وليس له المنع من البيع فله أن يؤقت في الابتداء ماله أن يفعل في الدوام ولو أطلق وقال قارضتك سنة فطريقان أحدهما البطلان تنزيلا على الصورة الأولى والثاني الوجهان تنزيلا على الأخيرة وترجيحا لجانب الصحة ولو قال لا تتصرف إلا في الرطب فالمذهب جوازه وإن كان ذلك يتضمن تأقيتا بحكم الحال الركن الثالث الربح وهو العرض المقابل للعمل وجهالته والغرر في وجوده للحاجة وله أربعة شرائط الأول الاستهام فلو شرط للمالك فهو فاسد وهل يستحق أجرة المثل عل تصرفه فإنه يصح التصرف بحكم الإذن اختيار المزني أنه لا يستحق لأنه خاض في العمل غير طامع في الربح وقال ابن سريج يستحق لأن العقد يقتضي العوض بوضعه فشرط النفي لا ينفيه كالمهر في النكاح ولو شرط الكل له فهو فاسد والربح كله للمالك وليس للعامل إلا أجرة المثل فإنه طمع في عوض ولو قال خذ المال وتصرف فيه وكل الربح لك فهو منزل على القرض فيكون الربح للعامل وإذا ذكر لفظ القراض لم ينزل على القرض على الصحيح من المذهب ولو قال على أن النصف لي وسكت عن جانب العامل لم يصح على المذهب لأن الإضافة إلى العامل هى النتيجة الخاصة للقراض وقال ابن سريج يصح أخذا من الفحوى والعرف ولو قال على أن النصف لك فالمذهب صحته وفيه وجه بعيد الثاني أن لا يضاف جزء إلى ثالث فإنه إثبات استحقاق بغير مال ولا عمل إلا أن يضاف إلى غلام أحدهما فهو كالإضافة إلى مالكه الثالث أن لا يقدر الربح فلو قال لك من الربح درهم أو ألف لم يصح فربما لا يزيد الربح على ما ذكره فيختص الكل بمن شرط له وكذلك إذ قال لي درهم أولك درهم من الجملة والباقي بيننا وكذلك إذا قال على أن لي ربح العبيد من مال القراض ولو قال على أن لي ربح أحد الألفين وهو مختلط قال ابن سريج لا يصح للتخصيص وقال القاضي يصح إذ لا فرق بين أن يقول لي ربح النصف أو نصف الربح أو ربح الألف والمال ألفان الرابع أن يكون الجزء المشروط معلوما فلو قال على أن لك من الربح ما شرطه فلان لفلان وهو مجهول لهماأو لأحدهما فهو فاسد كنظيره في البيع ولو قال على أن لك سدس تسع عشر الربح وهو ليس حيسوبا يفهم معناه في الحال فوجهان ووجه الصحة أن اللفظ معروف والقصور فيهما ولو قال على أن الربح بيننا فوجهان أحدهما يصح وينزل على الشطر والثاني لا لأنه لا يتعين للتشطير فهو مجهول الركن الرابع الصيغة وهو أن يقول قارضتك أو ضاربتك أو عاملتك على أن لك من الربح كذا فيقول قبلت فلو قال خذ المال واتجر فيه ولك من الربح نصفه فقد قال القاضي يكفي القبول بالفعل كنظيره في الوكالة وهو هاهنا أبعد إذ فيه معنى المعاوضة الركن الخامس والسادس وهما العاقدان ولا يشترط فيهما إلا ما يشترط في الموكل والوكيل بالأجرة وهل يشترط كون المقارض مالكا حتى لا يصح قراض العامل مع عامل آخر بإذن المالك فعلى وجهين فرعان أحدهما لو كان المالك مريضا وشرط له أكثر من أجرة المثل لم يحسب من الثلث لأن تفويت الحاصل هو المقيد بالثلث والربح ليس بحاصل ولذلك تزوج المرأة نفسها بأقل من مهر المثل فيجوز وفي نظيره من المساقاة وجهان لأن النخيل حاصل والثمر على الجملة قد يحصل دون العمل بخلاف الربح الثاني إذا تعدد المالك وقارض رجلا واحدا صح فيشترط له شئ والباقي بين المالكين على نسبة الملك لا يجوز فيه شرط تفاوت وإن كان العامل متعددا فهو أيضا جائز فإن التعاون على مقصود واحد لا يفوت مقصود العقد الباب الثاني في حكم القراض الصحيح وفيه مسائل الأولى أن العامل وكيل في التصرف فيتقيد تصرفه بالغبطة فلا يبيع بالغبن ولا يشتري بالزيادة ولا يبيع بالنسيئة إلا إذا أذن فيه لأن الناس يتفاوتون في الرضا به وفيه غرر ولا يشتري بالنسيئة لأنه ربما يفوت رأس المال فيتعلق العهدة بالمالك بخلاف ولي الطفل فإنه قد يفعل ذلك عند المصلحة ولا شك في أنه يشتري ويبيع بالعرض فإنه عين التجارة فإذا أذن له في البيع بالنسيئة يلزمه الإشهاد فإن فات الثمن بإنكار وقد قصر في الإشهاد ضمن وله أن يشتري المعيب إذاكان فيه غبطة وإن اشترى على أنه سليم فلكل واحد منهما الرد فإن اختلفا قدم ما يقتضيه المصلحة والغبطة ولا يعامل رب المال بمال القراض فإنه ملكه كالعبد المأذون لا يعامل سيده ولا يشتري بجهة القراض بأكثر من رأس المال فإن سلم إليه ألفا فاشترى بعينها عبدا تعين الألف للتسليم فلو اشترى عبدا آخر بعينه بطل ولو اشترى في الذمة وقع عنه لا عن القراض ولو صرف إليه مال التراض ضمن كصرفه إلى عبد نفسه وعلى الجملة هو في هذه القضايا يقارب الوكيل وقد استقصينا حكمه في الوكالة الثانية لو اشترى من يعتق على المالك بغير إذنه لم يقع عنه لأنه على نقيض التجارة ولو اشترى زوجته فوجهان من حيث إن الربح فيه ممكن ولكن ضرر انفساخ النكاح لاحق فبالحري أن يخرجه عن عموم اللفظ والوكيل إذا قيل له اشتر عبدا فاشترى من يعتق على الموكل فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى عموم اللفظ وفي الثاني إلى الضرر كما في شراء زوجة المقارض أما العبد المأذون إن قيل له اتجر فهو كالعامل وإن قيل اشتر عبدا فهو كالوكيل وإن اشترى من يعتق على المالك بإذنه صح وعتق وسرى إلى نصيب العامل إن كان فيه ربح وغرم له المالك وإن قلنا لا يملك بالظهور لأنه يملك عند الاسترداد وهذا في حكم استرداد المال وسيأتي حكمه و وإن اشترى العامل قريب نفسه ولا ربح في المال صح فإن ارتفع السوق عتق نصيبه ولم يسر لأن ارتفاع السوق ليس إلى اختياره فهو كالإرث وإن كان فيه ربح وقلنا إنه لا يملك بالظهور فهو كما إذا لم يكن ربح وإن قلنا يملك ففي صحة التصرف قولان حكاهما صاحب التقريب ووجه المنع بعده عن مقصود التجارة فإن صححنا ففي نفوذ العتق وجهان ووجه المنع أن نصيبه وقاية لرأس المال فنزل تعلق حق المالك به منزلة تعلق الرهن به فإن قلنا ينفذ فيسرى لأن الشراء باختياره فرع ليس لأحدهما الانفراد بكتابة عبد لأنه بعيد عن التجارة فإن توافقا عليه ولا ربح في المال ففي انفساخ القراض وجهان والأظهر أنه يستمر على بذله وإن كان فيه ربح لم ينفسخ وعتق العبد وكان الولاء لها على نسبة ملكيهما الثالثة إن عامل عامل القراض عاملا آخر بإذن المالك لينسلخ هو من القراض ويكون العامل هو الثاني صح ويكون هو وكيلا في العقد وإن أراد أن ينزل العامل منه منزلته من المالك ليكون له شئ منحصته فوجهان ذكرناهما ووجه المنع أن وضع القراض أن يجري بين مالك وعامل وإن فعل ذلك بغير إذن المالك فهو فاسد وإن اتجر العامل الثاني فيخرج على اتجار الغاضب في المعضوب وفيه قولان أحدهما النفوذ مهما كثرت التصرفات وظهر الربح نظرا للمالك حتى لا يفوته الربح فله الإجارة فإن قلنا الربح للمالك تفريعا على القول القديم قال المزني هاهنا لرب المال نصف الربح والنصف الآخر بين العاملين نصفين كما شرط فإن قيل فقد طمع العامل في نصف الكل قلنا هو منزل على نصف ما رزق الله تعالى لهما ونصف الكل هو رزقهما ومن الأصحاب من قال يرجع بأجرة العمل في النصف الذى فاته وخالف المزني فإن قيل ولم استحق العامل الثاني والأول شيئا وتفريع القديم في الغصب يوجب أن يكون الكل للمالك قلنا لأنه جرى هاهنا مشارطة ومراضاة ويبنى هذا القول على المصلحة وفي الغضب لم تجر مشارطة ومراضاة وإن فرعنا على الجديد قال المزني الربح كله للعامل الأول وللعامل الثاني أجرة مثله على الأول قال بعض الأصحاب هذا غلط إذ الربح على الجديد للغاصب والعامل الثاني هو الغاصب ومنهم من وافقه لأن العامل الثاني ما اشترى لنفسه بل اشترى للعامل الأول فكأن الأول هو المشتري كما أن الغاصب هو المشتري لنفسه الرابعة ليس للعامل أن يسافر بمال القراض دون الإذن فإنه اقتحام خطر فإن فعل صح تصرفاته ولكنه يضمن الأعيان والأثمان جميعا لأن العدوان بالنقل يتعدى إلى الثمن وإن سافر بالإذن جاز ونفقة النقل وحفظ المال على مال القراض كما أن نفقة الوزن والكيل والحمل الثقيل الذى لا يعتاده التاجر أيضا في البلد على رأس المال فإن تعاطى شيئا من ذلك بنفسه فلا أجرة له وأما نشر الثوب وطيه وحمل الشئ الخفيف فهو عليه للعادة فإن استأجر عليه فعليه الأجرة وكذا عليه نفقته وسكناه في البلد وأجرة الحانوت ليس عليه أما نفقته في السفر فقد نص الشافعي رضي الله عنه أن له نفقته بالمعروف وروى البويطي أنه لا نفقة له فمنهم من قطع بنفي النفقة عن مال القراض قياسا على الحضر وحمل النص على أجرة النقل والحمل ومنهم من قال قولان ووجه الفرق أنه في السفر متجرد لهذا الشغل دون غيره فضاهى الحرة المحتبسة بسبب النكاح بخلاف الحاضر فإنه ليس محتبسا على هذا المال وعلى هذا فلو استصحب معه مال نفسه توزع النفقة على المالين وإن لم يستصحب ففي مقدار الواجب قولان أحدهما ما يزيد بالسفر والثاني جميع النفقة ولو فاصله المالك أو لقيه في بلد ففي لزوم نفقة إيابه إلى البلد وجهان والمذهب أنه إذا عاد إلى البلد رد السفرة والمطهرة وبقايا آلات السفر إلى المالك الخامسة اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن العامل يملك الربح بالظهور أو بالمقاسمة ج55555555555555555555555555 اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : الوسيط في المذهب المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد أحدهما أنه بالظهور فإن موجب الشرط أن ما يحصل من ربح فهو لهما وقد حصل والثاني لا لأن العمل مجهول ولم يتم فأشبه الجعالة ولأنه لو ملك لصار شريكا ولم يكن نصيبه وقاية الخسران وهو اختيار المزني التفريع إن قلنا لا يملك فلو أتلف المالك المال غرم حصته لأن الإتلاف كالقسمة والاستيفاء وكذا إذا أتلف العامل شيئا غرم نصيبه ولو أراد العامل التنضيض لتحصيل نصيبه لم يمنع ولو مات قام ذريته مقامه لأن الحق متأكد حتى لو كان في مال القراض جارية لم يجر للمالك وطؤها لتأكد حقه وكذا إذا لم يكن له ربح لأن الربح بارتفاع السوق لا يوقف عليه والوطء يحرم بالشبهة وإن قلنا يملك بالظهور فلا يستقر بل هو وقاية رأس المال ما دام العقد باقيا فإن فسخ وقسم استقر وإن فسخ والمال ناض ولم يقسم بعدفالصحيح الاستقرار فإن فسخ والمال عروض فإن قلنا العامل يجبر على البيع فلا استقرار وإن قلنا لا يجبر كما سيأتي فوجهان السادسة في الزيادة والنقصان العينية أما الزيادة فهي من مال القراض كما إذا نتجت شاة أو أثمرت حديقة أو ولدت جارية فهو من مال القراض ويعد ذلك من الربح وكذا أجرة المنافع إذا آجر دواب المال أو تعدى غيره باستعمالها وكذا مهر الجارية إذا وطئت حتى لو وطئها السيد جعل مستردا مقدار العقر ولو استولدها كان مستردا قدر الجارية وهل يضاف إليه العقد أيضا فيه تردد وأما النقصان فما يقع بانخفاض الأسعار فهو خسران عليه جبره وكذلك ما يقع يتعيب المال ومرض الدواب فأما ما يقع بتلف المال أو سرقة ففيه وجهان أظهرهما أن عليه جبره لأن التاجر بصدد ذلك وقد حسبنا له الزيادة العينية فيحسب عليه النقصان العيني أيضا وكما حسبنا عليه التعييب في الصفات هذا إذا كان بعد التصرف الثاني فإن كان قبل التصرف بأن سلم إليه ألفين فتلف ألف وبقي ألف فرأس المال ألف أم ألفان فيه وجهان ووجه قولنا ألف أن ذلك فات قبل الخوض في التجارة فلا تكون التجارة متناولة له فلا يجبر وإن اشترى بألفين عبدين فقبل بيعهما تلف أحدهما فوجهان مرتبان وأولى بأن يجبر لأنه خاض في التصرف ووجه الآخر أن التجارة هو البيع وتحصيل الربح ببيعه أما الشراء فإنه تهيئة محل التجارة فرع إذا سلم إليه ألفا فاشترى عبدا فتلف الألف نظر إن اشترى بعينه انفسخ وإن اشترى في الذمة لا ينفسخ وفي انصراف العقد إلى العامل وجهان فإن قلنا لا ينصرف فعلى المالك تسليم ألف آخر ثم إذا سلم فرأس المال ألفأم ألفان فيه وجهان مرتبان وهاهنا أولى بأن يكون رأس المال ألفا لأنه لم يبق مما يتناوله العقد الأول شئ هذا إذا تلف بآفة سماوية أما إذا تلف رأس المال أو بعضه بإتلاف أجنبي فالقراض مستمر والبدل ثابت في ذمته وإن أتلفه المالك فهو مسترد وعليه حصة العامل وإن كان بإتلاف العامل انفسخ إذ لا يدخل البدل في ملك المالك إلا بقبضه منه الباب الثالث في حكم التفاسخ والتنازع وفيه أربع مسائل المسألة الأولى إذا انفسخ القراض بفسخ أحد المتعاقدين فإنه جائز من الجانبين فللمال ثلاثة أحوال الأولى أن يكون ناضا من جنس رأس المال فاز به المالك إن لم يكن ربح ولم يكن للعامل منعه ليستربح وإن كان ربح عمل بموجب الشرط الحالة الثانية أن يكون عروضا فإن لم يكن ربح فهل للمالك إجبار العامل على الرد إلى النضوض وجهان أحدهما لا لأن العقد قد انفسخ وهو لم يلتزم أمرا والثاني نعم لأنه ملتزم أن يرد جنس ما أخذ منه ليخرج عن العهدة فإن رضي المالك بأن لا يباع فأبى العامل إلا البيع فهو ممنوع منه إلا إذا صادف زبونا يشتري بزيادة يستفيد به ربحا على رأس المال فعند ذلك يمكن فلو لم يبع ورد العروض فارتفعت الأسواق وظهر ربح بعد الرد فوجهان أحدهما له طلب نصيبه فإنه رد على ظن أنه لا ربح فيه وقد ظهر الآن والثاني لا لأنه ظهور بعد الفسخ وإن كان في المال ربح وجب على العامل أن ينض رأس المال فيبقى الباقيمشتركا وليس عليه بيعه فإنه لم يلتزمه وإن امتنع العامل من البيع أجبر فإن الربح لا يظهر إلا بظهور قدر رأس المال بالتنضيض فإن قال دعوني فقد تركت ربحي فإن قلنا ملك بالظهور فلا يسقط بالإسقاط وإن قلنا لا يملك فوجهان أحدهما يسقط كالغنيمة قبل القسمة والثاني لا لأن الغنيمة غير مقصودة في الجهاد الذى هو إعلاء كلمة الله تعالى والربح مقصود وقد تأكد سببه فإن قلنا لا يسقط فعليه البيع وإن قلنا يسقط فهو كما إذا لم يكن ربح ففيه وجهان فرع ليس لأحدهما أن يطلب قسمة الربح لأنه يعرض جبر الخسران فيتضرر العامل برده إن طلب المالك والمالك بخروجه عن جبر الخسران إن طلب العامل الحالة الثالثة أن يرد المال إلى نقد لا من جنس رأس المال فيلزمه الرد إلى ذلك الجنس وإن كان هو النقد الغالب لأن الربح لا يظهر إلا به فإن كان مكسرا ورأس المال صحاح فيشتري بها مثله إن وجد وإلا فيحذر من الربا ويشتري به الذهب إذا كان رأس المال فضة غير مكسرة وبالذهب الصحاح فلو اشترى به عرضا ليبيعه بالذهب فهل يمكن فيه وجهان ووجه المنع أن العرض قد يصير معوقا عليه المسألة الثانية إذا تفاسخا وكان المالك قد استرد من قبل طائفة من المال فإن لم يكن وقت الاسترداد لا ربح ولا خسران فلا إشكال إذ رأس المال هو الباقي وإن كان فيه ربح فما استرده وقع شائعا فالقدر الذى يخص الربح يستقر للعامل نصيبه منه فلا يضيع بعد ذلك بخسران وإن كان في المال خسران فما استرده بحصة جزء من الخسران فلا يجب على العامل جبر القدر الذى يخص المسترد من الربح الذى بعده بيانه صورتان إحداهما المال مائة وربح عشرين فاسترد المالك عشرين ثم خسر عشرين فعاد إلى ثمانين فليس للمالك أن يأخذ الكل ويزعم أن رأس المال كان مائة لأنه إذا استرد عشرين وهو سدس جملة المال فسدس العشرين ربح وهو ثلاثة وثلث فقد استقر للعامل نصفه وهو درهم وثلثان فلا يلزمه جبر ذلك بل يأخذ هذا القدر من الثمانين ويرد الباقي الثانية المال مائة وخسر عشرين واسترد المالك عشرين فصار ستين ثم ربح عشرين فترقى إلى ثمانين فليس للمالك أن يقول ربح عشرين بخسران عشرين والكل لي لأنه خسر أولا عشرين فتوزع على الباقي وهو ثمانون فيخص كل واحد من عشرين خمسة فلا يلزمه جبر تيك الخمسة فكأنه بقي المال خمسة وسبعين وإذا صار الآن ثمانين تكون الخمسة فضلا فيقسم بينهما نصفينحتى يفوز المالك بسبعة وسبعين ونصف من جملة الثمانين الباقية المسألة الثالثة القراض ينفسخ بالجنون والموت فلو مات المالك فلوارثه مطالبة العامل بالتنضيض حيث كان يجوز للمالك لو فسخه بنفسه وهو حي ثم يقدر ربح العامل ولا يصرف إلى ديون المالك لأن حقه وإن لم يملك بالظهور لا يتقاعد عن حق المرتهن فيقدم على الديون فلو أراد وارث المالك تقريره فقال قررتك على ما مضى فقال قبلت ففيه وجهان يجري مثلهما في الوارث إذا قال أجزت الوصية وقلنا إنها ابتداء عطية ووجه المنع ظاهر لأن ما مضى قد بطل فلا معنى للتقرير ووجه الجواز أن التقرير يبنى على إعادة مثل ما سبق حتى طردوا هذا فيما إذا قال البائع للمشتري بعد فسخ البيع قررتك على ما مضى ولم يسمح بهذا في النكاح بحال لما فيه من التعبد هذا إذا كان المال ناضا فإن كان عرضا فوجهان ووجه الجواز أنه عرض هو اشتراه فلا يضيق عليه وقد تعين جنس رأس المال من قبل فأمكن الرجوع إليه بخلاف العقد على العروض ابتداء أما إذا مات العامل فقد انفسخ العقد فإن قرر المالك وارثه فالخلاف الواقع في لفظ التقرير كما مضى أما إذا كان المال عروضا لم يجز لأن وارث العامل لم يشتر المال بنفسه فيكون العروض كلا عليه وإن لم يكن على العامل المشتري وعلى الأحوال كلها فلوارثه طلب نصيب العامل من الربح وقطع الأصحاب يتجويز استئناف القراض معه وإن كان في المال ربح إذا كان المال ناضا وهذا يدل على أن القراض مع الشريك جائز إذا كان العامل مستبدا باليد فيقسم الربح على نسبة الملك ثم يقسم الباقي بالشرط فأما إذا كان الشريكان متعاونين على العمل والمال في يدهما لا يجوز تغيير نسبة الملك بالشرط ولو اختص أحدهما بمزيد عمل ففي جواز ذلك وجهان المسألة الرابعة في التنازع وله صور الأولى إذا تنازعا في تلف المال فالقول قول العامل لأنه أمين ما لم يتعد كالمودع وإن تنازعا في الرد فكذلك وقال العراقيون في الرد وجهان وزعموا أنه لا يلحق في هذا بالمودع على أحد الوجهين الثانية لو اختلفا في قدر الربح المشروط فيتحالفان لأنه نزاع في قدر العوض فإذا تحالفا سلم كل الربح للمالك وليس للعامل إلا أجرة المثل الثالثة إذا اختلفا في قدر رأس المال ولا ربح فالقول قول العامل لأنه نزاع في القبض والأصل عدمه وإن كان فيه ربح فهو كذلك على الأصح وقيل إنهما يتحالفان لأنقدر الريح يتفاوت به الرابعة في المال عبد فقال المالك اشتريته للقراض وقال العامل بل لنفسي أو بالعكس فالقول قول العامل لأنه أعرف بنيته الخامسة لو قال كنت نهيتك عن شراء العبد فأنكر فالقول قوله إذ الأصل عدم النهي السادسة تنازعا في الربح ووجوده فالقول قول العامل فإن أقر بالربح ثم قال غلطت أو كذبت خيفة أن ينتزع المال من يدي لم يسمع رجوعه وإن قال صدقت ولكن خسرت بعده فالقول قوله السابعة سلم رجلان كل واحد ألفا إلى رجل فاشترى لكل واحد عبدا والتبس واعترفوا بالإشكال فقد نص الشافعي رضي الله عنه على قولين أحدهما أنه يباع العبدان ويقسم الثمن عليهما بالسوية والثاني أنهما ينقلبان إلى الوكيل ويغرم هو لهما قيمتهما بالسوية فإن زاد فذاك وإن نقص غرم قدر النقصان وكأنه مقصر بالنسيان وهذا فيه مزيد نظر ذكرناه في المذهب البسيط والله أعلم بالصواب كتاب المساقاة وفيه بابان الباب الأول في أركانه وهي أربعة الركن الأول في الأصل الذى يعقد عليه العقد وله شرائط الأول أن يكون شجرا والنخيل هو الأصل إذ ساقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على النصف مما يخرج من تمر وزرع وهذه المعاملة قريبة من القراض ولكن تخالفها في اللزوم والتأقيت فإنهما لا يليقان بالقراض وفي أن الثمار تملك بمجرد الظهور فإنه ليس وقاية للنخيل بخلاف القراض وفي طريقة العراق وجه أنه كالربح حتى يخرج على القولين ثم لا خلاف في أن الكرم بمعنى النخيل لأن العمل عليهما يتقارب والزكاة تجب فيهما وفي سائر الأشجار المثرة قولان أحدهما أنها في معناهما للحاجة إليه والثاني لا لأن العمل عليهما يقل فيمكن الاستئجار عليه ونعني بالشجر كل ما يثبت أصله في الأرض ويفصل ثمره أما المزارع وقصب السكر والبطيخ والقثاء والباذنجان فلا يعقد عليها هذه المعاملة لأن جميعها في معنى المخابرة والمزارعة والمخابرة هي صورة هذه المعاملة على الأرض والبذر من العامل والمزارعة هى بعينها والبذر من المالك وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما وساقى فقال الشافعي رضي الله عنه لا يرد إحدى السنتين بالأخرى خلافا لأبي حنيفة رحمه الله حيث أبطل المساقاة قياسا على المزارعةثم البقل من قبيل الزرع وإن ثبتت أصوله فإن قيل فقد ساقى عليه السلام على الزرع والتمر جميعا قلنا لا جرم بقول تصح المزارعة تبعا للمساقاة في الأرض المتحللة بين النخيل بخمسة شرائط اثنان متفق عليهما وهو أن يكون العامل على النخيل والزرع واحدا والثاني أن تكون الأراضي بحيث لا يمكن إفرادها بالعمل إذ بسقيها وتقليبها ينتفع النخيل واختلفوا في ثلاث شرائط أحدها اتحاد الصفقة فلو عقدها في صفقتين فثلاثة أوجه أحدها أنه يصح ثم إن أخرت المزارعة تبعت المساقاة السابقة وإن قدمت كانت موقوفة الصحة على المساقاة بعدها والثاني لا يصح مطلقا لانعدام التبعية بالتمييز والثالث إن قدمت المزارعة فسدت إذ لا متبوع وإن أخرت صحت ثم لو جمعهما في صفقة واحدة ولكن جعل للعامل من الثمار النصف ومن الزرع جزءا آخر أقل أو أكثر ففيه أيضا تردد لأن التغير يكاد يقطع حكم التبعية والثاني أن لا تكثر الأراضي فإن كثرت إما بكثرة الارتفاع بالإضافة إلى النخيل أو باتساع الساحة بالإضافة إلى مغارس النخيل فوجهان والأصح الصحة مهما لم يمكن إفرادها بالعمل مع الكثرة الثالث أن يكون البذر من رب النخيل فإن كان من العامل فقد حصل نوع مغايرة بين الجنسين ففي انقطاع التبعية وجهان الشرط الثاني أن يكون شجرا غير بارزة الثمار عند المساقاة فإن برزت الثمار نص في القديم أنها فاسدة إذ لم تخرج الثمار بعمله وهو موضوع العقد ونص فيالجديد على أنه إذا جاز قبل البروز فبعده أجوز وعن الغرر أبعد لأنه بقي العمل والثمر صار موثوقا به الشرط الثالث أن تكون الحديقة مرئية فإن ساقاه على ما لم ير فطريقان أحدهما فيه قولان كبيع الغائب والثاني البطلان لأنه عقد غرر فلا يحتمل فيه هذا الجهل الركن الثاني في المشروط للعامل وهو الثمار فليكن مشروطا على الاستهام ومخصوصا بهما ومعلوما بالجزئية لا بالتقدير كما ذكرناه في الربح في القراض وننبه هاهنا على أمور ثلاثة الأول أنه لو ساقى على ودي نظر فإن لم يكن مغروسا فقال خذه واغرسه فإن علق فهو بيننا فهو فاسد لأنه تسليم بذر فهو في معنى المزارعة فإن قال اغرسه ونمه وما حصل من الثمار فهو بيننا فهو أيضا فاسد إذ الغرس ليس من أعمال المساقاة وقد ضم إليها فكان كما إذا ضم غير التجارة إليها في القراض وفي الصورتين وجه أنه لا يصح حكاه صاحب التقريب أما إذا كان مغروسا نظر فإن ساقاه عليه مدة لا يثمر فيها إلا بثمرة تحصل بعد المدة فهو باطل إذ ما يحصل بعد مضي المدة لا يتعلق به العقد وإن كان يعلم حصوله في المدة ولو في آخر السنين وساقاه على عشر سنين مثلا فهو صحيح وخلو أول المدة عن الثمار كخلو أول السنة الواحدة وإن كان يتوهم الثمرة ولا يعلم قال القاضي إن غلب الوجود صح وإن غلب العدم بطل وإن تساوى الاحتمال فوجهان وقيل إن غلب العدم بطل وإن غلب الوجود فوجهان وقيل عكسه أيضا أما إذا كان بحيث يثمر كل سنة فساقاه عشر سنين على جزء من ثمرة السنة الأخيرة فوجهان أحدهما أنه يجوز وليقدر ما سبق معدوما والثاني لا لأنه تعرية العمل عن العوض في مدة وجود ما حقه أن يكون عوضا في هذا العقد وفي أصل زيادة مدة المساقاة على سنة كلام يجري مثله في كل إجارة وسيأتي في كتاب الإجارة الأمر الثاني لو كان في البستان عجوة وصيحاني فقال ساقيتك على أن لك من الصيحاني نصفه ومن العجوة ربعه لا يصح ما لم يعرف قدر العجوة والصيحاني أعني الأشجار نظرا أو تخمينا وإن شرط النصف منهما فلا يشترط هذه المعرفة وكذلك إذا ساقي رجلان واحدا على أن له النصف من نصيبهما ولا يشترط معرفته بقدر النصيبين وإن تفاوت الشرط وجبت المعرفة ولو قال ساقيتك على النصف إن سقيت بالنضح أو الربع إن سقيت بالسماء فهو فاسد لأنه مردد بين جهتين الأمر الثالث أن أحد الشريكين في النخيل لو ساقى شريكه على أن يتعاونا على العمل فهو فاسد إذ رب النخيل لا ينبغي أن يخوض في العمل ولو كان الشريك العامل يستبد بجميع العمل صحت المساقاة بشرط أن يشترط له مزيدا على ما تقتضيه نسبة الملك فلو كان بينهما نصفين فشرط له النصف فلم يشرط له شئ فتفسد المساقاة ولا يستحق أجرة المثل عند المزني ويستحق عند ابن سريج ولو شرط له الكل فيفسد وفي أجرة المثل وجهان مأخذهما أنه لم ينوبعمله مستأجره فضاهى الأجير في الحج إذا نوى بعد التلبية صرف الحج إلى نفسه فلا ينصرف إليه وهل تسقط أجرته فيه وجهان الركن الثالث العمل الموظف على العامل وله شرائط ينبه عنها ما ذكرناه في القراض الأول أن يكون لا يشترط عليه عمل ليس من المساقاة الثاني أن يستبد باليد في الحديقة ليتمكن من العمل ليلا ونهارا فلو شرط المالك اليد لنفسه فسد ولو سلم المفتاح إليه ولكن بشرط أن يدخل هو أيضا ففيه خلاف والأصح الجواز الثالث أن يعرف بتأقيت مدة العقد لا بتعيين العمل ثم يجوز التعريف بالسنة العربية وهل يجوز التعريف بإدراك الثمار فيه وجهان أحدهما لا لأنه يتفاوت بالبرد والحر والثاني نعم لأنه المقصود وهو متقارب وإن عرف بالأشهر فجائز فرع لو ساقى سنتين فهو شريك في كل سنة فلو برز شئ في آخر السنة الأخيرة من الثمار وانقضت المدة قبل الإدراك فالعامل شريك فيما برز في مدة عمله الشرط الرابع أن ينفرد العامل بعمله وأن لا يشترط مشاركة المالك في العمل فإن شرط فهو فاسد لأنه تغيير الموضع كما في القراض وإن شرط أن يعمل غلام المالك معه فقد نص الشافعي رضي الله عنه على الجواز وذكر الأصحاب ثلاثة أوجه أحدها المنع هاهنا وفي القراض لأن يد العبد يد المالك فيبطل الاستبداد باليد والثاني الجواز لأن العبد يكون مستعارا على التحقيق فالإعانة به كالإعانة بالثيران ولا خلاف في جوازها شرطا والثالث أنه يصح في المساقاة إذ من الأعمال ما يجب على المالك كبناء الجدران وحفظ الأصول كما سيأتي بخلاف القراض فلا عمل فيه على المالك التقريع إذا حكمنا بالجواز فنفقه الغلام على من إن شرط على المالك أو أطلق فهو عليه لأنه شرط إعانة وإن شرط على العامل ففي جواز ذلك وجهان أحدهما لا لأنه قطع لنفقة الملك عن المالك والثاني نعم لأن الأصل أن العمل عليه فلا يبعد أن ينفق على من يعينه وفي طريقة العراق أنه يتبع فيه الشرط قطعا وإن أطلق فثلاثة أوجه أحدها أنه على المالك والثاني أنه على العامل والثالث أنه من الثمرة وهو بعيد إذ رد الشافعي رضي الله عنه على مالك رحمه الله حيث أوجب نفقة العبيد على العامل عند الإطلاق فقال أوجب أجرة مثل أجرة العبيد إن كنت توجب النفقة فرع لو شرط أن يستأجر العامل أجيرا والأجرة على المالك لم يجز إن لم يبق للعامل عمل وإن بقي له الدهقنة والتحذق في الاستعمال فوجهان الركن الرابع في الصيغة وهي أن يقول ساقيتك على أن لك نصف الثمار أو عاملتك فيقول قبلت أو أن يقول اعمل على هذه النخيل من الثمار فقبل فلا بد من القبول فإن هذا العقد لازم بخلاف القراض والوكالة ففيهما وجه تقدم ولو قال استأجرتك على العمل بالنصف فالظاهر البطلان لأنه يستدعى شروطا وفيه وجه أنه يجوز لأنه مساقاة ولكن بلفظ الإجارة نعم لو كانت الثمار بارزة وعين العمل واستأجره بجزء من الثمر جاز بعد بدو الصلاح وقبله غير جائز لأنه شرط القطع ايضا فقطع الشائع غير ممكن إلا بتغيير عين المبيع فيكون كبيع بعض النصل الباب الثاني في حكم المساقاة الصحيحة ولها أحكام ستة الحكم الأول أن العامل يلزمه كل ما يتعلق به صلاح الثمار مما يتكرر في كل سنة كالسقي وتقليب الأرض وقطع القضبان وتنحية الحشيش وكنس البئر والنهر وتصريف الجريد ونقل الثمار إليه وما لا يتكرر في كل سنة بل تبقى فائدته سنين كبناء الحيطان وشراء الثيران ونضب الدولاب وحفر الأنهار والقنى الجديدة فهو على المالك وترددوا في حفظ الثمار بالناظور وفي جذاذها وفي ردم ثلم يتفق في أطراف الجدران فمنهم من رأى ذلك على العامل في العرف ومن هذا ذكر خلاف في صحة المساقاة المطلقة دون تفصيل الأعمال لاضطراب العرف في هذه الأمور والصحيح الصحة عند الإطلاق ثم يحكم كل فريق بما يراه لائقا بالعامل الحكم الثاني إذا هرب العامل قبل تمام العمل فالقاضي يستأجر من يعمل ويقترض عليه فإن عمل المالك بنفسه أو استأجر عليه أو استقرض فهو متبرع ولا رجوع له وكل الثمار للعامل هذا إن قدر على الرجوع إلى القاضي فإن لم يقدر وعمل بنفسه أو استأجر عليه فثلاثة أوجه أحدها لا يرجع لأنه يؤدي إلى أن يكون حاكما لنفسه على غيره والثاني نعم للضرورة والثالث إن أشهد يرجع وإلا فلا ثم له أن يفسخ عند هرب العامل فإن عجز عن استيفاء المعقود عليه فلو قال الأجنبي لا تفسخ حتى أنوب عنه جاز له الفسخ فربما لا يرضى بدخوله بستانه فلو عمل الأجنبي قبل أن يشعر به المالك فالثمرة للعامل والأجنبي متبرع عليه لا على المالك ثم إذا فسخ فإن كان قد مضى شئ من العمل فللعامل أجرة مثل ذلك المقدار ولا نقول توزع الثمار على نسبة أجرة المثل إذ الثمار ليس معلوم المقدار في أولالعقد حتى يقتضي العقد فيه توزيعا الحكم الثالث إذا ادعى المالك عليه خيانة أو سرقة فالقول قوله فإنه أمين فإن أقام حجة نصب عليه مشرف إن أمكن أن يحفظ به وألا تزال يده ويستأجر عليه ثم أجرة المشرف على العامل إن ثبت خيانته بإقراره أو ببينة وإلا فعلى المالك الحكم الرابع إذا مات المالك لم ينفسخ العقد وبقي مع الورثة وإن مات العامل لم ينفسخ أيضا قطع به المزني وهو المذهب وفيه وجه ثم على الوارث إتمام العمل من تركته وله حصة من الثمار إذا تمم وإن لم يكن له تركة فله أن يتمم لأجل الثمار فإن أبى لم يجبر عليه إذ لا تركة ولا يلزمه عمل غيره هذا إذا أوردت المساقاة على الذمة وهو شرطها فإن أوردت على العين ففي صحتها نظر لأن فيه نوع تضييق فإن صحح فينفسخ بموت العامل الحكم الخامس إذا خرجت الأشجار مستحقة بعد تمام العمل يرجع العامل بأجرة مثله على الغاصب وقيل إنه يخرج على قولي الغرور وأما الثمار إن بقيت فكلها للمالك وإن تلفت بعد أن قسم فما قبضه العامل لنفسه مضمون عليه ويستقر عليه الضمان لأنه أخذه عوضا كالمشتري وأما حصة الغاصب إن تلف قبل القسمة أو على الأشجار أو تلف شئ من الأشجار ففي مطالبة العامل به وجهان أحدهما نعم لأن أقل درجاته أن يكون كالمودع فيه والثاني لا لأن يده تثبت على الأشجار ونصيب المالك تحقيقا وإنما هو عامل عليها ويد المالك مستدامة حكما وهو ضعيف الحكم السادس إذا تنازع العاقدان في القدر المشروط من الثمار تحالفا وتفاسخا وحكم تنازعهما ما ذكرناه في القراض كتاب الإجارة كتاب الإجارة والإجارة صنف من البيوع موردها المنفعة وصحتها مجمع عليها ولا مبالاة بخلاف ابن كيسان والقاساني ويدل على صحتها قصة شعيب واستئجاره موسى عليهما السلام وقوله تبارك تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقوله صلى الله عليه وسلم أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه وقوله حكاية عن ربه تبارك وتعالى ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه فقد خصمته رجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منفعته ولم يؤد أجره ورجل أعطاني صفقة يمينه ثم غدر ومقصود الكتاب تحصره ثلاثة أبواب الباب الأول في أركان الإجارة وهى ثلاثة الصيغة والأجرة والمنفعة أما العاقدان فلا يخفى أمرهما الركن الأول الصيغة وهي ثلاثة إحداها الإجارة والإكراه فإذا قال أجرتك الدار أو أكريتكها فقال قبلت صح وشرطها الإضافة إلى عين الدار لا إلى المنفعة الثانية لفظ التمليك فإذا قال ملكتك منافع الدار شهرا صح وشرطها الإضافة إلى المنفعة لا إلى الدار الثالثة لفظ البيع فإن قال بعتك الدار شهرا فهو بيع مؤقت فاسد وإن قال بعتك منفعة الدار فوجهان أحدهما الجواز كلفظ التمليك وهو اختيار ابن سريج الثاني المنع وهو الأظهر لأن البيع مخصوص بالأعيان عرفا الركن الثاني الأجرة وحكمها إن كانت في الذمة حكم الثمن وإن كانت معينة حكم البيع وقد سبق شرائطهما وننبه الآن على ثلاثة أمور الأول أن الإعلام شرط فلو أجر الدار بعمارتها لم يجز فإن العمارة مجهولة ولو أجر بدراهم معلومة ليصرفها إلى العمارة لم يصح لأن العمل في الصرف إلى العمارة مجهول فتصير الأجرة مجهولة ولو أشار إلى جبره من الدراهم أو من الحنطة جزافا وجعلها أجرة منهم من ألحق بالمبيع فجوز ومنهم من ألحق برأس المال في السلم لأنه عقد غرر فخرج على القولين الثاني إذا استأجر السلاخ بالجلد بعد السلخ وحمال الجيفة بجلد الجيفة والطحان بالنخالة فهو فاسد لنهيه عليه الصلاة والسلام عن قفيز الطحان ولأنه باع جزءا متصلا بعين المبيع قبل الفصل فهو كبيع نصف من الفصل ولو استأجر المرضعة بجزء من المرتضع الرقيق بعد الفطام ومجتني الثمار بجزء من الثمار بعد القطاف فهو أيضا فاسد لما سبق أما إذا جعل الأجرة جزءا من الرقيق في الحال وجزءا من الثمار قبل القطاف فقد أطلق الأصحاب إفساده تخريجا على ما سبق وزادوا فقالوا المرتضع المشترك بين امرأة مرضعة ورجل لا يجوز للرجل استئجارها على الرضاع لأن عملها لا يصادف خاص ملك المستأجر وهذا فيه نظر واحتمال إذ قطعوا في كتاب المساقاة بأن أحد الشريكين لو ساقى صاحبه وشرط له جزاءا من الثمار جاز وهو عمل على مشترك ولكن قبل ما يخص المستأجر يستحق به الأجرة فهو محتمل هاهنا أيضا الثالث الأجرة إن أجلت تأجلت وإن أطلقت تعجلت عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ثم إذا أجلت وتغير النقد عند الأجل فالعبرة بحالة العقد ولو تغير النقد في الجعالة عند العمل فوجهان الأظهر أنها كلا إجارة الركن الثالث في المنفعة ولها شرائط الأول أن تكون متقومة فلو استأجر تقاحة للشم أو طعاما لتزيين الحانوت لم يصح إذ القيمة لهذه المنفعة وكذا إذا استأجر بياعا على كلمة لا تعب فيها لترويج سلعته فإن ذلك أخذ مال على الحشمة لا على العمل واختلفوا في مسألتين إحداهما استئجار الدراهم والدنانير للتزيين وكذا استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها أو للسكون في ظلها وكذا استعارتها وفيه ثلاثة أوجه أحدها الجواز لأن هذا قد يقصد والثاني لا لأنه لا يقصد بعقد والثالث أنه يصح الإعارة دون الإجارة لأنه لا يقصد بمال ويقصد بالمسامحة الثانية استئجار الكلب وفيه وجهان ووجه المنع أن إباحته لضرورة فهو كالميتة الشرط الثاني أن لا يتضمن استيفاء عين قصدا وفيه ثلاث مسائل الأولى لا يصح استئجار الأشجار لثمارها ولا المواشي للبن والصوف والنتاج لأنها أعيان بيعت قبل الوجود الثانية استئجار امرأة للحضانة والإرضاع جائز واللبن تابع وهو كالماء في إجارة الأرض ولو استأجر على مجرد الإرضاع دون الحضانة فوجهان أحدهما لا كاستئجار الشاة بلبنها لإرضاع السخلة والثاني يجوز لأن لبن الآدمية لا يقصد منفصلا فهو في معنى المنفعة والحاجة تمس إليه الثالثة استئجار الفحل للضراب فيه وجهان والأصح المنع لأنه نهي عن ثمن عسب الفحل ولأنه غرر لا يقدر عليه الشرط الثالث أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها حسا وشرعا وفيه أربع مسائل الأولى إذا استأجر أخرس على التعليم أو أعمى على الحفظ فسد وكذا لو استأجر من لا يحسن القرآن على التعليم إلا إذا وسع عليه وقتا يقدر فيه على التعلم أولا ثم على التعليم ففيه وجهان أحدهما لا لأن العجز محقق والتعلم قد لا يتفق والثاني نعم وكأنه يضاهي سلم المفلس الثانية استأجر قطعة أرض لا ماء لها في الحال نظر فإن لم يتوقع لها ماء أصلا فإن استأجر للزراعة فسد وإن استأجر للسكون جاز وإن أطلق فكان على قلة جبل لا يطمع في الزراعة ينزل على السكون وإن كان يطمع في الزراعة فمطلقة للزراعة فيفسد إلا إذا صرح بنفي الماء وهل يقوم علم المستأجر بعدم الماء مقام صريح النفي حتى يصح عند الإطلاق فيه وجهان ووجه المنع أن مفهوم اللفظ مطلقا في مثل هذه الأرض للزراعة ما لميصرح بنفي الماء أما إذا كان يتوقع إن كان نادرا فالعقد في الحال للزراعة فاسد وهو كبيع الآبق لتوقع عوده وإن كان يغلب وفاء المطر والسيل بما يحصل المقصود ويتوهم خلافة فظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه وهو اختيار القفال فساده لأن العدم في الحال معلوم والوجود موهوم من بعد بخلاف ما لو كان للأرض ماء غد وشرب معلوم فإن الانقطاع موهوم ولكن الوجود مستصحب وقال القاضي يجوز لأن الماء الموجود في النهر لا يبقى بعينه إلى وقت الزراعة ولكن يغلب تجدد مثله فكذلك هاهنا يغلب وفاء المطر والسيل فلا فرق أما إذا استأجر قطعة أرض على شط دجلة والماء زائد وقد استولى عليها وانحساره عنها موهوم فالعقد باطل وإن كان ناقصا والزيادة موهومة فالعقد في الحال صحيح وإن كانت الزيادة متيقنة فلا وإن كان الماء مستويا عليها ولكن الانحسار معلوم قال الشافعي رضي الله عنه العقد صحيح فإن قيل فالأرض غير مرئية قلنا لعله فرع على قول صحة شراء الغائب أو فرض فيما إذا تقدمت الرؤية أو كان الماء صافيا لا يمنع الرؤية فإن فرض خلاف ذلك كله لم يصح فإن قيل وإن تقدمت الرؤية ففي الحال لا يمكن الانتفاع بها قلنا هو كاستئجار دار مشحونة بالأقمشة واستئجار أرض في الشتاء فإنه في الحال لا يزرع ولكن يتسلط عليها المستأجر بالإجارة والتصرف الممكن وذكر الشيخ أبو محمد وجها في إجارة الدار المشغولة بالأمتعة بخلاف بيعها لأن المنفعة تتراخى فيصير كإجارة السنة القابلة الثالثة إجارة الدار للسنة القابلة فاسدة خلافا لأبي حنيفة رحمهالله لان التشاغل بالاستيفاء في الحال غير ممكن فيتراخى التسليط على العقد الوارد على منفعة عين فرعان أحدهما لو أجره شهرا ثم أجر الشهر الثاني منه لا من غيره فوجهان أصحهما المنع لأن العقد الأول قد ينفسخ بسبب فشرط العقد الثاني لا يتحقق بالأول والثاني الجواز لتواصل الاتصال فهو كما لو أجر شهرين في صفقة واحدة الثاني إذا قال استأجرت هذه الدابة لأركبها نصف الطريق وأترك إليك النصف قال المزني هو فاسد إذ لا يتعين له النصف الأول فينقطع بحكم المناوبة ويصير كالإجارة للزمان القابل ومن الأصحاب من صحح ونزل على استئجار نصف الدابة وأحال التقطع على موجب المهايأة والقسمة لا على العقد ولو صرح باستئجار نصف الدابة فالظاهر صحته فهو كما لو استأجر نصف دار وفيه وجه آخر أنه يفسد لأن الجمع غير ممكن فيؤدي إلى التقطع بخلاف الدار الواحدة ومحمل الدابة إذ يحتمل عليه الشريكان فلا ينقطع الرابعة العجز الشرعي كالعجز الحسي في الإبطال فلو استأجر على قلع سن سليمة أو قطع يد سليمة أو الحائض على كنس المسجد أو المسلم على تعليم القرآن لذمي لا يرجى رغبته في الإسلام أو على تعلم السحر أو الفحش والخنا أو تعلم التوراة والكتب المنسوخة فكل ذلك حرام والعقد عليه فاسد لأنه معجوز شرعا عن تسليمه أما إذا كانت السن وجعة أو اليد متآكلة فالأصح جواز القلع والقطع وصحة الاستئجار فرع إذا استأجر منكوحة الغير على عمل دون رضا الزوج فسد فإنها مستحقة التعطيل لحق الزوج وبإذنه يصح ولو استأجرها الزوج لإرضاع ولده جاز وذكر العراقيون وجها أنه ممنوع لأنه مستحق له وهو ضعيف أما إذا التزمت عملا في الذمة صحت الإجارة دون إذن الزوج ثم إن وجدت فرصة وعملت بنفسها استحقت الأجرة وفي إجارة الحائض لكنس المسجد احتمال مأخذه صحة الصلاة في الدار المغصوبة ولكن المنقول ما ذكرناه الشرط الرابع حصول المنفعة للمستأجر وفيه مسائل الأولى لا يصح استئجار دابة ليركبها المكرى فإن العوضين يجتمعان له وكذا لا يجوز استئجاره على العبادات التى لا تجري النيابة فيها فإنها تحصل له بخلاف الحج وغسل الميت وحفر القبور ودفن الموتى وحمل الجنائز فإن الاستئجار على جميع ذلك يجوز لدخول النيابة أما الجهاد فلا يجوز استئجار المسلم عليه لأنه داخل تحت الخطاب فيقع عنهويجوز للإمام استئجار أهل الذمة على الجهاد لأنهم لم يدخلوا تحت خطاب الجهاد وكذلك لا يجوز الاستئجار على الإمامة في فرائض الصلوات أما الاستئجار على الأذان فثلاثة أوجه أحدها لا كالجهاد فإنه من الشعائر والثاني نعم لأن فائدته تحصل للناس في طلب وقت الصلاة والثالث يجوز للقاضي والإمام ولا يجوز لآحاد الناس وفي الاستئجار على إمامة التراويح خلاف والأصح المنع إذ لا يتميز المستأجر بفائدة مقصودة عن الأجير أما الاستئجار على التدريس في جنسه وكذا استئجار المقرئ على هذا الوجه متردد بين الجهاد لأنه من فروض الكفايات وبين الأذان لأن فائدته تختص بالآحاد أما الاستئجار على تعليم مسألة معينة من شخص معين فلا خلاف في جوازه فلا يتعين كامرأة أسلمت ولزمها تعلم الفاتحة فنكحها رجل على التعليم ولم يحضر سوى ذلك الرجل ففيه خلاف والأصح الصحة إذ ليس يتعين عليه التعب مجانا بل يجب ببذل كما في بذل المال في صورة المخمصة وعلى الجملة فكل عمل معلوم مباح يلحق العامل فيه كلفة ويتطوع به الغير عنالغير فيجوز الاستئجار عليه ويجوز جعله صداقا الشرط الخامس كون المنفعة معلومة وتفصيلها ببيان أقسام الإجارة وهي ثلاثة أقسام الأول استصناع الآدمي وذلك يعرف إما بالزمان أو بمحل العمل كما إذا استأجر على الخياطة فيعين الثوب أو يقول استأجرتك يوما للخياطة ولو جمع بينهما وقال استأجرتك لتخيط هذا الثوب في هذا اليوم فيه وجهان أصحهما المنع لأن تفريع الجواز يفضي إلى خبط إن تم العمل قبل مضي اليوم أو على العكس ولو استأجر على تعليم القرآن إما أن يعرف بالزمان أو بمقدار السور وتعينها ولا يشترط أن يجبر فهم المتعلم ولا فائدة أيضا في شرط رؤيته ولو استأجر على قدر عشر آيات ولم يعين السورة فوجهان ووجه المنع تضادتها أيضا في عسر الحفظ ويسره ووجه الجواز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زوجتكها بما معك من القرآن ولم يعين السورة وقيل إنه كان عشر آيات من أول البقرة والاستئجار على الرضاع يعرف فيه المدة والصبي لأن الغرض يختلف به اختلافا ظاهرا والموضع الذى فيه الرضاع ولا يبالى بما يتطرق إليه من جهالة بسبب تعرض الصبي للأمراض وزيادة حاجته ونقصانها وهذا يدل على نوع من التساهل في الإجارة للحاجة القسم الثاني في استئجار الأراضي وفيه صور الأولى أن يستأجر للسكون فيشترط أن يعرف من الدار والحانوت والحمام كل ما تختلف به المنفعة فيرى في الحمام البيوت وبئر الماء والقدر ومطرح الرماد ومبسط القماش وموضع الوقود والأتون ومجمع فضلات الماء كما يراه المشتري ويعرف قدر المنفعة بالمدة فإن استأجر سنة فذاك وإن زاد فثلاثة أقوال والأصح أنه لا يتقدر بمدة بل يتبع التراضي إذ لا توقيف في التقدير والثاني أنه لا يزيد على سنة فإنه أثبت للحاجة والثالث أنه ينتهي إلى ثلاثين سنة ولا يزاد عليه لأنه يصير في معنى البيع التفريع إذا جوزنا الزيادة وهو الصحيح فلو أجر سنين فهل يشترط بيان حصة كل سنة في الأجرة فوجهان أحدهما لا كبيان الأشهر في سنة واحدة والثاني نعم إذا يغلب تفاوت أجرة المثل وربما تمس الحاجة إلى معرفته في التفاسخ إن اتفق فرع لو قال أجرتك سنة فالأظهر أنه يصح وينزل على السنة الأولى بالعرف وقيل إنه فاسد لأنه لم يصرح بالتعيين ولو قال أجرتك كل شهر بدينار ولم يقدر عدد الأشهر فهو فاسد إذ لا مرد له وقال ابن سريج يصح في الشهر الأول لأنه معلوم والباقي يبطل فيه وهو ضعيف لأن نظيره من الصبرة قوله بعتك كل صاع بدرهم ولم يقل بعتك الصبرة الثانية إذا استأجر الأرض للزراعة فلو قال أكريتك لتنتفع كيف شئت صح وجاز البناء والغراس والزراعة وكل ما أمكن من المنفعة ولو اقتصر على قوله أكريتك فسد لأنه لم يعين منفعة ولا فوض إلى مشيئته ولو قال أكريتك للزراعة ولم يعين جنس الزرع فوجهان أحدهما لا لأن الذرة أضر من القمح والثاني نعم ويحمل الإطلاق بعد التعرض لجنس الزرع على ما يشاء الثالثة إذا قال أكريتك إن شئت فازرعها وإن شئت فاغرسها فالظاهر الصحة كما إذا قال انتفع كيف شئت وقيل إنه فاسد كما لو قال بعتك بألف إن شئت مكسرة وإن شئت صحيحة أما إذا قال أكريتك فازرعها واغرسها ولم يبين قدر ما يزرع فيه اختيارالمزني وابن سريج بطلانه لجهالة القدر وقال أبو الطيب بن سلمة يصح وينزل على النصف الرابعة إذا أكرى الأرض للبناء وجب بيان عرض البناء و في التعرض للارتفاع والقدر خلاف والأظهر أنه لا يشترط القسم الثالث استئجار الدواب وهي تستأجر لأربع جهات الأولى الركوب فيشترط أن يعرف المستأجر الدابة بأن يراها وإلا فهو إجارة غائب والآخر يعرف قدر الراكب برؤيته أو بسماع وصفه في الطول والضخامة حتى يعرف وزنه تخمينا ولا يشترط التحقيق بالوزن ويعرف المحمل بالصفة في السعة والضيق وبالوزن فإن ذكر الوزن دون الصفة أو الصفة دون الوزن فوجهان وقال أبو إسحاق المروزي إن كانت محامل بغداد فالإطلاق يكفى لأنها متقاربة وتنزل منزلة السرج والإكاف فإنها لا توصف لتساويها ويذكر تفصيل المعاليق فإن ذكرت من غير تفصيل قال الشافعي رضي الله عنه القياس أنه فاسد للتفاوت قال ومن الناس من ينزله على وسط مقتصد فمن الأصحاب من جعل هذا أيضا قولا له وأما تقدير الطعام في السفرة ففيه وجهان مرتبان وأولى بوجوب التعريف بل الصحيح وجوبه لأنه يتفاوت تفاوتا لا ينضبط ويجب ذكر تفصيل السير أو السرى ومقدار المنازل إن لم يكن مضبوطا بالعادة وإن انضبط بالعادة نزل عليهما هذا إذا كانت الإجارة على عين الدابة فإن أورد على الذمة فيشترط وصف الدابة أفرس أم بغل أم جمل وهل يشترط التعرض لكيفية السير مثل كونه مهملجا أو بحرا أو قطوفا فيه وجهان ويدخل التأجيل فيه فيقول في المحرم ألزمتك أن تركبني غرة المحرم لأنه في الذمة فأشبه السلم ولفظ الإجارة في الذمة أن تقول ألزمت ذمتك إركابي كذا فرسخا أو ألزمت ذمتك تسليم مركوب إلي أركبه كذا فرسخا فيقول التزمت الجهة الثانية استئجار الدابة للحمل وحكمه حكم الركوب إلا في أمرين أحدهما أن معرفة وزن المحمول تحقيقا شرط إن كان غائبا بخلاف تحقيق وزن الراكب وإن كان الحمل حاضرا فشاله باليد وعرف قدره تخمينا كفى والثاني أنه إن كان في الذمة لا يشترط ذكر جنس الدابة أبغل أم فرس إلا إذا استأجر لحمل زجاج فقد يختلف الغرض به الجهة الثالثة الاستقاء وهو كالحمل فيعرف قدر الماء ويريد أنه يتكرر فيعرف قدر كل كرة ويعرف عمق البئر أو الدولاب وقد تحتاج فيه إلى التعيين إذا كان لا ينضبط بالوصف الجهة الرابعة الحراثة فإن قدر بالزمان لم يجب تعريف الدابة ورؤيتها وإن ضبط بقدر الأرض وجب معرفة الدابة على المكتري ومعرفة الأرض على المكري أهي سهلية أم جبلية فإن كانت مستورة بالتراب فلا يكفي النظر إلى وجهتها ما لم يعرف جنسها هذا تفصيل العلم والعرض إنما يتفاوت المقصود به تفاوتا لا يتسامح بمثله في المعاملة وجب بيتنه هذا جملته وتفصيله فليعتبر بما ذكرنا ما لم نذكر قياسا عليه الباب الثاني في بيان حكم الإجارة الصحيحة وفيه فصلان الفصل الأول في موجب الألفاظ المطلقة لغة وعرفا ويرتبط النظر فيه بأقسام الإجارة وهي ثلاثة القسم الأول في الاستصناع وفيه مسألتان إحداهما الاستتباع واستئجار الأرض للزراعة يستتبع استحقاق الشرب قطعا وإن لم يذكر للعرف واستئجار الخياط لا يوجب عليه الخيط إذ العرف لا يقتضيه واستئجار الحاضنة للحضانة هل يستتبع الإرضاع وكذا الاستئجار للإرضاع هل يستتبع الحضانة فيه ثلاثة أوجه أحدها لا إذ كل واحد يمكن إفراده بنفسه على ظاهر المذهب كما سبق فإفراد أحدهما بالذكر يدل على تخصيصه وعلى هذا ليس على المرضعة إلا وضع الثدي في فم الصبي وباقي الأعمال في تعهد الصبي على الحاضنة والثاني أن كل واحد يتبع صاحبه لأن العرف قاض بأن ذلك لا يتولاه شخصان بل يتلازمان والثالث وهو اختيار القاضي أنه إن استؤجرت للإرضاع استتبعالحضانة كي لا تبقى الإجارة في مقابلة مجرد العين فإن الأصل في الإجارة المنفعة وإن استؤجرت للحضانة لم يستتبع الإرضاع وأما الحبر في حق الوراق والصبغ في حق الصباغ فيه طريقان منهم من قال هو كاللبن في حق الحاضنة فيخرج عل الخلاف في اتباعه وإن لم نحكم بالتبعية فإن شرط فيه وهو مجهول جاز كما في اللبن ومنهم من قطع بأن الحبر والصبغ مستقل وهو مستتبع لا تبيع فإن شرط فلا بد وأن يذكر ويعرف ثم يكون جمعا بين بيع وإجارة بخلاف اللبن فإنه لا يفرد اعتيادا فرع لو انقطع لبن المرضعة ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه ينفسخ لأن اللبن كل المقصود والباقي تابع والثاني يثبت الخيار لأن الأصل عمل الحضانة وهذا عيب والثالث أن كل واحد مقصود فهو كما لو استأجر عبدين فتلف أحدهما المسألة الثانية إذا نسي المتعلم ما حفظ قيل إن كان ما دون سورة يجب على المعلم إعادته وقيل ما كان دون آية وهو تحكم ولعل الأصح أنا ما نسي في مجلس التعلم يجب إعادته وكأنه لم يثبت فينفسه بعد وما نسي بعد مجلس التعلم فهو من تقصير الصبي القسم الثاني في استئجار الأراضي والدور أما الدور ففيها مسألتان إحداهما إقامة جدار مائل وإصلاح جذع منكسر وما يجري مجراه من مرمة لا يحتاج فيها إلى تجديد عين يجب على المكري إدامته لتوفير المنفعة فإن افتقر إلى إعادة جدار مائل أو جذع فإن فعل استمرت الإجارة ولا خيار وإن أبى فللمكتري الخيار وهل له إجباره على إعادته قال العراقيون لا وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله لأنه إلزام عين جديدة لم يتناولها العقد وقال القاضي والشيخ أبو محمد يجبر عليه وفاء بتوفير المنفعة وكذا الخلاف إذا غصبت الدار وقدر المكري على انتزاعها هل يلزمه وكذا الخلاف إذا ضاع المفتاح هل يجب عليه إبدالهولا خلاف في أن تسليم المفتاح واجب ولو ضاع في يد المكتري فهو أمانة وليس على المكري إبداله والدعامة التى تمنع من الانهدام إذا احتيج إليها في معنى جذع جديد أو في معنى إقامة مائل فيه تردد فرع لو أجر دارا ليس لها باب ومرزاب لم يلزمه إحداثه قطعا إذ لم يلتزمه أصلا نعم إن جهله المكترى فله الخيار المسألة الثانية تطهير الدار عن الكناسة والأتون عن الرماد وعرصة الموضع عن الثلج الخفيف على المكتري وتطهير السطوح على الثلج ليس على المكتري بل إن فعله المكتري فذاك وإن تركه فهو المستضر به فإن انهدمت به الدار فللمكتري الخيار وأما تنقية البالوعة والحش ففيه وجهان أحدهما أنه على المكتري ككنس العرصة والثاني على المكري إذ به يتهيأ للانتفاع ولا خلاف في أنه إذا انقضت المدة لا يطالب المكتري بالتنقية عند الخروج من الدار ويطالب بتنقية العرصة من الكناسات وقولنا في دوام المدة عليه أردنا به إن أراد الانتفاع لنفسه فرع لو طرح في البيت ما يتسارع إليه الفساد هل يمنع منه فيه وجهان والصحيح أنه لا يمنع فإنه معتاد في الدور أما الأراضي ففيها ثلاث مسائل الأولى إذا استأجر أرضا للزراعة ولها شرب اتبع موجب الشرط في الشرب وإن لم يكن شرط فالعرف فإن لم يكن عرف فاستؤجرت للزراعة فوجهان أحدهما الاتباع لأن لفظ الزراعة كالشرط للشرب إذ لا يستغنى عنه والثاني وهو الصحيح أنه لا اتباع إذ موجب اللفظ يزاد عليه بعرف غير مضطرب فإذا اضطرب اقتصر على موجب اللفظ ومنهم من قال تفسد هذه الإجارة لأن المقصود صار مجهولا بتعارضهذين الوجهين المسألة الثانية إذا مضت مدة الإجارة والزرع باق نظر فإن كان السبب تقصير المكتري وتأخيره فللمكري قلعه مجانا وله إبقاؤه بأجرة وإن كان السبب برد الهواء وإفراطه فلما يقلعه مجانا بل يتركه بأجرة لأنه غير مقصر وفيه وجه أنه يقلع مجانا كالتقصير وإن كان السبب كثرة الأمطار المانعة من المبادرة إلى الزراعة فهذا متردد بين التأخير وبين برد الهواء وإن كان السبب قصر المدة المشروطة كما إذا استأجر الأرض لزراعة القمح شهرين فإن شرط القلع مجانا فله ذلك فلعله ليس يبغي إلا القصيل وإن شرط الإبقاء فالإجارة فاسدة لتناقض التأقيت وشرط الإبقاء وإن سكت قال الشيخ أبو محمد ينزل على شرط الإبقاء فيفسد لأن الزرع يقصد ليبقى في العادة فهو كما إذا استأجر دابة يوما ليسافر بها إلى مكة من بغداد وإليه يشير نص الشافعي رضي الله عنه ومنهم من قال إنه يصح لأن المدة معلومة وقد يقصد القصيل ثم في جواز القلع وجهان أحدهما لا يقلع مجانا كالإعارة المؤقتة والثاني يقلع لأن فائدة تأقيت الإعارة طلب الأجرة بعد المدة وهاهناالأجرة في المدة لازمة فلا تظهر فائدة سوى القلع وعلى الجملة نقل وجه من هاهنا إلى تأقيت الإعارة متجه وكذلك في إجارة الأرض للبناء والغراس في جواز القلع بعد المدة هذه الخلاف مع القطع في العارية المؤقتة بأنه لا يجوز القلع بعد المدة والتسوية متجهة ثم إذا فرعنا على أن الإجارة المؤقتة كالعارية المؤقتة وأن القلع مجانا بعده لا يجوز فيتخير بين القلع بأرش أو الإبقاء بأجرة أو التملك بعوض كما في العارية فإن اختار القلع فمباشرة القلع أو بدل مؤنته على من في كلام الأصحاب فيه تردد يحتمل أن يقال على المكتري فإنه تفريغ الملك وهو الذى شغله وإنما على المالك أرش النقصان ويحتمل أن يقال إن أراد المالك القلع فليباشره وعلى هذا لو أبى المكتري القلع أو التمكين منه ذكرنا في العارية أنه يقلع مجانا وذكر هاهنا وجه يطرد أيضا في العارية أنه يقلع ويغرم له كالمالك إذا منع المضطر الطعام لا يبطل حقه لكن يؤخذ قهرا بعوض المسألة الثالثة لو استلجرها للقمح فليس له زراعة الذرة ولو استأجر للذرة فله زراعة القمح لأن ضرره دونه ولو شرط المالك المنع عن القمح فثلاثة أوجه أحدها أنه يتبع الشرط فهو المالك والثاني يفسد الشرط فهو كقوله أجرت بشرط أن لا تلبس إلا الحرير والثالث أن العقد يفسد كما لو شرط أن لا يؤاجر الأرض المستأجرة ولو نفى الذرة فزرعها فللمكري المبادرة إلى القلع في الحال ولو زرع ما ضرره دون ضرر المشروط ولكن يطول بقاؤه فهل له في الحال قلعه وجهان أحدهما لا إذ لا ضرر في الحال والثاني نعم لأنه مضر في جنسه بطول البقاء فرع لو شرط القمح فزرع الذرة فلم يقلع حتى مضت المدة قال الشافعي رضي الله عنه يتخير بين أن يطالب بأجرة المثل أو يطالب بالمسمى وأرش نقصان الأرض قال المزني الأولى بقوله المسمى وأرش النقص فمن الأصحاب من قال هذا يدل على اضطراب قول وحاصل ما فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يتعين المسمى وأرش النقص إذ صحت الإجارة ولم يعدل عن جنس الزراعة فهو كما لو استأجر دابة لحمل خمسين فحمل مائة يثبت المسمى وزيادة والثاني تتعين أجرة المثل إذ ترك المعقود عليه فصار كما لو استأجر للزراعة فبنى والثالث أنه ليتخير كما قال الشافعي رضي الله عنه لأن الذرة يضاهي القمح من وجه ويخالفه من وجه فالخيار للمالك ومن الأصحاب من طرد الأقوال في العدول عن الزرع إلى البناء والغراس القسم الثالث في استئجار الدواب وفيه سبع مسائل الأولى يجب على مكري الدابة تسليم الحزام والثغر والإكاف وفي الإبل البرة والخطام والبرذعة وفي السرج خلاف في إكراء الفرس والمتبع في كل ذلك العرف أما المحمل والمظلة والغطاء والحبل الذى يشد به أحد المحملين إلى الآخر على المكتري أما آلات النقل كالوعاء فعلى المكتري إن وردت الإجارة على عين الدابة وإن التزم في الذمة نقل متاعه فعلى المكري والدلو والرشأ في الاستقاء كالوعاء والمتبع في كل ذلك العرف الثانية إذا استأجر للركوب ولم يتعرض للمعاليق في اقتضائه تعليق المعاليق وجهان أحدهما يقتضيه للعادة والثاني لا إذ رب راكب لا معلاق له فإن قلنا إنه يقتضيه فهو كما لو ذكر المعلاق ولم يفصله وقد ذكرنا خلافا في أنه مجهول أم يحكم فيه العرف فرع الصحيح أن الطعام يجب تقديره فلو قدر عشرين منا فإذا فني هل يجوز إبداله فيه ثلاثة أوجه أحدها نعم كسائر المحمولات والثاني لا لأن العادة في الطعام أن تنزفه الدابة إذ لم يبق والثالث أنه يبدل إن فني الكل وإن فني شئ منه فلا يبدل كل ساعة الثالثة كيفية السير والسرى ينزل فيه على العادة أو الشرط وكذا النزول على العقبات يقتضيه مطلق الإجارة فلو تنازعا في المنزل فإن كان في صيف فالصحراء وإن كان في شتاء ففي القرى وقد يختلف بالأمن والخوف فينزل في وقت الخوف في القرى وفي الأمن في الصحراء فإن لم يكن عرف فسدت الإجارة إن لم يشترط والنزول عن الدابة والمشي رواحا معتاد فإن أبى فهل يجبر عليه فيه وجهان ووجه المنع أن العادة التبرع به لمن أراد لا كالنزول على العقبة الرابعة يجب على المكري إعانة الراكب في النزول والركوب إن كان الراكب مريضا أو شيخا أو امرأة هذا إذا التزم بتبليغ الراكب المنزل في الذمة فإن أورد على عين الدابة وسلم ففيه خلاف ولعله يختلف باختلاف أحوالالمكتري في العادة أما الإعانة على الحمل فالصحيح أنه يجب إذ العرف فيه غير مختلف والاستقلال بالحمل غير ممكن بخلاف الركوب ورفع المحمل وحطه أيضا على المكري كالإعانة على الحمل وشد أحد المحملين إلى الآخر في الابتداء على من فيه وجهان من حيث إنه مردد بين تنضيد الأقمشة وهو على المكري وبين الخط والرفع ثم قال الشافعي رضي الله عنه إن تنازعا في كيفية الركوب في المحمل جلس لا مكبوتا ولا مستلقيا أي مستويا غير مخفوض أحد الجانبين من أسفل أو من قدام الخامسة إذا استأجر للحمل مطلقا فله أن يحمل ما شاء والأظهر أن اختلاف الحديد والقطن والشعير كاختلاف القمح والذرة حتى يشترط التعرض له في وجه ثم إن شرط الشعير حمل الحنطة إذ لا فرق ولا يحمل الحديد ولو شرط الحديد حمل الرصاص والنحاس للتقارب ولا يحمل القطن وكذا إذا شرط القطن لا يحمل الحديد لاختلاف جنس الضرر وأما الوعاء هل يحتسب إن قال التزمت حمل مائة منا من الحنطة فالوعاء وراءه فإن تماثلت الغراير في العرف حمل عليه وإلا شرط ذكر وزند الظرف فإن قال احمل مائة من فالظاهر أنه مع الظرف وفيه وجه أنه كالصورة الأولى ولو قال أحمل عشرة آصع بدرهم وما زاد فبحسابه فهو في عشرة آصع صحيح وفي الباقي فاسد لأنه لا مرد له السادسة إذا تلفت الدابة المعينة انفسخت الإجارة وإن وردت على الذمة وسلمت الدابة فتلفت جاز للمكري إبدالها ولم تنفسخ وكذا إذا وجد بها عيبا لم يكن له الفسخ كما إذا وجد بالمسلم فيه عيبا نعم يفيد القبض في الدابة وإن لم يعين في العقد تسلط المستأجر على إجارتها والاختصاص بها إن أفلس المكري حتى يقدم على الغرماء بمنافعها ولو أراد المالك إبدالها في الطريق دون رضاه فيه تردد والأصح أنه إن قال أجرتك دابة من صفتها كذا وكذا ثم عين لم بجز له الإبدال وإن قال التزمت إركابك إلى البلد الفلاني جاز الإبدال السابعة في إبدال متعلقات الإجارة أما المستوفي وهو الراكب فيجوز إبداله بمثله وأما المستوفى منه وهو الأجير والدابة والدار فلا يجوز الإبدال بعد ورود الإجارة على العين وأما المستوفى فيه وهو الثوب في الخياطة والصبي في التعليم والمسافة في البلاد والطرق ففيه ثلاثة أوجه أحدها الجواز لأن الإجارة لا تتعلق بهذه الأشياء كالمستوفي والثاني لا كالمستوفى منه والثالث أنه لا إجبار فيه ولكن بالتراضي يجوز من غير تصريح بمعاوضة وشرطها فرع إذا استأجر ثوبا للبس فلا يبيت فيه ليلا وكذا في وقت القيلولة وفي وقت القيلولة وجه وليس له الاتزار به لأن ضرره فوق اللبس وفي الارتداء به وجهان لأن ضرر جنس آخر الفصل الثاني في الضمان والنظر في المستأجر والأجير أما المستأجر فيده يد أمانة في مدة الانتفاع ولو انهدمت الدار المستأجرة أو تلف الثوب المستأجر للبس أو الدابة المتسأجرة للركوب بغير عدوان فلا ضمان لأن توفيه المنفعة واجبة على الآجر ولا يتوصل إليه إلا بإثبات يد المستأجر فكأنه يمسكه لغرض الآجر أما إذا تعدى بضرب الدابة من غير حاجة أو سبب آخر فتلف ضمن ضمان العدوان أما إذا انقضت المدة قال الشافعي رضي الله عنه ولو حبسه بعد المدة فتلف ضمن واختلف الأصحاب فمنهم من قطع بأن يده يد أمانة بعد المدة كما في المدة وأنه لا يلزمه مؤنة الرد وإذا تلف فلا ضمان وأراد الشافعي رضي الله عنه ما إذا حبس بعد المطالبة ومنهم من قال يده بعد المدة كيد المستعير فعليه مؤونة الرد والضمان فأما قبل الانتفاع إذا سلم إليه الدابة فربطها في الإصطبل فماتت فلا ضمان قبل مضي مدة الانتفاع فإن انهدم عليها والإصطبل قال الأصحاب يجب الضمان إذ لو ركب في الطريق لكان آمنا من هذه الآفة أما الأجير على الدابة للرياضة وعلى الثوب للخياطة وعلى الخبز للخبز فضامن إن تلف المال بتقصيره في العمل وإن لم يقصر وتلف بآفة نظر إن كان في دار المالك وفي حضوره والشئ في يد المالك فلا ضمان وإن كان في يد الأجير ودكانه ففيه ثلاثة أقوال الأصح أنه لا ضمان قال الربيع اعتقد الشافعي رضي الله عنه أن لا ضمان على الأجير وأن القاضي يقضي بعلمه ولكن كان لا يبوح به خيفة القضاة السوء والآجر السوء ويتأيد ذلك بأن الراعي إذا نلفت الأغنام تحت يده بالموت بآفة سماوية لا يضمن إجماعا وعامل القراض لا يضمن إجماعا والمستأجر لا يضمن إجماعا والثاني أنه يضمن ويتأيد ذلك بآثار من الصحابة وفيه مصلحة للناس صيانة للمال من الأجراء السوء ولأن العمل وجب عليه وإنما هو مستعير للثوب لغرض نفسه حتى يوفي عمله بواسطته بخلاف المتسأجر والثالث أن الأجير المشترك الذى يقدر على أن يحصله بنفسه وغيره يضمن والمنفرد المعين شخصه للعمل لا يضمن والفرق ضعيف فروع أربعة الأول إذا غسل ثوب غيره أو حلق رأسه أو دلكه من غير جريان لفظ في الإجارة فظاهر نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا يستحق شيئا وهو قياس مذهبه لأن الأجرة تجب بعقد ومجرد القرينة عند الشافعي رضي الله عنه لا تقوم مقام العقد ولأجله لم تكن المعاطاة بيعا أو تجب بالإتلاف والغسال والدلال والحلاق هم الذين أتلفوا منافع أنفسهم ولم يجر منه إلا سكوت أو إذن ولو أتلف ملك غيره بإذنه لم يضمن فكيف إذا أتلف المالك منفعة نفسه واختار المزني أنه يضمن له إذا كان مثله يعمل بأجرة ويكون بالإذن مستوفيا للمنفعة وفعله لا يدل على المسامحة فيبقى مضمونا كما أن من دخل الحمام جعل مستوفيا للمنفعة ضامنا ومن أصحابنا من قال إن كان الالتماس من صاحب الثوب ضمن وإن كان من الغسال لم يستحق فإن قيل وما يستحقه الحمامي عوض ماذا قلنا من أصحابنا من قال هو ثمن الماء وإلا فهو متبرع بالسطل والإزار إعارة له ومتبرع بحفظ الثياب وهو ضعيف لأن الماء تابع في مقصود الاستحمام ولو كان مقصودا لكان يضمن بالمثل إن كان متقوما بل ما يستحقه أجره منفعة السطل والإزار والحمام وحفظ الثياب فهو في حق الثوب كأجير مشترك حتى يخرج ضمانه على القولين والداخل لا يضمن السطل والإزار ضمان المستعير بل هو كالمستأجر الفرع الثاني إذا قصر الثوب فتلف بعد القصارة إن كان يغسل في يد المالك وداره فيستحق الأجرة ولا ضمان وإن كان في يد الغسال ففي الضمان القولان وفي الأجرة قولان مأخذهما أن القصارة عين أو أثر وفائدته أن القصار هل له حق الحبس كما للصباغ فإن قلنا له حق الحبس فقد تلف قبل التسليم فلا أجرة له وإن قلنا أثر ولا حبس فقد صار بمجرد الفراغ مسلما فله الأجرة والصحيح أنه لا أجرة له ولا ضمان وفي طريقة العراق أنا إن ضمناه فله الأجرة وإن جعلناه أمينا فلا أجرة له وقدمناه من البناء أظهر الفرع الثالث إذا استأجر دابة ليحملها عشرة آصع فأخذ الدابة وحملها أحد عشر صاعا وتلف تحت يده ضمن كلها لأنه غاصب ولو أسلم أحد عشر صاعا إلى المكري وليس عليه فظن أنه عشرة فحملها فتلفت الدابة بآفة أخرى فلا ضمان عليه وإنما عليه أجرة المثل للزيادة وإن تلفت بثقل الحمل فالأظهر أن الغار يطالب بالضمان وإن كان مباشرة الحمل من مالك الدابة وفي قدر الضمان قولان أحدهما النصف لأنه تلف بمضمون وغير مضمون فهو كالجراحات والثاني يوزع على قدر الحمل فيلزمه جزء من أحد عشر جزءا من الضمان بخلاف الجراحات فإن آثارها لا ينضبط ومثل هذا الخلاف جار في الجلاد إذ زاد على الحد واحدة أنه يوزع على العدد أو ينصف ولو استأجر رجلان ظهرا فارتدفهما ثالث بغير إذنهما وهلكت الدابةففيما على الرديف ثلاثة أوجه أحدها النصف إذ هلك بمضمون وغير مضمون والثاني أنهم يوزنون ويقسط الضمان على وزنه بحصته والثالث أن عليه الثلث فإن وزن الرجال بعيد الفرع الرابع سلم ثوبا إلى خياط فخاطه قباء فقال المالك ما أذنت لك إلا في خياطته قميصا وتنازعا قال ابن أبي ليلى القول قول الخياط لأن الإذن في أصله متفق عليه وهو أمين فالقول قوله في التفصيل وقال أبو حنيفة رحمه الله القول قول المالك لأنه الآذن فيرجع إله ف تفصيل إذنه قال الشافعي رضي الله عنه و قول أبي حنيفة رحمه الله أولى ثم ذكر قولا ثالثا وهو أنهما يتحالفان إذ المالك يدعي عليه خيانة وهو ينكرها والخياط يدعي على المالك إذنا في خياطة القباء وهو ينكره فمن الأصحاب من قال للشافعي رضي الله عنه ثلاثة أقوال إذ لا يرجح فاسد على فاسد فدل على أنه رأى مذهبهما رأيا ومنهم من قال مذهبه التحالف وذاك حكاية عن مذهب الغير وهو الأصح التفريع إن قلنا يحلف الأجير فحلف سقط عنه الأرش وهل يستحق الأجرة وجهان أحدهما وهو قول أبي إسحاق المروزي لا لأن يمينه نافية فلا تصلح للإثبات والثاني أنه يستحق لأنا نحلفه على أنه أذن له في خياطته قباء لا قميصا فليستفد بيمينه استحقاق الأجرة فإن قلنا يستحق فأجرة المثل أو المسمى فيه وجهان أحدهما المسمى تصديقا له كما قال فإن كان من إشكال فهو من ضعف هذا القول ولزومه عليه والثاني أجرة المثل إذ ربما يكثر المسمى ويبعد إثباته بيمين النفي فإن قلنا لا يستحق فيدعي على المالك الأجرة فإن حلف سقط وإن نكل فهل تجدد اليمين عليه قال القاضي حسين رحمه الله لا إذ لا فائدة في التكرير فكأن يمينه السابقة كانت موقوفة على النكول لتصير حجة والثاني أنه يكرر اليمين إذ لا عهد بتقديم اليمين على النكول في الإثبات وإن فرعنا على أن القول قول المالك فيحلف له أنه أذن له في القميص لا في القباء وتسقط عنه الأجرة ويستحق الضمان لأنه إذا انتفى الإذن فالأصل الضمان وفي قدر الضمان قولان أحدهما التفاوت بين المقطوع وغير المقطوع والثاني التفاوت بين المقطوع قميصا وقباء لأن هذا القدر مأذون فيه وهذا يلتفت على أن الوكيل إذا ضمن في البيع هل يحط عنه ما يتغابن الناس به فإنه كالمأذون فيه لو تم البيع ثم مهما لم يأخذ الأجير الأجرة فله نزع الخيط إذا كانملكا له وإن فرعنا على التخالف فإذا تحالفا سقطت الأجرة وهل يسقط الضمان قولان أحدهما لا إذ فائدة التحالف رفع العقد والرجوع إلى ما قبله والثاني وهو الأصح أنه يسقط لأنه حلف على نفي العدوان أعني الخياطة ولو نكل لكان لا يلزمه إلا الضمان فليكن ليمينه فائدة الباب الثالث في الطوارئ الموجبة للفسخ وهو ثلاثة أقسام الأول ما ينقص المنفعة من العيوب فهي سبب للخيار قبل القبض وبعد القبض لأنه وإن قبض الدار والدابة فالمنافع غير مقبوضة بعد نعم أقيم قبض محل المنافع مقام قبض المبيع في التسليط على الإجارة وفي لزوم تسليم البضع إن كانت المنفعة صداقا وحصول العتق إن كانت المنفعة نجوم كتابة وذلك لأجل الضرورة ولا ضرورة في نفي خيار العيب والعيب كل ما يؤثر في المنفعة تأثيرا يظهر به تفاوت الأجرة ما لا يظهر به تفاوت قيمة الرقبة فإن مورد العقد المنفعة فروع أربعة أحدها أن عذر المستأجر في نفسه لا يسلط على الفسخ كما إذا استأجر دابة لسفر فمرض أو حماما فتعذر عليه الوقود أو حانوتا فاحترف بحرفة أخرى فإنه لا خلل في المعقود عليه وقال أبو حنيفة يثبت الفسخ بهذه المعاذير الثاني لو استرم الجدار فهو عيب فلو بادر المكري إلى الإصلاح لم يثبت الفسخ وإنما الخيار إذا امتنع عن العمارة أو افتقر إلى تعطيل مدة فإن رضي المكتري دون الإصلاح فالصحيح أنه يلزمه تمام الأجرة الثالث إذا أكرى أرضا للزراعة ففسد الزرع يحائحة من برد أو صاعقة لم يثبت بالفسخ ولا ينقص شئ من الأجرة لأن الأرض لم تتعيب وإنما النازلة نزلت بملكه وإن أفسدت الجائحة الأرض وأبطلت فيها قوة الإنبات ثم فسد الزرع بعده فيفسخ العقد فيما بقي من الزمان والظاهر أنه يسترد أجرة ما سبق إذ كان موقوفا على الآجر فإن أول الزراعة غير مقصود ولم يسلم له الآجر وإن أفسد الأرض بعد إفساد الزرع فالظاهر أنه لا يسترد شيئا لأنه لو بقيت صلاحية الأرض وقوتها لم يكن للمستأجر فيها فائدة بعد فوات زرعه الرابع مهما أثبتنا له الخيار فإن رضي فالصحيح أنه مأخوذ بتمام الأجرة وإن فسخ فالصحيح أنه لا ينفسخ فيما مضى وتوزع الأجرة المسماةعلى قدر أجرة المثل في المدتين لا على المدة القسم الثاني فوات المنفعة الكلية فموت الدابة المعينة والعبد المعين للعمل يوجب انفساخ الإجارة إن وقع عقب العقد وإن مضت مدة انفسخ بالإضافة إلى الباقي وبالإضافة إلى الماضي يخرج على نظيره في تفريق الصفقة فروع الأول إذا انهدمت الدار نص الشافعي رضي الله عنه أن الإجارة تنفسخ وإذا انقطع شرب الأرض المستأجرة للزراعة نص أن يثبت الخيار فقال الأصحاب فيه قولان بالنقل والتخريج أحدهما الانفساخ إذ فاتت المنفعة المقصودة والثاني ثبوت الخيار إذ الأرض على الجملة تبقى منتفعا بها بوجه ما ومنهم من قرر النصين وفرق بأن الدار لم تبق دارا بعد الانهدام والأرض بقيت أرضا فإن قلنا له الخيار فأجاز فهل يجيز بكل الأجرة أم يحط قسط لأجل الشرب فيه وجهان وهذا أيضا يضاهي التردد في أن اللبن مقصود مع الحضانة أو هو تابع ولو كان عود الماء متوقعا فلم يفسخ ثم بعد ذلك أراد الفسخ إذا لم يعد فله ذلك وهو كالمرأة إذا أخرت الفسخ بعد ثبوت إعسار الزوج ومضي مدة الإيلاء الثاني إذا مات الصبي الذى استؤجر على إرضاعه أو العبد الذى استؤجر على تعليمه أو تلف الثوب الذى استؤجر على خياطته ففي الانفساخ وجهان ذكرناهما أحدهما أنه لا ينفسخ لأنه كالمستوفي فأشبه موت العاقدين فإنه لا يوجب الفسخ عندنا والثاني نعم بل هو كموت الأجير لأن الغرض يختلف به وقد نص الشافعي رضي الله عنه على أنه لو أصدقها خياطة ثوب فتلف الثوب رجعت إلى مهر المثل وهو حكم بالانفساخ وفيه وجه ثالث وهو الأعدل وهو أنهما إن لم يتشاحا في الإبدال استمر العقد وإلا ثبت الفسخ الثالث إذا غصبت الدار المستأجرة حتى مضت مدة الإجارة قال المراوزة ينفسخ العقد وذكر العراقيون قولين أحدهما أنه ينفسخ والثاني للمستأجر الخيار فإن أجاز طالب الغاصب بالأجرة كالبيع إذا أتلفه أجنبي قبل القبض وهذا بخلاف المنكوحة إذا وطئت بشبهة فإن البدل لا يصرف إلىالزوج لأن النكاح لا يوجب حقا في المال بخلاف منفعة الإجارة هذا إذا مضت المدة وأما في ابتداء الغصب فكما جرى يثبت الخيار للمكتري لأنه تأخر حقه بعد التعيين ولو ادعى الغاصب ملك الرقبة لنفسه فاللمكري حق المخاصمة قال الشافعي رضي الله عنه وليس للمكتري حق المخاصمة لأنه لو أقر ما كنت أقبل إقراره وذكر المراوزة وجها منقاسا أنه يخاصم لطلب المنفعة وإن كان لا يقبل إقراره في الرقبة فلو أقر المكري بالدار للغاصب فإن قلنا يصح بيعه نفذ إقراره وإن قلنا لا يصح بيعه ففي إقراره من الخلاف ما في إقرار الراهن فإن قبلنا إقراره ففي سقوط استحقاق المستأجر من المنفعة ثلاثة أوجه أحدها يسقط تابعا للرقبة والثاني لا لأنه التزم حقه في المنفعة فلا يقدر على إبطاله والثالث إن كانت الدار في يد المكتري لا تزايل يده إلى مضي المدة وإنكانت في يد المقر له فلا تنزع من يده أيضا الرابع إذا هرب الجمال بجماله فقد تعذرت المنفعة فإن ورد العقد على العين فله الفسخ وإذا مضت المدة انفسخ وإن ورد على الذمة فللقاضي أن يستأجر عليه استقراضا إلى أن يرجع وإن كان له مال باع فيه وإن ترك جماله استوفيت منفعتها والقاضي ينفق عليها فإن انفق المكتري بنفسه ففي رجوعه عند العجز عن القاضي خلاف ذكرناه في المساقاة وحيث قضينا بالانفساخ في موت الدابة والعبد والغصب أردنا به ما إذا وردت الإجارة على العين فإن وردت على الذمة فلا تنفسخ ولكن يطالب بالتوفية من عين أخرى الخامس إذا حبس المكتري الدابة التى استأجرها استقرت عليه الأجرة وإن لم يستعملها مهما مضت المدة في حبسه سواء كانت الإجارة وردت على عين الدابة أو على الذمة وسلمت الدابة فأما المكري إذا حبس ولم يسلم انفسخت الإجارة إن كان قد عين مدة وإن لم تكن المدة معينة فوجهانأحدهما نعم ينفسخ كما تستقر به الأجرة في حبس المكتري والثاني لا ينفسخ بل يقال تأخر حقه فله الخيار إن شاء لأن الوقت غير متعين السادس التلف الموجب للانفساخ أو للخيار موجب حكمه وإن صدر من المكتري ولكنه ضامن وهو كما لو جبت المرأة زوجها ضمنت وثبت لها فسخ النكاح القسم الثالث ما يمنع من استيفاء المنفعة شرعا فهو أيضا موجب للانفساخ كما لو استأجر على قلع سن فسكن الألم أو قطع يد فسلمت اليد أو ليقطع يد من عليه القصاص فعفا انفسخت الإجارة في الكل لأن الفوات شرعا كالفوات حسا إلا عند من يرى الإبدال في مثل هذه الأمور وتيسر الإبدال فروع أربعة الأول إذا أجر الوقف المرتب على البطون ومات ففي انفساخ الإجارة وجهان أحدهما لا لأنه عاقد والإجارة لا تنفسخ بموت العاقد فعلى هذا البطنالثاني يرجع في تركته بأجرة المدة الباقية والثاني وهو الأظهر أنه ينفسخ إذ بان أن بإجارته تناول ما لا حق فيه وفي إلزام إجارته على من بعده من البطون ضرر ظاهر بخلاف الوارث فإنه يلزمه تسليم الدار المكراة لأنه يأخذ الملك من المورث ولم يملك إلا دارا لا منفعة لها الثاني إذا آجر الصبي أو ماله على وفق الغبطة مدة تزيد على مدة الصبى فهو باطل في القدر الفاضل وفي القدر الباقي ينبني على تفريق الصفقة وإن كان متقاصرا عن سن بلوغه صحت الإجارة فإن بلغ قبل السن بالاحتلام ففي انفساخ الإجارة وجهان الأظهر أنه لا ينفسخ لأنه وليه وقد نظر له والأجرة قد سلمت له والثاني أنه ينفسخ إذ بان أنه تناول يعقدة ما خرج عن محل ولايته الثالث إذا آجر عبدا ثم أعتقه قبل مضي المدة صح العتق كما لو زوج جارية ثم أعتقها إذ لا يناقض الإجارة العتق والمذهب المقطوع به أنه لا تنفسخ الإجارة وفيه وجه ذكره صاحب التقريب أنه ينفسخ كموت البطن الأول نعم اختلفوا فيما للعبد فمنهم من قال له الخيار وهو أيضا بعيد في المذهب بل الصحيح استمرار الإجارة على اللزوم وفي رجوع العبد بأجرة مثله على السيد وجهان أحدهما نعم لأنه فوته بعد الحرية والمنفعة حدثت على ملك العبد والثاني لا وكأنه كالمستوفى في حالة الرق فإن قلنا لا يرجع بالأجرة ففي نفقته وجهان أحدهما على السيد وكأنه استبقى حبسه مع العتق والثاني على بيت المال فإن الملك قد زال وهو فقير في نفسه الرابع إذا باع الدار المستأجرة من أجنبي قبل مضي مدة الإجارة ففيه قولان أظهرهما الصحة وكأن المنافع مستثناة ولو استثنى المنافع لنفسه مدة فهو على هذا الخلاف ويشهد لجواز الاستثناء حديث ورد فيه وإن كان القياس يقتضي البطلان ولو انفسخت الإجارة بعذر في بقية المدة فالمنفعة الباقية للمشتري أو للبائع فيه وجهان أحدهما للمشتري فإنه يحدث على ملكه بعد انفساخ الإجارة والثاني لا لأنه كان للمستأجر فيعود بفسخه إلى العاقد للإجارة لا غير أما إذا باعها من المستأجر فالظاهر الصحة وتستوفى المنفعة في بقية المدة بحكم الإجارة وفيه وجه آخر أنه تنفسخ الإجارة كما لو اشترى زوجته فإن ملك العين أقوى في إفادة المنفعة من الإجارة فيدفع الأضعف أما إذا أجر المستأجر الدار المستأجرة من المالك صح على الظاهر وعلى قولنا ملك العين والإجارة لا يجتمعان لا يصح أصلا كتاب الجعالة وهي معاملة صحيحة لقوله سبحانه وتعالى { ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم } ولما روي أن قوما من أصحابه صلى الله عليه وسلم نزلوا بحي من أحياء العرب فلدغ سيدهم فالتمسوا منهم رقية فأبوا إلا بجعل فجعلوا لهم قطيعا من الشاة ومضى إليهم واحد وقرأ أم القرآن وتفل فيه بلعابه فبرئ فسلم القطيع فقالوا لا نأخذ حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكي ذلك له فضحك وقال ما أدراك أنها رقية خذوها واضربوا لي فيها بسهم ويتأيد ذلك بالحاجة إذ قد تمس الحاجة إلى ذلك في رد عبد آبق أو ضالة وما لا يدرى من الذى تعذر عليه والنظر في أحكامها وأركانها أما الأركان فأربعة الركن الأول الصيغة وهي قول المستعمل من رد عبدي الآبق أو ضالتي أو عمل العمل الذى يريده مما يجوز فعله ويستباح فله دينار أو ما يريد صح العقد ولم يشترط القبول لفظا بل اكل من سمعه اشترك في حكمه فمن قام بالعمل استحق ولو لم يصدر منه لفظ فرد إنسان عبده الآبق أو عمل له عملا لم يستحق شيئا لأنه متبرع ولو قال رد عبدي ولم يقطع له أجرة فرد ففي استحقاقه ما ذكرناه في استعمال القصار والدلاك والمزين وكذا إذا نادى ولكن رد العبد من لم يسمع نداءه فلا يستحق شيئا لأن النداء يتناول من سمع وهو قصد التبرع به وكذا الفضولي إذا كذب وقال قال فلان من رد عبدي فله دينار فرده إنسان لا يستحق لا على المالك ولا على الفضولي ولو قال من رد عبد فلان فله دينار وجب على الفضولي لأنه ضمنه بقوله الركن الثاني العاقد ولا يشترط في الجاعل إلا أهلية الاستئجار ولا في المجعول له إلا أهلية العمل ولا يشترط التعيين إذ يخالف اشتراط تعيين الشخص مصلحة العقد الركن الثالث العمل وهو كل ما يجوز الاستئجار عليه ولكن لا يشترط كونه معلوما فإن رد الآبق لا ينضبط العمل فيه وكان ينقدح أن يشترط كون العمل مجهولا ولا يتقدر كالمضاربة ولكن قطع العراقيون بأنه لو قال من بني حائطي أو خاط ثوبي فله كذا أن ذلك لا يجوز وكذا إذا قال أول من يحج عني فله دينار استحق الدينار هذا رواه المزني عن الشافعي رضي الله عنه في المنثور ثم قال المزني ينبغي أن يستحق أجرة المثل لأنه إجارة فلا يصح بغير تعيين وهذا يدل على أن المزني اعتقد اختصاص الجعالة بالمجهول الذى لا يستأجر عليه وقد نسب العراقيون المزني إلى الغلط فيه وقالوا هذه جعالة الركن الرابع الجعل وشرطه أن يكون مالا معلوما فلو شرط مجهولا فسد واستحق العاملأجرة المثل كما في المضاربة الفاسدة فروع ثلاثة أحدها لو قال من رد عبدي من البصرة فله دينار وهو ببغداد فرده من نصف الطريق استحق نصف الدينار ومن الثلث الثلث لأنه قدر المسافة وإن رد من مكان أبعد لم يستحق للزيادة شيئا لأنه لم يشترط عليه شيئا الثاني إذا قال من رد عبدي فله دينار فاشترك في رده اثنان اشتركا في الجعل وإن عين شخصا وقال إن رددت فلك دينار فشاركه غيره وقال قصدت معاونه العامل استحق العامل الدينار وإن قال قصدت المساهمة فللعامل نصف الدينار ولا شئ للمعين فإنه لم يشرط له شئ الثالث إذا قال لأحدهما إن رددت عبدي فلله دينار وقال لآخر إن رددت فلك دينار فاشتركا فلكل واحد نصف ما شرط له وإن شرط لأحدهما دينارا وللآخر ثوبا مجهولا فاشتركا استحق من شرط له الدينار نصفه وللآخر نصف أجرة المثل أما أحكامها فأربعة الأول أنه جائز من الجانبين كالمضاربة إذ لا يليق بها اللزوم ثم إن فسخه المالك قبل العمل انفسخ وإن كان بعد الشروع في العمل وقبل الفراغ انفسخ ولزمه أجرة المثل وإن كان بعد الفراغ من العمل فلا معنى للفسخ الثاني جواز الزيادة والنقصان فلو قال من رد عبدي فله عشرة ثم قال من رد عبدي فله دينار فمن رده استحق الدينار وكذا على العكس والاعتبار بالأخير فإن لم يسمع العامل النداء الناقص الأخير فينقدح أن يقال يرجع إلى أجرة المثل الثالث أن العامل لا يستحق شيئا إلا بالفراغ من العمل فلو رد العبد إلى باب داره فهرب أو مات قبل التسليم لم يستحق شيئا لأن المقصود قد فات وهو الرد الرابع لو تنازعا في أصل شرط الجعل فأنكره المالك أو في عين عبد فأنكر المالك الشرط فيه وقال إنه شرط في عبد غيره أو أنكر المالك سعيه في الرد وقال رجع العبد بنفسه فالقول في ذلك كله قول المالك فإن العامل مدع فليثبت وإن اختلفا في مقدار المشروط تحالفا ورجع إلى أجرة المثل كما في الإجارة كتاب إحياء الموات وفيه ثلاثة أبواب الباب الأول في تملك الأراضي وفيه فصلان الأول فيما يملك من الأراضي بالإحياء وهي الموات قال صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له والموات هى الأرض المنفكة عن الاختصاصات والاختصاصات ستة أنواع النوع الأول العمارة فكل أرض معمورة فهي محياة فلا تتملك بالإحياء سواء كان ذلك من دار الإسلام أو دار الحرب وإن اندرست العمارة وبقي أثرها فإن كان من عمارة الإسلام فلا تملك لأنه موروث عمن ملكه فينتظر صاحبه أو يحفظ لبيت المال ويتصرف الإمام فيهكما يتصرف في مال ضائع لا يتعين مالكه وإن كان من عمارات الجاهلية وعلم وجه دخولها في يد المسلمين إما بطريق الاغتنام أو الفئ استصحب ذلك الحكم ولم تتملك بالإحياء وإن وقع اليأس عن معرفته فقولان أحدهما يتملك إذ لا حرمة لعمارة الكفار فصار كركازهم والثاني لا لأنه دخل في يد أهل الإسلام فالأصل سبق ملك عليه وأما الركاز فحكمه حكم لقطة معرضة للضياع هذا حكم دار الإسلام أما دار الحرب فمعمورها كسائر أموالهم يملك بالاغتنام وأما مواتها فما لا يدفعون المسلمين عنها فهو كموات دار الإسلام يتملك بالإحياء ويفارقها في أمر وهو أن الكافر لو أحياها ملكها ولو أحيا موات دار الإسلام لم يملكها عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لأن لأهل الإسلام اختصاصا بحكم الإضافة إلى الدار أما ما يدفعون المسلمين عنه فلو أحياها مسلم وقدر على الإقامة ملكه وإن استولى عليها بعض الغانمين وقصدوا الاختصاص بها فثلاثة أوجه أحدها انه يفيدهم الاختصاص بالاستيلاء ما يفيد التحجر كما سيأتي والثاني أنه يفيدهم الملك في الحال لأن مال الكفار يملك بالاستيلاء والثالث أنه لا يفيد الملك لأنه ليس ملك الكفار وإنما هو موات ولا اختصاص لأنه لا يحجر وإنما هو مجرد يد فهو كمجرد الاستيلاء على موات دار الإسلام النوع الثاني من الاختصاص أن يكون حريم عمارة فيختص به صاحب العمارة ولا يملك بالإحياء فإن قيل وما حد الحريم قلنا أما البلدة التى قررنا الكفار عليها بالمصالحة فلما حواليها من الموات التى يدفعون المسلمين عنها لا تحيا وفاء بالصلح فإنها حريم البلدة وأما القرية المعمورة في الإسلام فما يتصل بها من مرتكض الخيل وملعب الصبيان ومناخ الإبل ومجتمع النادي فهو حريمها فليس لغيرهم إحياؤها وما ينتشر إليه البهائم للرعي في وقت الخوف وهو على قرب القرية فيه تردد أما الدار فحريمها إذا كانت محفوفة بالموات مطرح التراب والثلجومصب ماء الميزاب وفناء الدار وحق الاجتياز في جهة فتح الباب وإن كانت محفوفة بالأملاك فلا حريم لها لأن الأملاك متعارضة فليس بعضهما بأن يجعل حريما لها أولى من الآخر ولكل واحد أن ينتفع في ملكه بما جرت به العادة وإن تضرر به صاحبه فلا يمنع إلا إذا كانت العادة السكون ولو اتخذ أحدهما داره مدبغة أو حماما أو حانوت قصار أو حداد قال المراوزة يمنع نظرا إلى العادة القديمة وقال العراقيون إذا أحكم الجدران واحتاط على العادة لا يمنع وتردد الشيخ أبو محمد فيما إذا كان يؤذي بدخان الخبز وجعله مخبزا على خلاف العادة لأن هذا إيذاء المالك لا إيذاء الملك وحاصله ولا يمنع لا تمنع ومع أما البئر فإن حفرها في الموات للنزح فموقف النازح حواليها حريمها وإن كان النزح بالدواب فموضع تردد الدواب وعلى الجملة ما يتم الانتفاع ولو حفر آخر بئرا بجنبه بحيث ينقص ماؤها لم يجز بل حريمها القدر الذى يصون ماءها وكأنه استحق بالحفر وفي طريقة العراق القطع بأنه يجوز والأول أظهر فإنه لو أحيا دارا في موات فليس لآخر أن يحفر بجنب جداره بئرا يتوهم الإضرار بجداره وإن كان ذلك يجوز للجار المالك ولكن وضع البناء في الموات أوجب حريما لصيانة الملك فكذلك لصيانة ماء البئر النوع الثالث اختصاص المسلمين بعرفة لأجل الوقوف وفي امتناع إحياء عرفة به ثلاثة أوجه أحدها لا يمتنع إذ لا تضييق به والثاني يمتنع إذ فتح بابه يؤدي إلى التضييق والثالث يجوز وإن ضيق ثم يبقى في الدور حق الوقوف النوع الرابع اختصاص المتحجر ومن تقدم إلى موضع ونصب حجارة وعلامات للعمارة اختص به بحق السبق بشرط أن يشتغل بالعمارة فلو تحجر ليعمر في السنة الثانية لم يجز ومهما جاز التحجر ومنع غيره من الإحياء فإن أحيا فهل يملك ثلاثة أوجه أحدها نعم لأنه سبب قوي والتحجر ضعيف فكان كالبيع سوما على سوم غيره والثاني لا لأنه اختصاص مؤكد والثالث أن التحجر إن كان مع الإقطاع منع وإلا فلا وهل يجوز للمتحجر بيع حقه من الاختصاص والاعتياض عنه فعلى وجهين أحدهما يجوز كالملك والثاني لا كحق الشفعة وحق الرهن النوع الخامس من الاختصاص الإقطاع ويجوز للإمام أن يقطع مواتا على قدر ما يقدر المقطع على عمارته وينزل الإقطاع منزلة التحجر في الاختصاص النوع السادس الحمى وهو كان جائزا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يحمي الكلأ ببقعة لإبل الصدقة وكان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمي لنفسه وللمسلمين وهل يجوز للإمام بعده فيه خلاف والصحيح الجواز إذ حمى عمر رضي الله عنه لإبل المسلمين ولكن لا يجوز أن يحمى الإمام لنفسه وإنما كان ذلك خاصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا صح الحمى فإحياؤه كالإحياء بعد التحجر فرع ما حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة أو حماه غيره فزالت الحاجة فهل لأحد بعد ذلك نقضه فيه ثلاثة أوجه أحدها لا لأنها بقعة أرصدت لخير فأشبه المسجد والثاني نعم لأنه بني على مصلحة حالية ظنية والثالث أن حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يغير وهو حماه بالبقيع وهو بلد ليس بالواسع لأن حماه كالنص وحمى غيره كالاجتهاد الفصل الثاني في كيفية الإحياء والرجوع في حده إلى العرف ويختلف ذلك باختلاف الغرض فإن أحيا بقعة للزريبة فيكفيه التحويط وتغليق الباب ولا يملك قبله إذ به تصير زريبة وإن أراد السكون فبالبناء وتسقيف البعض إذ به يتهيأ للسكون وإن أراد بستانا فبسوق الماء إليه وتسوية الأنهار والتحويط وتغليق الباب وإن كان من البطائح فيحبس الماء عنه فإنه العادة وإن أراد مزرعة فيقلب الأرض ويسويها ويجمع حواليها التراب ويسوق إليها الماء وهل يفتقر إلى الزراعة ليملك فيه وجهان ظاهر ما نقله المزني أنه يشترط كالتسقيف في البناء والثاني لا لأن هذا انتفاع ووزانه من الدار السكون ولا يحتاج إلى بناء الجدار للمزرعة قال إمامي رضي الله عنه يحتمل أن يقال ما تملك به الأرض إذا قصد الزراعة فيملك أيضا وإن قصد البستان وما تملك به الزريبة يملك به المسكن وإن القصد لا يغير أمره ومن أحيا أرضا ميتة بغير إذن الإمام ملكها عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله الباب الثاني في المنافع المشتركة في البقاع وهي كالشوارع والمساجد والرباطات والمدارس فإن هذه الأرضي لا تملك أصلا إذا ثبت في كل واحد منها نوع اختصاص فالشوارع للاستطراق وهو مستحق لكافة الخلق في الصحاري والبلاد نعم يجوز الجلوس فيها بشرط أن لا يضيق الطريق على المجتازين ومن سبق إلى موضع فجلس فيه إن لم يجلس لغرض فكما قام انقطع حقه وإن جلس لبيع كالمقاعد في الأسواق اختص السابق به ولو انصرف إلى بيته ليلا وتخلف بعذر يوما ويومين ولم ينقطع اختصاصه إذ ألافه في المعاملة لا ينقطعون بهذا القدر ولو طال سفره أو مرضه أو جلس في موضع آخر أو غير ذلك مما يقطع ألافه عن مكانه فينقطع به اختصاصه ولو جلس في غيبته في المدة القصيرة من عزم على التسليم له إذا عاد فقد قيل إنه يمنع إذ يتخيل به ألافه تركه الحرفة وقيل إنه لا يمنع لأن الموضع فارغ في الحال فلا يعطل منفعته ولا يحتاج إلى إذن الإمام في هذا الاختصاص وهل للإقطاع فيه مدخل كما في الموات فعلى وجهين والفرق أنه إذا كان لا يبغي به ملكا فلا وزن له كالسبق في المساجد وأما المساجد فمن سبق إلى موضع للصلاة لا يثبت له حق الاختصاص في صلاة أخرى إذ لا غرض فيه ولو غاب في صلاة واحدة بعذر رعاف أو ريح أو تجديد وضوء في متسع الوقت وعاد ففي بقاء اختصاصه وجهان ووجه البقاء قوله عليه السلام إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إذا عاد إليه وإن جلس ليقرأ عليه القرآن أو يتعلم منه العلم وألفه أصحابه ثم فارقهفهذا يظهر إلحاقه بمقاعد الأسواق وأما الرباطات والمدارس فالسابق إلى بيت أولى به وإن غاب بعذر فإذا عاد فهو أولى به لوقوع الإلف بوجه الارتفاق بالبقعة بخلاف المساجد ولو طال مقام واحد إن كان له غرض كما في المدارس فلا يزعج إلى تمام الغرض وإن لم يكن للغرض مرد كرباط الصوفية ففي إزعاجه وجهان ووجه الجواز أنه يؤدي إلى أن يتملك الرباط ويبطل الاشتراك منه فيتقدم إليهما جماعة ويقيمون فيها على الدوام وإن جوزنا ذلك فالرأي في تفصيل مدة الإقامة إلى المتولي وهو جار في العكوف على المعادن ومقاعد الأسواق الباب الثالث في الأعيان المستفادة من الأرض كالمعادن والمياه أما المعادن فظاهرة وباطنة أما الظاهرة كالملح المائي والجبلي والنفظ والمومياء والمياه العدة في الأودية والعيون وأحجار الأرجبة والقدور وكل ما العمل في تحصيله لا في إظهاره فهذا لا يتطرق إليه اختصاص لا يتحجر ولا يملك بإحياء ولا إقطاع لما روي أن أبيض ابن حمال المأربي استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملح مأرب فهم بإقطاعه فقيل له يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كالماء العد فقال فلا إذا فلو سبق واحد وحوط مثل هذا المعدن وبنى وزعم أنه أراد مسكنا فالظاهر أنه لا يملكه فإنه احتيال إذ لا يقصد من هذه البقعة المسكن نعم لكل سابق أن يأخذ قدر حاجته لا يزعج قبل قضاء وطره إلا إذا طال عكوفه ففيه الخلاف السابق فلو تسابق رجلان فتزاحما قيل إنه يقرع بينهما وقيل للقاضي أن يقدم منهما من يراه أحوج وهو جار في مقاعد الأسواق فرع لو حفر بجنب المملحة حفيرة يملك تلك الحفيرة فلو اجتمع فيها ماء وانعقد ملحا فهو مخصوص به وكأنه أخذه بيده ووضعه في ظرف مملوك له أما المعادن الباطانه فهي التى تظهر بالعمل عليها كالذهب والفضة والفيروزج وما هو مثبوت في طبقات الأرض ففي تملك ذلك بإحيائه بالإظهار بالعمل أو بعمارة أخرى قولان أحدهما نعم لأن إحياءه إظهار فهو كعمارة الموات والثاني لا إذ تبقى حياة العمارة بالبناء وهذا يحتاج إلى عمل في كل ساعة لينتفع به التفريع إن قلنا يملك فهو كالموات على ما سبق وفيه فروع الأول لو حفر حفيرة وظهر النيل في طرفها لا يقصر ملكه على محلالنيل بل ما حواليه على ما يليق بحريمه فلو باع الأرض فالظاهر المنع إذ الرغبة فيه بالنيل وهو غرر والثاني الجواز تعويلا على الرقبة والنيل كدر الشاة وثمرة الشجرة ولو جمع تراب المعدن وفيه الذهب لم يجز البيع لأن التراب لا يقصد بخلاف الرقبة الثاني لو قال لغيره اعمل وكل النيل لك فإن استعمل صيغة الإجارة فالظاهر أنه يستحق أجرة المثل لأنه إجارة فاسدة إذ النيل يكون للمالك ولا يصلح أن يجعل أجرة وإن قال أذنت لك أن تعمل لنفسك كان النيل للمالك ولم يستحق الأجرة على الظاهر وفيه عن ابن سريج وجه أنه يستحق كما لو شرط في المضاربة كل الربح للعامل وإن قال اعمل ولك النيل فوجهان مشهوران لتردده بين صيغة الإذن والإجارة أما إذا قال اعمل على أن لك نصف النيل فيستحق أجرة المثل هاهنا إذ وجد قصد العمل لغيرهولكن قيل إنه يستحق أجرة نصف العمل لأنه قصد غيره بالنصف وقيل إنه يستحق أجرة نصف العمل للكل أما إذا فرعنا على أنه لا يملك المعادن بالإظهار فلو أحيا مواتا بالبناء ثم ظهر بعد ذلك معدن فلا خلاف في أنه ملكه فإنه من أجزاء الأرض المملوكة إلى تخوم الأرضين وعلى قولي الملك ينبني جواز الإقطاع فإن قلنا يملك بالإظهار تطرق إليه الإقطاع كالموات وإلا فلا كالمعادن الظاهرة أما المياه فهي ثلاثة أقسام الأول المياه العامة المنفكة عن كل اختصاص وهي التى لم تظهر بالعمل ولا حفر نهرها كدجلة والفرات وسائر أودية العالم فحكمه أن من سبق إليه واقتطع منه ساقية إلى أرضه وانتفع به جاز فإن تنازعا وجب على الأسفل الصبر إلى أن يسرح إليه الأعلى فضل مائه فقد ورد فيه الحديث فإن استوعب جماعة الماء بأراضيهم المحياة فمن سفل منهم لاحق له إلا بتبرعهم بالتسريح إليه فإذا سقى كل واحد أرضه إلى الكعب كانت الزيادة ممنوعة لأنه فوق الحاجة كذلك ورد الحديث فإن أراد واحد أن يعلو عليهم ويحبس عنهم الماء إلى أرض يستجد إحياؤها منع لأنهم بالإحياء على شاطئ النهر استحقوا مرافق الأرض والماء من مرافقها ولو فتح هذا الباب لأبطل سعيهم في الإحياء وفاتت أملاكهم فهي كالحريم المستحق بالعمارة القسم الثاني المياه المختص بالملك بالإحراز في الأواني والروايا فهو كسائر الأملاك لا يجب بذله لأحد ولا لمضطر إلا بقيمة والماء مملوك على الأظهر وبيعه صحيح القسم الثالث متوسط بين الرتبتين وهو ما ظهر اختصاص بمنعه كالمياه في الآبار والقنوات ولها صورتان إحداهما أن يحفر المنتجع حفرة ليسقى بها ما شيته ولم يقصد ملك الحفرة فهو أحق بذلك الماء فإن فضل عن حاجته ومست إليه حاجة ماشية غيره حرم عليه المنع لقوله صلى الله عليه وسلم من منع فضل الماء ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته والمعنى أنه يمتنع عن ماشية غيره بسبب منع الماء وهذا مخصوص بالماشية ولا يجري في الزرع وإنما هو لحرمة الروح ولا يجري في الكلأ في الحال لا يستخلف فقد يتضرر به والماء يستخلف ولا يجري في الدلو والرشاء فلا يجب إعارته إلا بعوض لأن الملك فيه ثابت بخلاف الماء إذ ليس فيه إلا حق سبق به الصورة الثانية أن يقصد ملك البئر فالماء الحاصل منه مملوك وكذلك ماء القنوات وفي تحريم منع الشرب فيما يفضل من حاجته بغير عوض خلاف منهم من نظر إلى عموم الخبر ومنهم من خصص بما لم يملك وألحق هذا بالمحرز في الأواني فرع إذا اشترك جماعة في حفرة قناة اشتركوا في الملك بحسب العمل أو بحسب التزام المؤنة وقسموا الماء بنصب خشبة مستوية فيها ثقب متساوية كما جرت العادة فإن قسموا بالمهاياة فالظاهر جوازها فإنها لا تلزم وفيه وجه أنها تلزم وفيه وجه أنها لا تصح لأن القيمة تختلف باختلاف الأوقوات كتاب الوقف والوقف قربة مندوب إليها لما روي أن عمر رضي الله عنه قال أصبت أموالا لم أصب مثلها وفيها حدائق ونخيل فراجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حبس الأصل وسبل الثمرة ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا في ثلاث ولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به وصدقة جارية وليس ذلك إلا الوقف وفي تفصيله بابان الباب الأول في أركانه وهي أربعة الموقوف والموقوف عليه وصيغة الوقف وشرطه الركن الأول في الموقوف وشرطه أن يكون مملوكا معينا تحصل منه فائدة أو منفعة مقصودة دائمة مع بقاء الأصل أما قولنا مملوكا عممنا به العقار والمنقول والحيوان والشائع والمفرز فكل ذلك ما يجوز وقفه وعه أبو حنيفة رحمه الله وقف الحيوان ومنع بعض العلماء وقف المنقول إلا تحبيس فرس في سبيل الله وعندنا كل وقف في معنى ما اتفقوا عليه واحترزنا به عن العبد الموصى بخدمته والعين المستأجرة فإن الموصى له لو وقف لا يصح لأنه تصرف في الرقبة على الجملة إما بالحبس أو إزالة الملك ولا ملك له ولهذا لا يقف الحر نفسه وإن صحت إجارته نفسه وأما الكلب ففي وقفه خلاف كما في إجارته وكما في هبته لأنه مملوك منتفع به ومن منع علل بأن الملك في غير متقوم فإنه لا يقبل الاعتياض فهو كالمعدوم ووقف المستولدة مرتب على الكلب وأولى بالصحة لأن الملك فيها مضمون وإنما البيع ممتنع فيها لعارض الاستيلاد أما قولنا تحصل منه فائدة أشرنا به إلى ثمار الأشجار ووقف الحيوانات التي لها صوف ووبر ولبن تقوم مقام المنافع ولو وقف ثورا على النزوان على بهائم قريبة ينبغي أن يصح كما لو وقف جارية على الإرضاع نعم لا يستأجر الفحل للنزوان لأنه لا يقدر على تسليمه كما لا يستأجر الشجرة لثمارها أما قولنا منفعة دائمة احترزنا به عن الوقف الرياضيين التى لا تبقى وقولنا مقصودة احترزنا به عن وقف الدراهم والدنانير للتزين وفيه خلاف كما في إجارته لأن ذلك لا قصد منها نعم وقف الحلي للبس أو النقرة ليتخذ منها الحلي جائز وقولنا مع بقاء أصلها احترزنا به عن الطعام فإن منفعته في استهلاكه فلا يجوز وقفه وقولنا معين احترزنا به عما إذا وقف إحدى داريه وفيه وجهان أظهرهما المنع كما في الهبة ومنهم من جوز كما في العتق الركن الثاني الموقوف عليه فإن كان وقف قربة على جهة عامة فيشترط أن يكون فيه ثواب وإن كان معصية كالوقف على بناء البيع والكنائس وكتبة التوراة وإعانة قطاع الطريق فهو فاسد وإن كان على الفقراء والمساكين فهو صحيح وإن كان على الأغنياء فليس فيه ثواب ولا عقاب ففيه وجهان منهم من شرط القربة ومنهم من اكتفى بانتقاء المعصية وكذلك لو وقف على اليهود والنصارى والفسقة فيخرج على الوجهين أما إذا كان الوقف على شخص معين فيشترط أن يكون أهلا للملك فمن صحت الهبة منه الوقف عليه فيصح على اليهودي والفاسق المعينين لأنه تمليك وهل يصح على الحربي والمرتد وفيه وجهان ووجه المنع أنه يراد للبقاء وهو مستحق القتل لا بقاء له ولا يجوز على الجنين لأنه تمليك في الحال أو إثبات حق في الحال فضاهى الهبة بخلاف الوصية فإنها تقبل الإضافة ولا يصح على العبد بل الوقف عليه وفق على سيده ولا على البهيمة وهل يكون الوقف وقفا على صاحبها كما في العبد فيه وجهان فرعان أحدهما لو وقف على أحد رجلين على الإبهام فهو فاسد كما يفسد مثله في الهبة وفيه وجه على قولنا إن الوقف لا يفتقر إلى القبول مخرج من وقف أحد العبدين الثاني لو وقف على نفسه فالظاهر منعه لأنه لم يجدد إلا منع التصرف ولم يوضع العقد لمنع التصرف فقط وذهب أبو عبد الله الزبيري إلى جوازه لما روي أن عثمان رضي الله عنه وقف بئرا وقال دلوي فيه كدلاء المسلمين وهذا ضعيف لأن إلقاء الدلو فيها لا يفتقر إلى شرط بحكم العموم في الصلاة في المسجد نعم لو وقف على الفقراء وافتقر ففيه خلاف والظاهر المنع لأن الظاهر أن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف ولو شرط لنفسه التولية وأجرة وقلنا يمتنع الوقف على نفسه فيبنى على جواز صرف سهم العاملين إلى بني هاشم وفيه خلافولو شرط أن تقضى من ريعه ديونه وزكاته فقد بعضه على نفسه فيخرج على ما ذكرناه الركن الثالث الصيغة فلا بد منها فلو صلى في موضع أو أذن في الصلاة ولم يصر مسجدا إلا بصيغة دالة عليه وهي ثلاثة مراتب الرتبة الأولى وهي المرتبة العليا قوله وقفت البقعة أوحبستها أو سبلتها على المساكين فالكل صريح فلو قال وقفت البقعة على صلاة المصلين فهل يصير مسجدا فيه خلاف وذكر الإصطخري أن لفظ التحبيس والتسبيل كناية عن الوقف وهو بعيد إذ ثبت بعرف لسان الشرع إذ قال عليه السلام حبس الأصل وسبل الثمرة الرتبة الثانية قوله حرمت هذه البقعة وأبدتها على المساكين فإن نوى الوقف حصل وإن أطلق فوجهان أحدهما أنه صريح لعرف الاستعمال في الوقف والثاني أنه كناية لأنهما لا يستعملان إلا تابعا مؤكدا الرتبة الثالثة قوله تصدقت وهو ليس بصريح للوقف فإن أضاف إليه قرينة قاطعة كقوله تصدقت صدقة محرمة مؤبدة لاتباع ولا توهب تعين له وإن لم يتعرض لمنع البيع والهبة ففيه خلاف وإن لم يذكر قرينة ولكن نوى الوقف فإن جرى مع شخص معين لم يكن وقفا لأنه وجد نفاذا فيما هو صريح فيه وهو التمليك وإن أضاف إلى قوم ففيه خلاف لتعارض الاحتمال مع ظهور جهة التمليك من اللفظ هذا في الإيجاب وأما القبول فلا يمكن شرطه في الوقف المضاف إلى الجهات العامة وإن وقف على شخص معين فوجهان ووجه الاشتراط أنه يبعد إدخال شئ في ملك غيره قهرا من غير قبوله مع تعينه فإن قلنا يشترط القبول فلا شك أنه رد امتنع برده كما نقول في الوكالة أما البطن الثاني فلا يشترط قبولهم لأنهم كالفروع ولا يتقبل استحقاقهم بالإيجاب وهل يرتد عنهم بردهم فيه خلاف الركن الرابع في الشرائط وهي أربعة التأبيد والتنجيز والإلزام وإعلام المصرف الأول التأبيد ونعني به أن لا يقف على جهة ينقطع آخرها كما إذا وقف على أولاده ولم يذكر المصرف بعدهم فإن فعل ذلك فهو وقف منقطع الآخر وفي صحته قولان الأصح الذى به الفتوى بطلانه لأنه مائل عن موضوعه في التأبيد ويبقى أمره مشكلا بعد انقراضهم فليضف بعده إلى جهة لا تنقطع كالمساكين والعلماء ومن يجري مجراهم وذكر صاحب التقريب قولا أن ذلك يمتنع في العقار دون الحيوان فإن الحيوان أيضا يعرض للانقطاع فإن فرعنا على الجواز ففي انقطاع الوقف بانقراضهم قولان أحدهما أنه يعود ملكا فيصرف إلى ورثة الواقف والثاني أنه يبقى وقفا ويصرف إلى أهم الخيرات وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يصرف إلى أقرب الأقارب لورود أخبار فيه وعلى هذا هل يشترك فيه الأغنياء والفقراء وجهان وهل يقدم من قدم في الإرث أو يراعى قرب الدرجة وجهان والثاني أنه يصرف إلى المساكين لأنه أعم جهات الخير والثالث أنه يصرف إلى مصالح الإسلام فإنه الأعم أما إذا قال وقفت على الفقراء سنة أو سنتين وقطع آخره بالتأقيت فالمذهب فساد هذا الشرط وفيه وجه مخرج من المسألة السابقة ثم إذا فسد الشرط فهل يفسد الوقف إذ كان من قبيل التحرير كجعل البقعة مسجدا فلا يفسد بل يتأبد كالعتق لأنه فك عن اختصاص الآدميين كالتحرير وإن كان وقفا على شخص معين وقلنا يفتقر إلى قبوله فيفسد كسائر المعاملات وإن كان وقفا على جهة الفقر والمسكنة فوجهان لتردده بين التحرير والتمليك الشرط الثاني التنجيز في الحال فلو قال وقفت على من سيولد من أولادي فهو وقف منقطع الأول ففيه طريقان أحدهما أن فيه الأقوال كما في المنقطع الآخر فيعود ما فضلناه والثاني البطلان لأنه لم يجد في الحال مقرا ينزل فيه فلو قال وقفت على عبدي أو كان مريضا فقال وقفت على وارثي ثم بعده على المساكين فهو وقف منقطع الأول فإن صححنا فلا يصرف إلى المساكين ما لم يمت العبد والوارث لأنه لم يدخل أول الوقف إلا أن يقول وقفت على رجل ثم بعده على المساكين فإنه لا يمكن ترقب انقراض من لا يتعين فيصرف في الحال إلى المساكين وكذلك إذا وقف على معين فرده أو لم يقبل إذا شرطنا قبوله فقد صار منقطع الأول أما إذا صرح بالتعليق وقال إذا جاء رأس الشهر فقد وقفت على المساكين قطع العراقيون بالبطلان لأنه لا يوافق مصلحة الوقف بخلاف الوقف على من يوجد من الأولاد وذكر المراوزة خلافا وهو متجه فيما لا يحتاج إلى القبول فقد ذكر ابن سريج وجها في تعليق الضمان فينقدح أيضا طرده في الإبراء وكل ما يستقل الإنسان به تشبيها له بالعنق الشرط الثالث الإلزام فلو قال وقفت بشرط أن أرجع متى شئت أو أحرم المستحق وأحوله إلى غيره متى شئت فهو فاسد لأنه يناقض موضوعه في اللزوم فأما إذا قال وقفت على أني بالخيار لأغير مقادير الاستحقاق بحكم المصلحة فله ذلك ولو قال على أني أبقي أصل الوقف ولكن أغير تفصيله فوجهان أحدهما المنع للزوم الأصل والوصف والثاني الجواز لأن شرطه متبع فإذا شرط التغيير بتغير رأيه فيكون ذلك أيضا من الشرائط فرعان أحدهما لو شرط أن لا يؤاجر الوقف أصلا ففيه ثلاثة أوجه أظهرها أنه يتبع والثاني لا لأنه حجر على من ثبت ملك المنفعة والثالث أنه يجوز في قدر سنة فيتبع لأنه يليق بمصلحة الوقف ولو شرط المنع من أصل الإجارة ولم يتبع الثاني لو جعل البقعة مسجدا وخصصه بأصحاب الحديث أو الرأي لايختص بهم لأنه من قبيل التحرير فلا يثبت الشرط فيه كالعتق وفيه وجه أنه يتبع للمصلحة وقطع المنازعة في إقامة الشعائر أما إذا جعل البقعة مقبرة ففي تخصيصه بقوم خلاف ظاهر لتردده بين المسجد وبين مساكن الأحياء الشرط الرابع بيان المصرف فلو قال وقفت هذه البقعة ولم يذكر التفصيل ففيه قولان أظهرهما الفساد للإجمال والثاني أنه يصح ثم في مصرفه من الكلام ما في منقطع الآخر إذا صححناه فرعان أحدهما لو وقف على شخصين وبعدهما على المساكين فمات أحدهما فنصيبه لصاحبه أو للمساكين فيه وجهان الثاني لو رد البطن الثاني وقلنا يرتد عنهم بردهم فقد صار الوقف منقطع الوسط فيعود في مصرفه إلى أن ينقضي البطن الثاني ما ذكرناه من الأقوال وقولان آخران أحدهما الصرف إلى البطن الثالث ويلتحقون بالمعدومين عند الرد والثاني الصرف إلى الجهة العامة المذكورة في شرط الوقف عند انقراض الجميع لأنه أقرب إلى مقصود الواقف من غيره الباب الثاني في حكم الوقف الصحيح وفيه فصلان الفصل الأول في أمور لفظية وفيه مسائل الأولى إذا قال وقفت على أولادي وأولاد أولادي فمعناه التشريك دون الترتيب إذ التقديم يفتقر إلى زيادة دلالة وليس في اللفظ عليه دليل إلا أن يقول بطنا بعد بطن وما يجري مجراه الثانية إذا قال وقفت على أولادي وبعدهم على المساكين فالظاهر أن أولاد الأولاد لا يستحقون لأنهم يسمون أحفادا فلو قال وعلى أولاد أولادي دخل فيه أولاد البنين والبنات وكذلك إذا قال على ذريتي أو عقبي أو نسلي فأولاد البنات يدخلون فيه ولو قال على من ينتسب إلي من أولاد أولادي لم يدخل فيه أولاد البنات قال الشاعر ** بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ** بنوهن أبناء الرجال الأباعد ** الثالثة إذا قال على البنين أو البنات لم يدخل الخناثى لأنه مشكل ولو قال على البنين والبنات ففيه وجهان لأنه وإن كان لا يعدهما فلا يعد منهما ولو قال على الأولاد دخل فيهم والظاهر أن الولد المنفي باللعان لا يستحق إذ اللعان لا يظهر أثره إلا في حق الزوج الملاعن للضرورة والجنين لا يستحق لأنه ليس بولد فإذا ولد لم يستحق الريع الحاصل في مدة اجتنانه وإنما يستحق من وقت الولادة الرابعة لو قال على عترتي قال ابن الأعرابي وثعلب هم ذريته وقال القتيبي هم عشيرته الخامسة لو وقف على بني تميم ففي دخول البنات وجهان أحدهما لا لخصوص اللفظ والثاني نعم لأنه إذا ذكر في القبيلة أريد كل من ينتسب إليها ثم يغلب التذكير في اللفظ السادسة إذا قال وقفت على أولادي فإذا انقرض أولادي وأولاد أولادي فعلى المساكين فمنهم من قال هذا منقطع الوسط إذ لا دخول لأولاد الأولاد في الوقف ومنهم من قال جعل اشتراط انقراضهم قرينة دالة أيضا على دخولهم في الاستحقاق السابعة لو وقف على الموالي وليس له إلا على الأعلى أو الأسفل تعين له ولو كان له كلاهما فثلاثة أوجه أحدها البطلان للإجمال وهو الأصح والثاني التوزيع على الأعلى والأسفل لاشتراك اللفظ والثالث تقديم الأعلى لاختصاصه بالعصوبة الفصل الثاني في الأحكام المعنوية وفيه مسائل الأولى أن الوقف حكمه اللزوم في الحال خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإن قال لا يلزم إلا إذا أضيف إلى ما بعد الموت ثم لزومه في منع المالك من التصرفات وهل يوجب زوال ملكه نظر فإن جعل البقعة مسجدا زال ملكه وكأنه تحرير وفك عن الاختصاصات ولذلك لا يتبع فيه شروطه وإن وقف على معين أو على جهة القربات فالظاهر أنه يزول ملكه ولكنإلى الموقوف عليه أو إلى الله تبارك وتعالى فيه قولان أحدهما إلى الله تبارك وتعالى فإنه قربة وتصرف الموقوف عليه غير نافذ والثاني إلى الموقوف عليه فإنه يقول وقفت عليك ولا يبعد ملك لا ينفذ فيه التصرف وعلى الجملة إن كان الموقوف عليه معينا فيبعد قول نقل الملك إلى الله تبارك وتعالى فإنه ليس من القربات وإن كان على المساكين وجهات القربات فيبعد نقل الملك إلى المساكين كيف وقد يقف على الرباطات والقناطر وحمامات مكة ومن لا ينسب إليه ملك ومن أصحابنا من خرج قولا ثالثا أنه لا يزول ملك الواقف لأن الشرط لا يتبع في الملك الزائل إلا أنه تضمن الحجر في التصرفات وإثبات الاستحقاق في الثمرات الثانية لا خلاف في أن الموقوف عليه يملك الغلة وثمار الشجرة واللبن والوبر والصوف من الصوف من الحيوان ولا يقطع أغصان الشجرة إلا إذا كان هو المقصود كما في شجرة الخلاف وهل يملك ولد الموقوفة فيه وجهان أحدهما نعم كاللبن والثاني لا بل ولده وقف كما أن ولد الضحية ضحية وولد المستولدة مستولد ولا يملك وطء الجارية الموقوفة لأنه وإن قدر ملكه فيها فهو ضعيف نعم يصرف إليه مهرها إذا وطئت بالشبهة لأنه في حكم بدل المنفعة فيشبه أجرة المنفعة وهل يملك تزويج الجارية فيه وجهان أحدهما لا لأنه ينقص الوقف فيخالف غرض الواقف والثاني نعم لأنه نوع انتفاع فإن قلنا تزوج فيزوجها الموقوف عليه إن قلنا إن الملك له ويزوجها السلطان إن قلنا إن الملك لله تبارك وتعالى وهل يستشير الواقف والموقوف عليه لتعلقه بغرضهما فيه خلاف وإن قلنا للواقف فلا يستشير السلطان وهل يستشير الموقوف عليه فيه خلاف من حيث إنه نقص عن انتفاعه فيكاد يكون إبطالا لما أثبت له فإن قلنا يجوز تزويجها فلو تزوج بها الموقوف عليه وقلنا إنه لا ملك له صح وإن قلنا له الملك فلا الثالثة تولية أمر الوقف والنظر في مصالحة إلى من شرطه الواقف فإن سكت عنه فطريقان أحدهما للواقف لأنه كان له ولم يشرط صرفه إلى غيره والثاني أنه نبني على أقوال الملك فيكون لمن له الملك فإن قلنا لله فهو للسلطان ثم يشترط في المتولي خصلتان الأمانة والكفاية فإن أخلت إحداهما نزع السلطان من يده ذلك وفيه وجه أن العدالة لا تشترط إن كان الموقوف عليه معينا ولم يكن فيه طفل ولكنه يستعدي عليه المستحق إن خان وهو بعيد ثم إلى المتولي العمارة وتحصيل الريع بالزرع والإجارة ومصرفه إلى المستحق وله إثبات اليد على الوقف إذا شرط التصرف وشرط اليد لغيره وله من الأجرة ما شرط له فإن لم يشترط فهو مبني على أن مطلق الاستعمال هل يقتضي أجرة وفيه خلاف الرابعة نفقة الموقوف من الموضع المشروط فإن سكت فهو من الارتفاع فإن كان للعبد كسب فهو من كسبه فإن بطل كسبه فهو على من يحكم بأن الملك فيه له على موجب الأقوال هذا في الحيوان الذى لا يجوز تعطيله لحرمة الروح فأما العقار فلا تجب عمارته إلا على من يريد الانتفاع فيعمره باختياره الخامسة إذا تعطل مال الوقف فله أحوال الحالة الأولى أن يتلفه متلف فيجب الضمان عليه وماذا يفعل به في طريقان أحدهما أنه يصرف ملكا خالصا إلى من يقال إن الملك له فإن قلنا لله تبارك وتعالى فيشترى به مثله ويجعل وقفا والثاني وهو الأصح أنه يشترى به مثله إن كان عبدا فعبد أو شقص عبد إن لم يوجد عبد لأن علقة الوقف آكد من الرهن الذى لا يتعدى إلى الولد قطعا فبأن يسري إلى البدل ولا يفوت بفوات العين أولى وإن كانت الجناية على الطرف فيشتري به أيضا شقص عبد وهاهنا يحتمل أن يسلك به مسلك الفوائد فيصرف إلى الموقوف عليه ملكا وهذا ذكره صاحب التقريب الحالة الثانية أن لا يكون مضمونا فإن لم يبق منه بقية كالعبد إذا مات فقد فات الوقف وإن بقى متمولة كالشجرة إذا جفت وبقي الحطب ففي انقطاع الوقف وجهان أحدهما أنه ينقطع كالعبد إذا مات والحطب وإن كان يتمول فالوقت معلق باسم الشجرة فعلى هذا ينقلب الحطب ملكا إلى الواقف والثاني أنه يبقى أثر الوقف فإن إبقاءه ممكن ثم فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يشتري بثمنه شجرة أو شقص شجرة ويجعل وقفا والثاني أنه يستوفي منفعته بإجارته جذعا والثالث أنه يستوفي الموقوف عليه عينه فيصير ملكا له الحالة الثالثة حصير المسجد إذا بلي وجذعه إذا انكسر أو انفصلت نحاتة منه في النخر فيه وجهان أحدهما وهو الأصح أنه يباع ويصرف إلى مصالح المسجد كيلا يضيق المكان أولا يتعطل والثاني أنه يبقى كذلك فإنه وقف لا يمكن بيعه وليس يمكن استيفاء عينه فيترك أبدا أما إذا أشرف جذعه على الانكسار وداره على الانهدام وعلم أنه لو أفرج لخرج عن أن يكون منتفعا به وبطلت ماليته أيضا ففي جواز بيعه وجهان مشهوران أحدهما يميل إلى الاحتياط والآخر إلى المصلحة فإن قلنا إنه يباع فالأصح أنه يصرف الثمن إلى جهة الوقف ويحصل مثل ما بيع الحالة الرابعة أن يتفرق الناس عن البلدة وتخرب البلدة ويتعطل المسجد أو يخرب المسجد فهاهنا لا يعود المسجد ملكا ولا يباع ولا يتصرف في عمارته لأن عود الناس متوقع بخلاف الموت والجفاف وكذلك إذا وقف شيئا على بعض الثغور كطرسوس فبطل واتسعت خطة الإسلام حواليها قال الأصحاب يحفظ ارتفاع الوقف فإنه يتوقع أن يعود ثغرا كما كان فلم يحصل على اليأس المسألة السادسة الجارية الموقوفة إذا وطئت بالشبهة إن كان الواطئ أجنبيا وأحبل لزمه المهر للموقوف عليه وتلزمه قيمة الولد لأن الولد حر ويشترى بقيمة الولدمثله وإن قلنا يسرى الوقف إلى الولد وإلا فيصرف إلى الموقوف عليه ملكا كالمهر وإن كان الواقف هو الواطئ فهذا حكمه ويزيد أمر الاستيلاد ولا ينفذ إن قلنا لا ملك له وإن قلنا الملك له فوجهان ووجه المنع تأكد حق الموقوف عليه فيه وإن كان الواطئ هو الموقوف عليه فلا مهر إذ هو مصرفه والولد حر ولا قيمة إن قلنا إن مصرفه هو وإن قلنا يشتري به مثله فيلزمه والاستيلاد لا ينفذ إن قلنا لا ملك له وإن قلنا له الملك فينفذ على الأصح إذ اجتمع له ملك الرقبة والمنفعة بخلاف الواقف السابعة إذا أجر الموقوف عليه الوقف فطلب بزيادة فلا فسخ له وإن أجر المتولي ما هو للخيرات ففيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لا أثر له إذ صح العقد الموافق للغبطة أولا فلا نظر إلى ما يطرأ وهو الأصح والثاني أنه يفسخ لأنه يخالف الغبطة في المستقبل الثالث أنه إن زاد على السنة في العقد فله أن يمنع ما زاد على السنة الثامنة أنه إن تعذر العثور على شرط الواقف يقسم على الأرباب بالسوية فإن لم يعرف الأرباب جعلناه كوقف مطلق لم يذكر مصرفه فيصرف إلى تلك المصارف التى ذكرناها كتاب الهبة وفيه بابان الباب الأول في أركانها وهي ثلاثة الأول صيغة العقد فلا بد من الإيجاب والقبول وعن ابن سريج أنه يجوز تراخي القبول وهو بعيد والصحيح أنه في الإبراء لا يفتقر إلى قبول من عليه إلا أن يكون بلفظ الهبة ففيه تردد والفعل لا يقوم مقام اللفظ كالمعاطاة في البيع وذكر الفوراني أنه يكتفى في الهدايا بالفعل فلا يعتبر اللفظ فإن العادة كانت مستمرة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره محتمل في الأطعمة أما ما عداه فلا يمكن دعوى اطراد العادة فيه ويتصل بالصيغة حكم الرقبى والعمرى أما العمرى فلها ثلاث صور الأولى أن يقول أعمرتك هذه الدار حياتك أي جعلتها لك في عمرك فإذا مت فهي لورثتك فهذا صحيح لأنه عبر به عن مقتضى الهبة وإن طول فيه الثانية أن يقول أعمرتك حياتك أي جعلتها لك في عمرك ولم يتعرض لما بعد موته فقولان القديم بطلانه وهو الأقيس لأنه هبة مؤقتة فيضاهي البيع المؤقت والجديد أنه يصح ويبقى لورثته لقوله عليه السلام لا تعمروا ولا ترقبوا ومن أعمر شيئا أو أرقب فسبيله الميراث وفيه قول ثالث ضعيف أنه يصح كما شرط الثالثة أن يقول فإذا مت عاد إلي ففيه قولان مرتبان أحدهما البطلان وهو القياس لتصريحه بما يناقص الموضوع فهو أولى بالبطلان من المطلق ووجه الصحة إلغاء شرطه وتقرير الهبة على موضوعها ومن هذا استنبط بعض الأصحاب قولا أن الهبة لا تفسد بالشرئط الفاسدةبخلاف البيع لأن الشرط في البيع يطرق جهلا إلى العوض إذ يصير المشروط مقصودا مع العوض أما إذا أضاف إلى عمر غير المتهب أو إلى وقت معلوم فالظاهر فساده وإن فرعنا على الجديد وفيه وجه مخرج أنه تلغى الإضافة وتصح الهبة مطلقا أما الرقبى هو أن يقول أرقبتك داري أو داري لك رقبى أي هى لك فإن مت قبلي عادت إلي وإن مت قبلك استقر ملكك فحكمه حكم الصورة الثالثة من العمرى لأنه ما زاد إلا قوله إن مت قبلك استقر ملكك وهذا يوافق موضوع العقد الركن الثاني في الموهوب وكل ما جاز بيعه جاز هبته وإن كان شائعا قبل القسمة أو لم يقبل وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح هبة شائع قابل للقسمة وما لا يجوز بيعه من المجهول وما لا يقدر على تسليمه كالآبق لا تصح هبته وفي هبه الكلب خلاف من حيث إنه تصح الوصية به وهو نقل اختصاص وإنما الخبيث ثمنه بحكم الحديث واختلفوا في أن هبة المرهون هل تفيد الملك عند فك الرهن أم يفتقر إلى إعادته مع أن القطع بأن تعليق الهبة لا يجوز وأن بيع المرهون باطل لأن الهبة لا توجب الملك بنفسها بخلاف البيع واختلفوا في هبة الدين إن قلنا يصح بيعه من غير من عليه الدين والأصح المنع لأن القبض في الدين غير ممكن ومن صح اكتفى بقبض الدين بتعيينه وقيل يطرد هذا الوجه في رهن الدين وهو فيه أبعد إذ الوثيقة متعلقة بالقبض فيه فأمر القبض فيه آكد الركن الثالث القبض والهبة لا تفسير الملك عندنا إلا بعد القبض خلافا لمالك رحمة الله وذلك لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه نحل عائشة رضي الله عنها جداد عشرين وسقا من التمر ثم مرض وقال وددت لو كنت حزته والآن هو مال الوارث ومن أصحابنا من قال إذا قبض تبينا حصول الملك عند العقد وتسلم للمتهب الزوائد الحاصلة قبل القبض وأخذ ذلك من نص الشافعي رضي اللهعنه على أن من وهب عبدا قبل هلال شوال وقبض بعد الاستهلال فالفطرة على المتهب وقد قيل إن هذا من الشافعي رضي الله عنه تفريع على مذهب مالك فرعان أحدهما لو قبض المتهب دون إذن الواهب لم يجز يحصل الملك وقال أبو حنيفة رحمه الله يحصل الثاني إذا مات الواهب قبل القبض فالأظهر أن الوارث يتخير في الإقباض كالبيع في زمان الخيار ومنهم من قال ينفسخ العقد لأن هذا عقد جائز فينفسخ بالموت كالوكالة والجعالة وكأن هذا القائل يجعل القبض كجزء من السبب مثل القبول الباب الثاني في حكم الهبة الصحيحة وفيه فصلان الأول في الرجوع والأصل أن الهبة مندوب إليها قال عليه السلام تهادوا تحابوا وهو مع الأقارب أحب لأن فيه صلة الرحم وإذا وهب من أولاده فليسو بينهم لأنه قال عليه السلام لنعمان ابن بشير وقد وهب بعض أولاده شيئا أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء فقال نعم فقال فارجعوسو بينهم وإن خصص فالهبة تنعقد ولكنه يكون تاركا للأحب وهل يستحب التسوية بين الابن والبنت فيه تردد وحكم الهبة إذا صحت إزالة الملك ولزومه إلا فيما يهب لولده قال عليه السلام لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما يهب لولده وقال أبو حنيفة يرجع كل واهب إلا الوالد ثم النظر فيمن يرجع وما به الرجوع وما يرجع فيه أما الراجع فهو الأب وفي معناه الجد في ظاهر المذهب وقيل إنه يختص بالأب وقيل يتعدى إلى الجد من قبل الأب وولي لأن هذا احتكام والظاهر أن الوالدة في معنى الوالد وفيه وجه بخلافه فروع أحدها إن تصدق على ولده عند حاجته فالظاهر أنه يرجع لأنه هبة وفيهوجه أنه لا يرجع لأنه فقد طلب الثواب لا لإصلاح حال الولد وقد حصل الثواب الثاني صبي تداعاه رجلان ووهبه كل واحد منهما فلا رجوع لأحدهما إذ لم يثبت أبوته فإن قامت له البنية ففي رجوعه خلاف لأنه لم يكن له حال العقد أبوة ظاهرة الثالث لو وهب من ولده فوهب هو من ولده أو مات وانتقل إلى ولده وقلنا للجد الرجوع ففي الرجوع هاهنا وجهان والظاهر المنع لأن الرجوع للواهب وهو الآن ليس واهبا أما ما به الرجوع فهو كل لفظ صريح وفي إقدامه على البيع والعتق ثلاثة أوجه الأصح أنه ليس برجوع ولا ينفذ فإنه صادف ملك غيره وهو لازم والثاني أنه ينفذ ويكون رجوعا لأنه قادر عليه ونهو من ضرورته والثالث أنه رجوع لدلالته عليه ولا ينفذ لأنه لم يلاق الملك أما الوطء فالظاهر أنه لا يكون رجوعا بل يجب عليه المهر وكذا القيمة إن أحبلها أما ما فيه الرجوع فهو عين الموهوب ما دام باقيا في سلطنة الملك فإن تلف فلا رجوع بقيمه وإن نقص فيرجع إلى الناقص وإن زاد زيادة متصلة رجع إليها زائدة وإن كانت منفصلة سلمت الزيادة للمتهب وإن خرج عن ملكه بموت أو تصرف انقطع الرجوع إن عاد إلى ملكه ففي عود الرجوع قولان بناء على أن الزائل العائد كالذى لم يزل أو كالذى لم يعد ولا خلاف في أنه لو كان عصيرا خمرا ثم عاد خلا عاد الرجوع لأن العائد هو الملك الأول وكذلك إذا كان مرهونا أو مكاتبا فيمتنع الرجوع فإن انفك عاد الرجوع ولا يمتنع الرجوع بإجارة الموهوب وفي امتناعه بإباقه تردد وإن تلعق حق غرماء المتهب بماله لإفلاسه ففي الرجوع وجهان أحدهما لا كالمرهون والثاني نعم ولذلك منع الرهن رجوع البائع بخلاف الإفلاس الفصل الثاني في الهبة بشرط الثواب والهبة ثلاثة أقسام مقيد بشرط نفي الثواب فلا يقتضي ثوابا ووطلق فإن كان من كبير مع صغير فلا تقضى ثوابا وإن كان من صغير مع كبير فقولان الجديد أنه لا يلزم الثواب موضوع اللفظ التبرع وفي القديم يلزمه لقرينة العادة وإن وهب من مثله فطريقان قطع العراقيون بنفي الثواب وطرد المراوزة القولين التفريع إن قلنا يقتضي الثواب ففيه أربعة أقوال أحدها إن قدر الثواب قدر قيمة والثاني ما يتمول والثالث ما يعد ثوابا في العادة والرابع ما يرضى به المواهب أما الهبة المقيدة بشرط الثواب إن فرعنا على الجديد وكان الثواب مجهولا فهوباطل وإن كان معلوما فقولان أحدهما أنه ينعقد بيعا ولكنه بلفظ الهبة والثاني أنه يفسد لأنه متناقض وهو قريب من الخلاف في أنه لو قال بعت بلا ثمن هل ينعقد هبة وإن فرعنا على القديم فالثواب المجهول كالمطلق وإذا قلنا ينعقد بيعا فيثبت الشفعة وسائر أحكام البيع على الظاهر من المذهب التفريع إذا فرعنا على القديم في الهبة المطلقة فما رأيناه ثوابا إذا لم يسلم جاز الرجوع عند بقاء العين وإن تلفت رجع بقيمتها لأنه مضمون بالعوض وكذا إذا غاب طلب الأرش وفيه وجه أنه لا يرجع بالقيمة لأن الرجوع يتعلق بالعين في الهبة وهذه ليست هبة فروع أحدها لو وجد بالثواب عيبا ورد ورجع إلى العين وإن كان تالفا والثواب في الذمة فيطالب به وإن كان معينا فهو بيع يرجع إلى قيمته الثاني لو وهب حليا فأثابه في المجلس نقدا من جنسه زائدا أو ناقصا فممنوع لأنه ربا وفيه وجه أنه يجوز لأنه لا مقابلة ولكنه إنشاء تبرع في مقابلة تبرع الثالث إذا قدرنا الثواب بالقيمة فيعتبر يوم القبض وفيه وجه آخر أنه يعتبر يوم بذل القيمة الرابع إذا تنازعا فقال المالك بعتك وقال الآخذ بل وهبتني فقولان أحدهما القول قول الآخذ لأنه وافقه صاحبه على الملك ويدعي عليه عوضا الأصل عدمه والثاني أنهما يتحالفان لتساويهما إذ هذا يعارضه أن الرجوع في وجه الزوال إلى المزيل وحكي في طريقة العراق بدل هذا الوجه أن القول قول الواهب فإنه المزيل كتاب اللقطة وفيه بابان الباب الأول في أركانها وهي ثلاثة الأول الالتقاط وهو عبارة عن أخذ مال ضائع ليعرفها الآخذ سنة ثم يتملكها بعد مضي السنة ويضمنها لمالكها إن ظهر وفيه أخبار وفيه مسألتان إحداهما في وجوب الالتقاط نقل المزني أنه قال لا أحب تركه وقال في الأم لا يجوز تركه فمنهم من أطلق قولين ومنهم من نزل على حالتين فأوجب إن كان يضيع لو لم يأخذه ولم يوجب إذا كان لا يضيع والأصح القطع بأنه لا يجب لأنه بين أن يكون كسبا أو أمانة فلا معنى لوجوبه وأراد الشافعي رضي الله عنه بقوله تأكيد الندب نعم يستحب إن كان يثق بأمانة نفسه وإن خاف على نفسه ففي جواز الأخذ وجهان يجري مثله فيمن يتولى القضاء وهو يخاف الخيانة ووجه الجواز أنه لم يعرف الخيانة فنأمره بالاحتراز الثانية في وجوب الإشهاد على اللقطة وجهان لقوله صلى الله عليه وسلم من التقط لقطة فليشهد عليها فاحتمل أن يكون إيجابا أو استحبابا وإرشادا لقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فإذا أشهد فليعرف الشاهد بعض الأوصاف ليكون فيه فائدة ولا ينبغي أن يستوعب فإنه ربما يشيع فيعتمده المدعي الكاذب ويتوسل به الركن الثاني في الملتقط وأهلية الالتقاط لمن له أهلية الأمانة والكسب والولاية فإن هذه المشابه ظاهرة في اللقطة فإنها أمانة في الحال وولاية بإثبات اليد وكسب بالإضافة إلى ثاني الحال فيثبت جواز الالتقاط لكل مسلم حر مكلف عدل والنظر في الكافر والرقيق والصبي والفاسق أما الكافر فهو من أهل الالتقاط قطع به المراوزة وذكر العراقيون وجهين وكأنهم رأوا بذلك تسلطا في دار الإسلام كالإحياء إذ لم يروه من أهل الأمانة أما الفاسق فلا يجوز له أخذه فإن أخذه فهل يصح التقاطه لإفادة الإحكام فيه قولان أحدهما لا لأنه أمانة في الحال وفيه شبهة الولاية والفاسق لا يليه الشرع الأمانات والثاني نعم لأن ماله التملك وهو مقصوده والفاسق من أهل الاكتساب التفريع إن قلنا إنه ليس أهلا فلو التقطه فهو غاصب ولو عرف لم يمتلك ولو تلف في يده ضمن وفي انتزاع القاضي من يده وجهان كما في انتزاعه من يد الغاصب ووجه المنع أنه مضمون في يده ويكون في يد القاضي أمانة ثم في براءته عن الضمان عند الانتزاع وجهان وفي جواز الانتزاع لآحاد الناس احتسابا وفي براءة الغاصب به وجهان مرتبان وأولى بالمنع لأن النظر للغائب يليق للقضاة وإن فرعنا على أنه أهله فهو كالعدل حتى يملك بعد المدة ويتلف أمانة في يده ولكن القاضي ينزع من يده أو ينصب عليه رقيبا فيه وجهان لأن النظر للمالك في أن لا يهمل إلا بانتزاع أو مراقبة أما الرقيق ففيه أيضا قولان لأنه أهل الكسب لا من أهل الأمانة والولاية فإن قلنا ليس من أهله فهي في يده مضمونة إن تلف تعلقت القيمة برقبتهوإن فضلت قيمته فلا يطالب السيد به إن لم يعلم وإن علم ولم ينزع من يده نقل المزني أنه يطالب وكأن يده يد السيد بعد علمه ونقل الربيع أنه لا يطالب وهو الأصح كما أو أذن له في الإتلاف وكما لو لم يعلم و أما الانتزاع من يده فللسيد أن يطالب القاضي بإزالة يده ليخرج عن ضمان عبده فجواز الانتزاع والبراءة من الضمان هاهنا مرتب على الفاسق وأولى بالجواز لغرض السيد أما السيد لو أراد أن يأخذه على قصد الالتقاط أو الأجنبي أراد ذلك قال العراقيون هو جائز وكأنه يعد في مضيعة إذ هو ليس أهلا فكأنه لم يلتقط بعد وفيه نظر لأنه وقع في محل مضمون والالتقاط هو الأخذ من محل مضيع ولكنه ينقدح خلاف في أنه هل تحصل البراءة بانتزاعه كما في الأجنبي وهاهنا أولى بالمنع لأنه ليس يتمحض حسبه إذ له فيه غرض فرع لو عق العبد بعد الالتقاط فقد تردد الشيخ أبو محمد في أن طرآن الحرية على دوام اللقطة هل يصح اللقطة حتى يفيد حكمها وهو محتمل أما إذا قلنا هو أهل الالتقاط فإن عرف وتملك بإذن السيد صح وحصل الملك للسيد وإن استقل به ففيه وجهان كما في شرائه لأنه تملك بعوض وأولى بالفساد لأن البائع راض بذمته فلا يطالب السيد وهاهنا الملتقط يتبع من له الملك فيعرضه للمطالبة فأما الضمان فإن تلف قبل مضي المدة فأمانة وإن تلف بعد مضي المدة والتملك فمضمون على السيد إن أذن في التملك وكذلك إذا أذن في قصد التملك وبعد لم يجز التملك لأنه مأخوذ على جهة التملك ويتلعق بذمة العبد أيضا لكونه في يده وفيه وجه أنه لا يتعلق بالسيد كما لو أذن في الغصب وهو ضعيف بل تشبيهه بالإذن في الشراء أولى وإن لم يكن أذن السيد فيه فيتعلق بذمة العبد ولا يتعلق برقبته لأنه لا جناية منه وهو أمانة وقد تلف بآفة سماوية وفيه وجه أنه يتعلق برقبته لأنه وجب بغير رضا مستحقه أما إذا أتلفه العبد بعد المدة فالظاهر أنه يتعلق برقبته وذكر صاحب التقريب وجها أنه يتعلق بذمته كما لو أتلف المبيع كأن ذلك تسليط من المالك وهذا تسليط على المالك من الشرع فرعان أحدهما المكاتب نص أنه كالحر فمنهم من قطع به لأنه أهل الاستقلال ومنهم من طرد القولين فإن قلنا إنه أهله فإن عرف ملك بنفسه وإن قلنا ليس أهلا فالسلطان ينتزعه من يده وليس للسيد ولاية الانتزاع إلا كما للآحاد لأنه لا يد له على كسبه الثاني من نصفه حر ونصفه رقيق نص أنه كالحر ومنهم من طرد القولين فإن قلنا إنه أهل كالحر ولم يكن مهايأة فهو مشترك بينهما كسائرأكسابه وكما لو اشترك رجلان في اللقطة وإن كان بينهما مهايأة وقلنا إن الكسب النادر لا يدخل في المهايأة فمشترك وإن قلنا يدخل فهو لمن وقع في نوبته ويرعى قيمة فيه يوم الالتقاط أو مضي مدة التعريف فيه احتمال أما الصبي ففي التقاطه قولان كما في العبد وقطع العراقيون بأنه أهل الالتقاط وطردوا ذلك في المجنون وكل محجور عليه لأنه أهل الاكتساب فإن قلنا إنه أهله انتزعه الولي من يده ثم يتملك له بعد مضي المدة وإن قلنا ليس أهلا فهو في يده في غير حق فلينتزع من يده فإن أتلفه الصبي ضمنه وإن تلف بآفة سماوية فيلزمه الضمان أيضا وإن قلنا إنه أهله وتلف بآفة سماوية في يده فوجهان لأنه ليس أهلا للأمانةولو أودع عند الصبي شيئا فتلف لم يضمن وإن أتلف فوجهان بالعكس من اللقطة لأنه تسليط من المالك ثم لو علم الولي بذلك ولم ينتزع من يده حتى تلف ضمن الولي بتقصيره فإنه ملتزم حفظه عن مثل ذلك الركن الثالث فيما يلتقط وهو كل مال معرض للضياع وجد في عامر من الأرض أو غامرها فإن كان حيوانا نظر فما يمتنع عن صغار السباع كالإبل وفي معناه البقر والحمار لا يجوز التقاطه وما لا يمتنع كالشاة والفصيل والجحش جاز التقاطه لما روي أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال أعرف غفاصها ووكائها وعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك فسئل عن ضالة الشاة فقال هى لك أو لأخيك أو للذئب فسئل عن الإبل فغضب حتى احمرت وجنتاه وقال مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر ذرها حتى يلقاها ربها هذا إن وجد في الصحراء فإن وجد الحيوان في العمران فثلاثة أوجه أحدها أنه كالصحاري لعموم الخبر فيفرق بين الصغير والكبير والثاني أنه يلتقط الكل إذا تتناولها أيدي الناس بخلاف ما في الصحراء والثالث أنه لا يلتقط لا الصغير ولا الكبير فإنه لا يخاف الصغير هاهنا من السباع بخلاف الصحراء فإذا قلنا لا يلتقط البعير فإذا أخذه ثم تركه على مكانه لم يخرج من ضمانه فرعان أحدهما استثنى صاحب التلخيص البعير الذى وجد في أيام منى وقد قلد الهدى وقال جاز أخذه وذبحه اعتمادا على العلامة ومن أصحابنا من خرج ذلك على أن البعير إذا وجد مذبوحا وقد غمس منسمه في دمه هل يجوز أن يؤكل اعتمادا على هذه العلامة وهاهنا أولى بالمنع إذ لا يبعد شرود البعير من صاحبه فلا يرضى صاحبه بنحر غيره الثاني إذا وجد كلبا التقطه واختص بالانتفاع به بعد التعريف فإن الانتفاع به كالملك في غيره وفيه احتمال من حيث إنه اختصاص بغير ضمان فيكاد يخالف موضوع اللقطة الباب الثاني في أحكام اللقطة وهي أربعة الأول الضمان وذلك يختلف بقصده فإن التقط على قصد أن يحفظه لمالكه أبدا فهو أمانة في يده أبدا وإن قصد أن يختزل في الحال فهو مضمون عليه أبدا وإن قصد أن يتملكها بعد السنة فهو في السنة أمانة لو تلف لا ضمان فإذا مضت السنة فهو مضمون عليه وإن لم يتملك لأنه صار ممسكا لنفسه بالقصد السابق فهو كالمأخوذ على جهة السوم وإن لم يقصد شيئا من ذلك وأطلق الأخذ فإن غلب مشابع الأمانة فلا ضمان وإن غلبنا مشابه الكسب ضمناه فرع إذا قصد الأمانة أولا ثم تعدى بالفعل فيه ضمن وهل يضمن بمجرد قصد الخيانة فيه وجهان أحدهما لا كالمودع لا يضمن بمجرد القصد والثاني يضمن لأن المودع مسلط عليه من جهة المالك والأصل أن إثبات اليد على مال الغير بغير إذنه مضمن إلا عند قصد الأمانة ولهذا قطعنا بأن الملتقط على قصد الخيانة في الابتداء يضمن وفي المودع إذا قصد الخيانة عند الأخذ وجهان ثم مهما صار ضامنا فلو أنفق التعريف لم يكن له التملك فإنه جوز ذلك عند وجود الأمانة وفيه وجه آخر أن يتملك إذ العدوان لم يكن في عين السبب وإنما كان في قصده ولم يتصل به تحقيق الحكم الثاني التعريف وفيه طرفان الأول فيما يعرف ويجب ذلك سنة في كل ملتقط إلا ما قل أو تسارع الفساد إليه أما القليل فما لا يتمول كالزبيبة الواحدة لا تعرف أصلا وما يتمول يعرف ولكن لا يجب تعريفه سنة والأصح أنه لا حد له بتقدير بل ما يعرف أنه يفتر صاحبه عن طلبه على القرب ومنهم من قدر بنصاب السرقة لأن ما دونه تافه شرعا ومنهم من قال الدينار فما دونه قليل لما روي أن عليا رضي الله عنه وجددينارا فذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره باستنفاقه ثم ما رأيناه قليلا ففي قدر التعريف ثلاثة أوجه أحدها مرة واحدة إذ لا ضبط للزيادة ويدل عليه أثر علي رضي الله عنه فإن إظهاره لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافيا والثاني أنه القدر الذى يوازي طلب المالك ومداومته عليه الثالث أنه يقدر بثلاثة أيام حذارا من الجهالة أما ما يتسارع إليه الفساد كالطعام وأمثاله فإن وجده في الصحراء جاز له أن يتملكه أو يأكله قبل التعريف لقوله عليه السلام من التقط طعاما فليأكله وتلحق الشاة بالطعام فإنها مطعومة ولا تبقى بغير نفقته له ولا نفقة لها ولقوله صلى الله عليه وسلم هى لك أو لأخيك أو للذئب ولم يأمر بالتعريف وفي إلحاق الجحش وصغار الحيوانات التى لا تؤكل بالشاة وجهان أحدهما نعم لأنه لا تبقى دون العلف والثاني لا لأن حكم المطعوم أسهل وقد ورد الخبر في الطعام والشاة ثم إذا أكل أو تملك ففي وجوب التعريف بعده وجهان أحدهما يجب حذارا من الكتمان والثاني لا لعموم الخبر ولبعد وجود المالك فيما التقط من الصحراء أما إذا وجد الطعام في عمران ففيه وجهان أحدهما أنه كالصحراء لعموم الخبر والثاني أنه يلزمه أن يبيعه فإن ثمنه قابل للبقاء فيكون بدلا عنه وفي الصحراء يعجز عنه فإن قلنا يبيع فيتولاه بنفسه إن لم يجد قاضيا وإن وجد ففي جواز استقلاله بالبيع وجهان وجه الجواز أنه لو نوع ولاية بسبب الالتقاط ثم مهما حصل الثمن سلك به مسلك عين اللقطة في الضمان والتملك وغيره وإن قلنا يأكل ثم يعرف بعده فهل يلزمه تمييز قيمته ليعتمد التعريف موجودا فيه وجهان فإن قلنا يميز فلا يتعين له إلا بقبض القاضي ثم لا يصير ملكا لرب اللقطة ولكن فائدته إن يقدم المالك به على الغرماء عند إفلاسه ويمتنع فيه تصرف الملتقط ويتلف في يده أمانة وإذا لم يظهر حتى مضت المدة فالأشهر أنه لا يرتفع الحجر بل يحفظه أبدا لمالكه لأنه لا عينها ويحتمل أن يرتفع الحجر كما لم يميز الطرف الثاني في كيفية التعريف وفيه مسائل الأولى وقت التعريف عقب الالتقاط وإن عزم على التملك بعد سنة وإن لم يعزم على التملك أصلا أو عزم بعد سنتين فهل يلزمه التعريف في الحال فوجهان أحدهما لا لأن التعريف تعب في مقابلة ثمرة الملك والثاني يجب لأن المقصود وصول الحق إلى مستحقه وفي تأخيره إضرارا بالكتمان فإن قلنا يجب البدار فالبالتأجير يصير ضامنا ثم ينبغي أن يعرف في الابتداء في كل يوم ثم في كل جمعة ثم في كل شهر والمقصود أن يعرف أن الأخير تكرار الأول الثانية مكان التعريف مكان الالتقاط إن كان في عمارة فإن سافر فليوكل غيره بالتعريف وإن التقط في صحراء فلا يتعين عليه بلد ولكن ليعرفه في البلد الذى ينتهي إليه ويقصده فإن الإمكان في سائر البلاد على وتيرة واحدة الثالثة ينبغي أن يذكر بعض أوصاف اللقطة في التعريف كالغطاص والوكاء ليكون تنبيها للمالك وهو استحباب أو وجوب فيه خلاف الرابعة مؤنة التعريف لا تلزمه أعني أجرة المعرف إن قصد حفظه أمانةأبدا وإن قصد التملك ولم يظهر المالك فالمؤنة عليه وإن ظهر المالك فقد أطلق العراقيون أنه على الملتقط لأنه يسعى لنفسه وفيه احتمال لأن التعريف طلب المالك فهو سعي في الحال له لا سيما إذا ظهر وإذا قلنا ليس عليه فالقاضي يسلم من بيت المال أو من عين اللقطة فرع إذا كانت اللقطة جحشا وقلنا يجب تعريفه بخلاف الشاة فليس ذلك على الملتقط قطعا وإنما هو كنفقة الجمال عند هرب الجمال فإن مست الحاجة إلى بيع جزء منه فعلى ذلك قال الشيخ أبو محمد إن كان كذلك فسيأكل نفسه فيلحق بقبيل ما يتسارع الفساد إليه الحكم الثالث التملك بعد مضي المدة وهو جائز إذ لم يقصد الخيانة وفيه أربعة أوجه أحدها أنه يحصل بمجرد مضي السنة فإنه قصد بالالتقاط الملك عنده الثاني أنه لا بد من لفظ فمجرد القصد فقط لا يؤثر وما مضي عزم لا قصد والثالث أنه يكفي تجديد قصد عند مضي السنة والرابع أنه لا بد من تصرف يزيل الملك فإن فعله وقوله لا يزيد على الاستقراض وثم لا يملك إلا بالتصرف على قول فرع إذا وجد لقطة في مكة ففيها وجهان أحدهما أنه لا يتملك كسائر البلاد والثاني لا لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم مكة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا تحل لقطها إلا لمنشد والمراد به منشد على الدوام وإلا فأي فائدة لتخصيص مكة الحكم الرابع وجوب الرد إذا ظهر مالكه ويعرف ذلك بالبينة فإن أطنب في الوصف وغلب على الظن صدقه جاز التسليم إليه وفي وجوب ردها دون إقامة البينة خلاف منهم من أوجب إذ تكليف البينة عسر ومنهم من قال ربما يكون قد عرف الوصف بوصف المالك الفاقد ولعل الأولى الاكتفاء بقول عدل واحد لحصول الثقة فرعان أحدهما إذا سلمه إلى الواصف فظهر المالك فيطالب الواصف أو الملتقط من شاء منهم ويرجع الملتقط على الواصف إلا إذا كان اعترف له بالملك فلا يقدر على الرجوع الثاني إذا ظهر المالك بعد أن تملكه فإن تلف رد قيمته يوم التملك وإن كانت قائمة ففي لزوم رد العين وجهان كمثله في رجوع المستقرض وإن كانت معيبة فأراد أن يردها ويضم الأرش إليها وامتنع المالك وقال أريد القيمة فأيهما يجاب فيه وجهان أحدهما المالك لأن العين بعد التملك تزاد للتقريب في حصول الجبر وقد فات بالعيب وجه الجبر والثاني الملتقط لأنه لا يزيد على الغاصب وللغاصب رد العين من الأرش ثم إذا رد فلو طالب من المالك أجرت الرد لم يكن له ذلك إلا إذا كان قد نادى المالك بأن من رد لقطتي فله كذا فيستحق ما سمي على ما فصلناه في كتاب الجعالة عقيب الإجارة والله أعلم كتاب اللقيط وفيه بابان الباب الأول في أركان الالتقاط وأحكامه فأما الأركان فثلاثة الأول نفس الالتقاط وهو عبارة عن أخذ صبي ضائع لا كافل له وهو في نفسه فرض على الكفاية لأنه تعاون على البر وإنقاذ عن الهلاك وفي وجوب الإشهاد عليه خلاف مرتب على الإشهاد على اللقطة وأولى بالوجوب لأن الاسترقاق مخوف فيه ومن الأصحاب من أوجب ذلك على المستور على العدل ثم إذا شرطناه فمهما تركه لم يثبت له ولاية الحضانة وجائز الانتزاع من يده وكأنها ولاية لا تثبت إلا بعد الشهادة الركن الثاني اللقيط ولا يشترط فيه إلا الحاجة إلى كافل فإن كان له ملتقط سبق إليه أو أب أو أم أو قريب فلا معنى لالتقاطه وكذا إن كان بالغا وإن كان دون سن التمييز فيجب التقاطه وفيما بعد التمييز إلى البلوغ تردد فإنه قريب الشبهة من الإبل من جملة اللقطة إذ له نوع استقلال الركن الثالث الملتقط وأهلية الالتقاط ثابتة لكل حر مكلف مسلم عدل رشيد أما العبد والمكاتب فلا يتفرعان للالتقاط فإن التقطا انتزع من أيديهما ولا ولاية لهما على الحضانة إلا أن يأذن السيد فيكون هو الملتقط والعبد نائب في الأخذ وأما الكافر فهو أهل الالتقاط للكافر لا المسلم فإنه نوع ولاية نعم للمسلم التقاط الكافر وأما الفاسق فلا يأتمنه الشرع والمستور له الالتقاط ثم لو قصد المسافرة به منعه القاضي إلا أن تعرف عدالته وأما المبذر وإن لم يكن فاسقا فليس أهلا لأمانات الشرع وأما الفقير وهو على الله رزقهم وذكر العراقيون وجها آخر أنه ينتزع من يده نظرا للصبي فإن قيل فلو ازدحم ملتقطان قلنا أما غير الأهل فلا يزاحم الأهل كما سبق وإن كان لو واحد أهلا فيقدم الغني على الفقير نظرا للصبي والبلدي علىالقروي ويقدم القروي على البدوي لما فيه من النظر للصبي في اتساع معيشة البلاد وحسن الأخلاق فيها ولا تقدم المرأة على الرجل وإن قدمت الأم على الأب في الحضانة لأن الأم أرفق من أجنبية يستأجرها الأب وها هنا الأجنبية تشتمل الجانبين وفي تقديم الظاهر العدالة على المستور خلاف منهم من قال لا يقدم الظاهر الثروة على المتوسط لأن المستور يزعم أن التقصير ممن لم يطلع على عدالته ومنهم من قال يقدم لأن أصل العدالة شرط للأهلية فظهورها يوجب الترجيح فإن تساويا في الصفات قدم السابق على الآخذ وهل يقدم السابق إلى الوقوف على رأسه قبل الآخذ فيه تردد فإن تساويا أقرع بينهما إذ لا سبيل إلى القسمة ولا إلى المهايأة إذ يستضر الصبي بتبديل اليد بعد الألف وقال ابن أبن أبي هريرة يقره القاضي في يد من يراه منهما ولو اختار الصبي أحدهما فلا نظر إليه إذ لا مستند لميله بخلاف اختيار الصبي أحد الأبوين فإن ذلك يستند إلى تجربة وامتحان فرع إذا مست الحاجة إلى القرعة فأعرض أحدهما يسلم إلى الآخر وفيه وجه آخر أنه لا يجوز ذلك بل يخرج القاضي القرعة باسمه فإن خرج عليه ألزم فإنه وجب عليه الوفاء بالحفظ بعد الأخذ وهو بعيد ها هنا نعم في الدوام لو أراد المنفرد باللقيط أن يرده إلى موضعه لم يجز وإن سلمه إلى القاضي لعجزه جاز وإن تبرم به مع القدرة ففيه وجهان ووجه المنع أنه فرض كفاية وقد شرع فيه وقدر عليه فصار متعينا أما حكم الالتقاط فهو الحضانة والإنفاق أما الحضانة فواجبه وكيفيتها لا تخفى ومهما التقط في بلد لم يجز أن يحول إلى بادية ولا إلى قرية لأن فيه تضييق المعيشة ولو التقط في بادية أو قبيلة فنقل إلى البلد جاز لأنه أرفق به وفيه وجه أنه لا يجوز لأن ظهور نسبه في محل التقاطه متوقع ولو نقل من بلد مثله فوجهان أحدهما الجواز لتساوي المعاش والثاني المنع لتوقع ظهور النسب في محل الالتقاط مع اتساع المعيشة في محل الالتقاط لو وجده في صحراء خال فله أن ينقله إلى أي موضع شاء إذ سائر المواضع إما مثله أو أصلح منه أما الإنفاق فإن كان له مال فهو من ماله وماله بالوصية للقيط والوقوف عليه والهبة منه ويقبلها القاضي ويقبضها أو بأن يوجد معه مال مشدود على ثوبه أو فرس مربوط عليه أو يوجد في دار فتكون الدار له لأن أصل اللقيط على الحرية ومعنى اليد الاختصاص وإن كان بالقرب منه مال موضوع أو بهيمة مشدودة بشجرة ففيها وجهان وهو تردد في هذا القدر هل يعد اختصاصا وإن كان المال مدفونا تحته فلا اختصاص له به فإن وجد معه رقعة فيها أن المال المدفون تحته له فالأظهر أنه له وفيه وجه أنه لا تعويل على الرقعة ثم الملتقط ليس له أن ينفق ماله عليه بغير إذن القاضي فإن فعل ضمن إذ لا ولاية له إلا على نفسه بالحفظ وهل له حفظ ماله دون إذن القاضي وفيه وجهان ووجه الجواز أنه تابع للمالك وله حفظ المالك وإن أنفق بغير إذن القاضي لأنه لم يجد قاضيا وأشهد فالظاهر أنه لا يضمن وإن لم يشهد فقولان ذكرنا نظيرهما في هرب الجمال أما إذا لم يكن له مال فلا يجب على الملتقط من ماله بحال ولكن ينفق عليه من بيت المال فإن لم يكن فيجمع من أهل اليسار من المسلمين لأنه عيال عليهم ثم لا رجوع عليه بعده ومن الأصحاب من قال إن القاضي يستقرض إما من بيت المال أو من موسر ينفق عليه فإن ظهر أن اللقيط عبد رجع على مولاه وإن ظهر حرا موسرا أو مكتسبا رجع عليه في كسبه ويساره وإن كان عاجزا قضاه من سهم المساكين والفقراء من الصدقات إذ لا معنى لإلزامه من غير هذه الجهة الباب الثاني في معرفة حال اللقيط في الإسلام والنسب والحرية وغيرها وفيه أربعة أحكام الحكم الأول الإسلام وهو ينقسم إلى ما يعرف بمباشرة وإلى ما يعرف بتبعية أما المباشرة فيصح من البالغ العاقل ولا يصح من الصبي في الظاهر المذهب نعم نص الشافعي رضي الله عنه أن صبي الكافر إذا وصف الإسلام حيل بينه وبين أبويه فمنهم من قال هذا محتوم وهو حكم بصحة الإسلام فخرجوا منه قولا مثل مذهب أبي حنيفة رحمه الله ومنهم من قال هو استحباب بعد استعطاف الوالدين فإن أبيا لم نجبرهما عليه وقال الأستاذ أبو إسحاق إذا أضمر الصبي الإسلام كما أظهره حكمنا له بالفوز في الآخرة وإن كنا لا نحكم به لصبيان الكفار بسبب تعارض الأخبار وعبر عن هذا بأن إسلامه صحيح باطنا لا ظاهرا ومنهم من قال إن إسلامه موقوف فإن أعرب بعد البلوغ عن الإسلام تبينا صحته من أصله أما التبعية فلها ثلاث وجهات الجهة الأولى تبعية الوالدين فإن حصل العلوق من مسلم أو الولادة من مسلمة فالولد مسلم قطعا فإن أظهر الكفر بعد البلوغ فهو مرتد أما إذا انفصل على الكفر فأسلم أحدأبويه حكم بإسلامه في الحال وكذا إسلام الأجداد والجدات عند عدم من هو أقرب منه ومع وجود الأقرب فيه خلاف وأحكام الإسلام جارية على هذا الصبي في الحال فإن بلغ وأعرب عن الإسلام استقر أمره وإن أظهر الكفر فقولان مرتبان أحدهما أنه مرتد لا يقر عليه فلا ينقض ما سبق من الأحكام المبينة على الإسلام كالمنفصل من المسلمين والثاني أنه كافر أصلي يقرر بالجزية ولا يجبر على الإسلام لأن التبعية في الإسلام بعد الانفصال ضعيف وإنما حكم به في الحال بشرط أن يستمر فإذا استقل فالنظر إلى استقلاله أولى فعلى هذا ما سبق من أحكام الإسلام بعد البلوغ وقبل الإعراب من إجزاء عتقه عن كفارة أو توريثه من مسلم أو نكاحه مسلمة كل ذلك منقوض وما سبق في حالة الصبي هل يتبين إنتقاضه فيه وجهان أحدهما نعم كما بعد البلوغ والثاني لا إذ لو حكمنا به لأوجب ذلك الوقف في الأحكام للتوقف في الإسلام بل الحكم بالإسلام مجزوم ما دام سبب التبعية قائما وهو الصبيوإنما ينقطع بالبلوغ فبعد البلوغ يتوقف إلى إعرابه فروع على هذا القول أحدها إذا بلغ وجرى تصرف يستدعي الإسلام كعتق عن كفارة أو موت قريب مسلم فمات اللقيط قبل أن يعرب بالكفر أو الإسلام ففي نقض التصرف وجهان أحدهما ينقض إذ الأصل بعد البلوغ الاستقلال ولم يستقل بالإسلام فكيف يقدر إسلامه والثاني أنه لم يعرب أيضا بالكفر والإسلام غالب وقد سبق الحكم به فيستصحب إلى أن يظهر الإعراب عن الكفر والثاني لو قتله مسلم قبل البلوغ فالقصاص لا يمتنع بسبب توهم الكفر بعد البلوغ ولو قتل بعد البلوغ وقبل الإعراب فإن قلنا لو أعرب بالكفر لنقض الأحكام فلا قصاص وإن قلنا لا ينقض ففيه تردد وميل النص إلى سقوطه للشبهة ونص مع هذا على أن الواجب دية مسلم وهذا يدل على أن الإسلام مستصحب في سائر الأحكام وإنما سقط القصاص للشبهة الثالث قال القاضي حسين إن مات هو قبل الإعراب يرثه حميمه المسلم وإن مات حميمه المسلم فإرثه موقوف ومعناه أن يقال له أعرب فإن مات قبل الإعراب فينبغي أن نقضي بتقدير الأولعليه بناء على استصحاب حكم الإسلام الرابع المجنون إذا بلغ مجنونا فهو كالصبي في جملة هذه الأحكام وإن بلغ عاقلا كافرا ثم جن ثم أسلم أحد أبويه ففي التبعية خلاف كما في عود ولاية المال الجهة الثانية تبعية السابي فالمسلم إذا استرق صبيا حكم بإسلامه تبعا له فإن الاسترقاق كأنه إيجاد مستأنف وإن كان معه أبواه لم يحكم به لأن تبعية الأبوين أقوى من تبعية السابي فلو مات بعد ذلك أبواه اطرد كفره لأن النظر إلى الابتداء في تبعية السابي ولو استرقه ذمي فالظاهر أنه لا يحكم بإسلامه ثم لو باعه بعد ذلك من مسلم لا يحكم بإسلامه لفوات الابتداء وفيه وجه أنه يحكم بإسلامه لأنا نجعل وقوع الصبي في يد المسترقى كوقوعه في دار الإسلام والذمي كالمسلم في كونه من دار الإسلام ثم مهما حكم بإسلامه تبعا للسابي فبلغ وأعرض بالكفر فحكمه ما سبق في تبعية الأبوين الجهة الثالثة تبعية الدار وكل لقيط يوجد في دار الإسلام فهو محكوم بإسلامه لغلبة الإسلام إلا فيبلدة كثر الكفار فيها وانجلي المسلمون عنه حتى لم يبق منهم واحد وقال أبو إسحاق المروزي يحكم الإسلام إذ لا يخلو عن مسلم مستسر بالإسلام أما ما يوجد في دار الكفر فهو كافر وإن كانوا مسلمون يجتازون بها مسافرين وإن كان فيها سكان من الأسارى والتجار ففيه وجهان لتعارض غلبة نسبة الدار مع تغليب الإسلام ثم هذا الصبي إذا بلغ وأظهر الكفر منهم من قال قولان كما في تبعية المسترق والوالدين ومنهم من قطع هاهنا بأنه كافر أصلي لأن تبعية الدار في غاية الضعف ثم هؤلاء ترددوا في تنفيذ أحكام الإسلام عليه في الصبي ومال صاحب التقريب إلى التوقف وهذا يعكر على إطلاق القول بالإسلام وأيد صاحب التقريب هذا باختلاف القول في وجوب القصاص على قاتله المسلم وقال لا مأخذ له إلا هذا التوقف فرع المحكوم بإسلامه تابعا للدار لو أقام ذمي بينة على نسبه ألحق به وتبعه في الكفر وتغير ما ظنناه من الإسلام وإن استلحق من غير بينة ثبت النسب وفي الحكم بكفره وجهان أحدهما نعم لأن تبعية الأب أقوى من تبعية الدار والدين يتبع النسب هاهنا والثاني أن ذلك أقوى إذا لم يسبق الحكم وأما تسليط الذمي على الاستقلال بإبطال حكمنا فبعيد الحكم الثاني في اللقيط جنايته في الصبي وأرش خطئه على بيت المال وإن جنى عليه خطأ فالأرش له وإن كان موجبا للقود نظر فإن كان في النفس فقد اختلف نص الشافعي رضي الله عنه في القصاص أما وجوبه فظاهر لأنه معصوم مسلم وأما إسقاطه فاختلف في تقليه فقال الأكثرون سببه أن لا وارث له وأنه يثبت للمجانين والصبيان وسائر المسلمين فكيف يستوفى وعلى هاذ لو قتل من لا وارث له فلا قصاص وكذا كلقصاص خلفه من لا وارث له فلا قصاص عليه وزيف صاحب التقريب هذا لأن الاستحقاق لا ينسب إلى آحاد المجانين والصبيان بل إلى جهة الإسلام وعلل بأن نص الشافعي رضي الله عنه يدل على توقفه في الإسلام بتبعية الدار لانتظار تغيره بعد البلوغ و أما إذا قطع طرفه فعلى طرقة الأصحاب يجب القصاص لتعين المستحق وعلى طريقة صاحب التقريب يتوقف فإن أعرب عن نفسه بالإسلام إذا بلغ تبين الوجوب وإلا فلا هذا إذا كان القاطع مسلما فإن كان ذميا فلا توقف من جهة الإسلام فإن قيل والإمام هل يستوفي القصاص قلنا إن كان في النفس فيستوفيه إن رآه أو يأخذ الدية لبيت المال إذ لا معنى للتوقف ولو منع من أخذ البدل لصار القصاص حدا وإن كان في طرف فالمستحق هو اللقيط فلا يستوفيه لأن الولي عند الشافعي رضي الله عنه لا يستوفي القصاص وحكي عن القفال وجه أن السلطان يستوفي القصاص في طرف المجنون لأنه لا ينتظر لإفاقته وقت مخصوصوهل للإمام أن يأخذ الأرش في الحال نظر فإن وجب لصبي غني فلا وإن وجب لمجنون فقير فيأخذ للحاجة وعدم الانتظار فإن وجب لصبي فقير أو لمجنون غني فوجهان لوجود أحد المعنيين فإن قلنا لا يأخذ فيحبس من عليه القصاص إلى الإفاقة والبلوغ ولا يبالي بطول الحبس فإن تفويت الحق غير ممكن وإن قلنا يأخذ فبلغ الصبي وانتهض لطلب القصاص ففيه وجهان منشؤهما أن الأخذ للحيلولة أم هو إسقاط للقصاص بحكم ظهور المصالح ثم قال الأصحاب ولاية أخذ المال إن جعلناه إسقاطا فلا يثبت للوصي وإن جعل للحيلولة فيثب له الحكم الثالث نسب اللقيط وفيه مسائل الأولى إن ظهر إنسان وزعم أنه والده الحق بمجرد الدعوى إذ لا منازع وإقامة البينة على النسب عسير نعم إن بلغ الصبي وأنكر فهل ينقطع وجهان أحدهما لا إذ تم الحكم به والثاني نعم كما إذا استلحق بالغا فأنكره فإنه لا يثبت وإن كان المستلحق هو الملتقط نفسه يثبت النسب وقال مالك رحمه الله لا يثبت لأنه لا ينبذ ولد نفسه ثم يلتقطه إلا إذا كان لا يعين أولاده فقد يفعل ذلك تفاؤلا الثانية لو جاء عبد واستلحقه نص هاهنا على أنه يلحقه ونص في الدعاوى على أنه ليس أهلا فقال الأصحاب قولين الصحيح أنه أهل إذ إمكان النسب للرقيق حاصل والثاني لا لأنه يقطع ولاء السيد به عن نفسه ثم الصحيح على هذا أن الحر لو استلحق صبيا رقيقا لحقه ومنهم من منع لهذه العلة وهو قطع الحر بدعواه ولاء السيد الثالثة المرأة إذا استلحقت فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه يلحق بها كالرجل والثاني لا لأنه لو ألحق بها للحق زوجها وقبول قولها على زوجها محال والإلحاق بها دونه محال والثالث أنه يلحق الخلية دون ذوات الزوج لما ذكرناه الرابعة إذا تداعى رجلان نسب مولود فلا يقدم حر على عبد ولا مسلم على كافر بل يتساويان نعم صاحب اليد يقدم بشرطين أحدهما أن لا تكون يده يد التقاط فإن يد الالتقاط لا تدل على النسب نعم تدل على الحضانة والثاني أن يكون صاحب اليد قد استلحق من قبل فإن لم يسمع استلحاقه إلا عند دعوى الثاني فوجهان أحدهما لا يقدم إذا لا دلالة لليد إذ لم يقارنه استلحاق والثاني نعم لأن اليد على الجملة دالة ولعل الاستلحاق كان ولم يبلغنا فرعان أحدهما إذا أقام كل واحد بينة على أنه ولده تعارضتا وتهاترتا إذ لا سبيل إلى قول القسمة ولا إلى قول الوقف فإنه لا يزيد فائدة ولا يجري قول الإقراع أيضا إذ النسب لا يثبت بالقرعة ولو تنازعا في الحضانة وأقام كل واحد منهما بينة على الالتقاط فإن شهدت لأحدهما بالسبق في الالتقاط فهو مقدم في الحضانة وإن كنا نتردد في مثله في الإملاك لأن حق الحضانة لا ينتقل والملك قد ينتقل وكذلك لو كان أحدهما صاحب يد قدمت بينته لأنها دلالة الالتقاط كبينة الداخل وإن تعارضا من كل وجه فإما قول التهاتر وإما قول القرعة ولا سبيل إلى التوقف والقسمة الثاني إذا بلغ الغلام وقد تعارضت الدعاوى أو البينات خيرناه بينهما وأمرناه بالتعويل على حركة الباطن من جهة الجبلة لا على محض التشهي فإن التحق بأحدهما ثم رجع لم يمكن بخلاف الصبي المخير بين الأبوين لأن ذلك يعتمد الشهوة فلو ظهر قائف فيقدم قول الفاسق على التحاقه لأنه أقوى وإن القائف بينة على خلافة قدمت البينة لأنها أقوى من قول القائف وفي حكم اختيار اللقيط بعد التمييز وقبل البلوغ خلاف الحكم الرابع رقه وحريته وللقيط أربعة أحوال الحالة الأولى إذا لم يدع أحد رقه فالأصل فيه الحرية في كل ما يخصه ولا يتعلق بغيره فينبني فيه الأمر على الأصل إذ يحكم له بالملك ويصرف ماله إلى بيت المال إذا مات ولو جنى فالأرش على بيت المال لأنه لم يتوقف في توريث بيت المال منه فكذا في تغريمه لأنه بإزائه أما ما يتعلق بالغير فإن أتلف متلف ماله وغرمه له إذا الغرم لا بد منه ولا أرب للغارم في مصرفه وإن قتله عبد قتل به وإن قتله حر فحاصل الخلاف ثلاثة أوجه أحدها أنه يجب القصاص أو الدية فإن الأصل الحرية إلى أن يظهر نقيضه ولم يظهر والثاني أنه تجب الدية دون القصاص لأن القصاص يسقط بالشبهة وهذه شبهة ظاهرة والثالث أنه يجب أقل الأمرين من الدية أو القيمة إذ لا تشغل الذمة البرئية إلا بيقين وقد ذكرنا قولا في سقوط قصاص من لا وارث له على التعيين فذلك القول عائد هاهنا وإنما الأوجه الثلاثة تفريع على القول الآخر الحالة الثانية أن يدعي مدع نرقة بغير بينة فإن لم يكن في يده فلا تقبل دعواه وكذا إن كان في يده واليد يد الالتقاط لأنا عرفنا مستنده وفيه وجه أنه يحكم له بالرق بيد الالتقاط كمن وجد ثوبا في طريق فادعى ملكه وهو ضعيف لأنه لا حق للثوب في الانفكاك عن الملك وللصبي حق فيه وإن لم تكن يد الالتقاط بل وجدناه في يده وهو يزعم أنه رقيقه فهو مصدق فإن بلغ الصبي فأنكر ففي احتياج السيد إلى البينة وجهان سبق نظيرهما في النسب الحالة الثالثة أن يقيم المدعي بينة على الرق مطلقا فحاصل المذهب ثلاثة أقوال أحدها أنها تسمع كالبينة على الملك والثاني لا بد من ذكر السبب لأن أمر الرق خطير وربما عولت البينة على ظاهراليد والثالث وهو الأصح أن يد المدعي إن كانت عن جهة الالتقاط فلا بد من ذكر السبب لأن البينة ربما استندت إلى هذه اليد التى لا دلالة لها وإن لم يكن للمدعي يد أو لم يكن له يد التقاط سمعت البينة التفريع إن قلنا لا بد من التقيد فالقيد أن يقول هذا رقيقي ولدته جاريتي المملوكة في ملكي وعلى ملكي فلو اقتصر على أنها ولدته جاريته المملوكة فوجهان أحدهما لا إذ قد تلد الجارية المملوكة ولدا حرا عن وطء بشبهة والثاني نعم إذ غرض التقيد أن يأمن استناد البينة إلى ظاهر اليدثم لو قيدت البينة الرق بالسبي أو الشراء أو الإرث كان كما لو قيدته بالولادة إذ المقصود دفع حيال الإطلاق الحالة الرابعة أن يبلغ اللقيط ويقر على نفسه بالرق للمدعي نظر فإن لم يسبق منه ما يناقض هذا الإقرار قبل قوله على الصحيح إذ لم تكن الحرية مجزومة بل كان بناء على الظاهر وذكر صاحب التقريب قولا أنه لا تقبل تفريعا على أنه لو أعرب بالكفر لم يجعل كافرا أصليا مراعاة لاستصحاب حكم الإسلام وكذا استصحاب أصل الحرية وهو بعيد أما إذا سبق منه ما يناقضه نظر فإن سبق إقرار بالحرية قطع العراقيون والقاضي حسين بأنه لا يقبل إقراره إذ لله عز وجل حق في حرية العباد وقد ثبت بإقراره فليس له إبطاله وقطع الصيدلاني بالقبول كما لو أنكر حق الغير ثم أقر وكالمرأة إذا أنكرت الرجعة ثم أقرت ولو كان يرعي حق الشرع لما قبل إقرار اللقيط ابتداءا وقد حكم بحريته بناء على الظاهر أما إذا سبق إقرار بالرق لإنسان فأنكر المقر له فأقر بالرق لغيره حكى العراقيون من نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل إقراره الثاني لأنه إذا رد إقراره الأول عاد إلى يد نفسه فكأنه قد تم الحكم بحريته والثاني نقض وخرج ابن سريج قولا أنه يقبل إذ الإقراران متوافقان على الرق وإنما الاختلاف في الإضافة إلى السيد أما إذا لم يسبق إقرار ولكن سبق تصرفات تستدعي الحرية من نكاح وبيع وغيره فهذا لا يمنعه من أن يقر على نفسه فيقبل إقراره بالرق ويظهر أثره في كل ما قدر عليه كما إذا لم يسبق التصرف وهل يقبل فيما يقر بغيره فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه يقبل لأن الأمر فيه لا يتجزأ فيصير إقراره كقيام البينة ولو قامت البينة على رقة لقبل مطلقا فيما له وعليه وسلك بتصرفاته السابقة مسلك الصادر من الرقيق بغير إذنه فذلك لا يخفى حكمه والتفريع عليه فكذلك هذا والثاني انه لا يقبل فيما يضر بغيره إذ سبق منه تصرف هو التزام لحقوق الأعيان فلا تقبل مناقضته و الثالث أنه لا يقبل فيما مضي لأن الالتزام مقصور عليه وفي المستقبل هو رقيق مطلق فيما له وعليه ويتفرع على القولين الآخرين فروع الأول لقيطة نكحت ثم أقرت بالرق فالناكح دائم لأن في قطعه إضرارابالزوج والوطء وإن كان مستقبلا فهو في حكم الماضي وولدها الذى انفصل منها قبل الإقرار حر ولا قيمة على الزوج إذ فيه إضرار وفي المستقبل ترق الأولاد إن فرقنا بين الماضي والمستقبل ولا يجعل الولد كالمستوفى بالنكاح لأنه موهوم بخلاف استحقاق الوطء وأما المهر فللسيد المطالبة بأقل الأمرين من المسمى أو من المثل فإن كان المسمى أقل ففي الزيادة إضرار بالزوج وإن كان مهر المثل أقل فالسيد لا يدعي أكثر منه أما العدة فإذا طلقها الزوج طلاقا رجعيا اعتدت بثلاثة أقراء لأنه استحق الرجعة في الثالثة وفيه إضرار به وكذا إن كان الطلاق بائنا لأن نفس العدة حق للزوج وإلا إذا قبلنا إقرارها فيما يضر بالغير في المستقبل ويحتمل أن يقال هذا كالمستحق بالعقد السابق كما في الوطء فإن مات الزوج قال الشافعي رضي الله عنه تعتد بشهرين وخمسة أيام إذ حق الزوج إنما يحسن مراعاته في حياته فمن أصحابنا من قال إن سقط حقه فلا عدة لأنها تدعي بطلان النكاح من الأصل بل عليها الاستبراء إن وطئت وإلا فلا شئ عليها والنص ما ذكرناه وكأن الشافعي رضي الله عنه ينظر في أصل العدة إلى حق الشرع وفي تفصيله إلى حق الزوج أما تسلميها إلى الزوج نهارا فيجب لأنه مستحق بالعقد السابق ففي المنع إضرار الفرع الثاني لقيط نكح ثم أقر بالرق فإن قبلنا الإقرار مطلقا فقد بان بطلان النكاح من أصله ولا يخفى حكم وطء الرقيق في مهر المثل إن جرى وإن لم نقبل فيما مضي فقد بطل حقه من بضعها في المستقبل في الحال فكأنه طلاق فيجب نصف المهر متعلقا بذمته وكسبه إن لم يكن وطئ وإن كان وطئ فتمام المسمى لأن الوطء جرى في نكاح لم يتبعه بالإبطال فيما مضى فلا يجب إلا مهر المثل الفرع الثالث لقيط باع واشترى ثم أقر فهذا أمر قد مضى فإن لم يقبل قوله في الماضي لم يتبع ما مضى وإن قبل قوله عموما قدرنا أن تيك التصرفات صدرت من عبد غير مأذون فيسترد أعيان الأموال ويرد الأثمان وما تلف في يدهم مضمونة للسيد وما تلف في يد العبد فيتعلق بذمة العبد لا برقبته وكسبه كديون معاملة العبد ولا ينفع العامل ظنه حريته عند التصرف الفرع الرابع جنى اللقيط ثم أقر بالرق اقتص منه أو تعلق الأرش برقته وإن جني عليه اقتص إن كان الجاني رقيقا وإن كان حرا عدل إلى الأرش فإن قطع إحدى يديه وتساوت القيمة ونصف الدية فذاك وإن كان نصف القيمة أقل فليس للسيد إلا ذاك فإنه لا يطلب مزيدا وإن كان نصف القيمة أكثر فرع على الأقوال فإن قلنا الإقرار مطلقا لزم وإن بعضنا اقتصر على نصف الدية فإنه إضرار بالجاني وفيه وجه أن التغليظ على الجاني أولى فرع به الاختتام إذا قذف لقيطا بالغا وادعى رقه فادعى اللقيط حرية نفسه فقولان أحدهما القول قول القاذف لأن الأصل براءة ذمته والثاني القول قول اللقيط لأن الأصل الحرية وهو من تقابل الأصلين وإن قطع حر طرفه وجرى هذا النزاع فطريقان أحدهما طرد القولين والثاني القطع بالقصاص إذ لو لم نوجب لعدلنا إلى القيمة وهي أيضا مشكوك فيها أما الحد إذا ترك فالتعزيز مستيقن بكل حال والله تعالى أعلم وأحكم كتاب الفرائض والأصل فيها قوله تعالى { يوصيكم الله في أولادكم } وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يكل قسم مواريثكم إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولكن تولى بيانها فقسمها أبين قسم وقال عليه السلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم وإني امرؤ مقبوض وسينزع العلم من أمتي حتى يختلف رجلان في فريضة فلا يجدان من يعرف حكم الله فيها وقد اختلف الصحابة في تفصيل الورثة واختار الشافعي رضي الله عنه مذهب زيد لأنه أقرب إلى القياس ولقوله عليه السلام أفرضكم زيد فنقتصر على ذكر مذهبه فالوراثة تارة تكون بسبب عام كجهة الإسلام وأخرى بسبب خاص كالنكاحوالولاء وتارة النسب والوارثون من الرجال عندنا عشرة من جانب العلو الأب وأب الأب وإن علا ومن جانب السفل الابن وابن الابن وإن سفل ومن الطرف الأخ وابنه إلا أن يكون ابن أخ لأم والعم وابنه إلا أن يكون عما لأم فإنه لا يرث ولا ولده فيبقى اثنان وهما المعتق والزوج والوارثات من النساء سبع الأم والجدة والبنت وبنت الابن والأخت والزوجة ومولدة المعتقة ومن عدا هؤلاء كأب الأم وأولاد البنات وأولاد الإخوة من الأم وأولاد الأخوات والعمات والخالات والأخوال وأولادهم فهم من ذوي الأرحام لا ميراث لهم عندنا بل الفاضل من المستحقين المذكورين لبيت المال وتفصيل النظر في الوارث المذكورين تحصره أبواب الباب الأول في مقادير أنصباء ذوي الفروض والورثة قسمان ذو فرض وعصبة وذو الفرض من له سهم مقدر شرعا لا يزيد وهم أصناف الصنف الأول الزوج الزوجة وللزوج النصف وللزوجة الربع إذ لم يكن للميت ولد وارث ولا ولد ابن وارث فإن كان فللزوج الربع وللزوجة الثمن وإن اجتمعت نسوة فلهن الثمن أو الربع يشركن فيه ولا يزيد بزيادة العدد الصنف الثاني الأم والجدة وللأم الثلث إلا في أربع مسائل إحداها زوج وأبوان والثانية زوجة وأبوان فلها في المسألتين ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة الثالثة إذا كان للميت ولد وارث أو ولد ابن وارث فإنه يرد الأم من الثلث إلى السدس الرابعة إذا كان للميت اثنان من الإخوة أو الأخوات فصاعدا فلها السدس وأما الجدة فلها السدس أبدا وإن اشتركت جماعة في درجة اشتركن في السدس وإن كانت واحدة جدة من جهتين لم يزد نصيبها والجدة الوارثة هى التى تدلي بوارث وهل كل جدة تدلي بمحض الذكور كأم أب الأب أو بمحض الإناث كأم أم الأم أو بمحض الإناث إلى محض الذكور كأم أم أب الأب فأما إذا أدلت بذكر بين أنثيين فلا ترث لأن الذى تدلي به هو أب أم أو أب جدة وهو من ذوي الأرحام وقال مالك رحمه الله كل جدة تدلي بذكر فهي لا ترث إلا أم الأب وأمهاتها من قبل الأم فأما من تدلي بذكر آخر سوى الأب فلا ترث وهو قول للشافعي رضي الله عنه والصحيح هو الأول الصنف الثالث الأب والجد أما الأب فيرث بالفرضية المحضة السدس إن كان الميت ابن أو ابن ابن وتكون العصوبة للابن ويرث بالتعصيب المحض إذا لم يكن للميت إلا زوج أو زوجة أو لم يكن وارث أصلا ويجمع بين الفرض والتعصيب إن كان للميت بنت أو بنت ابن فله السدس وللبنت أو بنت الابن نصيبها وما فضل يصرف إلى الأب بالعصوبة والجد عند عدم الأب يقوم مقام الأب إلا في أربع مسائل الأولى زوج وأبوان والثانية زوجة وأبوان للأم في الصورتين ثلث ما يبقى فإن كان بدله جد فللأم الثلث كاملا الثالثة الأب يحجب الإخوة والجد لا يحجب إلا الأخ للأم ويقاسم الباقين الرابعة الأب يحجب أم نفسه والجد أيضا يحجب أم نفسه ولكن لا يحجب أم الأب لأنها زوجته وهذا أوضح الصنف الرابع الأولاد فإن تمحض أولاد الصلب فالذكر الواحد يستغرق المال بالعصوبة وإن كان فيهم ذكور وإناث فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإن كان بنت واحدة فلها النصف وإن كانتا اثنتين فصاعدا فلها الثلثان لا يزيد بزيادة عددهن وأما أولاد الابن فإن تمحضوا فحكمهم حكم أولاد الصلب إذا تمحضوا فأما إذا اجتمع البطنان نظر فإن كان في أولاد الصلب ذكر فقد حجب من تحته واستغرق وإن لم يكن نظر فإن لم يكن إلا بنت واحدة فلها النصف ثم ينظر في أولاد الابن فإن كان فيهم ذكر فالباقي لهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإن لم يكن ذكر فللواحدة منهم وللعدد السدس تكملة للثلثين فإن الثلثين فرض البنات وقد بقي منه السدس أما إذا كان في أولاد الصلب بنتان فلهما الثلثان ثم ينظر في أولاد الابن فإن كان فيهم ذكر فباقي المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين وإن لم يكن ذكر فيهن ولا أسفل منهن فلا شئ لهن إذ لم يبق من نصيب البنات شئ فقد استغرق بنات الصلب جميع الثلثين فإن كان أسفل منهما ابن ابن ابن وإن بعد يعصبها ويكون المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين مثاله بنت وبنت ابن وبنت ابن ابن لبنت الصلب النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين ولا شئ لبنت ابن الابن إلا أن يكون معها أو أسفل منها ذكر يعصبها بنتان من الصلب وبنت ابن لبنتين الثلثان ولا شئ لبنت الابن بنت وبنت ابن وابن ابن ابن للبنت من الصلب النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين والباقي لابن ابن الابن ولا يعصبها هاهنا لأنها أخذت تكملة الثلثين الصنف الخامس الإخوة والأخوات أما الإخوة من الأم فللواحد منهم السدس وللاثنين فصاعدا الثلث لا يزيد حقهم بزيادة العدد ويتساوى ذكرهم وأنثاهم في قدر الاستحقاق أما الإخوة من الأب والأم فحكمهم عند الانفراد كحكم أولاد الصلب من غير فرق وأما الأخوة من الأب فحكمهم أيضا عند الانفراد كحكم الإخوة من الأب والأم من غير فرق إلا في مسالة المشركة فإن اجتمع إخوة الأب والأم وإخوة الأب فحكمهم حكم أولاد الصلب وأولاد الابن إذا اجتمعوا فالأخ من الأب والأم يسقط أولاد الأب وللأخت الواحدة من الأب والأم والنصف وللأخت من الأب معها السدس تكملة الثلثين وكذلك إن كن جمعا فلهن السدس تكملة الثلثين فإن كان في المسألة أختان من الأب والأم فلهما الثلثان وقد استغرقتا فلا شئ لأخوات الأب إلا إذا كان في درجتها ذكر يعصبها فيكون الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ولا يعصبها من هو أسفل منها كأولاد الابن وفي هذا تخالف أولاد الابن فإن بنت الابن يعصبها من هو أسفل منها فرع ثلاث أخوات متفرقات للأخت من الأب والأم النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين وللأخت للأم السدس فرضا ولو كان في المسألة أختان للأب والأم بدل أخت واحدة فلها الثلثان ولا شئ للأخت للأب إذ لم يبق تكملة الثلثين وللأخت للأم السدس فإن ذلك فرض مستقل في حقها فإن قيل وما مسألة المشركة التى فيها يفارق إخوة الأب إخوة الأب والأم قلنا صورتها زوج وأم وأخوان لأم وأخوان لأم وأب فللزوج النصف وللأم السدس ولإخوة الأم الثلث فلا يبقى مال فالإخوة من جهة الأب والأم يشاركون أولاد الأم في نصيبهم ولو كان بدلهم إخوة للأب لسقطوا ووقعت المسألة في زمان عمر رضي الله عنه وأرضاه فأسقط إخوة الأب والأم فقال أخ الأب والأم هب أن أبانا كان حمارا ألسنا من أم واحدة فشرك عمر رضي الله عنه بينهم وإليه ذهب زيد وعثمان رضي الله عنهما وقال أبو حنيفة رحمه الله يسقطون لأنهم عصبة كأولاد الأب ثم للتشريك شرطان أحدهما أن يكونوا أولاد الأب والأم ليقع التشريك بقرابة الأم فإن كانوا أولاد الأب فلا تشريك والثاني أن يكون ولد الأم زائدا على واحد فإنه إن كان واحدا فله السدس ويبقي سدس العصبة فلا حاجة إلى التشريك هذا حكم الإخوة أما أولادهم فالإناث منهم لا يرثون والذكور منهم بمنزلتهم إلا في خمس مسائل الأولى أن ولد إخوة الأم لا يرثون فليسوا بمنزلتهم والثانية أن اثنين من الإخوة يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ولو كان بدلهم أولادهم لا يحجبون الثالثة في مسألة الشركة لو كان بدل إخوة الأب والأم أولادهم فلا تشريك في حقهم الرابعة الجد لا يحجب الإخوة ويحجب بني الإخوة الخامسة الأخ يعصب أخته وابن الأخ لا يعصب أخته إذ لا ميراث لأخته أحولا فرع الأخوات من جهة الأب والأم أو من جهة الأب مع البنات عصبة أما الأخت من الأم فتسقط بالبنت فإن كان في المسألة بنت وأخوات فلها النصف والباقي لهن ولو كان بنت وأخت لأب وأم وأخت لأب فللبنت النصف والباقي لأخت الأب والأم وهي عصبة فتسقط أخت الأب الباب الثاني في العصبات والعصبة الذى يستغرق المال إذا انفرد ويأخذ ما بقي من ذوي الفرائض إذا كان معه ذو فرض قال صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر والعصبة كل ذكر يدلي إلى الميت بنفسه أو بذكر والمعتق أيضا والمعتقة من المعصبيات والأخوات أيضا مع بنات الصلبأو بنات الابن عصبات كما سبق هذا تفصيلهم أما ترتبيهم فأولادهم البنون ثم بنوهم ثم الآباء ثم آباؤهم وهم الأجداد من قبل الأب والإخوة في درجة الجد يقاسمونه إلا إخوة الأم فإنهم يسقطون به ويسقط بنو الإخوة بالجد وفاقا وقال أبو حنيفة رحمه الله يسقط الإخوة أيضا بالجد ثم ليعم أن التقدم للأخ من الأب والأم ثم للأخ من الأب ثم ابن الأخ من الأب والأم ثم ابن الأخ من الأب ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهم على ترتيبهم ثم عم الأب للأب والأم ثم عم الأب للأب ثم بنوهم على ترتيبهم ثم عم الجد على هذا الترتيب إلى حيث ينتهي فإن لم يكن واحد من هؤلاء فالمال لمعتق الميت فإن لم يكن فلعصبات المعتق فإن لم يكن فلمعتق المعتق ثم لعصباته ثم لمعتقه على هذا الترتيب هذا ترتيبهم وفيه فروع أربعة الأول ابن الأخ وإن سفل مقدم على العم لأن الجهة هاهنا مقدمة ومختلفة فلا نظر إلى القرب وأما بان الأخ للأب يقدم على ابن ابن الأخ للأب والأم إذا سفل للقرب مع أن جهة الأخوة جنس واحد فإنما يقوم هاهنا بالقوة عند تساوي الدرجة فليتنبه لهذه الدقيقة الثاني ابنا عم أحدهما أخ لأم فله بأخوة الأم السدس والباقي بينهما نصفين ولا ترجح قرابته فتقدمه بخلاف الأخ للأب والأم حيث قدم على الأخ للأب لأن القرابة ثم متجانسة فامتزجت فأوجبت ترجيحا والثالث بنت وابنا عم أحدهما أخ لأم النصف للبنت والباقي بينهما بالسوية وأخوة الأم سقطت بالبنت وقال ابن الحداد المال كله للذي هو أخ لأم لأنه لا يمكن استعمال قرابته في التوريث فيستعمل مرجحا وهو ضعيف الرابع في عصبات المعتق ولا يستحق صاحب فرض بالولاء فلا مدخل لأنثى فيه إلا إذا كانت معتقة وإنما يستحق بالولاء الذكور كما سبق في العصبات فإن اجتمع ابن المعتق وأبوه فالمال للابن لأن العصوبة له هاهنا والأخ للأب والأم يقدم على الأخ للأب وإن لم تؤثر الأمومة هاهنا ولكن تصلح للترجيح ومن الأصحاب من طرد قولين كما في التقديم في ولاية النكاح ولو اجتمع الجد والأخ فقولان أحدهما الأخ أولى لأن إدلاءه بالنبوة وهي أقوى من العصوبة والولاء يدور على محض العصوبة والثاني أنهما يستويان لاستوائهما في القرب والعصوبة فعلى هذا يقدم الجد على ابن الأخ وعلى الأول يقدم ابن الأخ على الجد لقوة النبوة بإن قيل وما طريق مقاسمة الجد والإخوة في الوراثة بالنسب قلنا مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إذا لم يكن معهما ذو فرض جعل الجد كأحد الإخوة ويقسم المال عليه وعلى الإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين ما دام الثلث لا ينقص بالقسمة كما إذا كان معه أخ أو أخوان أو أخ وأخت أو أخ وأختان أو أربع أخوات فأما إذا نقص الثلث بأن كانوا أكثر من هذا ويسلم إليه الثلث كاملا وقسم الباقي على الإخوة للأب والأم وإن كان معه ذو فرض أعطي صاحب الفرض سهمه فإن لم يبق شئ فرض للجد السدس واعتلت المسألة وإن بقي سدس سلم وإن بقي أقل من السدس اعتلت المسألة وسلم به السدس وإن كان الباقي أكثر من السدس قسم المال وسلم إلى الجد إما ثلث ما يبقى بعد سهم ذوي الفروض أو سدس جميع المال أو ما يخصه بالقسمة أيها كان خيرا له من الأقسام الثلاثة خص به مسائله مع الجد زوج وأخ للزوج النصف والباقي بينهما نصفين لأنه خير من السدس وثلث ما يبقى فلو كانا أخوين استوى القسمة وسدس الجملة وثلث ما يبقى فلو كانوا ثلاثة استوى السدس وثلث ما يبقى وهما خير من القسمة فله السدس وهو ثلث ما يبقى زوج وأم وأخ مع الجد فللزوج النصف وللأم الثلث لا يبقى إلا سدس فهو للجد وسقط الأخ ولو كان بدل الأخ أخت فظاهر القياس أنها تسقط أيضا لأنها عصبة مع الجد كالأخ والصحيح من مذهب زيد أنه يفرض لها النصف لأن الجد صاحب فرض الآن فهي أيضا تنقلب إلى فرضها ثم يقسم مجموع حصتهما للذكر مثل حظ الأنثيين وأما الأخ فليس له حال فرضية وإسقاط الأخت أيضا نقل عن زيد في رواية زوج وبنت وأم وإخوة مع الجد للبنت النصف وللأم السدس وللزوج الربع ويبقى نصف سدس فتعال المسألة حتى يتم السدس للجد وتسقط الإخوة هذا كله حكمه مع إخوة الأب والأم وجدهم فإن كان معه أخوة الأم فهم مسقطون وإن كان معه إخوة الأب وحدهم فهم عند عدمهم بمنزلتهم أعني بمنزلة إخوة الأب والأم فأما إذا اجتمع معه إخوة الأب والأم وإخوة الأب فيجعل الجد كواحد منهم ويعد إخوة للأم عليه والحكم ما سبق يعينه ولا يتغير حكم الجد معهم هاهنا وإنما الذى يتجدد أن إخوة الأب يدخلون أيضا عليه في الحساب وما يخصهم لا يبقى عليهم بل يسترد منهم أولاد الأب والأم إما على الكمال إن كان فيهم ذكر أو ما يكمل به النصيب إن تمحض الإناث فيهن أعني إخوة الأب والأم وعلته أن سقوطهم بإخوة الأب والأم فلا يظهر فائدته إلا في حقهم أما في حق الجد فلا يظهر مثاله إذا لم يكن ذو فرض أخ لأب وأم وأخ لأب مع الجد فالثلث والقسمة سيان فله الثلث والباقي لأخ الأب والأم ويسقط أخ الأب به وإن دخل في حساب القسمةوإن كان بدل الأخ للأب أخت لأب فالقسمة خير إذ يصح المسألة من خمسة ويخص الجد منها سهمان فيبقى ثلاثة أسهم فتستقر على الأخ من الأب والأم أخت لأب وأم وأخ لأب مع الجد فالمسألة من خمسة والقسمة خير للجد فإن له سهمين يبقي ثلاثة واحدة لها واثنان للأخ من الأب فيسترد منه ما يكمل لها النصف ويبقى الباقي لأخ من الأب أختان لأب وأم وأخت لأب مع الجد فالمسألة من خمسة ويخص الأختين سهمان وهو ناقص عن الثلثين فيسترد ما في يد الأخت للأب فلا يكمل الثلثين فيقتصر على استرداد ذلك أما إذا كان في صورة المعادة صاحب فرض فيقدم صاحب الفرض كما سبق في غير صورة المعادة على ذلك التفصيل ويعتبر بالباقي القسمة أو ثلث ما يبقى أو السدس فأي ذلك كان خيرا خص الجد به فإن كان الخير في القسمة روعي في المعادة ما ذكرناه من حرمان أولاد الأب إن كان في أولاد الأب والأم ذكر واسترداد ما يكمل به نصيب الإناث إن لم يكن فيهن ذكر الباب الثالث في الحجب فنعود إلى عد الأصناف المذكورين في الباب الأول ونقول أما الزوج والزوجة فلا يحجبان بوارث لأنهما يدليان بأنفسهما وأما الأم فلا تحجب أيضا والجدة تحجبها الأم فلا ترث مع الأم جدة وأم الأب يحجبها الأب وذلك القربى من كل جهة من الجدات تحجب البعدى من تلك الجهة والقربى من جهة الأم تحجب البعدي من جهة الأب والقربى من جهة الأب هل تحجب البعدى من جهة الأم فيه قولان أظهرهما أنها لا تحجب بل تشارك لقوة جدودة الأم وأما الأب فلا يحجبه أحد والجد لا يحجبه إلا الأب هذا حكم من يدلي من جهة العلو أما من يدلي من جهة السفل فالابن والبنت لا يحجبان فأما ابن الابن فلا يحجبه إلا الابن وبنت الابن يحجبها الابن وابنتان فصاعدا من بنات الصلب وكذا الترتيب فيمن سفل منهم على اختلاف درجاتهم وأما المدلون على الأطراف فالأخ للأب والأم يحجبه ثلاث الأب والابن وابن الابن وكذا الأخت للأب والأم وأما الأخ للأب يحجبه هؤلاء الثلاثة والأخ للأب والأم وأما الأخت للأب يحجبها هؤلاء الأربع واثنتان فصاعدا من الأخوات للأب والأم وأما الأخ للأم فيحجبه ستة الأب والجد والابن والبنت وابن الابن وبنت الابن وأما العم فيحجبه من يحجب الأخ للأب والأم والأخ للأب كذا بنو الأخوة وقد نبهنا على ترتيب العصبات من قبل فلا حاجة إلى الإعادة فروع الأول أن من لا يرث كالقاتل والكافر والرقيق لا يحجب ويستثنى عن هذا مسألة وهي أبوان وأخوان فإن الأخوين يسقطان بالأب ويحجبان الأم من الثلث إلى السدس لأن سقوطهما بالأب لا بالأم فيرجع فائدتهما إلى الأب لا إلى الأم ومثله جدتان إحداهما أم الأب والأخرى أم الأم ومعها الأب فلأم الأم السدس ولا يقال ان أم الأب تشارك لولا الأب وإنما سقوطها بالأب فترجع الفائدة إليه لأن استحقاقها بالفرضية فلا يناسب استحقاق الأب وهو بالعصوبة وأما الأخ والأب في تلك الصورة كلاهما يرثان بالعصوبة فأمكن رد الفائدة إليه ومن أصحابنا من طرد القياس وقال ليس لأم الأم إلا نصف السدس الثاني مهما اجتمعت قرابتان من قرابة المجوس على وجه لا يجوز الجمع بينهما في الإسلام سواء حصل بنكاح المجوس أو بالوطء بالشبهة فلا يورث بهما عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله بل يورث بأقواهما ويصرف الأقوى بأمرين أحدهما أن تكون إحداهما مسقطة للأخرى كبنت هى أخت لأم ترث بالبنوة وتسقط أخوة الأم الثاني أن يقل حجاب إحديهما كأخت لأب هى أم الأم فترثبالجدودة لأنها أثبت إذ لا تسقط إلا بالأم فقط والأخت تسقط بثلاث بالأب والابن وابن الابن فإذا تزوج المجوسي بابنته فأولد بنتا فمات المجوسي فقد خلف بنتين إحداهما زوجته فلا شيء لها بالزوجية فإنها فاسدة والأخرى بنت بنت ولا توريث بهما فلهما الثلثان بالبنوة فلو ماتت العليا بعد موت الواطئ فقد خلفت بنتا هى أخت لأب فلها بالبنوة النصف فلو ماتت السفلى أولا فقد خلفت أما هى أخت لأب فلها الثلث بالأمومة ولا شيء لها بالأخوة المسألة بحالتها لو وطئ البنت السفلي فأولدها بنتا أخرى ومات الواطئ فقد خلف ثلاث بنات فلهن الثلثان ولا نظر إلى الزوجة ولا إلى بنوة البنت فلو ماتت العليا بعده فقد خلفت بنتا وبنت بنت هما أختان لأب فللبنت العليا النصف والباقي للسفلى بأخوة الأب فإن الأخت مع البنت عصبة فلو ماتت الوسطى أولا فقد خلفت أما وبنتا هما أختا أب فللأم السدس وللبنت النصف وسقط أخوة الأب من الطرفين بالبنوة والأمومة فلو ماتت السفلى أولا فقد خلفت أما وجدة هما أختا أب فللأم الثلث وللجدة الباقي بأخوة الأب لأن الجدودة سقطت بالأمومة فأما إذا وطئ المجوسي أمه فولدت له بنتا فمات فقد خلف أما وبنتا هى أخت لأم فللأم السدس وللبنت النصف وسقط أخوة الأم ولو ماتت البنت فقد خلفت أما هى أم لأب فلها الثلث بالأمومة وتسقط أمومة الأب وعلى هذا الترتيب جميع المسائل والله أعلم الباب الرابع في موانع الميراث وهي ستة الأول اختلاف الدين فلا يرث كافر من مسلم ولا مسلم من كافر لقوله عليه السلام لا يتوارث أهل ملتين شتى ويرث اليهود من النصارى المجوس لأن جميع الملل في البطلان كالملة الواحدة وفي هذا المعنى قال الله تعالى { لكم دينكم ولي دين } فرعان أحدهما الذمي هل يرث من الحربي فيه قولان أحدهما نعم لاتحاد الدين والثاني لا لأن حكمنا لا يجري على أهل الحرب والتوريث حكم شرعي وأما المعاهد فهو في حكم الذمي لأمانه وقال ابن سريج قياس قول الشافعي رضي الله عنه أنه في حكم الحربي لأنه لم يستوطئ دارنا والصحيح الأول الثاني المرتد لا يرث ولا يرثه لا قريبة الكافر ولا قريبة المسلم ولا قربة المرتد بل ماله فيء ولا فرق بين ما اكتسب بعد الردة وبين ما اكتسبه قبله والزنديق حكمه حكم المرتد هذا إذا قتل أو مات فإن عاد إلى الإسلام استقر ملكه المانع الثاني الرقيق وهو لا يرث ولا يورث سواء كان قنا أو أم ولد أو مكاتبا لأنه لا يملك ومن يراه أهلا للملك على قول فهو ملك بإذن السيد لا قرار له ولا مدخل للإذن في الميراث فرع من نصفه حر ونصفه رقيق لا يرث وإذا مات فهل ترثه أقاربه قال في القديم لا يرث كما لا يورث وقال في الجديد يورث لأنه تحقق الملك والقريب أولى الناس به فإن قلنا لا يورث فماله للسيد أو لبيت المال أو أيهما أولى به فيه خلاف المانع الثالث القتل قال صلى الله عليه وسلم ليس للقاتل من الميراث شئ والقتل قسمان مضمون وغير مضمون أما المضمون فيوجب الحرمان سواء ضمن بالدية أو الكفارة أو القصاص وسواء كان عمدا أو خطأ بسبب كحفر البئر أو بمباشرة من مكلف أو مجنون أو صبي وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يحرم الصبي ولا من قتل بحفر البئر فأما الذى ليس بمضمون كالقتل المستحق حدا لله تعالى فالإمام إذا قتل حدا ففي حرمانه ثلاثة أقوال حدها المنع لعموم الحديث والثاني أنه لا يحرم لأن المفهوم السابق من اللفظ قتل بغير حق ولأن الإمام كالنائب والقاتل هو الله عز وجل والثالث أنه إن ثبت بإقراره فلا حرمان إذ لا تهمة وإن ثبت ببينة فربما يتطرق تهمته إلى القاضي فيه أما المستحق الذى يجوز تركه كالقتل قصاصا ودفع الصائل وقتل العادل الباغي فيه خلاف مرتب وأولى بالحرمان لأنه مختار فيه وقد قتل لنفسه والمكره محروم لأنه آثم وإن قلنا إن الضمان على المكره وفيه وجه على هذا القول المانع الرابع استبهام تاريخ الموت فإذا مات جماعة من الأقارب تحت هدم أو غرق أو في سفر واستبهم المتقدم والمتأخر فيقدر في حق كل واحد منهم كأنه لم يخلف الآخرين فلا يتوارثون ويوزع مال كل واحد منهم على من هو حي من جملة الأقارب إذ ليس التقدم بأولى من التأخر وكذلك إذا علمنا أنهم تلاحقوا في الموت ولكن لم نطلع على الترتيب وكذلك لو اطلعنا ولكن نسيناه وفي هذه الصورة الأخيرة احتمال وقد ذكرنا في مثل هذه الصورة في النكاحين والجمعتين خلافا لأن إعادة الجمعة وفسخ النكاح له وجه وهاهنا لا حيلة فيه ولا معنى للتوقف أبدا المانع الخامس اللعان فإنه يقطع ميراث الولد وكان في هذا ليس مانعا بل هو دافع للنسب إلا أنه يقتصر أثره على الأب ومن يدلي به أما الأم فالولد يرثها وهي ترث الولد ولها من ماله الثلث وقال ابن مسعود أمه عصبة فلها الجميع ولو نفى توأمين فهل يرث أحدهما الآخر بالعصوبة المذهب أنه لا يرث لأنه لا يدلي إلا بقرابة الأمومة أما الأبوة فقد انتفت فهو أخ لأم فقط وقال مالك رحمه الله هو عصبة والأبوة انتفت في حق الأب بحجة ضرورية وهو وجه لأصحابنا بعيد وإذا ولدت المرأة من الزنا فهي ترثه والولد يرثها والتوأمان يتوارثان بأخوة الأم ومن ينسب إلى الزنا فلا أبوة له ولا ميراث المانع السادس الشك في الاستحقاق وسببه أربعة أمور الأول التردد في الوجود وذلك في المفقود والأسير الذى انقطع خبره فلا يرث عنه أحد ما لم تقم بينة على موته أو لم تمض مدة يقضي الحاكم في مثلها بأن ذلك الشخص لا يحيا أكثر من ذلك وتعتبر المدة من وقت ولادة المفقود لا من وقت غيبته فإذا قضى بموته ورثه أقاربه الموجودون وقت الحكم لا وقت الغيبة فأما ميراثه من الحاضرين فيجب التوقف في نصيبه إذا مات له قريب فإن حكم القاضي بموته بعد ذلك فيقدر كأنه لم يكن موجودا عند موت قريبه ويصرف الموقوف إلى الورثة الموجودين من حال موت قريب المفقود وأما الحاضرون فإن كان المفقود ممن يتصور حجب الحاضر به فلا يصرف إليهم شئ وإن تصور أن يحجب عن البعض فيتوقف في قدر الاحتمال ولا يصرف إليهم إلا المستقين ونأخذ بأسوأ الأحوال في حق كل واحد فإن كان النقصان في تقدير الحياة قدرناها وإن كان في تقدير الموت قدرنا الموت حتى إذا خلفت المرأة زوجا وأختين لأب حاضرتين وأخا لأب مفقودا فإن كانالأخ ميتا فللزوج النصف وللأختين الثلثان والمسألة تعول إلى سبعة من ستة وإن كان حيا فللزوج نصف غير عائل والربع للأختين فلا يصرف إلى الزوج إلا ثلاثة أسباع المال وهو النصف العائل ويقدر موت المفقود في حقه لأنه أسوأ الأحوال وللأختين الربع على تقدير الحياة فإنه الأسوأ والباقي موقوف إلى البيان ومن أصحابنا من قال تقدر الحياة في حق كل واحد منهم في الحال فإن ظهر نقيضه غيرنا الحكم ومنهم من قال نأخذ بالموت لأن استحقاق هؤلاء مستيقن فإن ظهر نقيضه غيرنا الحكم وهذان وجهان متقابلان إذ يقابل الأخير قول الأول إن الأصل بقاء الحياة فالصحيح التوقف عند الإشكال السبب الثاني الشك في النسب حيث يحتاج إلى القائف فحكمه في مدة الإشكال حكم المفقود فنأخذ بأسوأ الأحوال في حق الجميع السبب الثالث الشك بسبب الحمل فإن الحمل يرث بشرطين أحدهما أن ينفصل حيا فلو انفصل ميتا ولو بجناية جان كان كما لوانعدم من أصله والثاني أن يكون موجودا عند الموت وهو أن يؤتى به لأقل من ستة أشهر من وقت الموت فإن كان لأكثر من أربع سنين فلا يرث وإن كان بين المدتين ورث لأن النسب يثبت والإرث يتبع النسب ولو انفصل الجنين وصرخ ثم مات ورث وكذا إذا فتح الطرف وامتص الثدي وأمارات الحياة ظاهرة ولو تحرك فإن كان من قبيل اختلاج وتقلص عصب وعضلة فلا أثر له وإن كان اختياريا كقبض الأصابع وبسطها فهو دليل الحياة وإن تردد بين الجهتين فقولان أحدهما لا يرث لعدم اليقين والثاني يرث اعتمادا على غالب الظن بالعلامة ولو برز نصف الجنين وصرخ ثم مات وانفصل ففيه وجهان محتملان هذا إذا انفصل فأما قبل الانفصال فهو وقت الإشكال فيقدر أضر الأحوال على بقية الورثة وأقصى الممكن تقديرا أربعة من الأولاد في البطن والأنوثة والذكورة محتملة فنقدر ما هو الأضر بكل حال مثاله مات رجل وخلف امرأة حاملا وأخا لا شئ للأخ في الحال لاحتمال أن الحمل ذكر فيحجب ولو خلف أبوين وامرأة حاملا أعطي كل واحد من الأبوين السدس عائلا من سبعة وعشرين لاحتمال أن يكون الحمل بنتين فتقول المسألة من أربع وعشرين إلى سبعة وعشرين يكون للأم أربعة وللأبأربعة وللمرأة ثلاثة ولكل واحد من البنتين ثمانية فهذا أضر التقديرات فنقدره في الحال فإن قيل وهل يتسلط الحاضرون على ما سلم إليهم قلنا قال القفال لا إذ لا تصح القسمة عن الحمل إلا بالقاضي وليس للقاضي التصرف في مال الأجنة بخلاف الغائبين والصحيح أنهم يتسلطون وأنه يجب على القاضي أن ينوب في القسمة كيلا تتعطل الحقوق فإن قيل فلو ادعت المرأة الحمل فربما تكون معاندة فكيف ينتظر بقولها أربع سنين قلنا إن ظهر مخايل الحمل أو كانت قريبة العهد بوطء يحتمل العلوق فلا بد من التوقف وإن لم يظهر مثل هذه العلامات فالمسألة محتملة والأولى الاعتماد عليها فإنها أعلم بالعلامات الخفية وهي مؤتمنة في رحمها السبب الرابع الخنوثة والخنثى مشكل الذكورة والأنوثة وقال بعض أهل العلم لا يرث لأنه ليس بذكر ولا أنثى وليس في الكتاب إلا ميراث الذكور والإناث وقيل أيضا يأخذ نصف نصيب الذكر ونصف نصيب الأنثى وإنما مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه إما ذكر وإما أنثى وهو مشكل فيأخذ في الحال بأضر التقديرات إلى البيان كما في الحمل والمفقود مسائله إذا مات وخلف أخا لأب وولدا خنثى فلا شئ للأخ لاحتمال أنه ابن للخنثى النصف في الحال لأنه أضر أحواله ولو كانا ولدين خنثيين فلهما الثلثان في الحال لأنه الأضر والباقي موقوف بينهما وبين الأخ إلى البيان والاصطلاح منهم على شئ ولو كانوا ثلاثة خناثى يدفع إلى كل واحد خمس المال في الحال لاحتمال أنه أنثى وصاحباه ذكران ويوقف بين الخناثى ما بين ثلاثة أخماس إلى تمام الثلثين لاحق فيه للأخ ويوقف الثلث الباقي بينهم وبين الأخ الباب الخامس في حساب الفرائض وفيه فصول الفصل الأول في مقدرات الفرائض ومستحقيها ومخارجها وعولها أما المقدرات فستة النصف ونصفه وهو الربع ونصف نصفه وهو الثمن والثلثان ونصفهما وهو الثلث ونصف نصفهما وهو السدس أما مستحقوها فالنصف فرض خمسة الزوج في حالة والبنت وبنت الابن والأخت للأب والأم والأخت للأب على ما سبق والربع فرض الزوج في حالة والزوجة في حالة والثمن فرض الزوجة فقط والثلثان فرض أربعة بنتي الصلب وبنتي الابن والأختين للأب والأم والأختين للأب والثلث فرض اثنتين فرض الأم في حالة وأولاد الأم إذا زادوا على واحد والسدس فرض سبعة الأم والأب والجد والجدة وبنت الابن تكملة الثلثين والأخت للأب تكملة الثلثين والواحد من أولاد الأم أما مخارج هذه المقدرات سبعة فإن كانوا عصبات فالمسألة من عدد رءوسهم وإن كان فيهم إناث فيقدر كل ذكر مكان أنثيين وإن كان في المسألة أصحاب السهام فالمخارج سبعة اثنان وثلاثة وأربعة وستة وثمانية واثنا عشر وأربعة وعشرون وكل فريضة احتجت فيها إلى نصفين أو إلى نصف وما بقي فهو من اثنين وإن احتجت إلى ثلث وما بقي أو إلى ثلثين وما بقي أو إلى ثلث وثلثين فأصلها من ثلاثة وإن احتجت إلى ربع وما بقي أو إلى ربع ونصف وما بقي فمن أربعة وإن احتجت إلى سدس وما بقي أو إلى سدس وثلث أو سدس ونصف أو سدس وثلثين فمن ستة وإن احتجت إلى ثمن وما بقي أو ثمن ونصف وما بقي فمن ثمانية وإن احتجت إلى سدس وربع فمن اثني عشر وإن احتجت إلى ثمن وسدس أو ثمن وثلثين فمن أربع وعشرين وزاد زائدون على الأصول السبعة ثمانية عشر وستا وثلاثين وهذا يحتاج إليهفي مسائل الجد إذا افتقر إلى مقدر وثلث ما يبقى بعد المقدر فأما عول هذه الأصول فلا يدخل العول إلا على ثلاثة من الأصول السبعة وهي الستة والاثنا عشر والأربع والعشرون ولا يوجد العول في الباقي فالستة تعول بسدسها إلى سبعة وبثلثها إلى ثمانية وبنصفها إلى تسعة وبثلثيها إلى عشرة ولا يزيد عليه والاثنا عشر تعول بنصف سدسها إلى ثلاثة عشر وبريعها إلى خمسة عشر وبربعها وسدسها إلى سبعة عشر ولا تعول إلى الشفع وهو أربعة عشر وستة عشر ولا تزيد عليه وأما الأربع وعشرون فيعول بثمنها إلى سبعة وعشرين فإذا خلف الميت زوجا وأختين فتعول من الستة إلى سبعة للزوج ثلاثة وللأختين أربعة أما الأربع والعشرون فلا تعول إلا إلى سبعة وعشرين فقط والعول عبارة عن الرفع ومعناه رفع الحساب حتى يدخل النقصان على الكل على نسبة الواحد لما ضاق المال عن الوفاء بالمقدرات وقد اتفقت الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه على العول وإليه أشار ابن عباس رضي الله عنه فلما توفي عمر خالف وقال من شاء باهلته أن الذى أحصى رمل عالج عددا لم يجعل في المال نصف وثلثين فقيل هلا قلت ذلك في عهد عمر رضي الله عنه فاقل كان رجلا مهيبا فهبته الفصل الثاني في طريق تصحيح الحساب وتقدم عليه مقدمة وهو أن كل عددين فينسب أحدهما إلى الآخر إما بالتداخل أو بالتوافق أو بالتباين ومعنى التباين انتفاء الموافقة والمداخلة والمتداخلان كل عددين مختلفين أقلهما هو جزء من الأكثر ولا يزيد على نصفه كالثلاثة من التسعة فإنها ثلثها والخمسة من العشرة فإنه نصفها والاثنين من الثمانية فإنها ربعها والمتوافقان كل عددين مختلفين لا يدخل الأقل في الأكثر ولكن يفنيهما جميعا عدد آخر أكبر من الواحد كالستة والعشرة يغنيهما جميعا الاثنان فهما موافقان بالنصف والتسعة مع خمسة عشر تغنيهما جميعا الثلاثة فهما متوافقان بالثلث والمتباينان ما ليس بينهما موافقة ولا مداخلة فإذا أردت أن تعرف المداخلة والموافقة فأسقط الأقل من الأكثر مرتين أو أكثر على حسب الإمكان فإن فني به فهما متداخلان فإذا سقطت مرة فبقي شئ أو مرارا فبقي شيء فلا مداخلة فاطلبالآن الموافقة وطريقه أن تسقط الباقي من العدد الأقل مرارا على حسب الإمكان فإن بقي شئ فأسقط تلك البقية من الباق من الأول مرارا فلا تزال تفعل ذلك إلى أن يفنى فإن فنيا بالواحد فهما متباينان وإن فنيا بعدد فهما متوافقان بالجزء المشتق من ذلك العدد فإن فنيا باثنين فبالنصف أو بثلاثة فبالثلث أو بتسعة فبالتسع أو بأحد عشر فيجزء من أحد عشر جزءا وعلى هذا القياس مثاله إذا أردت أن تعرف نسبة سبعة من ثمانية وعشرين فأسقط السبعة منه مرارا فتضني بأربع مرات فهما متداخلان فإن أدرت أن تعرف اثنى عشر من اثنين وعشرين فتسقط مرة فلا يبقى إلا عشرة فلا مداخلة فأسقط الآن العشرة من اثني عشر فيبقى اثنان فأسقط الاثنين من العشرة فيفنى به فهما متوافقان بالنصف أعني اثني عشرة واثنين وعشرين وإن أردت أن تعرف ثلاثة عشر من ثلاثين فتسقط منه مرتين فيبقى أربعة فتسقط من ثلاثة عشر ثلاث مرات فبقي واحد فتسقط من الأربعةأربع مرات فتفنى به فهما متباينان وإذ فنيا بالواحد رجعنا إلى المقصود فإذا عرفت أصل المسألة بعولها فانظر فإن انقسم على الورثة ولم ينكسر فقد صحت المسألة من أصلها وإن انكسر فلا يخلو إما أن ينكسر على فريق واحد أو على فريقين أو على ثلاثة أو أربعة لا يزيد على الأربعة القسم الأول أن ينكسر على فريق واحد فطريقة أن ينسب النصيب إلى عدد الفريق الذى انكسر عليهم فإن لم يوافقه بجزء فيضرب عدد رءوسهم في أصل المسألة فما بلغ فمنه تصح المسألة وإن وافق بجزء فاضرب جزء الوفق من عدد الرءوس في أصل المسألة فلما بلغ فمنه تصح المسألة مثاله زوج وبنت وابن ابن للزوج الربع وللبنت النصف والباقي لابن الابن وقد صحت المسألة من أربعة وانقسم ولو خلف بنتا وابني ابن فالمسألة من اثنين للبنت النصف ويبقى واحد لا ينقسم على اثنين فتضرب عدد الاثنين في أصل المسألة فتصير أربعة فمنها تصح كان للبنت واحد مضروب في اثنين فلها اثنان وكان للابنتين واحد مضروب في اثنين فلهما اثنان لكل واحد واحد ولو خلف أما وأربعة أعمام المسألة من ثلاثة للأم واحد يبقى اثنان لا ينقسم على أربعة ولكن يوافق بالنصف فيضرب جزء الوفق من عدد الفريقين وهو اثنان في أصل المسألة هو ثلاثة فتصير ستة كان للأم واحد ضرب في اثنين فلها من الستة اثنان وهو الثلث وكان للأعمام من الأصل اثنان مضروبان في اثنين فهو أربعة فينقسم عليهم القسم الثاني أن ينكسر على فريقين ولها أحوال ثلاث إحداها أن توافق سهام كل فريق عدد رءوس الفريقين بجزء فإن كان كذلك فرد عدد كل فريق إلى جزء الوفق الثانية أن لا يوافق أصلا فاترك عدد كل فريق بحاله الثالثة أن يوافق واحد دون الآخر فما وافق يرد عدد ذلك الفريق إلى الوفق وما لم يوافق فاتركه بحاله ثم إذا فرغت من ذلك فانظر إلى ما حصل ممن عدد الفريقين فإن كانا متماثلين فاطرح أحدهما واكتف بالآخر واضربه في أصل المسألة بعولها فمنه تصح المسألة وإن لم يكونا متماثلين فانظر فإن كانا متداخلين وهو أن يكون الأقل جزءا من الأكثر لا يزيد على نصفه فاطرح الأقل واضرب الأكثر في أصل المسألة بعولها إن عالت فما بلغ فمنه تصح المسألة وإن كان متباينين فاضرب أحدهما في الآخر فما بلغ فاضربه في أصل المسألة فما بلغ صحت منه المسألة وإن كانا متباينين فاضرب جزء الوفق من أحدهما في جملة الآخر ثم اضرب المجموع في أصل المسألة فما بلغ فمنه تصح المسألة مثاله أخوان لأم وثلاثة إخوة لأب أصل المسألة من ثلاثة لأخوي الأم واحد ينكسر عليهما ولا موافقة ولإخوة الأب اثنان ينكسر عليهم ولا موافقة فاضرب عدد ولد الأم وهواثنان في عدد ولد الأب وهو ثلاثة فبلغ ستة فاضربها في أصل المسألة وهو ثلاثة فيبلغ ثمانية عشر فمنه تصح المسألة كان لولد الأم من الأصل سهم في ستة يكون لهما ستة لكل واحد منهما ثلاثة وكان لولد الأب سهمان في ستة يكون اثني عشر لكل واحد أربعة ثلاث بنات وبنت ابن وابن ابن أصلها من ثلاثة للبنات الثلثان سهمان على ثلاثة لا يصح ولا يوافق ولأولاد الابن واحد على ثلاثة لا يصح ولا يوافق فقد وقع الكسر على جنسين إلا أنهما متماثلان فإن كل واحد من عدد الرءوس ثلاثة فتكتفي بأحدهما وتضرب في أصل المسألة وهي أيضا ثلاثة فيصير تسعة فمنها تصح كان للبنات سهمان في ثلاثة يكون لهن ستة لكل واحدة سهمان وكان لأولاد الابن من الأصل سهم وقد ضرب في ثلاثة فيكون ثلاثة للابن اثنان وللبنت واحد ثلاث بنات وستة إخوة لأب أصلها من ثلاثة للبنات الثلثان سهمان على ثلاثة لا يصح ولا يوافق الباقي للإخوة وهم ستة منهم على ستة لا يصح ولا يوافق وأحد الجنسين يدخل في الآخر أعني الثلاثة في الستة فيكتفي بالستة ويضرب في أصل المسألة وهي ستة فيبلغ ثمانية عشر فمنها تصح وطريق القسمة ما مضى زوج وثمانية إخوة لأم وتسع أخوات لأب أصلها من ستة وتعول إلى تسعة للزوج النصف ثلاثة وللإخوة للأم سهمان على ثمانية لا يصح ولكن يوافق بالنصف فيرد عدد رءوسهم إلى الوفق فتعود إلى أربعة وللأخوات الثلثان أربعة على تسعة لا تصح ولا توافق فقد انكسر على جنسين أحدهما أربعة والآخر تسعة لا مداخلة فيضرب أحدهما في الآخر فيبلغ ستة وثلاثين فنضربهما في المسألة بعولها وهي تسعة فيبلغ ثلثمائة وأربعة وعشرين كان للزوج من الأصل ثلاثة مضروبة في ستة وثلاثين فله مائة وثمانية وكان للإخوة من الأم سهمان في ستة وثلاثين يكون لهم اثنان وسبعون بينهم على ثمانية لكل واحد تسعة وكان للأخوات أربعة في ستة وثلاثين يكون لهم مائةوأربعة وأربعون لكل واحد ستة عشر القسم الثالث أن ينكسر على ثلاث فرق وطريق ما سبق في الفريقين فإن وافق جميع السهام عدد الرءوس يرد عدد الرءوس إلى جزء الوفق وإن وافق البعض ترد ذلك إلى الوفق دون الباقي وإن لم يوافق بشئ فيترك بحاله ثم ينظر بين الأعداد الثلاثة فما تماثل منها يكتفى بالواحد وما تداخل يسقط الأقل ويكتفى بالأكثر وما توافق فيضرب جزء الوفق من أحدهما في مجموع الآخر وما تباين فنضرب أحد الأعداد في الثاني فما بلغ فيضرب في الثالث فما بلغ فهو المبلغ الذى يضرب فيه أصل المسألة وهكذا القياس في الانكسار على أربع فرق وهو القسم الرابع ومعرفته من القياس الذى ذكرناه واضح الفصل الثالث في حساب الخناثى وطريقه أن تصحح الفريضة بتقدير الأنوثة ثم بتقدير الذكورة ثم تطلب المماثلة والمداخلة والموافقة فإن تماثلا فيكتفي بأحدهما وإن تداخلا فيكتفي بالأكثر فإن توافق فترده مثاله ولدان خنثيان وعم فالاحتمالات أربعة أن يكونا ذكرين فالمسألة من اثنين أو يكونا أنثيين فالمسألة من ثلاثة أو يكون الأكبر ذكرا والأصغر أنثى فالمسألة من ثلاثة أو بالعكس فالمسألة من ثلاثة فقد تحصلنا على اثنين وعلى ثلاث مرات فيكتفي بواحدة ويضرب الاثنين في الثلاثة فيصير ستة فيصح المسألة فيصرف أربعة إليهما لكل واحد سهمان ويتوقف في سهمين بينهما وبين العم فإن ظهر ذكورة واحد سلمنا واحدا من السهمين إليه فإن بان أنوثة الثاني يسلم الباقي إلى الأخ وإن بان ذكورته سلم إليه أما إذا كانوا ثلاثة فيتضاعف الاحتمال بكل واحد يزيد فإن كان الاحتمال في اثنين أربعا ففي الثلاثة ثمانية ولكن لا يختلف الحكم بأربعة منها ينشأ من الأصغر والأكبر فالاحتمالات المعتبرة أربعة أو يكونوا ذكورا فالمسألة من ثلاثة أو يكونوا إناثا فالمسألة أيضا من ثلاثة وتصح من تسعة أن يكون ذكر وأنثيان فتصح من أربعة أو أنثى وذكران فيصح من خمسة فقد تحصلنا على أربعة أعداد ثلاثة وأربعة وخمسة وتسعة إلا أن الثلاثة داخلة في التسعة فنسقطها فيبقى ثلاثة أعداد فنضرب خمسة في أربعة فيصير عشرين فنضرب العشرين في التسعة التي هى العدد الثالثفيصير مائة وثمانين فمنها تصح المسألة بكل تقدير يفرض ولو كان خنثى وولد ابن خنثى وعصبة فالأحوال أربعة أن يكونا ذكرين فالمسألة من واحد أو أنثيين فالمسألة من ستة أو الأعلى ذكرا والأسفل أنثى فالمسألة من واحد إذا المال للأعلى أو بالعكس فالمسألة من اثنين فقد تحصلنا على اثنين وستة وعلى واحد مرتين فيكتفي بأحدهما والاثنان داخل في الستة وكذا الواحد فتصح الفريضة من ستة يصرف إلى ولد الصلب النصف وهو ثلاثة فإنه أضر أحواله فإن بان ذكورته صرف إليه الباقي وإن بان ذكورة الأسفل دون الأعلى لم نصرف إليه شيئا لاحتمال أن الأعلى ذكر وإن بان أنوثة الأعلى دون الأسفل صرف إلى الأسفل في الحال سهم لأن أضر أحواله أن يكون أنثى فيستحق الواحد ولا يصرف إلى العصبة شئ مادام يمكن أن يكون أحدهما ذكرا الفصل الرابع في حساب المناسخات وصورة هذا الباب أن يموت إنسان فلا يقسم ميراثه حتى يموت بعض ورثته وربما لا يقسم حتى يموت ثالث ورابع وخامس ومطلوب الباب تصحيح مسألة الميت الأول من عدد ينقسم نصيب كل ميت منه بعده على مسألته ولو أفرد مفرد كل مسألة بحسابها لم يكن وافيا بمقصود المسائل فإن فرضه قسمة المسائل على حساب واحد من جهة أن التركة واحدة في غرض السؤال فالأصل في حساب الباب أن تنظر فإن كان ورثة الميت الثاني والثالث ومن بعدهم ورثة الميت الأول وكان ميراثهم من كل واحد على سبيل في ميراثهم الميت الأول وذلك بأن يكونوا عصبة لكل واحد منهم فاقسم مال الميت الأول بين الباقين من الموتى كأنه ما خلف غيرهم وإن كانوا ذكورا فبالسوية وإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين مثاله خلف الميت أربع إخوة وأختين ثم مات أخ ثم مات أخ آخر ثم ماتت أخت وكل ذلك قبل قسمة التركة فينقسم المال للأول والثاني والثالث والرابع على أخوين وأخت بينهم على خمسة أسهم كأن كل واحد منهم ما خلف إلا أخوين وأختا فإن كان ورثة الميت الثاني يرثون منه خلاف ميراثهم من الأول أو ورثوا من الثاني ولم يرثوا من الأول فصحح مسألة كل واحد من الميتين واستخرج نصيب الميت الثاني من مسألة الميت الأول والنظر فإن كان نصيبه يصح على مسألته فقد صحت المسألتان مما صحت منه مسألة الميت الأول مثاله امرأة ماتت وخلفت زوجا وأخوين من أم ثم مات الزوج وخلف ابنا وبنتا فإن المسألة الميت الأول تصح من ستة للزوج النصف ثلاثة ولأخويها الثلث سهمان ثم مات الزوج عن ابن وبنت ومسألته من ثلاثة ونصيبه من المرأة ثلاثة وهي صحيحة على مسألته فاقسم مال الميت الأول على ستة سهمان لأخويها وسهمان لابن زوجها وسهم لبنت زوجها وما يبقى منهم للعصبة وإن كان نصيب الميت الثاني من مسألة الميت الأول لا يصح على مسألته فانظر فإن لم يوافقها بجزء فاضرب مسألة الميت الثاني في مسألة الميتالأول فما بلغ فمنه تصح المسألتان فمن كان له من المسألة الأولى شئ أخذه مضروبا في المسألة الثانية ومن كان له من المسألة الثانية شئ أخذه مضروبا في نصيب مورثه عن الميت الأول ومثاله زوج وأخوان لأم وواحد من العصبات ثم مات الزوج وخلف خمس بنين فمسألة الميت الأول من ستة ومسألة الميت الثاني من خمسة ونصيبه من الأول ثلاثة فلا تصح على خمسة ولا توافق فتضرب المسألة الثانية وهي خمسة في المسألة الأولى وهي ستة فيبلغ ثلاثين ومنها تصح المسألتان كان لأخوين من الأول سهمان في خمسة فيكون لهما عشرة وكان لبني الزوج من الثانية خمسة مضروبة فيما مات عنه الزوج وهو ثلاثة يكون لهم خمسة عشر لكل واحد منهم ثلاثة وكان للعصبة من الأولى سهم في خمسة ففي المسألة الثانية يكون لهما خمسة وقد تمت القسمة وإن كان نصيب الميت الثاني من المسألة الأولى لا يصح على مسألته ولكن يوافق بجزء فاضرب وفق المسألة الثانية لا وفق النصيب في المسألة الأولى فما بلغ فمنه تصح المسألتان ومن له من المسألة الأولى شئ أخذه مضروبا في وفق المسألة الثانية ومن لهمن المسألة الثانية شئ أخذه مضروبا في وفق نصيب مورثه من الميت الأول مثاله زوج وجد وأم وثلاث إخوة لأب ثم مات الزوج وخلف ستة بنين فمسألة الميت الأول تصح من ثمانية عشر ونصيب الزوج منها تسعة ومسألته من ستة والتسعة لا تصح على ستة ولكن يوافقها بالثلث فاضرب ثلث الستة لا ثلث التسعة وهو اثنان في المسألة الأولى وهي ثمانية عشر فتبلغ ستة وثلاثين فمنها تصح المسألتان للأم من المسألة الأولى ثلاثة مضروبة في اثنين وهو وفق الستة فيكون لها ستة وكان للجد من الأولى ثلاثة مضروبة في اثنين فله ستة وللإخوة من الأولى ثلاثة مضروبة في اثنين فيكون لهم ستة لكل واحد منهم اثنان وكان لبني الزوج تسعة مضروبة في اثنين فلهم ثمانية شعر ولكل واحد من البنين من المسألة الثانية واحد مضروب في جزء وفق نصيب مورثه من الميت الأول وهي ثلاثة فيكون المبلغ ثمانية عشر لكل واحد ثلاثة وعلى هذا فقس إن مات ثالث ورابع وخامس قبل قسمة مال الميت الأولفصحح مسألة كل واحد منهم فإن كان نصيب كل واحد منهم يصح على مسألته فقد صحت المسائل كلها مما صحت منه المسألة الأولى وإن لم يصح ولم يوافق فاضرب المسألة الثالثة فيما صحت منه المسألتان الأوليان وإن كان في الثالثة وفق فاضرب وفق المسألة فيما صح منه الأوليان وهكذا فافعل بالرابع والخامس وما زاد عليه فما بلغ منه تصح المسائل كلها فإذا أردت القسمة فتعرف ما يتحصل لكل واحد بعد كثرة الضرب وتكرره فطريقه أن تضرب سهام ورثة الميت الأول في مسائل المتوفين بعده مسألة بعد مسألة إن لم تكن سهامهم انقسمت عليهم ولا وافقها وإن انقسمت سهام بعضهم على مسألته فلا تضربه في تلك المسألة واضربه في بقايا المسائل وإن وافقت سهام بعضهم مسألته فاضربه في وفق تلك المسألة فما بلغ فهو نصيبه ومن له من المسألة الثانية أو الثالثة أو الرابعة شئ فاضربه فيما مات عنه مورثه أو في وفقه أعني وفق النصيب ثم ما بلغ فاضربه في مسائل المتوفين بعده مسألة بعد مسألة أو في وفقها أعني وفق المسألة إن كان من جملتها ما وافق السهام فيه المسألة على الشرط المذكور في الميت الأول فما بلغ فهو نصيبه من الميت الأول مثاله امرأة وأم وثلاث أخوات متفرقات المسألة من خمسة عشر عائلا ماتت الأم وخلفت زوجا وعما وبنتين وهما الأختان من الأخوات المتفرقة في المسألة الأولى ومسألتها من اثني عشر وفي يدها سهمان وافق مسألتها بالنصف فاضربه نصف مسألتها وهي ستة في المسألة الأولى تكون تسعين ثم ماتت الأخت من الأب وخلفت زوجا وأما وبنتا وأختا لأب هى واحدة الأخوات في أصل المسألة ومسألتها من اثني عشر ولها من المسألة سهمان مضروبان في وفق الثانية وهي ستة يكون اثني عشر وذلك منقسم على مسألتها فصحت المسائل الثلاثة من تسعين للمرأة من الأولى ثلاثة مضروبة في ستة يكون ثمانية عشر وللأخت للأم من الأولى سهمان في ستة يكون اثني عشر ولها أيضا من الثانية أربعة في واحد فجميع ما لها ستة عشر وللأخت من الأب والأم من الأولى ستة في ستة ومن الثانية أربعة في واحد وواحد وهو ما يخرج من قسمته من سهام الثالث على مسألتها فجميع مالها واحد وأربعون ولزوج الثانية ثلاثة في واحد ولعمها سهم في واحد ولزوج الثالثة ثلاثة في واحد ولبنتها ستة في واحد ولأمها سهمان في واحد مثال آخر امرأة وابن وبنت وأخ من أب فمات الابن وخلف من خلف أبوه وهم أمه وأخته وعمه ثم ماتت البنت وخلفت زوجا وبنتا ومن خلفت ثم ماتت المرأة وخلفت زوجا وأخا فالمسائل الأربعة كلها تصح من مائة وأربعة وأربعين على ما ذكرنا في مراسم الحساب فلا نطول بتفصيله الفصل الخامس في قسمة التركات ومضمون هذا الباب قسمة التركات إذا كانت التركة مقدرة بكيل أو وزن فإن لم تكن التركة كذلك فما نحاوله في الباب يجري في تقديره قيمة التركة وهذا الباب كثير الفائدة وكأنه ثمرة الحساب في الفرائض فإن المفتي قد يصحح المسألة من الألف والتركة مقدار نزر فكيف يفيد كلامه بيانا ونحن نذكر مثالين أحدهما أن لا يكون في التركة المخلفة كسر والثاني أن يكون فيها كسر فإن لم يكن فيها كسر فالوجه أن تبين سهام الفريضة أولا وتعرف العدد الذى منه تصح المسألة كما تمهد ذلك فيما سبق ثم تنظر إلى التركة وتأخذ سهام كل واحد من الورثة من جملة العدد الذى صحت المسألة منه وتضربها في التركة فما بلغ قسم على العدد الذى تصح منه المسألة فما خرج فهو نصيب ذلك الوارث ولا فرق بين أن يكون في المسألة عول وبين أن لا يكون فيما عول مثال ذلك أربع زوجات وثلاث جدات وست أخوان لأب والتركة خمسة وستون دينارا أصل المسألة من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر وتصح من مائة وستة وخمسين فنقول حصة كل زوجة من العدد الذى صحت فيه المسألة منه تسعة فاضرب تسعة في التركة وهي خمسة وستون فبلغ خمسمائة وخمسة وثمانين فنقسمهما على الأصل الذى منه تصح المسألة وهو مائة وستة وخمسون فيخرج ثلاثة دنانير وثلاثة أرباع دينار فهو نصيب كل واحدة من الزوجات من جملة التركة ونصيب كل جدة من الأصل ثمانية فاضربها في التركة فما بلغ فاقسمها على الأصل فيخرج لكل واحدة منهن ثلاثة دنانير وثلث فهو نصيب كل جدة فكان لكل أخت من الأصل ستة عشر فاضربها في التركة فما بلغ فاقسمها على الأصل فيخرج لكل واحدة منهن ستة دنانير وثلثان وهذه الطريقة كافية في الباب هذا إذا لم يكن في التركة كسر فأما إذا كان فيها كسر فنبسط التركة حتى تصيرمن جنس كسرها وذلك بأن تضرب الصحيح في مخرج كسره وتزيد عليه كسره فما بلغ فكأنه هو التركة صحاحا فيقسم كما بيناه فيما تقدم فما خرج لكل واحد منهم من القسمة والضرب نقسمه على مخرج ذلك الكسر الذى جعلناه الكل من جنسه فما خرج فهو نصيبه مثاله في الصورة التى ذكرناها كانت التركة خمسة وستين دينارا وثلثا فابسطها أثلاثا تكون مائة وستة وتسعين دينارا فكأن التركة مائة وستة وتسعون دينارا فاقسمها بين أربع زوجات وثلاث جدات وست أخوات فما خرج لكل واحد من الورثة من العدد المبسوط فاقسمه على ثلاثة فما خرج نصيبا للواحد فهو نصيب الواحد من الجنس الذى تريد وقد أكثر الأصحاب في ذكر الطرق فيه وفيما ذكرناه كفاية والله أعلم وأحكم كتاب الوصايا الوصية عبارة عن التبرع بجزء من المال مضاف إلى ما بعد الموت وقد كانت واجبة في ابتداء الإسلام فنسخ بآية المواريث وهي الآن جائزة في الثلث لما روي أنه صلى الله عليه وسلم عاد سعدا وهو مريض فقال أوصي بجميع مالي فقال لا فقال بالشطر فقال لا فقال بالثلث فقال الناس والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون وجوه الناس فأفاد الحديث المنع مع الزيادة واستحباب النقصان من الثلث إن كانت الورثة فقراء ثم الأحب في الصدقات التعجيل في الحياة ثم سئل عليه السلام عن أفضل الصدقة فقال أن تتصدق وأنت صحيحشحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا فإن اختار الوصية فالأولى المبادرة قال صلى الله عليه وسلم ما حق امرئ مسلم عنده شئ يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده هذا تمهيد الكتاب ومقاصده تحصرها أبواب أربعة الباب الأول في أركان الوصية وهي أربعة الركن الأول الموصي والوصية تصح من كل مكلف حر لأنه تبرع فلا يعتبر فيه إلا ما يعتبر في التبرعات فلا تصح من المجنون والصغير الذى لا يميز وتصح من السفيه المحجور عليه بسبب التبذير لأن عبارته نافذة في الطلاق والأقارير وفي وصية الصبي وتدبيره قولان أحدهما وهو مذهب عمر رضي الله عنه صحته لأنه تصرف لا يضر به في الحال والمآل ولها شبه بالقربات والثاني لا يصح لفساد عبارته ولذلك بطل بيعه وإن وافق العطية والوصية تمليك فشبهه بالتصرفات أكثر وفي طريقة العراق طرد القولين في المبذر أيضا أما الرقيق فكيف يوصى ولا مال له ولكن لو أوصى ثم عتق وتمول فالأظهر أنه لا ينفذ إذ لم يكن أهلا له حالة العقد وفيه وجه آخر أنه ينفذ إذ كانت عبارته صحيحة وقد تيسر الوفاء بها عند الحاجة أما الكافر فيصح وصيته كالمسلم ولكن لو أوصى بما هو معصية عندنا كبناء الكنائس البيع أو الخمر والخنزير لإنسان ورفع البناء رددناها عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ولو أوصى بعمارة قبور أنبيائهم نفذناه لأن كل قبر يزار فعمارته إحياء زيارته ويجوز ذلك في قبور مشايخ الإسلام أيضا الركن الثاني الموصى له والنظر في العبد والدابة والحربي والقاتل والحمل والوارث أما العبد فالوصية له صحيحة فإن كان حرا حال القبول ملك وإن كان رقيقا انصرف إلى سيده وفي افتقار قبوله إلى إذن السيد خلاف كما في اتهابه فإن قلنا يعتبر رضاه فلو قبله السيد بنفسه ففيه خلاف ووجه المنع أن اللفظ تعلق بالعبد فلا ينتظم قبول غيره فرعان أحدهما أوصى لعبد وارثه فإن عتق قبل موته صح قبوله وإن كان رقيقا لم يصح لأنه يصير ذريعة إلى الوصية إلى الوارث وإن عتق بعد الموت وقبل القبول وقلنا إنه يملك الوصية بالقبول صح وإن قلنا بالموت فلا وكذا إذا كان الوارث قد باعه من أجنبي بعد الموت وقبل القبول يخرج عليه هذا ما يظهر لي في القياس وأطلق الأصحاب القول بأن الوصية لعبد الوارث باطلة من غير هذا التفصيل لأن وصية لوارث الثاني إذا أوصى لأم ولده جاز لأنها حرة بعد موته وكذا إن أوصى لمدبره إن عتق من الثلث وإلا فهو وصية لعبد الوارث فلا يصح وإن أوصى لمكاتبة صح إذ يتصور منه الاستقلال بالملك وكذا الوصية لمكاتب الوارث إلا إذا رق المكاتب فترجع الوصية إلى الوارث فيبطل أما الدابة فإذا أوصى لها ثم فسر بإرادة التمليك فهي باطلة وكذا إن أطلق لأن الإطلاق يقتضي التمليك ولا يتصور ذلك للدابة بخلاف العبد فإنه أهل لأسباب الملك وإن لم يستقر عليه الملك وإن قال أردت صرفه في علفها فصحيح وهل يفتقر إلى قبول المالك فوجهان أحدهما أنه لا يفتقر وهو اختيار أبي زيد المروزي وكأنها وصية للدابة ولكل كبد حرى أجر وقال صاحب التلخيص لا بد من القبول إذ يبعد أن يوقف على عبيد الإنسان ودوابه دون رضاه فإن قلنا لا بد من القبول فإذا قبل فهل يسلم إليه وجهان أحدهما نعم لأنه لا يتعين على المالك صرفه إلى الدابة وهو اختيار القفال وكأنه جعل الدابة كالعبد والثاني أنه يتعين على الوصي صرفه إلى دابته فإن لم يكن وصي فالقاضي يصرف أو يكلف المالك بعد قبوله ذلك فرعان أحدهما أنه لو قال خذ هذا الثوب وكفن فيه مورثك قال القفال للوارث إبداله تفريعا على أن الكفن للمالك والإضافة إلى المورث تمليك له وهذا أبعد مما ذكره في الدابة وذلك أيضا بعيد بل الصحيح هاهنا أن هذه عارية في حق الميت الثاني لو قال وقفت على المسجد أو أوصيت للمسجد وقال أردتتمليك المسجد فباطل وإن قال أردت صرفه إلى مصلحته فصحيح وإن أطلق قال الشيخ أبو علي هو باطل لأن المسجد لا يملك كالبهيمة وهذا في المسجد بعيد لأن العرف ينزل المطلق على صرف المنافع إلى مصلحته أما الحربي فتصح الوصية له كما يصح البيع منه والهبة وكذا المرتد والذمي ونقل صاحب التلخيص عن نص الشافعي رضي الله عنه بطلان الوصية للحربي وعلل بانقطاع الموالاة وهو ضعيف إذ لا معنى لشرط الموالاة في الوصية وإن روعيت في الإرث ولو أوصى المسلم أو الذمي لسلاح أهل الحرب أو البيعة أو للكنيسة فهو فاسد لأنها معصية بخلاف الوصية لحربي معين فإن الهبة منه ليس بمعصية أما القاتل ففي الوصية له ثلاثة أقوال أحدها المنع قياسا على الإرث فإنه لما عصى بالتوصل إلى السبب عوقب بنقيض قصده وقطع عنه ثمرته والوصية أيضا ثمرة الموت والثاني الصحة لان السبب هو التمليك دون الموت وهو اختيار من جهته فأشبه المستولدة إذا قتلت سيدها ومستحق الدين إذا قتل من عليه الدين فإنها تعتق إذ عتقها باختيار الاستيلاد والثالث أنه إن أوصى أولا ثم قتل انقطعت الوصية لأنه استعجال وإن خرج ثم أوصى له جاز أما المدبر إذا قتل سيده فإن قلنا التدبير وصية فيخرج على الأقوال وإن قلنا إنه تعليق عتق نصفه فتشبيهه بالمستولدة أولى فإن قلنا الوصية للقاتل باطل فهل تنفذ بإجازة الورثة فيه خلاف كما في إجازة الوصية للورثة ولو أوصى لعبد القاتل كان كما لو أوصى لعبد الوارث ولو أوصى لعبد وهو قاتل صح لأن مصب الملك غيره أما الحمل فالوصية له صحيح بشرطين أحدهما أن ينفصل حيا فلو انفصل ميتا ولو بجناية جان فلا يستحق إذ كنا نعطيه حكم الأحياء لتوقع مصيره إلى الحياة الثاني أن يكون موجودا حالة الوصية وذلك بأن ينفصل لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية فإن انفصل لأكثر من أربع سنين فلم يستحق وإن كان لما بينهما نظر إن كان للمرأة زوج يغشاها لم يستحق لأن الطريان ظاهر وإن لم يكن زوج فوجهان ووجه الاستحقاق أن تقدير الوطء بالشبهة بعيد والزنا فلا نقدره تحسنا للظن بالمسلم أما إذا صرح بالوصية بحمل سيكون فالظاهر المنع لأنه لا متعلق للاستحقاق في الحال وبه قطع العراقيون بخلاف الوصية بحمل سيكون وقال أبو إسحاق المروزي يجوز كالوصية بالحمل المنتظر ويتأيد بجواز الوقف على ولد الولد أما الوارث فالوصية له باطلة لقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث ونعني به إذا رده بقية الورثة فإن أجازوا وقلنا إجازة الورثة تنفيذ لا ابتداء عطية ففي صحة هذه الوصية بالإجازة وكذا الوصية للقاتل قولان أحدهما لا للنهي المطلق والثاني ينفذ والنهي منزل على خلاف مراد الورثة وروى ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال لا تجوز لوارث وصية إلا أن يشاء الورثة فروع ستة الأول إذا أوصى لكل واحد بمقدار حصته فهو لغو لا فائدة لا فأما إذا خصصه بعين على مقدار حصته ففي الحاجة إلى الإجازة وجهان أحدهما لا إذ لا وصية بزيادة مال والثاني وهو الأصح أنه يحتاج لأن في أعيان الأموال أغراضا وكذلك لو أوصى بأن تباع داره من إنسان تنفذ عندنا وصيته خلافا لأبي حنيفة رحمه الله الثاني إذا وقف على كل واحد قدر حصته فإن قلنا الوصية للوارث أصلا باطل ولا يتأثر بالإجازة فأصل الوقف باطل وإن قلنا ينفذ بالإجازة فله أن يرد بقدر الزائد على الثلث وليس له إبطال الثلث فإنه لم يخصص بعض الورثة به ومن وقف عليه لا يمكنه أن يرد نصيب نفسه فيقول خصصني فإن التخصيص يستدعي تعددا ويظهر فهم هذا إذا كان الوارث واحدا فليقس عليه العدد أيضا الثالث إذا أوصى بالثلث لأجنبي ووارث فرد ما للوارث فللأجنبي سدس المال لأنه أوصى لهما على صيغة التشريك بخلاف ما إذا أوصى للوارث بالثلث ثم أوصى للأجنبي بالثلث فإنه إن رد ما للوارث سلم الثلث للأجنبي وقال أبو حنيفة رحمه الله يسلم الثلث للأجنبي في الصورتين الرابع أوصى للأجنبي بالثلث ولكل واحد من ابنيه بالثلث فرد ما لابنه سلم الثلث للأجنبي إذ لا مدخل لإجازة الورثة في قدر الثلث وعن القفال وجه أنه يسلم للأجنبي ثلث الثلث لأن ثلثه شائع في الأثلاث وهو مزيف الخامس لو أوصى للأجنبي بالثلث ولبعض الورثة بالكل وأجبزت الوصايا فللأجنبي الثلث كاملا لا يزاحمه الوارث والثلثان للوارث الموصى به هكذا حكي عن ابن سريج ولا يبعد أن يقال إن الوارث يزاحم في الثلث بكونه موصى له لا بكونهوارثا كما لو أوصى لأجنبي بالكل ولأجنبي آخر بالثلث إذ لا يسلم الثلث لصاحب الثلث بل يزاحمه فيه السادس أوصى لأجنبي بالنصف ولأحد ابنيه بالنصف وأجيز الكل سئل القفال عنه ببخارى فأجاب بأن الأجنبي يفوز بالنصف والابن بالنصف فنقل له عن ابن سريج أن للأجنبي النصف وللابن الموصى له ربعا وسدسا يبقى نصف سدس للابن الذى ليس بموصى له قال القفال فتأملت حتى خرجت وجهه بالبناء على الوجهين في مسألة وهي أنه لو أوصى لأحد ابنيه بالنصف وأجيز شاطر في النصف الثاني لأنه التركة ولو أوصى له بالثلثين فهل يشاطر في الثلث الباقي وجهان أحدهما نعم كالصورة الأولى لأن ما أخذ بالوصية كأنه لم يكن والتركة هو الباقي فكان كما لو أوصى بالثلثين لأجنبي وأجيز والثاني لا لأن المفهوم من الوصية له بالثلثين التخصيص له بالسدس الزائد على النصف الذى هو قدر حقه فكأنه قال لا تنازعوه في ثلثي الدار ليكون له النصف بالإرث والباقي بالوصية فعلى هذا يستقيم مذهب ابن سريج فإن الأجنبي الموصى له بالنصف سلم له الثلث من رأس المال من غير حاجة إلى إجازة بقي الثلثان التوريث يقتضي للابن الموصى له الثلث وقد أوصى له بالنصففخصص بمزيد فانقطع حقه عن السدس الباقي وبقي السدس خالصا للابن الذى لم يوص له إلا أن الأجنبي بعد يطلب سدسا وقد أجازاه فيكون نصيب الابن الذى لم يوص له في ذلك إجازة نصف السدس فيأخذ منه نصف سدسه من هذا السدس ويبقى له نصف سدس ويأخذ النصف الآخر من نصيب الابن الموصى له فيكمل له النصف وينقص نصيب الموصى له بنصف سدس وإن فرعنا على أنه يشاطر الموصى له في الباقي فالباقي سدس مشترك بين الابنين وقد أجازاه للأجنبي فيصح منه جواب القفال الركن الثالث في الموصى به ولا يشترط فيه أن يكون مالا فيصح الوصية بالزبل والكلب والخمر المحرمة ولا كونه معلوما فيصح الوصية بالمجهول ولا كونه مقدورا على تسليمه فيصح الوصية بالآبق والمغصوب والحمل وهو مجهول وغير مقدور عليه ولا كونه معينا فتصح الوصية بأحد العبدين والأظهر أنه لا يصح الوصية لأحد الشخصين فلا يحتمل ذلك في الموصى له وإن احتمل في الموصى به وقد ذكرناه نظيره في الوقف نعم يشترط أربعة أمور الأول أن يكون موجودا فإن كان مفقودا كالمنافع جازت الوصية لأنها كالموجود شرعا في المعاوضة وفي الوصية بالحمل الذى سيوجد وجهان مشهوران أحدهما المنع إذ لا متعلق للوصية فكان كالوصية للحمل الذى سيكون فإنه ممنوع على الأظهر والثاني الجواز كما في المنافع وفي الثمار الذى ستحدث طريقان منهم من ألحق بالمنافع لتكرر وجودها في العادة ومنهم من ألحقها بالحمل الثاني أن يكون مخصوصا بالموصي فلو أوصى بمال الغير فسد وإن ملكه بعد ذلك لبطلان الإضافة في الحال الثالث أن يكون منتفعا به فلا تجوز الوصية بالكلب الذى لا ينتفع به ولا بالخمر المستحقة الإراقة التى اتخذت للخمرية وتصح الوصية بالجرو إذ مصيره إلى الانتفاع وفي هبة الكلب وجهان أحدهما الجواز كالوصية وكأن المحرم أخذ ثمنه لقوله صلى الله عليه وسلم الكلب خبيث وخبيث ثمنه والثاني المنع لأن الوصية في حكم خلافه يضاهى الإرث بخلاف الهبة نعم يجرى الإرث في حد القذف والقصاص دون الوصية لأنه لا ينتفع الموصى له به فروع الأول من لا كلب له إذا أوصى بكلب لا يصح لأنا نحتاج إلى شرائه وهو غير ممكن وإن كان له كلاب ففي كيفية خروجه من الثلث خلاف قال الشيخ أبو علي إن ملك شيئا آخر ولو دانقا يصح الوصية لأنه خير من كل الكلاب إذ لا قيمة للكلب وقال العراقيون لا ينفذ إلا في ثلث الكلاب وكأنه كل ماله إذ لا يمكن نسبتهإلى سائر الأموال ثم إذا لم يكن له إلا كلاب وأوصى بالكلب فثلاثة أوجه أحدها أنه ينظر إلى العدد فإن ملك ثلاثة كلاب نفذت وصيته بواحدة ومنهم من قدر قيمة الكلب ومنه من قدر الثلث بتقدير المنفعة فإنه منتفع به وإذا كان له خمر وكلب وطبل لهو فأوصى بواحد فلا يمكن إلا تقدير القيمة إذ لا مناسبة في العدد والمنفعة الثاني إذا أوصى بطبل لهو وكان يصلح للحرب بأدنى تغيير مع بقاء اسم الطبل صحت الوصية ولو كان لا ينتفع به إلا برضاضه لا يصح لأنه لا يقصد منه الرضاض إلا إذا كان من ذهب أو عود أو شئ نفيس فيصح لأنه المقصود ولو قال أوصيت برضاض هذا الطبل صح وتقديره أنه له بعد الكسر والوصية تقبل التعليق بخلاف البيع الشرط الرابع أن لا يكون الموصى به زائدا على الثلث لقصة سعد فإن زاد على الثلث ولم يكن له وارث فالوصية بالزيادة باطلة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لأن الزيادة للمسلمين ولا مجيز له نعم لو رأى القاضي مصلحة في تلك الجهة جاز له تقريرها فيها وإن كان له وارث ففي بطلان الوصية من أصلها قولان كما في أصل الوصية للوارث فإن قلنا إنها باطلة فالإجازة إن فرضت فهي ابتداء عطية تفتقر إلى القبض والقبول وهل ينفذ بلفظ الإجازة فيه وجهان أحدهما لا لأنه ينبني على تقرير ما سبق ولا ثبات لما سبق والثاني أنه يصح ومعناه تقرير مقصود ما سبق بإثبات مثله وعلى هذا إذا كان الوصية عتقا كان الولاء للوارث وإن قلنا إنها صحيحة فالإجازة يتقيد والولاء للمورث وكل تبرع منجز في مرض الموت فهو أيضا محسوب من الثلث وكذا إذا وهب في الصحة ولكن أقبض في المرض وهذا يستدعي بيان ثلاثة أمور الأول مرض الموت وهو كل مرض مخوف يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت كالطاعون والقولنج وذات الجنب والرعاف الدائم والإسهال المتواتر وقيام الدم والسل في انتهائه والفالج الحادث في ابتدائه والحمى المطبقة لأن هذه الأمراض يظهر معها خوف الموت أما السل في ابتدائه والفالج في انتهائه والجرب ووجع الضرس والصداع اليسير وحمى يوم ويومين فكل ذلك ليس بمخوف فإذا هجم المرض المخوف حجرنا عليه في التصرف فيما يزيد على الثلث وتوقفنا في تبرعاته فإن زال نفذناه وتبينا صحته وإن كان غير مخوف كوجع الضرس وآخر الفالج فالتصرف نافذ وإن مات عند ذلك فجأة أو بسب آخر لا بذلك السبب فلا يمتنع به التبرعات المنجزة فأما حمى يوم ويومين وإسهال يوم ويومين فهو إذا دام صار مخوفا وابتداؤه مشكل فلا يحجر عليه فإن دام ومات تبينا فساد التصرف إذ بان أن الأول كان مخوفا وما أشكل من ذلك يتعرف من طبيبين مسلمين لا من أهل الذمة فأما إذا كان في الصف وقد التحم الفريقان أو كان في البحر وقد تموج أو في أسر كفار عادتهم قتل الأسارى أو قدم للقتل في قطع الطريق أو الرجم للزنا أو ظهر الطاعون في بلد ولكن بعد لم يظهر في بدنه شئ ففي تبرعه في هذه الأحوال قولان أحدهما أنه كالمريض المخوف لأنه سبب ظاهر في الاستعداد لما بعد الموت والثاني أنه كالصحيح إذ لا يمس بدنه شئ ولا ضبط لما قبل تغير البدن للأسباب أما إذا قدم للقصاص فالمنصوص أنه لا تعتبر عطيته من الثلث ما لم يخرج وقال أبو إسحاق المروزي هو كالأسير وقع في يد قوم عادتهم القتل وفهم من فرق بأن المسلم الغالب عليه الرحمة والعفو في القصاص وأما الحامل فليس بمخوف قبل أن يضربها الطلق فإن ضربها الطلق فهو مخوف ومنهم من قال لا لأن السلامة منه أكثر الأمر الثاني حد التبرع وهو إزالة الملك عن مال مجانا من غير وجوب فالعتق والصدقات تبرع والزكاة والكفارة الواجبة والحج الواجب ليس بتبرع فما أوصى به لها فهو من رأس المال وكذا قضاء الديون لأن ذلك يستند إلى وجوب فرعان أحدهما إذا باع بثمن المثل نفذ وإن كان من الوارث وكذلك إذا قضى دين بعض الغرماء لم يكن للباقي المنع وخالف أبو حنيفة رحمه الله فيه وفي البيع من الوارث أما إذا كان في البيع محاباة فقدر المحاباة حكمه حكم التبرعات وكذلك إذا نكح امرأة بأكثر من مهر المثل فالزيادة تبرع محسوب من الثلث الثاني إذا نكحت المرأة بأقل من مهر المثل لم يحسب من الثلث لأنها لم تنزل إلا عن البضع والبضع ليس بمال لو أجر عبيده ودوابه مع المحاباة فهو تبرع لأنه مال ولو أجر نفسه وحابى فيه وجهان أحدهما أنه تبرع كمنافع العبيد فإن منفعته مال والثاني لا لأنه لا يعد مالا يطمع فيه الوارث فيشبه بضع المرأة من هذا الوجه وكان ذلك يعد امتناعا عن الاكتساب لا تفويتا الأمر الثالث في كيفية الاحتساب من الثلث ووجهه أنه إن كانت التبرعات كلها منجزة في المرض فيقدم الأول فالأول فإن كان الأول هبة والثاني عتقا قدمت الهبة لأنه استوفى الثلث بها فسقط العتق بعده وقال أبو حنيفة رحمه الله إنهما يتساويان إذ لهذا قوة العتق ولذاك قوة التقدم أما إذا كانت متساوية فإن كان الكل هبة ومحاباة فتوزع عليهم الثلث على نسبة أقدارها وإن كان الكل عتقا أقرع بين العبيد ولم يوزع حذارا من التشقيص بخلاف الهبة ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم أقرع بين ستة أعبد أعنقهم مريض وجزاهم ثلاثة أجزاء فأرق أربعا وأعتق اثنين وإن اجتمع الهبة والعتق في حالة واحدة بقول وكيل أو بإضافة الكل إلى ما بعد الموت ففي تقديم العتق قولان أحدهما لا للتساوي في وقت الاستحقاق والثاني نعم لأن العتق يزحم ملك الغير بالسراية وفي إلحاق الكتابة بالعتق في استحقاق تقديمها على المحاباة خلاف أما إذا أضيف الكل إلى ما بعد الموت فلا ينظر إلى ما تقدم في بعض الوصايا لأن وقت اللزوم واحد في الكل وإنما يبقى النظر في تقديم العتق على غيره ولو أوصى بعتق عبد وعلق عتق آخر على الموت فلا تقديم لأحدهما بحال فروع الأول إذا كان له عبدان غانم وسالم فقال لغانم إن أعتقتك فسالم حر ثم أعتق غانما والثلث لا يفي إلا بأحدهما يعتق غانم ولا يقرع بينهما إذ ربما تخرج القرعة على سالم فيؤدي إلى أن يعتق دون عتق عانم ويكون ذلك تحصيلا للمسبب دون السبب وهو محال أما إذا كان له سوى غانم عبدان فعلق عتقهما بعتق غانم ووفى الثلث بغانم وبأحدهما عتق غانم وأقرع بينهما فمن خرجت قرعته عتق الثاني إذا ملك جارية حاملا ومجموع ماله ثلثمائة والولد من الجملة مائة والأم خمسون فقال إن أعتقت نصف الحمل فالأم حرة ثم أعتق نصف الحمل عتقخمسون وبقي لنا خمسون إلى تمام الثلث مردد بين النصف الآخر من الولد بالسراية أو الأم بالتعليق فيقرع بينهما فإن خرجت على الولد عتق كله ورق الأم وإن خرج على الأم لا يمكن إعتاق كلها إذا يبقى بعض الولد رقيقا مع عتق كل الأم والولد في حكم عضو من أعضائها لا يقبل عتقه الانفصال عن عتقها فيعتق بقدر خمسين منها على نسبة واحدة ويحكم بعتق نصف الأم وهو خمس وعشرون ليقتضي ذلك عتق نصف الولد وهو خمسون ولكن يخص النصف الحر منه النصف فيبقى للنصف الرقيق النصف وهو قدر خمس وعشرين فيعتق إذا من الأم نصفها ومن الولد ثلاثة أرباعه نصف بالمباشرة وربع بسراية عتق الأم الثالث إذا أوصى بعبد لإنسان وهو ثلث ماله وثلثا ماله غائب فلا نسلم العبد إذ المال ربما يتلف فيكون العبد كل المال وهل يسلم ثلث العبد ليتسلط عليه فيه وجهان أحدهما نعم لأنه أقل أحواله والثاني لا فإن حق الشرع أن لا يتسلط الموصى له على شئ إلا ويتسلط الوارث على مثليه وهاهنا ليس يمكن تسليط الوارث على الثلثين من العبد فإنه ربما يسلم للموصى له فإن استبهم خبر المال الغائب وتواطئا على إشاعة الوصية في جميع المال حتى يصير العبد مثلثا بينهم لم يكن لهما ذلك لأنه نقل الوصية من عين إلى غيره وقال مالك يجوز ذلك للمصلحة ولو أعتق عبدا وهو ثلث ماله أو دبره وثلثا ماله غائب ففي تنفيذ العتق في ثلث العبد الخلاف الذى ذكرناه بعينه في الوصية الركن الرابع الصيغة وهو الإيجاب والقبول أما الإيجاب فقوله أوصيت له أو أعطوه أو جعلت هذا له أو ملكته بعد الموت ولو قال عينت هذا له فكناية والوصية تنعقد بها عند النية فإنه إذا قبل التعليق بالإغرار فبأن يقبل الكناية أولى ولو قال وهبت هذا منه ونوى الوصية ففي كونه كناية وجهان ووجه المنع أنه صريح في اقتضاء ملك ناجز ولو قال هذا لفلان ثم قال أردت الوصية لم يقبل لأنه صيغة إقرار إلا أن يقول هذا من مالي لفلان أما القبول فلا بد منه ولكن بعد الموت فلا أثر لقبوله ورده قبل موت الموصى وإن مات الموصى له قبل القبول قام وارثه مقامه لأنه حق التملك فهو بالإرث أولى من الشفعة وإن قبل الموصى له ثم رده قبل القبض ففي نفوذ رده وجهان أحدهما لا إذ تم ملكه بالقبول بعد الموت والثاني نعم لأنه ملك بغير عوض فيتطرق الرد إليه هذا إذا أوصى لمعينين أما إذا أوصى للفقراء أو لجهة عامة لزم بالموت إذ لا يتصور شرط القبول فيه ثم اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في وقت حصول الملك على ثلاثة أقوال الأول أنه يحصل بالموت لأنه أضاف إلى الموت والثاني بالقبول إذ يبعد أن يدخل الشئ في ملكه قهرا والثالث وهو الأصح أنه موقوف فإن قبل تبين حصوله بالموت وإن رد تبين أنه لم يحصل من أصله فإن فرعنا على أنه يحصل بالقبول فهو قبل القبول ملك الوارث أو ملك الميت فيه وجهان ومنشأ التردد أن في إضافته إلى كل واحد منهما نوع استحالة إذ لا ملك لميت ولا ميراث إلا بعد الوصية ويتفرع على الأقوال مسائل خمسة الأولى إذا حدثت زيادة قبل القبول فهي للموصى له على كل قول إن قبل الوصية إلا إذا فرعنا على أن الملك يحصل بالقبول ففيه وجهان أحدهما أنه له نظرا إلى القرار والثاني لا إذ حدث قبل قبوله وملكه وعلى هذا إن قلنا إن الملك للميت فتقضى منه الديون وإن قلنا للوارث فلا إذ الصحيح أن وثيقة الدين لا يتعدى إلى الزيادة كوثيقة الرهن أما إذا رد فالزيادة من التركة بكل حال إلا إذا فرعنا على أن الملك يحصل بالموت ففيه وجهان أحدهما أنه يتبع الأصل في الرد والثاني أنه يبقى على ملك الموصى له لأنه حصل على ملكه فهو كزيادة المبيع الثانية النفقة والمؤن وزكاة الفطر بين الموت والقبول على الموصى له إن قبل عل كل قول وعلى الوارث إن رد على كل قول ولا يعود الوجه المذكور في الزيادات وإن كان يحتمل أن يقال الغرم في مقابلة الغنم ولكن إدخال شئ في الملك قهرا أهون من إلزام مؤنة قهرا فرع مهما توقف في القبول والرد مع الحاجة إلى النفقة كلف النفقة قهرا فإن أراد الخلاص فليرد وإن لم يكن إلى النفقة حاجة ولكن أراد الوارث أن يستقر الأمر معه فيطالب بالقبول أو الرد فإن توقف حكم عليه بالرد لأجل المصلحة فيقال إما أن تقبل أو نحكم عليك بالرد إن توقفت الثالثة إذا كان الموصى به زوجة الموصى له فإن قبل انفسخ النكاح وإن رأينا الوقف كان بطريق التبين من وقت الموت وإن رد لم ينفسخ إلا إذا فرعنا على أنه يملك بالموت فيفسخ وإن كان الملك ضعيفا لأن ملك اليمين يضاد ملك النكاح وإن كانت زوجة الوارث فإن قبل الموصى له لم ينفسخ نكاحه إلا إذا فرعنا على أنه يملك بالقبول وأنه قبل القبول للوارث ففيه وجهان ووجه بقاء النكاح ضعف الملك مع أن الاختيار إلى غيره بخلاف الموصى له فإن الاختيار إليه وإن رد فينفسخ النكاح وهل يستند إلى حالة الموت فيه خلاف منشؤه ضعف ذلك الملك ولو كان الموصى به قريبا للموصى له أو الوارث قرابة يعتق بالملك فتخريجه على الأقوال كتخريج انفساخ نكاح الزوجة الرابعة إذا أوصى بأمة لزوجها الحر وولدت قبل القبول بعد الموت قال الشافعي رضي الله عنه عتق الأولاد ولم تكن أمهم أم ولد له هذا نقل المزني وهو خطأ إذ لا وجه للفرق بين الأم والولد على كل قول أثبتنا الملك أو نفينا أو توقفنا نعم قال بعد ذلك ولو مات الموصى له فقبل الوارث عتق الأولاد وهو صحيح يخرج على قولنا يحصل الملك بالموت للموصى له وعلى قول الوقف أيضا الخامسة أوصى له بولده فمات فقبل وارثه فعتقه يبنى على أن الملك بماذا يحصل فإن قلنا بالموت أو قلنا بالوقف تبين العتق على الموصى له قبل موته وإن قلنا بالقبول ففي قبول الوارث وجهان أحدهما أنه يترتب على قبوله كقبول المورث والثاني أنا نسنده إلى ألطف حين قبل موت الموصى له فعلى هذا هو تركة يقضى منه الديون ونتبين عتقه وإن قلنا يترتب على القبول فلا يعتق لأن الميت لا يعتق القريب عليه بحال إذ ملكه وإن قدر لا قرار له نعم هل تقضى الديون مما قبله الوارث فيه وجهان أحدهما أنه لا يقضى إذ لم يملكه الميت وإنما ورث هذا حق التمليك ابتداء وذكر هذا الوجه في الصيد المتعلق بشبكة نصبها قبل موته ولكنه أبعد فيه والوجه الثاني أنه يقضى منه الديون وكأنا نقدر حصول الملك للميت مختطفا ثم نقدر انتقاله إلى الوارث تلقيا منه التفريع إذا قلنا يعتق الولد بقبول الوارث فلا يرث لأن القابل إن كان أخا يصير محجوبا به فيسقط حقه عن القبول فيمتنع العتق فيؤدي توريثه إلى منع توريثه فهو دور فقهي وإن كان له ابن آخر فشركته تمنع كمال حقه في القبول لا يبقى له إلا قبول النصف ومن نصفه حر لا يرث ولا يمكن أن يقبل نصيب نفسه لأن صحة قبوله موقوف على توريثه وتوريثه موقوف على صحة قبوله فيتمانعان الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة والنظر في أقسام القسم الأول في الأحكام اللفظية وفيه فصلان الفصل الأول فيما يتعلق بالموصى به والكلام في أطراف الطرف الأول في الحمل والوصية بالحمل صحيحة بشرط أن يكون موجودا حالة الوصية ويعرف تاريخ ذلك في الحيوانات من أهل الخبرة فإنها مختلفة فإن انفصل حمل الجارية ميتا بجناية جان صرف الأرش إلى الموصى له ولم يتبين فساد الوصية بخلاف ما إذا أوصى لحمل فانفصل ميتا بجنابة جان لا يصرف إلى ورثته لأن كونه مالكا يستدعي حياة مستقرة وكونه مملوكا لا يستدعي إلا التقوم وقد يقوم بالأرش ولو أوصى بجارية دون حملها جاز ولو أطلق الوصية ففي اندراج الحمل تحت مطلق اللفظ تردد فإن قلنا يندرج لم تبطل الوصية فيه بانفصاله قبل موت الموصي لأنه زيادة في الموصى به الطرف الثاني إذا أوصى بطبل من طبوله وله طبل لهو وحرب نزل على طبل الحرب تصحيحا له وإذا أوصى بعود من عيدانه وعنده عود اللهو وعود القوس وعود البناء فوجهان أحدهما أنه فاسد لأنه لا يفهم منه إلا عود اللهو والثاني أنه يعطى عود البناء أو القوس لأنه يسمى عودا فيتكلف تصحيحه كما في الطبل أما إذا لم يكن عنده إلا عود القوس أو البناء أعطي ذلك لأنه متعين الثالث إذا أوصى بقوس حمل على القوس الذي يرمي منه النبل والنشاب دون قوس الندف والجلاهق وهو قوس البندق ويدخل تحته الحسبان فإنه يرمى منه الناوك وهو نشاب وهل يعطى الوتر مع القوس فيه وجهان فإن قال أعطوه قوسا من قسي ولم يكن عنده إلا قوس ندف أعطى لأنه تعين وإن كان عنده قوس ندف وحلاهق أعطى الجلاهق لأنه أسبق إلى الفهم الطرف الرابع إذا قال أعطوه شاة جاز أن يدفع إليه الكبير والصغير والظأن والمعز لأن الاسم شامل وقال الصيدلاني لا يعطى السخلة وقال أراد الشافعي رضي الله عنهبالصغير الجذعة والمنصوص أنه لا يعطى الكبش ومنهم من قال يعطى لأن الشاة اسم جنس كالإنسان والتاء فيه ليس للتأنيث وأصله الشاهة وتصغيره شويهة ولو قال أعطوه بقرة لم يعط ثورا ولو قال أعطوه جملا لم يعط ناقة ولو قال أعطوه بعيرا فالمنصوص أنه لا يعطى ناقة ومن أصحابنا من قال يعطى لأن البعير كالإنسان للرجال والنساء ولو قال أعطوه رأسا من الإبل أو الغنم أو البقر جاز الذكر والأنثى فإن قال أعطوه كلبا أو حمارا لم يعط الكلبة والحمارة فإن الأنثى مميزةفيهما بالتاء ولو قال أعطوه دابة فالمنصوص أنه يعطى من الخيل أو البغال أو الحمير ولا يعطى من الإبل قطعا قال بعض الأصحاب أطلق الشافعي رضي الله عنه ذلك على لغة مغر وفي غيره لا يفهم منه إلا الفرس ومنهم من قال الوضع الأصلي أولى بالمراعاة من العرف الخاص المخصص ولو قال أعطوه دابة ليقاتل عليه لم يعط إلا الفرس فإن قال ليحمل عليه لم يعط إلا بغلا أو حمارا ولو قال لينتفع بنسله لم يعط إلا فرسا أو حمارا الخامس في العبد فإن قال أعطوه رأسا من رقيقي جاز أن يعطى السليم والمعيب والصغير والكبير والذكر والأنثى والخنثى وإن لم يكن عند موته إلا رقيق واحد تعين ذلك الواحد فإن مات أرقاؤه او قتلوه قبل موته انفسخت الوصية وإن قتلوا بعد موته يخير الوارث في صرف قيمة واحد إليه لأن حقه المتأكد أو ملكه متعلق به بعد موته فينتقل إلى القيمة فلو قتل كلهم إلا واحدا لم يتعين ذلك الواحد بل يخير الوارث بين تسليمه وتسليم قيمة واحد وفيه وجه أنه يتعين ذلك الواحد حذرا من العدول إلى القيمة مع الإمكان وإن قال أعتقوه عني عبدا جاز المعيب والسليم وفيه وجه أنه ينزل على ما يجزئ في الكفارة لأن الشرع عادة في العتق لا في الهبة والوصية فينزل على عرف الشرع فإن أوصى أن يعتق عنه رقاب فأقله ثلاثة إن وفى الثلث به فإن لم يف إلا باثنين اقتصر عليه فإن وفى باثنين وبعض الثالث فوجهان أحدهما الاقتصار على اثنين لأن البعض ليس رقبة والثاني أنه يشتري الفضل لأنه أقرب إلى مقصود الموصي وعلى هذا لو وجدنا نفيسين أو خسيسين وشقصا فأيهما أولى فيه وجهان أحدهما النفيس أولى لقوله عليه السلام لما سئل عن أفضل الرقاب فقال أكثرها ثمنا وأنفسها عند أهلها والثاني الزيادة في عدد الرقبة أولى لقوله صلى الله عليه وسلم من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار ولو قال أعتقوا عبدا من عبيدي وله خنثى حكم بكونه رجلا ففي إعتاقه وجهان ووجه المنع أن اسم البعد مطلقا لا ينصرف إليه ولو قال أعتقوا أحد رقيقي وفيهم خنثى مشكل روى الربيع فيمن أوصى بكتابة أحد رقيقه أنه لا يجوز الخنثى المكشل وروى المزني أنه يجوز واختلف الأصحاب والأولى ما قاله المزني الفصل الثاني فيما يتعلق بالموصى له وله أطراف الطرف الأول إذا قال أعطوا حمل فلانة كذا فأتت بولدين صرف إليهما بالسوية وإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى ولو خرج أحدهما حيا والآخر ميتا فالكل للحي وفيه وجه آخر أن له النصف ونصف الميت يعود إلى الورثة وهو ضعيف ولو قال إن كان حملها غلاما فأعطوه كذا فولدت غلامين لم يستحقا شيئا فإن الصيغة للتوحيد في النكرة وكذا إن جاءت بغلام وجارية ولو قال إن كان في بطنها غلام فأعطوه كذا فجاءت بغلام وجارية أعطي الغلام وإن جاءت بغلامين فأيهما يعطى فيه ثلاث أقوال أحدها أنه يصرف الوارث إلى أيهما شاء وله خيار التعيين فإن رأيه يصلح للترجيح والثاني يوزع عليهما لتساويهما والثالث أنه موقوف بينهما إلى أن يبلغا ويصطلحا ولو قال أوصيت لأحد هذين الشخصين ففي صحتها خلاف ذكرنا نظيره في الوقف فإن صح ومات قبل التعيين خرج على الأوجه الثلاثة الطرف الثاني إذا أوصى لجيرانه صرف إلى أربعين دارا من كل جانب لما روى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال حق الجوار أربعون دارا هكذا وهكذا وهكذا وأشار يمينا وشمالا وقداما وخلفا ولو أوصى لقراء القرآن صرف إلى من يحفظ جميع القرآن وهل يصرف إلى من يقرأ ولا يحفظ عن ظهر القلب فيه وجهان أحدهما نعم للعموم والثاني لا إذ العرف يخصص بالحفاظ ولو أوصى للعلماء صرف إلى العلماء بعلوم الشرع دون الأطباء والمنجمين والمعبرين والأدباء لأن العرف يخصص ولا يصرف إلى من يسمع الأحاديث فقط ولا علم له بطرق الحديث ولو أوصى للأيتام لم يدخل فيه من له أب ولا بالغ لقوله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد البلوغ وفي الغني وجهان وإن أوصى للأرامل دخل فيه من لا زوج لها من النساء وهل يدخل فيه من لا زوجة له من الرجال فيه وجهان أحدهما لا للعرف والثاني نعم للوضع إذ قد يسمى الرجل أرمل قال الشاعر ** كل الأرامل قد قضت حاجته ** فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر ** وهل يدخل الغني فيه وجهان كما في اليتيم ولو أوصى للشيوخ أعطي من جاوز الأربعين وإن أوصى للفتيان والشبان أعطي من جاوز البلوغ إلى الثلاثين وإن أوصى للصبيان والغلمان صرف إلى من لم يبلغ اتباعا للعرف في هذه الألفاظ الطرف الثالث فيما إذا أوصى للفقراء جاز أن يصرف إلى المساكين وللمساكين جاز أن يصرف إلى الفقراء لأن كلا الاسمين يطلق على الفريقين وإن قال للفقراء والمساكين جمع بينهما وإن أوصى لسبيل الله فهو للغزاة أو للرقاب وإن أوصى للرقاب فهو للمكاتبين ثم لا أقل من استيعاب ثلاثة من كل نفر ولا يجب التسوية بين الثلاثة ولو أوصى لثلاثة معنين يجب التسويه بينهم ولو أوصى لزيد وللفقراء قال الشافعي رضي الله عنه القياس أنه كأحدهم فمنهم من قال معناه أنه لو أعطى خمسة من المساكين فيعطيه السدس أو أعطى ستة فيعطيه السبع ليكون كأحدهم ومنهم من قال يكفيه أن يعطيه أقل ما يتمول إذ ما من أحد إلا وله أن يعطيه أقل ما يتمول ومنهم من قال يعطيه الربع لأن أقل عدد المساكين الثلاثة فالقصر عليه وعلى ثلاثة يقتضي له الربع ومنهم من قال يصرف إليه النصف وإلى الفقراء النصف لأنه قابله بهم ولو قال لزيد دينار وللفقراء ثلاثة لم يعط زيدا شيئا آخر وإن كان فقيرا لأنه قطع الخيرة بتنصيصه أما إذا أوصى للعلويين والهاشميين أو بنى طيء وبالجملة قبيلة عظيمة ففي الصحة قولان أحدهما نعم ثم أقل الأمر أن يعطي ثلاثة كما للفقراء والثاني لا إذ هم محصورون ولا يمكن استيعابهم ولا عرف للشرع في تخصيصهم بثلاثة بخلاف الفقراء الطرف الرابع لو أوصى لزيد ولجبريل كان لزيد النصف ويبطل الباقي ولو قال لزيد وللريح أو للرياح فوجهان أحدهما أنه له النصف كما سبق في جبريل والثاني له الكل إذ الإضافة إلى الرياح لغو وإن أوصى لزيد ولله تعالى فوجهان أحدهما له الكل وكان ذكر الله تعالى تأكيدا لقربته كقوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى } والثاني أن النصف له والباقي للفقراء لأن عامة ما يجب لله تعالى يصرف إلى الفقراء ولو قال لزيد وللملائكة أو لزيد وللعلوية وقلنا لا يصح المعلوية ففي قدر ما يصرف إلى زيد الخلاف الذي ذكرناه في قوله لزيد وللفقراء ويبطل في الباقي الطرف الخامس لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الذكور والإناث والغني والفقير والمحرم وغير المحرم وقرابة الأب وقرابة الأم بألا إذا كان الرجل غريبا فلا تدخل قرابة الأم لأنهم لا يعدون ذلك قرابة ولو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأم مع قرابة الأب إذ لا تخصيص لهذا الاسم ومن الأصحاب من قال لفظ القرابة كلفظ الرحم في حق العربي كما في حق العجمي ولم يثبت من العرب هذا التخصيص واختلفوا في ثلاثة أمور أحدها في دخول الأصول والفروع وفيه ثلاثة أوجه أحدها لا يدخلون إذ الوصية للأقارب والأب والابن لا يسمى قرابة والثاني نعم لأنهم من الأقارب وإن كان لهم اسم أخص والثالث أنه لا يدخل الأب والابن ويدخل الأحفاد والأجداد الأمر الثاني أن الوارث لا يدخل إذا أوصى لأقارب نفسه إذ لا وصية لوارث وكأنهم خارجون بحكم القرينة ومنهم من قال يدخلون ثم تبطل الوصية في نصيبهم وتبقى في الباقي الأمر الثالث أن قبائل العرب تتسع فتكثر فيها القرابات إن ارتقينا إلى أولاد الأجداد العالية فقال أبو يوسف يرتقي إلى أجداد الإسلام ولا يزيد عليه وهو بعيد وقال الشافعي رحمه الله يرتقي إلى الأقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به وذكر الأصحاب في مثاله أنه لو أوصى هو لقرابة الشافعي رضي الله عنه صرفنا إلى بني شافع لا إلى بني عبد مناف وبني عبد المطلب وإن كانوا أقارب وهذا في زمانه أما في زماننا لا يصرف إلا إلى أولاد الشافعي ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من عرف به الطرف السادس إذا أوصى لأقربهم قرابة لفلان صرف إلى الأقرب وفيه مسألتان إحداهما أن الأب والأم والابن والبنت يدخلون لأنه لا يبعد تسميتهم أقرب الأقارب ثم لا تفضيل بذكورة وأنوثة بل يستوي فيه الأب والأم والابن والبنت ولا يتبع الوراثة بل أولاد البنات يقدمون على أحفاد البنين لمزيد القرب إلا إذا اختلف الجهة كالأحفاد وإن سفلوا يقدمون على الإخوة وبنو الإخوة وإن سفلوا يقدمون على الأعمام لأن العرف يقضي بأنهم أقرب وابن الأخ من الأب والأم مقدم على ابن ابن الأخ من الأب والأم لأن جهة الأخوة واحدة ولا شك في أن الأخ المدلي بجهتين مقدم على المدلي بجهة واحدة ولا فرق بين الأخ للأم والأخ للأب ولا بين الأخ والأخت الثانية الجد أب أب مع الأخ فيه قولان أحدهما يستويان للاستواء في القرب والثاني الأخ أولى لأن قرابة البنوة أقوى وكذا الخلاف في أب الأم مع الأخ للأم وأب الأب من مع ابن الأخ للأب فيه قولان أحدهما الجد أولى لقربه والثاني ابن الأخ أولى لقوة البنوة القسم الثاني من الباب في الأحكام المعنوية وفيه فصول الفصل الأول في الوصية بمنافع الدار والعبد وغلة البستان وثمرته وهي صحيحة نص الشافعي رضي الله عنه عليه وسوى بين الثمار والمنافع وحقيقة هذه الوصية عندنا تمليك المنافع بعد الموت حتى يورث عن الموصى له إذا مات ويملك الإجارة ولا يضمن إذا تلف في يده العبد كما لا يضمن المستأجر وعند أبي حنيفة رحمه الله هى عارية لازمة لا ملك فيها وفيه مسائل الأولى فيما يملكه الوارث ولا شك في أنه ينفذ عتقه ولا لا يجزئه عن الكفارة إن لم تكن الوصية مؤقتة وفيه وجه آخر أنه يجزئ ثم إذا نفذ العتق بقي حق المصوى له في الانتفاع ولا يجد العبد مرجعا على الوارث بخلاف عتق العبد المستأجر لأن البدل ثم رجع إلى المعتق وهاهنا لم يوجد بدل هذه المنفعة وأما الكتابة ففيه وجهان أحدهما لا إذ لا كسب له والثاني نعم تعويلا على الصدقات وأما البيع فإن كان الوصية مؤقتة خرج على بيع العبد المستأجر وإن كانت مؤبدة فالظاهر المنع لأنه معجوز عن التسليم أبدا إلا أن يبيع من الموصى له وفيه وجه آخر أنه ينفذ البيع لنقل ما يملكه ويتسلط المشتري على إعتاقه وجلب الولاء فيه أما إذا أوصى بنتاج الشاة صح بيع الشاة لبقاء منفعة الصوف والوبر للمالك وإنما الخلاف إذا لم يبق منفعة أصلا فيضاهي مالا منفعة له حسا المسألة الثانية في منافعها وهي للموصى له أبدا ويدخل فيه أكساب العبد باحتطاب واصطياد ولا تدخل منفعة البضع بل يصرف بدله إلى المالك لأن مطلق اسم المنفعة لا ينصرف إليه مع أنه لو أوصى بها صريحا لم يدخل وقال العراقيون البدل له فإنه من المنافع ولا خلاف في امتناع الوطء على الموصى به لعدم ملك الرقبة وعلى الوارث إلى هلاك حق الموصى له بالطلق كما في الراهن فإن كاتب وإن كانت صغيرة أو آيسة فقد قيل يجوز في الرهن فهو جار هاهنا أيضا وأما تزويجها فهو جائز لكسب المهر وفي مصرف المهر ما ذكرناه وفي من يتولى العقد ثلاثة أوجه أحدها الوارث لملكه الرقبة ثم لا بد من رضا الموصى له فإن فيه نقصان حقه وضرره وهذا هو الصحيح والثاني أن الموصى له يستقل به وهو مذهب من يقول المهر له والثالث يستقل به المالك وأما التزويج من العبد فيظهر استقلال الموصى له لأن حق منع العبد لا لقصور في أهليته ولكن لضرر تعلق الحقوق بالأكساب والموصى له هو المتضرر وأما ولد الجارية فالصحيح أنه لاحق للموصى له فيه لأنه يتبع الملك ومنهم من قال هو ملك الموصى له لأنه أيضا من المنافع وهو بعيد ومنهم من قال هو أسوة الأم ملك الرقبة للوارث وملك المنفعة للموصى له وهو أيضا بعيد لأن استحقاق المنفعة لا يسري إلى الولد كما في الإجارة وأما ما يكتسبه بالاتهاب ففي مصرفه وجهان أحدهما أنه للموصى له كما في الاحتطاب والثاني للمالك فإنه لم ينصرف إليه عمل متقوم والسبب انعقد للعبد والمالك يتلقى الملك لملك الرقبة الثالثة في نفقته ثلاثة أوجه القياس أنه على الوارث نظرا إلى الملك فإن أراد الخلاص فليعتق و الثاني أنه على الموصى له لأنه يستحق المنافع على الدوام فكان كزوج الأمة والثالث أنه في كسبه فإن لم يف فعلى بيت المال وإليه ذهب الإصطخرى وقد اختلفوا في أن الموصى له هل ينفرد بالمسافرة به والظاهر أنه يملك إذ به كمال الانتفاع ولذلك يمتنع على الوارث المسافرة قطعا بخلاف سيد الأمة المزوجة والثاني أنه لا يملك كما لا يملك بملك زوج الجارية مراعاة لحق المالك فلا يجوز إلا بالتراضي كالتزويج على ظاهر المذهب الرابعة إذا قتل فللوارث استيفاء القصاص ويحبط حق الموصى له وإن وقع الرجوع إلى القيمة ففيه وجهان أحدهما أنه للوارث فإنه بدل ملكه وقد انقضى عمره فانقطع حق الموصى له والثاني أنه يشتري به عبد ويجعل بمثابتة بينهما في الملك والمنفعة وفيه وجه آخر أنه يختص به الموصى له وكأن ماليته مستغرقة بحقه إذ لم يبق له قيمة في حق المالك وهو بعيد وفيه وجه رابع أنه يوزع على قيمة المنفعة وقيمة الرقبة مسلوبة المنفعة ويقسم بينهما أما إذا وقطع طرفه فالذي قطع به الأصحاب وذكره الأكثرون أنه للوارث وجها واحدا أما إذا جنى هو على غيره فيباع من أرش الجناية فإن فداه السيد استمر حق الموصى له وإن فداه الموصى له فهل يجب على المجني عليه قبوله فيه وجهان أحدهما لا لأنه أجنبي عن الرقبة ومتعلق الحق الرقبة والثاني نعم لأن له غرضا في بقاء الرقبة كما للسيد الخامسة في كيفية احتسابه من الثلث وجهان أحدهما أنه يعتبر جملة قيمة العبد إذ لم يبق له قيمة فكأنه أوصى بالعبد والصحيح أنه يعتبر ما نقص من قيمته إذ لا بد وأن يبقى له قيمة طمعا في إعتاقه وولائه أما إذا كانت المنفعة الموصى بها مؤقتة فطريقان أحدهما طرد الوجهين والثاني أنه يعتبر أجرة المثل وهو بعيد لأن المنفعة التي تحدث بعد الموت فليس مفوتا لها من ملكه بل لا يتجه إلا اعتبار ما ينقص من قيمته بسبب الوصية التفريع إذا اقتضى الحال أن يرد بعض الوصية كسدسها مثلا لزيادتها على الثلث فينقص من المدة المقدرة بسدسها من أجرها أو يخرج سدس العبد في جملة المدة عن الوصية فيه وجهان الأسد أنه يخرج سدس العبد لأن الأجرة تختلف باختلاف المواقيت الفصل الثاني في الوصية بالحج والحج ثلاثة أنواع الأول التطوع وفي صحة الوصية به وجهان يبتنيان على أن النيابة هل تتطرق إليها والصحيح أنها تتطرق إليه اقتداء بالأولين في فعلهم فتحسب الوصية به من الثلث وفيه فرعان أحدهما أن مطلقه يقتضي حجة من الميقات أم من دويرة أهله اختلفوا فيه لتردد اللفظ بين أقل الدرجات وبين العادة الثاني أنه هل تقدم الوصية بحج التطوع على سائر الوصايا حكي فيه قولان ولا وجه للتقديم إلا أن حق الله تعالى على رأي يقدم على حق الآدمي حتى إن أوصى بالصدقة مع حج التطوع لم يحتمل التقديم نعم لو أوصى بحجة منذورة احتمل التقديم على الوصايا لتأكدها باللزوم الثاني حجة الإسلام ولا حاجة فيها إلى الوصية إذ كانت قد لزمت في الحياة بل يخرج عندنا من رأس ماله وإن لم يوص خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وهو عندنا كالزكاة فإنها لا تسقط بالموت فروع ثلاثة الأول إذا أوصى بحجة الإسلام فلا فائدة له إلا إذا قال حجوا عني من الثلث فائدته مزاحمة الوصايا من الثلث به ثم إن لم يخص الحج بعد المضاربة ما بفي به كمل من راس المال ومنهم من قال إذا لم يفضل من حجة الإسلام شيء من الثلث فلا شيء للوصايا بل فائدته الإضافة إلى الثلث الفرع الثاني إذا قال أوصيت بأن تحجوا عني ولم يضف إلى الثلث ففي مزاحمة الوصايا به في الثلث وجهان ووجهه أن لفظ الوصية مشعر به ولو زاد وقال وأعتقوا عني وتصدقوا فوجهان مرتبان وأولى بالمزاحمة لأنه قربة بما ينحصر في الثلث الثالث إذا قال أحجوا عني فلانا بألف وهو زائد على أجر المثل فوجهان أحدهما أنه يحج بأجر المثل لأن مقصوده الحج والزائد لا حاجة إليه والثاني أن الزيادة وصية لمن يحج ليحسن الحج فيصرف إليه إن وفى به الثلث أما إذا قال اشتروا بمائة درهم عشرة أقفزة حنطة وتصدقوا بها فوجدنا أجود الحنطة بثمانين فثلاثة أوجه أحدها أن الزيادة وصية لبائع الحنطة وهو بعيد فإن ذلك لا يقصد بخلاف الإحسان إلى من يحج والثاني أنه يشتري به حنطة زائدة لأن مقصوده التصدق بمائة وصرفه إلى الحنطة والثالث أنه يرد على الورثة لأن مقصوده عشرة أقفزة من الحنطة وقد تصدق بها الثالث الحجة المنذورة والصدقة المنذورة والكفارات وفيها ثلاثة أوجه أحدهما أنه يخرج من رأس المال لأنها لزمته كحجة الإسلام فلا حاجة إلى الوصية والثاني أنها كالتطوعات فإن أوصى بها أخرج من الثلث لأنه لو فتح هذاالباب لاستغرق بالنذور جميع أمواله ثم يؤخره إلى ما بعد الموت والثالث أنها تؤدي من الثلث وإن لم يوص وكأن نذره تبرع به وقد أخر أداءه إلى الموت فصار النذر نفسه كالوصية فإن قيل ما الذى يقع عن الميت بعد موته دون إذنه قلنا الدعاء والصدقة وقضاء دينه أما الدعاء فقد قال عليه السلام إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا في ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له وأما الصدقة فقد قال سعد بن أبي وقاص يا رسول الله إن أمي أصمتت ولو نطقت لتصدقت أفينفعها إن تصدقت عنها قال عليه السلام نعم وقد قال بعض الأصحاب إنه يرجى أن يناله بركته ولكن لا يلتحق بصدقاته التى أداها أما إذا أعتق عنه لا يقع عنه ويكون الولاء للمعتق سواء كان المعتق وارثا أو لم يكن لأن إلحاق الولاء قهرا لا وجه له أما الديون اللازمة إذا قضيت وقعت عنه وإن قضاها الأجنبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما قضى دين ميت الآن بردت جلدته على النار أما الكفارات فإن أخرجها الوارث عنه ولم يكن أوصى به وقعت موقعهاوإن أخرجها أجنبي فوجهان أحدهما لا إذ لا خلافة له وهذه عبادة فلا بد من نيته أو نية من هو خليفته شرعا والثاني نعم لأنه دين لازم غلب فيه معنى الديون ولذلك يستقل به أحد الورثة وإن لم يستقل بجملة الخلافة أما العتق في كفارة اليمين حيث لا يتعين ففي إخراج الوارث وجهان وفي إخراج الأجنبي وجهان مرتبان وأولى بأن لا يقع عنه لأنه يضاهي التبرع من وجه وقد ذكرنا منع التبرع عن الميت بالإعتاق ولو أوصى بالعتق والكفارة مخيرة ولم يف الثلث بالزيادة لا ينفذ لأنه مستغنى عنه فكان متبرعا أما الصوم فلا يقع عنه لأنه عبادة بدنية كالصلاة وقال الشافعي رضي الله عنه في القديم يصوم عنه وليه الفصل الثالث في فروع متفرقة الأول المريض إذا ملك قريبة في مرض الموت نظر فإن ملك بالإرث عتق عليه من رأس المال وإن ملك بالشراء عتق عليه من الثلث فإن كان عليه دين مستغرق لم يعتق أصلا وإن ملك بوصية أو اتهاب فوجهان أحدهما من رأس المال لأنه حصل مجانا كالإرث فكأنه لم يحصل والثاني من الثلث لأنه حصل بالاختيار التفريع لو اشترى ابنه الذى يساوي ألفا بخمسمائة فالقدر الذى يقابل المحاباة كالموهوب لأنه حصل مجانا ومهما عتق من الثلث لم يرث إذ لو ورث لانقلب العتق له وصية لوارث وبطل وإذا أعتق من رأس المال في صورة الإرث ورث لأنه وقع مستحقا وقال الإصطخري لا يرث كما لو نكحت بأقل من مهر المثل فإنه يقال إن المحاباة وصية للزوج الوارث إلا إذا كان الزوج رقيقا أو مسلما وهذا الاستشهاد غير صحيح بل تنفذ المحاباة بالبضع سواء كان الزوج وارثا أو لم يكن لأنه ليس بمال الثاني لو قال أعتقوا عبدي بعد موتي لم يفتقر إلى قبول العبد لأن حق الله تعالى غالب في العتق ولو قال أوصيت لعبدي برقبته ففي الافتقار إلى قبوله وجهان ولو أعتق ثلث عبده بعد موته وفي المال متسع لم يسر العتق لأنه بعد الموت معسر والمال لغيره وهذا لا يخلو عن احتمال ولكن النقل ما ذكرته أما إذا أعتق جاريته بعد موته وهي حامل سرى إلى الجنين لأنه في حكم عضو لا يتفصل ولو استثنى وقال أنت حرة إلا جنينك ففي صحة الاستثناء وجهان وخرج وجه من صحة الاستثناء أنه إذا أطلق لا يسري لأنه تصور الانفصال وعتق الميت لا يسري الثالث أوصى بعبد لرجلين يعتق على أحدهما بالقرابة فإن قبلاه معا عتق على القريب وغرم للثاني نصيبه إن كان موسرا وسرى وإن قبل القريب أولا سرى ثم يغرم للوارث إن رد الأجنبي ويغرم للأجنبي أن قبل الأجنبي وإن قبله الأجنبي أولا وأعتقه فإن لم يقبل القريب استمر عتقه وإن قبل فإن قلنا ملك الموصى له يحصل بموت الموصي فقد بان أنه كان قد عتق وسرى وعتق الأجنبي صادق حرا فيغرم القريب للأجنبي وإن قلنا يحصل بالقبول فقد عتق الكل على الأجنبي فيغرم الأجنبي للقريب الرابع أوصى له بثلث دار فاستحق ثلثها فوجهان أحدهما يسلم له كل ثلثه ميلا إلى تصحيح الوصية والثاني وهو اختيار ابن سريج أنه يصح في ثلث ذلك الثلث لأن أصل الوصية شاع في الأثلاث الثلاثة الخامس إذا منعنا نقل الصدقات ففي نقل ما أوصى للمساكين إلى بلدة أخرى وجهان ووجه الفرق أن الزكوات دارة متكررة تمتد إليها أطماع الحاضرين بخلاف الوصايا القسم الثالث من الباب في الأحكام الحسابية وفيه مسائل الأولى إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد صرف إلى الموصى له النصف حتى يكونا متماثلين وإن كان له ابنان فأوصى بمثل نصيب أحدهما صرف إليه الثلث وإن كانوا ثلاثة فالربع وبالجملة تراعى المماثلة عندنا بعد القسمة وقال مالك رحمه الله هو وصية بحصة الابن قبل القسمة فإن كانوا اثنين فهو وصية بالنصف وإن كانوا ثلاثة فهو وصية بالثلث وهو ضعيف لأن ما ذكرناه محتمل وهو الأقل فيؤخذ به ولو أوصى بنصيب ولده كان كما لو أوصى بمثل نصيب ولده وقال أبو حنيفة رحمه الله هو باطل لأنه وصية بالمستحق وهو ضعيف لأنه إذا قال بعت بما باع به فلان فرسه صح وكان معناه بمثله ولو كان له ابنان فقال أوصيت لك بمثل نصيب ابن ثالث لو كانلا يعطى إلا الربع وكأن ذلك الابن المقدر كائن وفيه وجه أنه يعطى الثلث وكأنه قدره مكانه الثانية إذا أوصى بضعف نصيب أحد ولديه أعطي مثله مرتين فلو كان له ابنان قسم المال من أربعة لكل ابن واحد وله سهمان ولو أوصى بضعفيه أعطي مثله ثلاث مرات وقال أبو حنيفة رحمه الله أعطي مثله أربع مرات والحاصل أنا نضعف الزيادة دون المزيد عليه فإذا كان الضعف أن يزاد على سهمه مثله كان الضعفان أن يزاد عليه مثلاه وهو محتمل وهو الأقل فينزل عليه الثالثة إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته أعطي مثل أقلهم نصيبا بعد العول إن كانت المسألة عائلة الرابعة إذا أوصى بخط أو سهم أو قليل أو كثير جاز التنزيل على أقل ما يتمول والرجوع به إلى الموصي
========================ج6.66666666666666
كتاب : الوسيط في المذهب
المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
فقال أبو حنيفة رحمه الله ينزل السهم على السدس وهو تحكم
وكذلك إذا أوصى بالثلث للأشياء جاز التنزيل على أقل ما يتمول
وقال الأستاذ أبو منصور ينزل على النصف وزيادة إذ الاستثناء ينبغي أن ينقص عن النصف
وهو خلاف نص الشافعي رضي الله عنه في الإقرار إذا قال لفلان علي عشرة إلا شيئا
الخامسة إذا أوصى بثلث ماله ومات عن ابنين وبنتين
فلتصحيح المسألة بالحساب طريقان
أحدهما أن تصحح مسألة الوصية وينظر إلى ما بقي بعد إخراج سهم الوصية فإن انقسم على الورثة فقد صحت المسألتان وإن لم ينقسم ولم يوافق فضربت مسألة الورثة في مسألة الوصية ومنها تصح
وإن وافق ضربت جزء الوفق من مسألة الورثة في مسألة الوصية ومنها تصح
بيانه في مسألتنا
أن مسألة الوصية من ثلاثة أسهم سهم للموصى له بقي سهمان و لاينقسم على ستة إذ مسألة الفريضة من ستة ولكن توافق بالنصف فيضرب نصف الستة في الثلاثة فتصير تسعة وقد صحت المسألتان
الطريقة الثانية أن تصحح مسألة الوصية وينسب جزء الوصية منها إلى ما يبقى منها بعد إخراج الجزء وتزيد مثل نسبته على مسألة الورثة
بيانه أن مسألة الوصية من ثلاثة فيما فرضناه والجزء الموصى به الثلث وهو سهم ونسبته إلى الباقي أنه مثل نصفه فيزيد على مسألة الورثة مثل نصفها وهي من ستة ونصفها ثلاثة فتصير تسعة وتصح المسألتان
السادسة إذا أوصى بما يزيد على الثلث وردت الوصايا قسم الثلث بين أصحاب الوصية على نسبة تفاوتهم حالة الإجارة
فلو أوصى لإنسان بالنصف ولآخر بالثلث فالمسألة من ستة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان ومجموع مالهما خمسة والتفاوت بينهما بالأخماس فإذا أردت قسمة الثلث على نسبة الأخماس فاطلب مالا لثلثه خمس وذلك بأن تضرب ثلاثة في خمسة فتصير خمسة عشر
فالثلث خمسة يعطى صاحب النصف منها ثلاثة وصاحب الثلث سهمان ليحصل التفاوت
وقال أبو حنيفة رحمه الله يختص بالرد السدس الزائد على الثلث مننصيب صاحب النصف ويبقى التساوي بينهما في الثلث
أما إذا أجيز بعض الوصايا ورد البعض فطريق تصحيحه ما ذكرناه في المذهب البسيط مع الحساب في الوصية بجزء من المال بعد إخراج نصيب أحد الأولاد
والحساب في الاستثناء على أكمل وجه فليراجعه من رغب فيه فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاءه
الباب الثالث في الرجوع عن الوصية
وهو جائز لأنه عقد تبرع ولا قبض فيه فإذا لم تلزمه الهبة قبل القبض فهذا قبل الموت والقبض أولى والرجوع بأربعة أسباب السبب الأول صريح الرجوع
كقوله نقضت وفسخت وما يضاهيه
ومن الصريح قوله هذا لورثتي أو هو ميراث عني أو حرام على الموصى له
ولو قال هو تركتي فالأصح أنه ليس برجوع لأن الوصية من التركة أيضا
السبب الثاني التصرفات المتضمنة للرجوع
كالبيع والهبة مع القبض والعتق والكتابة والتدبير فإن من ضرورة تنفيذها الرجوع عن الوصية
فرعان
أحدهما إذا أوصى لزيد ثم أوصى لعمرو بعين ذلك الشئ
لم يكن ذلك رجوعا بل احتمل التشريك فينزل عليه أخذا بالأقل واستصحابا لما سبق فهو كما لو قال أوصيت لهما على الجمع
ولو قال ما أوصيت به لزيد فقد أوصيت به لعمرو فهذا رجوع في ظاهر المذهب
ولو أوصى بأن يكاتب أو يعتق أو يباع بعد موته فهو رجوع لأنه ليس من جنس الأول حتى يحمل على التشريك ولذلك لا ينتظم الجمع بينهما في صيغة التشريك بأن يقول أوصيت به وأعتقته
الثاني إذا أوصى بثلث ماله ثم باع جميع ماله
لم يكن رجوعا لأن الثلث المطلق لا ينحصر في الأعيان والبيع يتناول العين ولذلك لو هلك جميع ما ملك حال الوصية وتجدد من بعده شئ استحقه الموصى له
السبب الثالث مقدمات الأمور المنذرة بالرجوع
كالعرض على البيع والرهن قبل القبض والقبول والهبة قبل القبض والقبول
الظاهر أنه رجوع لدلالته على قصد الرجوع
وفيه وجه أنه ما لم يتم لا يتم الرجوع
أما إذا زوج العبد الموصى به أو الأمة الموصى بها أو أحدهما أو علمهما صنعة أو ختنهما لم يكن ذلك رجوعا
فرعان
أحدهما أنه إذا وطئ وعزل لم يكن رجوعا وإن أنزل
قال ابن الحداد هو رجوع لأن التسري يناقض قصد الوصية
ولو حلف أن لا يتسرى لا يحنث إلا بالإنزال فلو وطئ وعزل لم يحنث
ومنهم من قال ما لم يحصل العلوق لا يتم الرجوع فهو كالعرض على البيع ونظائره
الثاني أوصى له بمنفعة داره سنة ثم أجرها سنة وانقضت مدة الإجارة قبل موته صرف إليه سنة
فإن مات وصارت السنة الأولى مستغرقة بالإجارة فوجهان
أحدهما أنه لا حق للموصى له لأنه أوصى له بالسنة الأولى وقد استوفاها المستأجر
والثاني أنه يسلم إليه لأن السنة الأولى لم تشترط للموصى له وإنما تعين بحكم البدار إلى التوفية فإذا منع مانع من البدار تسلم إليه بعده
السبب الرابع التصرفات المبطلة اسم الموصى به
كما لو أوصى بقطن فعزله أو بغزل فنسجه أو بحنطة فطحنها أو دقيق فعجنه أو عجين فخبزه فالكل رجوع لدلالة قصده وزوال الاسم
فروع
الأول إذا أوصى بخبز فجعله فتيتا أو بلحم فقدره أو برطب فجففه أو بثوب فقطع منه قميصا أو بخشب فاتخذ منه بابا
ففي الكل وجهان ووجه بقاء الوصية أن الاسم الأول يجوز إطلاقه بوجه ما
الثاني إذا أوصى بدار فهدمها
إن لم يبق اسم الدار فهو رجوع
وإن انهدمت ولم يبق اسم الدار فوجهان ووجه البقاء أنه لم يوجد من جهته قصد الرجوع وما يدل عليه
وقياس هذا أنه لو طحنت الحنطة وغزل القطن بغير إذنه لا تنفسخ الوصية
وحيث لا تنفسخ ففي بقاء الحق في النقص خلاف ذكرناه
الثالث لو بنى أو غرس في العرصة الموصى بها فثلاثة أوجه
أحدها أنه رجوع لأن البناء غير داخل في الوصية وهو للتخليد
والثاني لا فإنه انتفاع مجرد
والثالث أنه رجوع عن المغرس وأس الجدار حتى لو تجنى لم يرجع أيضا إلى الموصى له وليس رجوعا عما عداه
والرابع إذا أوصى بصاع حنطة وخلطه بغيره فرجع إذا تعذر به التسليم
وإن أوصى بصاع من صبرة وخلطة بمثله فليس برجوع لأن الغرض لا يختلف
وإن خلط بالأجود فرجوع لأنه حدث زيادة لم يتناولها الاستحقاق
وإن خلط بالأردأ فوجهان أحدهما أنه رجوع كالأجود
والثاني لا فإنه تعييب فينزل منزلة تعيب الموصى به
الخامس لو نقل الموصى به إلى موضع بعيد عن الموصى له ففيهوجهان
السادس لو أوصى بقطن ثم حشى به فرشه ففي كونه رجوعا وجهان
ووجه التردد في هذه المسائل لا يخفى مأخذها والله أعلم
الباب الرابع في الأوصياء والنظر في أركان الوصاية وأحكامها
النظر الأول في الأركان
وهي أربعة
الركن الأول الوصي
وله ستة شرائط الأول التكليف
فلا يصح الوصاية إلى مجنون وصبي فإنهما محتاجان إلى الوصي يفوض إليهما الثاني الحرية
فلا يفوض إلى عبد لأنها ولاية والرق ينافيها ولأنها تستدعي فراغا لاهتمام بها والعبد مشغول
والمكاتب ومن نصفه حر ونصفه رقيق في حكم القن
وقال مالك رحمه الله يفوض إلى العبد
وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا خلف أولادا كلهم صغار ففوض إلى عبد نفسه جاز
فرع
إذا أوصى إلى مستولدته أو مدبره ففيه ثلاثة أوجه منشؤها أن النظر إلى مراعاة الشرط حال العقد أو حال الموت
وفي الوجه الثالث يراعى الأحوال من العقد إلى الموت حتى لو تخلل خلل بين العقد والموت فسد أيضا
والأقيس وهو اختيار ابن سريج الصحة نظرا إلى حال الموت الشرط الثالث العدالة
فلا يفوض إلى فاسق لأنه تصرف على الطفل فيتقيد بشرط الغبطة ولا غبطة في الفساق
فرع
لو طرأ الفسق انعزل فإن عاد أمينا لم يعد وصيا
وكذا القاضي ينعزل على الأظهر ثم لا يعود قاضيا بالتوبة
والأب ينعزل ولكن يعود وليا بالتوبة فإن الأبوة قائمة
وفي رجوع ولاية القاضي والوصي بالإفاقة بعد الجنون وجهان
والإمام لا ينعزل بالفسق على الأصح للمصلحة ولكن إن أمكن الاستبدال به من غير فتنة فعله أهل الحل والعقد الرابع الإسلام
فلا يفوض إلى كافر إذ لا ولاية لكفار على مسلم
ولو أوصى كافر إلى كافر في ولده الكافر صح إن كان عدلا في دينه بناء على الأظهر في أن ولي الكافرة في النكاح كافر الخامس الكفاية والهداية للتصرف
فلا غبطة في التفويض إلى العاجز عن التصرف
فرع
لو ضعف نظره وعجز عن حفظ الحساب بعد أن كان قادرا بنصب القاضي معه من يحفظ الحساب ولا ينعزل به بخلاف الفسق فإنه يفوت أصل الغرض وبخلاف ما لو نصب الحاكم قيما فضعف نظره في الحساب فإن القاضي يعزله لأنه مولى من جهته والإبدال أصلح والوصي منصوب الأب فيحفظ ما أمكن السادس البصر
وفى تفويضها إلى الأعمى وجهان ومنشؤه التردد في أنه هل يخالف الغبطة أم لا
فرع
يجوز التفويض إلى النساء والأم أولى من ينصب قيما
وإن لم يوص إليها الأب فلا ولاية لها
وقال الإصطخري هى ولية في المال مقدمة على وصي الأب لأنها أحد الأصلين
الركن الثاني الموصي
وهو كل من له ولاية على الأطفال لو بقي حيا كالأب والجد
فلا يجوز للوصي الإيصاء لأنه لا ولاية له وإنما هو نائب خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
ولا يجوز نصب الوصي على الأولاد البالغين إذ لا ولاية عليهم
نعم لو نصب وصي لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه
ولا يجوز للأب نصب الوصي في حياة الجد فإن الجد بدل الأب شرعا فهو أولى من نائبه لفظا
وقال أبو حنيفة رحمه الله وصي الأب أولى من الجد وهو وجه لأصحابنا
فروع
الأول إذا أوصى بثلاثة وخلف جدا لأطفاله
فليس للجد التصرف في الثلث لأنه ليس وصيا ولا قيما وإنما التصرف فيه إلى القاضي يصرفه إلى مصارفه
إذا أذن للموصي في الإيصاء عند موته إلى غيره ففيه قولان أحدهما لا يجوز لأن ولايته زائلة بعد موته فلا يؤثر إذنه وليس للموصي رتبة الإيصاء
الثاني هو الأقيس الجواز لأن الشرع فوض للأطفال بعد الموت
وكذلك لو قال أنت وصي إلى أن يبلغ هذا الصبي فإذا بلغ فهو الوصي صح وهو تفويض بعد الموت
وكذلك إذا أوصى إلى رجلين وقال إن مات أحدهما انفرد الآخر جاز
أما إذا قال إن أوصيت إلى شخص فذلك الشخص وصي لي وعين شخصا فقال أذنت لك في الإيصاء إليه ففيه طريقان
منهم من قطع بالجواز كما إذا علق ببلوغ الصبي
ومنهم من خرج على القولين
الركن الثالث الموصى فيه
وهو التصرفات المالية المباحة التى يتولاها القاضي لولا الوصي
فأما بناء البيعة وكتبة التوراة وما هو معصية فلا يصح الإيصاء فيه ولا يجوز الإيصاء فيه
ولا يجوز الإيصاء في تزويج الأولاد إذ لا غبطة في أن يعقد عليهم من لا يتغير بضررهم
وقال مالك رحمه الله يجوز الإيصاء في ذلك
الركن الرابع الصيغة
وهو أن يقول أوصيت إليك وفوضت إليك أمور أولادي وما يجري مجراه
ولا بد من القبول والأظهر أنه بعد الموت أعني القبول
فروع
الأول هل يكفي قوله أوصيت إليك في أمر أطفالي أم يشترط أن يقول معه فوضت إليك التصرف في المال فيه وجهان
منهم من قال مطلق الإيصاء لا يقتضي إلا حفظ المال فلا بد من التصريح بالتصرف
ومنهم من قال العرف يغني عن التعرض له
الثاني إذا اعتقل لسانه وقرئ عليه الكتاب فأشار برأسه جاز لأنه عاجز كالأخرس
والثالث لو أوصى إليه في جنس من التصرف معين لا يتعدى إلى غيره خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
الرابع إذا أوصى إلى رجلين
إن صرح بتسليط كل واحد على الاستقلال أو بالمنع من الاستقلال فهو كما لو صرح
وإن أطلق نزل على نفي الاستقلال وأن لا يتصرف واحد دون إذن صاحبه تنزيلا على الأقل
نعم ما لا يحتاج فيه إلى الموصي كالتمكين من أخذ المغصوب والوديعة وأعيان الحقوق لا يحتاج فيه إليهما لأنه لا يحتاج أصلا إلى الوصي بل للمستحق الأخذ إذا ظفر به
ويتفرع على نصب الوصيين صور
الأولى إذا مات أحدهما
فإن كان قد أثبت لكل واحد منهما استقلالا فيكتفى بالثاني
وإن لم يثبت إلا الشركة فللقاضي أن ينصب قيما معه بدلا عن الميت فإنه ما رضي الأب إلا برأي شخصين
فلو جعل الثاني وصيا ونائبا عن الموصى وحده ففي جوازه وجهان
الثانية لو أوصى إلى زيد ثم أوصى إلى عمرو
فإن لم يقبل عمرو انفرد زيد بالتصرف
وإن قبل كان هذا تشريكا ولم يكن فسخا للأول بل ينزل منزلة الوحيدين
وإن أوصى إلى زيد ثم قال له ضممت إليك عمرا فإن قبل فهما شريكان
وإن قبل زيد دون عمرو فزيد مستقل به
وإن قبل عمرو دون زيد فلا يستقل لأن لفظ الضم لا يبنى إلا عن الشركة ورد زيد كموته فيفتقر إلى بدل عنه
الثالثة إذا اختلفا في تعيين من يصرف إليه الوصية من الفقراء والمساكين وشلا فالحاكم يتولى التعيين
ولو اختلفا في حفظ المال فيطلب موضعا مشتركا يكون محفوظا فيه عن جهتهما أو يتفقان على ثالث أو يقسم ما يقبل القسمة فينفرد كل واحد بحفظ البعض وما لا يقبل القسمة يتولى القاضي حفظه
ومن الأصحاب من قال الشافعي رحمه الله ذكر القسمة وأراد به ما إذا أثبت لكل واحد الاستقلال في الوصاية وإلا فكيف يتفرد بحفظ البعض وموجب الوصاية الاشتراك في الكل
النظر الثاني في أحكام الوصاية
وهي ستة
الأول أن يقضي الديون اللازمة في مال الصبي من أرش الجنابة والأعواض والكفارة عند القتل وينفق عليه بالمعروف
فلو تنازعا بعد البلوغ في مقدار الحاجة في النفقة فالقول قول الوصي لأنه أمين والإشهاد على النفقة متعذر في كل يوم
وكذا إذا تنازعا في كون البيع موافقا للغبطة فالقول قول الولي والوصي إذ الأصل عدم الخيانة
وإن تنازعا في دفع المال بعد البلوغ إليه فالظاهر أن القول قول الصبي إذ الأصل عدم الرد والإشهاد مأمور به عليه في كتاب الله تعالى
وكذلك إذا تنازعا في تاريخ موت الوالد إذ تكثر النفقة بطول المدة فالبينة على الوصى إذا الأصل عدم الموت وإقامة البينة على الموت ممكن
الحكم الثاني لا يزوج الوصي الأطفال وقد ذكرناه
الثالث لا يتولى الوصي طرفي العقد ولا يبيع ماله من نفسه بخلاف الأب فإنه جوز له ذلك لقوة الأبوة
نعم لو أن يوكل في التصرفات الجزئية كما للأب وليس له الإيصاء بخلاف الأب
الرابع الوصاية عقد جائز وللوصي عزل نفسه مهما شاء
قال أبو حنيفة رحمه الله ليس له عزل نفسه بعد موت الموصي
الخامس إذا لم يملك إلا عبدا وأوصى بثلث ماله فليس للوصي إلا بيع ثلث العبد
وقال أبو حنيفة رحمه الله له بيع الكل فإن التشقيص بنقص من الثلث
السادس للوصي أن يشهد على الأطفال وله أن يشهد لهم بما لا يستفيد بشهادته سلطنة واتساع تصرف حتى لو كان وصيا بالتصرف في الثلث وشهد لهم بمال لا يجوز إذ يتسع به الثلث فيتسع تصرفه
كتاب الوديعة
وهي مشتقة من قولهم ودع الشئ إذا سكن واستقر أي أنها مستقرة عند المودع
وقيل إنها مشتقة من قولهم فلان في دعة أي في خفض من العيش أي أن الوديعة في دعة غير متبلاة بالانتفاع
والنظر في أركان الوديعة وأحكامها
أما الأركان فالمودع والمودع والوديعة والصيغة
أما الوديعة
فهو كل مال تثبت عليه اليد الحافظة
أما المودع والمودع فلا يعتبر فيهما إلا ما يعتبر في الوكيل والموكل لأن الإيداع استنابة في الحفظ فلا يستدعي إلا التكليف من الجانبين
فرعان
أحدهما لو أخذ الوديعة من صبي ضمن إلا أن يخاف من الصبي الإهلاك فأخذه على قصد الحسبة
ففي ضمانه وجهان كما لو خلص طيرا من فم جارحة ليحفظه على صاحبه
الثاني لو أودع صبيا فأتلفه الصبي ففي الضمان قولان
أحدهما أنه لا يجب لأنه مسلط عليه فصار كما لو استقرض أو ابتاع فأتلف
والثاني أنه يجب لأنه متسلط على الحفظ لا على الإتلاف
وأما البائع والمقرض فقد سلطا على الإتلاف وشرطا عليه عوضا فقد الشرط وبقي التسليط
وهذا الخلاف جار في تعلق الضمان برقبة العبد إذا تلف بعد أن أودع ولا خلاف في تعلق الضمان بذمته فأما الصيغة
فهي أن يقول احفظ هذا المال أو استودعتك أو ما يفيد معناه
وفي اشتراط القبول لفظا ما ذكرناه في الوكالة وهاهنا أولى بأن يشترط لأنها أبعد عن مشابهة العقود
فإذا لم يشترط القبول لفظا فإذا أخذ الوديعة أو وضع بين يديه فرفعه كان ذلك قبولا
ولو قام من المجلس ولم يأخذ كان ذلك ردا للوديعة
ولو قام المالك أولا وخلى بينه وبين المودع لم تنعقد الوديعة فإن التخلية قد تقوم مقام القبض ولكن إذا استحق القبض
فإن قيل الوديعة عقد أو إذن مجرد
قلنا قد ذكر القاضي حسين فيه خلافا وبنى عليه التردد في أن المودع إذا عزل نفسه هل ينفسخ العقد وذكر فيه وجهين
أحدهما نعم لأنه عقد جائز
والثاني لا لأنه تسليط مجرد فيضاهي إباحة الأكل للضيف فلا معنى للفسخ فيه
فإن قلنا انفسخ بقيت الوديعة أمانة شرعية كما لو طير الريح ثوبا وألقاه في داره حتى لو تمكن من الرد على المالك ولم يرد ضمن على أحد الوجهين
أما حكم الوديعة
فهو أنه عقد جائز من الجانبين ينفسخ بالجنون والإغماء والموت
وموجب العقد التسلط على الحفظ بالمعروف وأنه إن تلف بغير تقصيره فلا ضمان وأنه مهما طلب المالك وجب التمكين من الأخذ
فالنظر إذا في الضمان ورد العين
أما الضمان فسببه التقصر وللتقصير ثمانية أسباب
السبب الأول أن يودع عند غيره من غير عذر
فيضمن لأنه لم يرض المالك بيد غيره
ولا فرق بين أو يودع زوجته أو عبده أو أجنبيا إلا أن يسلم إلى عبده وزوجته ليوصله إلى حرزه أعني حرز المودع
وإن أودع القاضي وقبله القاضي فلا ضمان لأنه ربما يتبرم الحفظ فلا يلزمه المداومة عليه ولا شبهة في أمانة القاضي
وإن أبي القاضي أن يأخذ هل يجوز له ذلك فيه وجهان
أحدهما لا يجوز لأنه نائب عن كل غائب فلقبض عنه
والثاني لا يلزمه لأنه التزم الحفظ فيكف به
وفي وجوب قبول المغصوب من الغاصب وجهان مرتبان وأولى بأن لا يلزم لأنه في يد الغاصب مضمون
وفي وجوب قبول الدين ممن عليه وجهان مرتبان على المغصوب وأولى بأن لا يلزم لأن الدين غير معرض للتلف في ذمته ولا يثقل عليه حفظه هذا إذا أودع غيره بغير عذر
فإن حضره سفر فليرده على المالك فإن عجز فإلى القاضي فإن عجز فإلى أمين فإذا فعل شيئا من ذلك لم يضمن
وإن عجز عن الكل فوجهان
أحدهما أنه يسافر ولا ضمان للضرورة
والثاني أنه يضمن فإنه التزم الحفظ فاليتعرض لخطر الضمان أو ليترك السفر
السبب الثاني السفر بالوديعة
وهو سبب للضمان إذا لم يكن عذرلأن المسافر وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله تعالى إلا إذا أخذه في السفر فله استدامة السفر
وقال أبو حنيفة رحمه الله يسافر به إذا كان الطريق آمنا
أما إذا كان بعذر مثل حريق أو نهب أو غارة في البلد فلا ضمان في السفر به
وإن كان العذر حاجته إلى السفر فقد ذكرنا حكمه
فرع
لو حضره الوفاة فحكمه حكم من حضره سفر فليودع الحاكم أو أمينا إن عجز عن الحاكم أو ليوص إلى وارثه وليشهد عليه صيانة عن الإنكار
فإن سكت ولم يخبر به أحدا ضمن إلا إذا مات فجأة
ولو أوصى إلى فاسق ضمن
وإن أوصى إلى عدل فلم توجد الوديعة في تركته فلا ضمان ويحمل على أنها ضاعت قبل موته
وإن قال عندي ثوب وله أثواب ضمن لأنه صيغة بالخلط
ولو لم يوص فوجد في تركته كيس مختوم مكتوب عليه أنه وديعة فلان فلا يجب تسليمه بمجرد ذلك فلعله كتبه تلبيسا أو بملك بعد الكتيبة ولم يغير المكتوب
السبب الثالث نقل الوديعة من قرية إلى قرية
فإن نقلها من قرية آهلة إلى قرية غير آهلة ضمن لأن قرية آهلة أحرز في حقه
وإن كان بالعكس وبينهما مسافة تسمى سفرا ضمن لأنه سافر به
وإن لم تكن فإن كانت قرية غير آهلة مثل الأولى أو أحرز فلا ضمان لأنه زاد خيرا
وإن كان دونه ضمن لأنه نقص الأحزار فكان كما لو سافر به
وإن نقلها من بيت في داره إلى بيت آخر وهو مثل الآخر أو فوقه لم يضمنوإن كان دونه ضمن مهما كان البيت الأول معينا من المالك
وإن قال مالك احفظ في هذا البيت ولا تنقل فنقل إلى ما هو فوقه أو مثله ضمن لمخالفته صريح الشرط إلا إذا نقل بعذر حريق أو نهب أو غارة
فروع أربعة
الأول حيث جوزنا النقل إلى مثله فانهدم البيت المنقول إليه فتلفت الوديعة ضمن لأن ذلك جوز بشرط سلامة العاقبة
وإنما لا يضمن إذا جاء التلف من ناحية أخرى
وكذا إذا قال احفظ في هذا البيت ولا تدخل عليها أحدا فأدخل إنسانا وتلف لا من ناحية الداخل لم يضمن وإن تلف من جهة الداخل ضمن
وكذلك مكتري الدابة للركوب إذا ركبها في الإصطبل فماتت لم يضمن وإن انهدم عليها الإصطبل ضمن
الثاني إذا قال احفظ في هذا البيت ولا تنقل وإن وقعت ضرورة
فإن نقل بغير ضرورة ضمن من أي جهة كان التلف لأنه تصرف في ماله مع نهيه عنه
وإن وقعت ضرورة فتركها لم يضمن لأنه مأذون في التضييع ولكن الأولى أن ينقل لأن التضييع مكروه
ثم إذا نقل ففي الضمان وجهان كما في المحتسب مع الغاصب بإخراج المغصوب من يده
ووجه الضمان أنه أثبت اليد على ماله بغير إذنه فكان الاحتساب جائزا بشرط إيصاله إليه أو ركوب غرر الضمان
الثالث لو نقل من ظرف إلى ظرف كصندوق أو كيس فإن كان الظروف للمالك فتصرفه فيها بالنقل المجرد ليس بمضمن إلا إذا فض الختم أو حمل القفل
هذا ما دل عليه مطلق كلام الشافعي رضي الله عنه
وإن كان الظرف للمودع فحكمه حكم البيت في النقل إلى الأحرز أو المثل أو الأضعف
الرابع لو قال له لا تنقل فادعى أنه نقل لضرورة فإن كان سبب الضرورة مشهورا فالقول قوله إلا فالقول قول المالك فإن الأصل عدم السبب وكونه مخالفا للفظ بظاهره
السبب الرابع التقصير في دفع المهلكات
وفيه مسألتان
إحداهما إذا أودعه دابة فترك العلف والسقي ضمن إلا إذا كان مأذونا في تركه فيعصي ولا يضمن
ثم العلف لا يلزمه من ماله بل يرفع الأمر إلى القاضي حتى يستقرض على المالك فإن عجز وأنفق من ماله وأشهد ففي الرجوع خلاف
فإن قلنا إنه يرجع فقد نزلناه منزلة الحاكم فله أن يبيع جزءا من الدابة إن لم يجد طريقا إلى النفقة سواه
فرع
لو أمر غلامه بالعلف والسقي وكان عادته ذلك جاز
وإن كان عادته المباشرة بنفسه فاستناب في الوديعة غيره حتى ثبت يده عليها في السقي ضمن
وقال ابن سريج لا يضمن لأن يد خادمه وصاحبه كيده في العادة
والأظهر أنه إن أخرجه بنفسه للسقي والطريق آمن لم يضمن
قال الإصطخري يضمن لأنه أخرج الوديعة من الحرز من غير حاجة إلا إذا عجز عن السقي في المنزل
المسألة الثانية الثوب الذي يفسده الدود من الخز والصوف ولو ترك صيانتهبالنشر والتعريض للرياح ضمن
وإن كان لا ينتفي الدود إلا بأن يلبسه ويعبق به ريح الآدمي فله لبسه
السبب الخامس الانتفاع
فإذا لبس الثوب أو ركب الدابة ضمن إلا أن يلبس الثوب لدفع الدود أو ركب الدابة ليدفع الجموح عند السقي
وكذلك إذا أخذ الدراهم ليصرفها إلى حاجته ضمن بالأخذ وإن لم يصرفه إلى حاجته
وقال أبو حنيفة لا يضمن بمجرد الأخذ
ونحن نزيد على هذا فنقول لو حل ختم الكيس ضمن ما في الكيس لأنه يعد خيانة على الكيس
وهل يضمن الكيس في نفسه فيه وجهان
أما إذا حل عقدا على الكيس من نفس الكيس أو من خيط وأعاده لم يضمن لأن ذلك لا يعد خيانة
ولو أخرج الدابة ليركبها فلم يركبها ضمن
ولو نوى إخراج الدابة وأخذ الدراهم فلم يأخذ ولم يخرج لا يضمن
بخلاف الملتقط فإنه يضمن بالنية لأن سبب أمانته نيته فتغيرت الأمانة بتغير النية وهاهنا سبب الأمانة إثبات المالك يده فلا تتغير إلا بعد وأن في عين المال
وقال ابن سريج يضمن كالملتقط
ومن الأصحاب من قال لو نوى أن لا يرد على المالك ضمن بمجرد النية لأنه صار به ممسكا على نفسه
فرعان
أحدهما لو ضمن الدرهم بالأخذ فرده إلى الكيس
فإن لم يختلط فالضمان مقصود عليه وإن اختلط فوجهان
أحدهما أنه يضمن لأنه خلط بالمضمون فهو كما لو خلط درهما لنفسه به فإنه يضمن الكل
والثاني لا يضمن لأنه خلط ملكه بملكه بخلاف ما إذا خلط به ملك نفسه فإنه تعذر به تسليم ملك المالك
الثاني إذا أتلف بعض الوديعة لم يضمن الباقي إذا كان المتلف منفصلا كما لو أتلف أحد الثوبين
وإن كان متصلا كما لو قطع ذراعا من الثوب أو طرفا من الدابة فإن كان عامدا ضمن لأنه خيانة على الكل
وإن كان خطأ ضمن المفوت وفي الباقي وجهان أظهرهما أنه لا يضمن لأنه لا يعد خائنا في السهو
السبب السادس التقصير بكيفية الحفظ
وفيه ثلاث صور
الأولى إذا سلم إليه صندوقا وقال لا ترقد عليه فرقد
قال الشافعي رضي الله عنه فقد زاده خيرا فلا يضمن
وقال مالك رحمه الله يضمن لأنه أغرى اللص به
وما ذكره متجه إذا أخذ السارق من جنب الصندوق في الصحراء فإن هذا من قبيل المخالفة الجائزة بشرط سلامة العاقبة
الثانية سلم إليه دراهم وقال اربطه في كمك فأمسكها في يده
فإن أخذه غاصب فلا ضمان لأن اليد أحرز في هذه الحالة
وإن استرخى بنوم أو نسيان ضمن لأن الربط أحرز هاهنا
ولو ربط في كمه قال الشافعي رضي الله عنه إن جعل الخيط الرابط خارج الكم ضمن لأنه أغرى للطرار به وإن جعله داخل الكم لم يضمن
فقال المحققون هذا إنما يستقيم إذا ضاع من جهة الطرار فإن ضاع بالاسترسال فينبغي أن يكون الحكم بالعكس من هذا
الثالثة أودعه خاتما
قال أبو حنيفة رحمه الله إن جعله في خنصره ضمن لأنه مستعمل وفي إصبع آخر لا يضمن لأنه إحراز
وما ذكره غير بعيد عن القياس إلا إذا كان تضيق الحلقة عن غير الخنصر فالحفظ فيه محمول على قصد الإحراز
السبب السابع التضييع
وله صور
الأولى أن يلقيه في مضيعة فيضمن
ويلتحق به ما لو دل سارقا عليه أو دل من يصادر المالك عليه فإنه يضمن لأنه خالف الحفظ الملتزم بخلاف من لا يد له على المال فإنه إذا دل لم يضمن لأنه لم يلتزم الحفظ ولم يتصرف في المال
الثانية إذا ضيع بالنسيان
فقد سئل الخضري عن زوجة سلمت خلخالا إلى زوجها ليسلمه إلى صائغ فتسلم ونسي الصائغ
فقال إن لم يشهد يضمن بالتقصير في الإشهاد وإن أشهد فلا يضمن وإن مات الشهود أو نسوه
وهذا مصير إلى أن النسيان ليس بتقصير وهو غير بعيد ومن أصحابنا من قال يضمن بالنسيان فإن حق المودع التحفظ والنسيان لا يؤثر في دفع الضمان
الثالثة إذا أكرهه ظالم على التسليم فقرار الضمان على الظالم وفي توجه المطالبة على المكره وجهان جاريان في المكره على إتلاف مال الغير هذا إذا لم يقدر على دفع الظالم
فإن قدر على دفعه بإخفاء الوديعة فلم يفعل ضمن
فإن حلفه الظالم فليحلف وليكفر ولا بأس بأن يحلف كاذبا إذا كان مقصوده حفظ حق الغير وقد جوز الشرع كلمة الردة لحفظ النفس
ولو حلف بالطلاق فإن حلف طلقت زوجته لأنه قدر على الخلاص بتسليم الوديعة وإن سلم الوديعة ضمن لأنه قدر على أن لا يسلم بالحلف
وهو كما لو خير بين أن يطلق إحدى زوجتيه لا على التعيين إكراها فعين إحداهما للطلاق وقع الطلاق
السبب الثامن للضمان الجحود
وجحود الوديعة مع غير المالك ليس بمضمن إذ عادة الوديعة الإخفاء وأما مع المالك فبعد المطالبة بالرد مضمن
وإن لم يطالب ولكن قال لي عندك شئ فسكت لم يضمن وإن أنكر فوجهان
أحدهما لا لأن الجحود بعد الطلب
والثاني أنه يضمن لأنه جحود إذا وقع بعد السؤال
فرع
إذا جحد فالقول قوله مع يمينه
فإن أقام المودع بينة على الإيداع فادعى الرد أو التلف قبل الجحود نظر إلى صبغة جحوده
فإن قال ليس لك عندي شئ فقوله مقبول في الرد والتلف لأنه لا مناقضة بين كلاميه
وإن أنكر أصل الوديعة فقوله في الرد والتلف لا يقبل
فلو أقام عليه بينة ففيه وجهان
أحدهما لا يمكن لأن البينة تنبني على الدعوى ودعواه باطلة بما سبق من قوله المناقض لها
والثاني أنه يقبل لأنه كاذب في أحد قوليه لا محالة والبينة تبين أن الكذب في الأول لا في الثاني
هذا ما أردنا أن نذكره من أسباب الضمان ومهما جرى سبب الضمان فعاد أمينا وترك الخيانة لم يبرأ عن الضمان عندنا خلافا لأبي حنيفة
فلو استأنف المالك إيداعه فالظاهر أنه يزول الضمان
وفيه وجه أنه لا يزول إلا بإزالة يده كضمان يد البائع
النظر الثاني في رد العين إذا كانت باقية
وهو واجب مهما طلب المالك فإن أخر بغير عذر ضمن
وإن كان في جنح الليل وتعذر عليه الوصول إليه لم يضمن
وإن كان في جماع أو على طعام لم يعص بالتأخير في هذا القدر ولكنه جائز بشرط سلامة العاقبة فإن تلف بهذا التأخير ضمن
وإن عين وكيلا ليرد عليه لزمه الرد مهما طالبه
فإن تمكن ولم يطالبه الوكيل ففي الضمان كنظيره في الثوب إذا طيره الريح في داره
وحقيقة الوجهين أن الأمانة الشرعية تتمادى إلى التمكن من الرد أو إلى المطالبة بالرد وبعد أن أمره بالرد على الوكيل فقد عزله وصارت أمانة شرعية
فرعان
أحدهما لو طالبه بالرد فادعى التلف فالقول قوله مع يمينه إلا أن يدعى التلف بحريق أو نهب أو غارة فإنه لا يصدق ما لم يستفض أو لم تقم عليه البينة لأنإقامة البنية عليه سهل
ولو أطلق دعوى التلف وطالبه المالك بتفصيل السبب فلا يلزمه البيان وليس عليه إلا يمين على التلف
فأما إذا ادعى الرد نظر فإن ادعى الرد على من ائتمنه فالقول قوله مع يمينه فإنه اعترف بأمانته فلزمه قبول يمينه
وإن ادعى الرد على غير من ائتمنه كما إذا ادعى الرد على وارث المالك بعد أن مات المالك أو ادعى وارث المودع الرد على المالك أو ادعى المتلقط أو من طير الريح ثوبا في داره ردا على المالك فهؤلاء لا يصدقون إلا ببينة
وكذلك إذا ادعى الرد على وكيل المالك وأنكر الوكيل فالقول قول الوكيل ولا يجب على المالك تصديق الموجع لأن الخصومة أولا مع الوكيل
وقال أبو حنيفة رحمه الله يلزمه تصديقه لأن وكيله بمنزلته
وإن اعترف بالتسليم ولكن نسب المودع إلى التقصير بترك الإشهاد أو أنكر وكيله فهل يتضمن بهذا التقصير فيه وجهان
أحدهما نعم كما إذا وكله بقضاء دين فلم يشهد
والثاني لا لأن الوديعة عادتها الإخفاء ولا ينفع الإشهاد مع الوكيل فإنه إن كان يستجيز الخيانة فيدعي التلف أو الرد ويكون مصدقا بيمينه بخلاف مستحقالدين فإنه لا حيلة له مع الإشهاد
والخلاف في وجوب الإشهاد جار في الوصي إذا رد المال على اليتيم بعد بلوغه
فإن قلنا يجب الإشهاد فتنازعا في جريانه فالأصل عدمه والقول قول المالك في عدمه
فإن قيل فلو أودع المودع عند إنسان آخر لإذن المالك عند سفره فهل يصدق المودع الثاني في دعوى الرد
قلنا ينظر فإن عينه المالك صدق في دعوى الرد على المالك لأنه مودع من جهته
وإن لم يعينه ولكن قال أودع أمينا فعينه المودع الأول فلا يصدق إلا في دعوى الرد على المودع الأول فأما على المالك فلا
الثاني إذا ادعى رجلان وديعة عند إنسان فقال هو لأحدكما وقد نسيت عينه
فإن اعترفا له بعدم العلم فلا خصومة لهما معه وفي الوديعة قولان
أحدهما أنه تنقل إلى يد أمين وتوقف إلى أن تفصل الخصومة بطريقها لأن هذا الأمين انعزل بمطالبتها بالرد
والثاني أنه يترك في يده فإنه أمين حاضر فلا معنى لاستئناف أمين آخر
ثم هذا المال يجعل كأنه في يدهما وقد تنازعاه أو يجعل كمال في يد ثالث تداعاه أجنبيان فيه وجهان قال القاضي حسين يجعل الشئ في يدهما لأن الحق لا يعدوهما باتفاق الجميع
وقال المحاملي لا يجعل في يدهما فإنه لم يثبت لأحدهما يد
أما إذا ادعيا العلم على المودع فيكفيه أن يحلف لهما يمينا واحدة على النفي
وقال أبو حنيفة رحمه الله يحلف لكل واحد منهما يمينا
فإذا حلفناه فإن حلف عاد الأمر كما كان في الصورة الأولى
فإن نكل حلفا يمين الرد فإذا حلفا ضمن المودع القيمة وجعلت القيمة أيضا في يدهما فيحصل كل واحد منهما على نصف الوديعة ونصف القيمة
فإن سلم العين لأحدهما دون الآخر ببينة أو يمين مردودة رد من سلم العين له نصف القيمة التى في يده إلى المودع إذ وصل إليه المبدل
وأما الآخر فلا يرد النصف الذى في يده لأنه استحقها بيمين مردودة من جهة المودع وما رجع إليه مبدله
هذا كله تفريع من الأصحاب على أن المودع لا يضمن بالنسيان وقد ذكرنا وجها في تضمينه فعلى هذا يضمن بمجرد النسيان ولا يحتاج إلى النكول واليمين والله أعلم
كتاب قسم الفيء والغنائم
وفيه بابان
الباب الأول في الفيء
وهو كل مال لكافر فاء إلى المسلمين من غير إيجاف خيل ولا ركاب
كما إذا انجلوا عنه خوفا من المسلمين من غير قتال أو بذلوه للكف عن قتالهم وهو مخمس كما سيأتي تفصيله
وكذلك ما أخذ بغير تخويف كالجزية والخراج عن أراضيهم والعشر من تجارتهم
ومال المرتد ومال من مات منهم ولا وارث له فالصحيح أن هذا أيضا يخمس لعموم قوله تبارك وتعالى { وما أفاء الله على رسوله }
الطرف الأول في الخمس
وهو مقسوم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أسهم إذ كان الفيء كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم
السهم الأول لله ولرسوله
فهو مصروف إلى مصالح المسلمين لأنه صلى الله عليه وسلم تناول من الأرض وبرة من بعير فقال
والذى نفسي بيده ما لي مما أفاء الله إلا الخمس والخمس مردود عليكم
وأراد به ما بعد الوفاة
والرد على الجملة بالصرف إلى المصالح العامة كسد الثغور وعمارة القناطر وأرزاق القضاة وغيرها
ومن الأصحاب من قال يصرف سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإمام فإنه خليفته
السهم الثاني لذوي القربى
وهم المدلون بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبني هاشم وبني المطلب دون غرهم منبني عبد شمس وبني نوفل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم على هؤلاء ومنع أولئك
وقال أبو حنيفة رحمه الله الخمس يقسم بثلاثة أسهم فأما سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسم ذوي القربى فقد سقطا بوفاته صلى الله عليه وسلم
وقال بعض العلماء يقسم بستة أسهم وسهم الله تعالى يتميز عن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصرف إلى زينة الكعبة ومصالحها
وهو باطل لقوله عليه السلام
الخمس مردود عليكم
ولو صح ذلك لكان نصيبه سدسا
وإذا ثبت أنه لذوي القربى فيشترك في استحقاقه أغنياؤهم وفقراؤهم لأن العباس كان يأخذ منه وكان من أغنيائهم ويشترك فيه الصغير والكبير والنساء والرجال والحاضر في ذلك الإقليم والغائب تعلقا بعموم القرابة ويفضلالذكر على الأنثى لأنه مستحق بالقرابة فيشبه الميراث هذا نص الشافعي رضي الله عنه
وقال المزني يسوى كالوصية للأقارب وهو القياس
فرع
قال العراقيون أولاد البنات لا يستحقون فإنه لا نسب من جهة الأمهات وهذا مستحق بالنسب
وذكر القاضي حسين أن من يدلي بجهتين يفضل على من يدلي بجهة واحدة كما يقدم الأخ من الأب والأم على الأخ للأب
وهذا يدل على أن الإدلاء بالأم له أثر في الاستحقاق عند الاجتماع فلا يبعد عن القياس أن يؤثر عند الانفراد مع شمول اسم القرابة
السهم الثالث لليتامى
وهو كل طفل لم يبلغ الحلم ولا كافل له من أولاد المرتزقة وغيرهم
وقال القفال يختص بأولاد المرتزقة وهو بعيد
نعم هل يشترط كونه فقيرا فعلى وجهين
أحدهما لا كما لا يشترط في ذوي القربى لأنه زيادة شرط على الوصف المذكور
والثاني نعم لأن لفظ اليتيم ينبئ عن الحاجة إلى التعهد والغني الذى يتعهد غيره من ماله بالزكاة والنفقة يبعد فهمه عن الآية
السهم الرابع سهم المساكين
ويجوز صرفه إلى الفقير فإنه أشد حاجة منه
السهم الخامس لأبناء السبيل وسيأتي بيان الصنفين في تفريق الصدقات
فإن قيل فهل يجب التسوية بينهم
قلنا أما الأسهم الخمس فلا بد وأن تتساوى في الأصل
وأما سهم ذوي القربى فيقسم على السوية إلا بسبب الذكورة والأنوثة
وأما المستحق باليتم والمسكنة والسفر فيتفاوت بتفاوت الحاجة
الطرف الثاني في الأخماس الأربعة
وقد كان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الخمس وبعده فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنه مردود إلى المصالح كالخمس من الخمس المضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
والثاني أنه يقسم على الجهات كما يقسم الخمس فعلى هذا يقسم جملة الفيء بخمسة أقسام وعليه يدل ظاهر قوله تبارك وتعالى { ما أفاء الله على رسوله }
والثالث وهو الأظهر أنه للمرتزقة المقاتلين كأربعة أخماس الغنيمة فإنها للحاضرين في القتال إذ كان يأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الكفار كانوا يحذرون منه والآن يحذرون من جند الإسلام
وذهب بعض الشيعة إلى أنه موروث منه لأقاربه وهو باطل لقوله عليه الصلاة والسلام
نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة
وإذا ثبت أنه للمقاتلين فليراع الإمام في القسمة سبعة أمور
الأول أن يضع ديوانا يحصي فيه المرتزقة بأسمائهم وينصب لكل عشرة منهم عريفا يجمعهم في وقت العطاء ليكون أسهل عليه
الثاني أن يسوي ولا يفضل أحدا بسبق في الإسلام ولا سن نسب بل يعطي كل واحد على قدر حاجته فيزيد بزيادة الحاجة ولا يعطيه ما يقصر عن كفايته وكفاية زوجته وأولاده لأنهم كفوا المسلمين أمر الجهاد فليكفوا أمر النفقة
فلو كان لواحد أربع زوجات أنفق على الكل ويبفق على عبده وفرسه فإن لم يكن له عبد وفرس واحتاج إليه اشتراه له
ولو كان له عبيد للخدمة لا ينفق على أكثر من واحد لأنه لا حصر لهم بخلاف الزوجات
ويعطي الولد الصغير كما يعطي الكبير وكلما كبر فزادت حاجته زاد في جرايته
وكان عمر رضي الله عنه يفضل البعض على البعض وأبو بكر رضي الله عنه كان يسوي بينهم فرأى الشافعي رضي الله عنه الاقتداء بالصديق رضوان الله عليه تشبيها بالغنيمة فيسوي فيها بين الشجاع والضعيف
الثالث أن يقدم في الإعطاء الأولى بالتقديم
فيقدم قريشا ويقدم من جملتهم بني هاشم وبني عبد المطلب فيسوي بينهم لأنه عليه الصلاة والسلام شبك بين أصابعه في تمثيلهم تنبيها على التسوية
نعم إن كان فيهم مسن قدم الأسن ثم يعطي بعدهم بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد مناف ويقدم بني عبد شمس لأن عبد شمس أخوها هاشم من أبيه وأمه ونوفل أخوه من أبيه لا من أمه ثم يعطى بنو عبد العزى وبنو عبد الدار ويقدم بنو عبد العزى على بني عبد الدار لأن فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكذلك يعطى الأقرب حتى تنقضي قريش ثم يقدم الأنصار على سائر العرب
ويعطى بعد ذلك العجم
وإذا تساوت الرتب قدم بالسن أو بالسبق إلى الإسلام ولم يقدم بسبب سوى ما ذكرناه
الرابع لا يثبت ابتداء في الديوان اسم صبي ولا مجنون ولا عبد ولا ضعيف إذ لا كفاية فيهم بل يثبت اسم الأقوياء البالغين المستعدين للغزو إذا أمروا
فإن طرأ الضعف والجنون
فإن طرأ الضعف والجنون فإن كان يرجى زواله فلا يسقط الاسم وإن كان لا يرجى فيسقط اسمه وإذا مات فما كان يعطي زوجته وأولاده في حياته هل يبقى عليه بعد موته وجهان
أحدهما أنه يسقط إذا كان ذلك بطريق التبعية والآن فقد مات المتبوع وليس في أنفسهم قوة الجهاد
والثاني أنه يستصحب إذ المجاهد إذا علم أن ذريته مضيعون بعد وفاته اشتغل بالكسب في أنفسهم قوة الجهاد
فعلى هذا يعطي للزوجة إلى أن تتزوج فإذا استغنت بزوجها سقط حقها ويبقى حق الصبيان إلى البلوغ فإن بلغوا عاجزين بجنون أو ضعف أو أنوثة استمر ما كان وكأنهم لم يبلغوا
وإن صلحوا للقتال خيروا فإن اختاروا الجهاد استقلو باثبات الاسم وإن أعرضوا التحقوا بالمكتسبين انقطع حقهم
الخامس ينبغي أن تفرق أرزاقهم في أول كل سنة ولا يكرر القسمة في كل أسبوع وشهر فإن الحاجة في المال تتكرر بتكرر السنة إلا أن تقتضي المصلحة ذلك فله اتباعها
فلو مات واحد بعد أن جمع المال ومضت السنة كان نصيبه لورثته والحول فلا حق لورته
وإن كان بعد الجمع وإن مات قبل الجمع وقبل انقضاء السنة فقولان
ينظر في أحدهما إلى حصول المال وفي الثاني إلى أن النصرة لم تكمل بالسنة وهي لا تجزأ
السادس إن كان من جملة الفيء أراض فخمسها لأهل الخمس وأربعة أخماسها يكون وقفا هكذا قاله الشافعي رضي الله عنه
فمن الأصحاب من قال هو تفريع منه على أنه للمصالح والمصلحة في الوقف لتبقى الغلة على المسلمين في الدوام وعلى القول الآخر يقسم على المرتزقة كالمنقول
ومنهم من قال وإن قلنا إنها للمرتزقة فنجعلها وقفا لتكون رزقا مؤبدا عليهم بخلاف الغنيمة إذ لا مدخل للاجتهاد فيها فلذلك لا يفضل أحد على غيره لحاجة ومصلحة
فإن قلنا بالوقف فمنهم من قال أراد الشافعي رضي الله عنه الوقف الشرعي الذي يحرم به البيع والقسمة
ومنهم من قال أراد التوقف عن قسمة الرقبة وقسمة الغلة دون الوقف الشرعي
السابع إذا فضل شيء من الأخماس الأربعة عن قدر حاجتهم فيرد عليهم ويوزع وإن زاد على كفايتهم
إلا إذا فرعنا على أنه للمصالح وأنه يصرف إليهم لأنه أهم المصالح فحينئذ إن ظهرت مصلحة أهم منه لم ترد الزيادة عليهم والله أعلم
الباب الثاني في قسم الغنائم
والغنيمة كل مال تأخذه الفئة المقاتلة على سبيل القهر والغلبة من الكفار
فخمسها يقسم بخمسة أقسام كخمس الفيء وأربعة أخماسها للغانمين فيتطرق إليها النفل والرضخ والسلب ثم القسمة بعده
النظر الأول في النفل
وهو زيادة مال يشترطه أمير الجيش لمن يتعاطى فعلا مخاطرا يفضي إلى الظفر بالعدو كتقدمه طليعة أو تهجمه على قلعة أو دلالته على طريق بلد والنظر في قدره ومحله
أما محله فيجوز أن يكون من بيت مال المسلمين لأنه من المصالح فإن شرط منه فليكن قدر المال معلوما لأنه جعالة
ويجوز أن يكون مما يتوقع أخذه من مال المشركين من خمس الخمس وعند ذلك لا يشترط كونه معلوما فقد شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلث في الرجعة والربع في البدأة
وحكى القاضي عن القديم قولا أنه لا يختص بخمس الخمس والمصالح بل يعطون الثلث والربع مما أخذوا من أصل المال لا من خمس الخمس والباقي يكون غنيمة مشتركة
وعلى هذا فهل يخمس ما اختصوا به فيه قولان كما سيأتي في الرضخ
فرع
لو قال الأمير من أخذ شيئا فهو له وأراد أن يجعل كل ما أخذه نفلا
فقد قال الشافعي رضي الله عنه لو قال قائل بذلك كان ذلك مذهبا وقد قال به أبو حينفة رضي الله عنه
فقال الأصحاب هو ترديد قول
فعلى قول يجوز لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال يوم بدر من أخذ شيئا فهو له
والأصح أنه لا يجوز والحديث غير صحيح
وقد قيل إن غنائم بدر كانت له عليه الصلاة والسلام خاصة يفعل فيها ما يشاء
أما قدره فباجتهاد الإمام وليكن على قدر خطره في العمل ولذلك زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجعة لأن خطر التخلف عن العسكر في آخر القتال أعظم من خطر التقدم قبل القتال
والأظهر أن ذلك كان ثلث خمس الخمس وربع خمس الخمس
وقيل معناه إن يزاد لكل واحد مثل ثلث حصته أو مثل ربعه
النظر الثاني في الرضخ
وهو قدر من المال تقديره إلى رأي الإمام بشرط أن لا يزيد على سهم رجل من الغانمين بل ينقص كما ينقص التعزير من الحد
ومصرفه العبيد والصبيان المراهقون والنساء
والكفار الذين حضروا الواقعة فليس لهم رتبة الكمال حتى يدخلوا في القسمة
وفي المحل الذي يخرج منه ثلاثة أقوال
أحدها أنه من أصل الغنيمة تقديما على الكل كأجرة النقل والحمل
والثاني أنه من خمس الخمس كالنقل على الرأي الأصح
والثالث وهو الأقيس أنه من الأخماس الأربعة لأنه سهم من الغنيمة استحقاقه بشهود الوقعة لكنه دون سائر السهام
فرع
الكافر إذا حضر بغير إذن الإمام أو حضر بأجرة قدرها الإمام فلا شيء له من الرضخ وللأمام أن يستأجر أهل الذمة بشيء من المال
فأما العبد إذا حضر استحق الرضخ مأذونا كان من جهة السيد أو الإمام أو لم يكن قاتل أو لم يقاتل
وكذا النساء والصبيان واعتبار الإذن في حق الكافر لأنه متهم
النظر الثالث في السلب
وهو القاتل نادى الإمام أو لم يناد خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لعموم قوله عليه الصلاة والسلام
من قتل قتيلا فله سلبه
ثم النظر في أربعة أركان
الركن الأول في سبب الاستحقاق
وهو ركوب الغرر في قهر كافر مقبل على القتال بما يكفي بالكلية شره فالحد مقيد بثلاث شرائط
الأول ركوب الغرر فلو رمى من حصن أو من وراء الصف وقتل لم يستحق لأن السلب حث على الهجوم على الخطر
والثاني أنه إن قهر الكافر بالإثخان وإن لم يقتلهاستحق وإن قتله غيره لم يستحق قتل ابن مسعود أبا جهل فلم يعط سلبه إذ كان أثخنه غيره
ولو اشترك رجلان في القتل اشتركا في السلب
وقطع اليدين والرجلين جميعا إثخان وقطع اليدين دون الرجلين أو الرجلين دون اليدين فيه قولان لأنه يعدو برجله عند فقد اليد فيجمع العسكر ويقاتل بيده راكبا عند فقد الرجل
أما إذا أسر كافرا وسلمه إلى الإمام فقولان
الأصح أنه يستحق سلبه لأنه قهر تام بما يكفي شره
والثاني لا لأنه لم يقتل ولا مهد سبيل القتل بالجراحة
وعلى الصحيح لو فاداه الإمام أو استرقه ففي رقبته ومال الفداء قولان في أنه هل يكون من جملة السلب
الشرط الثالث كون القتيل مقبلا على القتال فلو قتل منهزما أو نائما أو مشغولا بالأكل لم يستحق
الركن الثاني في المستحق
وهو كل من يستحق السهم الكامل من الغانمين
ومستحق الرضخ هل يستحق السلب إذا قتل فيه وجهان
أحدهما نعم لعموم قوله عليه الصلاة والسلام
من قتل قتيلا فله سلبه
والثاني لا لأنهم كما استثنوا عن عموم آية الغنيمة يستثنون عن عموم الحديث
أما الذمي إذا قتل فلا يستحق السلب قطع به القاضي وذكر وجهين فيمن قتل امرأة كافرة أو مراهقا كافرا في أنه هل يستحق سلبه
ومنشأ التردد تعلق التحريم بالقتل
الركن الثالث في حد السلب
وهو كل ما تثبت يد القتيل عليه مما هو عدة القتال وزينة المقاتل كثيابه وسلاحه وفرسه
وما خلفه في خيمته من كراع وسلاح لا يستحقه القاتل
والصحيح أنه يستحق ما معه من الخاتم والسوار والمنطقة
وما معه من الدنانير التي استصحبها للنفقة فقولان مشهوران
أقيسهما أنه يستحق لأن جملة ما معه مطمع المقاتل
والثاني لا يستحق كالحقيبة المشدودة على فرسه وفيها أقمشة ودنانير فإنه لا يملك اتفق عليه الأصحاب
وقال القاضي لا بد من أجراء الخلاف فيه والقياس ما قاله
وأما الدابة التي معه ففيه قولان
أحدهما لا يستحق لأنه ليس مقاتلا عليها
والثاني نعم لأنه قد يعجز الواحد فيقاتل على الثاني فهو كما لو كان يقاتل راجلا وهو قابض للجام فرسه فإنه يستحق سهم الفرس
الركن الرابع في حكم السلب
وحكمه أنه يفرز من رأس المال الغنيمة لصاحبه ثم تقسم الغنيمة بعده ولا ينحصر في خمس الخمس بخلاف الرضخ والنفل على رأي
وهل يخرج الخمس من السلب
ذكر الفوراني قولين والقياس
أنه يخرج ولكن نقل عن خالد بن الوليد أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس فاتباع الحديث أولى
النظر الرابع في قسمة الغنيمة
وفيه مسائل
الأولى إذا ميز الإمام الخمس والسلب والرضخ والنفل على التفضيل الذي تقدم قسم الباقي على الغانمين بالسوية وقسم العقار كما يقسم المنقول ويعطي الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهما واحدا ولا يؤخر القسمة إلى دار السلام هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجوز القسمة في دار الحرب ولا يعطى الفارس إلا سهمين ويتخير الإمام في العقار بين الرد على الكفار أو الوقوف على المسلمين أو القسمة على الغانمين
والكل مردود عليه بالأحاديث
الثانية مستحق الغنيمة من شهد الوقعة مع تجريد القصد لنصرة المسلمين فلو لم يحضر في الابتداء ولحق بعد حيازة الغنيمة وانقضاء الحرب لميشترك في الاستحقاق
وقال أبو حنيفة رحمه الله يشترك في الاستحقاق إذا لحق في دار الحرب
وإن لحق قبل انقضاء الحرب شارك في الاستحقاق لشهود الوقعة وحصول الغناء
وإن كان بعد انقضاء الحرب وقبل حيازة الغنيمة فقولان ينظر في أحدهما إلى سبب الحيازة وهو القتال وفي الثاني إلى نفس الحيازة
أما الثاني إذا حضر في الابتداء ثم مات فإن كان بعد انقضاء القتال انتقل سهمه إلى ورثته لأنه ملك بتمام القتال
وإن كان قبل الشروع في القتال فلا حق لورثته
وإن كان في أثناء القتال نص الشافعي رضي الله عنه على أنه لا حق لورثته ولكن نص في موت الفرس في أثناء القتال أنه يستحق سهمه
فمن الأصحاب من قال قولان بالنقل والتخريج إذ لا فرق بين الفرس والفارس
ففي قول يستحق بشهوده بعض الوقعة
وفي قول لا يستحق نظرا إلى آخر الأمر فإنه محل الخطر
ومنهم من قرر النصين وقال إذا مات الفرس فالمتبوع قائم بخلاف ما إذا مات الفارس
ومهما مرض مرضا لا يرجي زواله قال العراقيون هو كالموت
وذكر الفوراني قولين ووجه القول الآخر المصلحة في حاجة المريض إلى المعالجة ونفقة الإياب بخلاف الميت وإن كان المرض مما يرجى زواله فلا يمتنع الاستحقاق لا في ابتداء القتال ولا في دوامه
أما إذا هرب عن القتال سقط سهمه إلى إذا هرب متحيزا إلى فئة أخرى أو متحرفا لقتال ومهما ادعى ذلك فالقول قوله مع يمينه
وأما المخذل للجيش والمضعف لقلوبهم ينبغي أن يخرج من الصف فإن حضر لم يستحق لا السلب ولا الغنيمة ولا الرضخ فإنه أسوأ حالا من المنهزم
المسألة الثالثة إذا وجه الإمام سرية من جملة الجيش فغنمت شيئا شارك في استحقاقها جيش الإمام إذا كانوا بالقرب مترصدين لنصرتهم
وحد القرب ما يتصور فيه الإمداد عند الحاجة
وقال القفال القرب بالاجتماع في دار الحرب وإن تباعدوا وهو بعيد
ولو بعث سريتين فما أخذ كل واحد منها مقسوم على جميع الجيش وعلى السريتين عند التقارب
وذكر القاضي وجها أن إحدى السريتين لا تشارك الأخرى ولكن الجيش يشاركهما جميعا
المسألة الرابعة الذين حضروا لا لقصد الجهاد كالأجير والتاجر والأسيرففي الأجير على سياسة الدواب وغيره ثلاثة أقوال
أحدها لا يستحق شيئا لأنه لم يخرج القصد للنصرة
والثاني يستحق لأنه قاتل فجمع بين القصدين فإن لم يقاتل فلا يستحق قطعا
والثالث أن قصده مردود فيخير بين إسقاط الأجرة وبين طلبها فإن أعرض عن الأجرة استحق السهم وإلا فلا
ومن أي وقت تسقط أجرته إذا أعرض فيه وجهان
أحدهما من وقت دخول دار الحرب
والثاني من وقت ابتداء القتال إذ هو السبب الخاص في الملك
هذا في أجير استؤجر لا لأجل الجهاد فإن استؤجر للجهاد وهو مسلم فالإجارة فاسدة إذ يجب عليه الصبر عند الوقوف في الصف
وإذا سقطت أجرته فهل يستحق السهم وجهان ووجه المنع أنه أعرضعنه طمعا في الأجرة
وإن كان كافرا واستأجره الإمام صحت الإجارة وإن استأجره أحاد الرعايا فلا
وأما التاجر إذا قاتل فقولان كما في الأجير إذ القول الثالث بإسقاط مال الإجارة غير ممكن
أما الأسير إذا كان من هذا الجيش وعاد استحق قاتل أو لم يقاتل لأنه في مقاساة أمر الكفار
وإن كان من جيش آخر وأسر من قبل فإن التحق بالصف وقاتل استحق وإلا فقولان
وإن كان كافرا وأسلم والتحق بجند الإسلام استحق السهم قاتل أو لم يقاتل لأنه قصد إعزاز الإسلام والأسير دونه فإن قصده الخلاص والأجير دون الأسير لأن قصده الإفلات وقهر الكفار بخلاف قصد الأجير
المسألة الخامسة لا يعطي سهم الفرس إلا لراكب الخيل دون راكب الفيل والناقة والبغلة لأن الكر والفر من خاصية الخيل
ثم يستوي فيه العتيق وهو الذي أبواه عربيان والبرذون وهو الذي أبواه أعجميان والمقرف وهو الذي أمه عربية وأبوه غير عربي والهجين وهو عكس ذلك
ثم لا يدخل الإمام في الصف من الخيل إلا شديدا أما الفرس الضعيف والأعجف قال الشافعي رحمه الله في الأم قد قيل يسهم له وقيل لا يسهم له
فقال الأصحاب قولان ينظر في أحدهما إلى الجيش ويعرض عن الأحوال وينظر في الثاني إلى تعذر القتال عليه
ولا شك أنه إذا أمكن القتال عليه استحق سهمه
فروع
الأول لو أحضر فرسين لم يستحق إلا لفرس واحد
قال الشافعي رحمه الله لو أعطى للثاني أعطى للثالث أي لا ضبط بعده
الثاني أن القتال إذا كان على خندق أو على حصن واستغنى عن الفرس فللفارس سهمه لأنه ربما يحتاج إليه
الثالث لو كان الفرس مستعارا أو مستأجرا فسهمه لراكبه
وإن كان مغصوبا فقولان على أن سهمه للمالك أو للغاصب يقربان من القولين في أن ما ربحه التاجر على المال المغصوب بالتجارة للغاصب أم لا
كتاب قسم الصدقات
وفيه بابان
الباب الأول في المستحقين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في بيان الأصناف الثمانية المذكورة في كتاب الله تعالى
الصنف الأول الفقير
وهو الذي لا يملك شيئا أصلا ولا يقدر على الكسب
والظاهر أنه لا يشترط الزمانة ولا التعفف عن السؤال وللشافعي رضي الله عنه قولان قديم في اشتراطهما
فروع
أحدها أن الفقير القادر على الكسب إذا لم يقدر إلا بآلة جاز أن يعطى الآلة من سهم الفقراء حتى لو لم يعرف إلا التجارة وافتقر إلى ألف درهم يجعله رأس المال يجوز أن يعطي
فكذلك من يقدر أن يكتسب كسبا لا يليق بمروءته يجوز أن يعطى
وكذا المتفقه إذا كان يتشوش عليه التفقه إن اشتغل بالكسب يعطى سهم الفقراء
والمتصرف الذي يمنعه الكسب عن استغراق الوقت بالعبادات لا يعطى سهم الفقراء لأن الكسب أولى منه قال عليه الصلاة والسلام
الكسب فريضة بعد الفريضة
وقال عمر رضي الله عنه كسب في شبهة خير من مسألة الناس
الثاني المكفي بنفقة أبيه فيه وجهان
أحدها لا يعطى سهم الفقراء لاستغنائه به
والثاني يعطى لأنه استحق النفقة لفقره فتزال بالصدقة حاجته إلى الأب
لأنه يدفع به استحقاق النفقة عن نفسه
وعلى هذا لا يجوز للأب أن يصرف إليه زكاته لأنه يدفع به استحقاق النفقة عن نفسه وله أن يصرف إليه سهم الغارمين لأن قضاء دينه غير واجب عليه
الثالث الفقيرة التى لها زوج غني
وفي صرف سهم الفقراء والمساكين إليها وجهان قريبان على المكفي بالأب وأول بالمنع لأن استحقاها النفقة ليس بالحاجة بل عوضا عن الحبس فكان كما لو استغنت باستحقاق المهر
فإن جوزهما فلا فرق بين الزوج والأجنبي إذ لا تندفع النفقة عن الزوج بزوال فقرها
الصنف الثاني المساكين
وهو كل من ملك ما يقع من كفايته موفقا ولكن لا يفي بكفايته ويدخل فيه كل من له كسب ولكن لا يفي دخله بخرجه
والقادر على كسب يفي بخرجه لم يعط
وقال مالك من ملك نصابا لم يعط بحال وإن لم يملك أعطي وإن كان كسوبا
والفقير عندنا أشد حالا من المسكين خلافا لأبي حنيفة إذ قال المسكين من لا شيء له
وقد قال الله تبارك وتعالى { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر }
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر ويقول
اللهم أحيني مسكيناوأمتني مسكينا
فتدل الآية على أن المسكين له شيء والخبر دل على أن الفقير أشد حالا
الصنف الثالث العاملون على الزكاة
وهم السعاة والحساب والكتاب والقسامون والحاشر والعريف
وأما القاضي والإمام فلا ورزقهم في خمس الخمس المرصد للمصالح العامة لأن عملهم عام
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرصد لنفسه ناقة من الفيء يفطر على لبنها فأبطأت ليلة في المرعى فحلب له من نعم الصدقة فأعجبه ذلك فسأل عنه فقيل له إنه من نعم الصدقة فأدخل أصبعه في حلقه واستقاءه وغرم قيمته من المصالح
فرعان
أحدهما في أجرة الكيال وجهان
أحدهما أنه من سهم العاملين إذ به يتم العمل وإيجابه على المالكإيجاب زيادة على العشر وهو اختيار أبي إسحاق
وقال ابن أبي هريرة على المالك لأنه للإيفاء وهو واجب عليه
الثاني إن فضل الثمن عن أجرة مثل العامل صرف إلى بقية الأصناف ولا يزاد على أجرة المثل لأنه عوض العمل
وإن نقص عن أجرة عملهم فقد قال الشافعي رضي الله عنه يتمم من بيت المال ولو قيل يتمم من بقية الأصناف فلا بأس
فمن الأصحاب من قال قولان ومنهم من قال يتخير الإمام وينظر إلى سعة الصدقات وسعة بيت المال ويتبع فيه المصلحة
الصنف الرابع المؤلفة قلوبهم
ومن ينطلق عليهم هذا الاسم ثلاثة أقسام
الأول كافر يتألف قلبه لارتقاب إسلامه وإما لاتقاء شره وإما لأنه رجل مطاع يسلم بإسلامه جماعة منهم
فهذا لا يعطى أصلا أما من الصدقات فلأنه لا صدقة لكافر وأما من المصالح فلانا لا تعطي على الإسلام شيئا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر هكذا قال عمررضي الله عنه
وقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية لهذا التأليف ولكن أعطى من خمس الخمس فكان خاص ملكه
القسم الثاني مسلم له شرف وله نظراء في الكفر يتوقع بإعطائه رغبة نظرائه في الإسلام
أعطى أبو بكر رضي الله عنه عدي بن حاتم الطائي ثلاثين بعيرا
ويلتحق به من غير صادق في الإسلام فيخشى عليه التغير فيعطى تقريرا على الإسلام
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل واحد منهما مائة من الإبل
وفي الإعطاء بهذين الشيئين لهذا القسم قولان
أحدهما لا لأن الإسلام غني عن التأليف بعد أن أعزه الله تعالى بالظهور
والثاني نعم تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا قولان
أحدهما يعطى من المصالح لأن هذه مصلحة الإسلام
والثاني من الزكوات إذا ثبت سهم المؤلفة وهؤلاء أقرب قوم إلى موجب اللفظ إذ تنزيله على الكفار غير ممكن
القسم الثالث قوم لا يأخذون شيئا من الفيء وهم بالقرب من الكفار ونيتهم غير صادقة في الجهاد وتألف قلبهم بإعطاء شيء للجهاد أهون من بعث سرية إلى تلك الجهة
ويلتحق بهؤلاء قوم لا تصدق نيتهم في أخذ الزكاة ممن يقربون منهم وتألفهم لطلب الزكوات من الأغنياء بأنفسهم حتى يستعين سعاة الإمام عن التوجه إليهم أيسر من بعث سرية السعادة
فهؤلاء يعطون بهذين الشيئين قولا واحدا ولكن في محل العطاء أربعة أوجه
أحدها أنه من المصالح إذ المصلحة عامة
والثاني من الصدقات وهو سهم المؤلفة
والثالث من سهم سبيل الله فإنه تألف على الجهاد والغزو
والرابع إن رأى الإمام أن يجمع بين سهم المؤلفة وسهم سبيل الله تعالى فعل لاجتماع المعنيين
الصنف الخامس الرقاب
ويصرف من الصدقات إلى المكاتبين الذين عجزوا عن أداء النجوم
وقال مالك رحمه الله يشتري به عبيدا ويعتقون
فروع أربعة
الأول ليس للسيد صرف زكاته إلى مكاتب نفسه لأنه عبده ما بقي عليه درهم
الثاني يعطى المكاتب قدر دينه بعد حلول النجم وهل يعطى قبله فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى الوجوب وفي الآخر إلى عدم المطالبة
الثالث إذا سلم إليه فأعتقه السيد متبرعا أو أبرأه عن النجوم أو تبرع غيره بإعطائه وبالجملة استغنى عما أخذه
فإن كان ذلك قد تلف في يده قبل العتق ولو بإتلافه فلا غرم عليه
وإن كان باقيا في يده فالظاهر أنه يسترد منه لانتفاء الحاجة وقيل فيه قولان
وإن كان قد سلم إلى السيد ثم عجزه السيد ببقية النجوم والعين قائمة في يد السيد فالظاهر أنه يسترد ومنهم من طرد القولين
الرابع الأولى أن يدفع إلى السيد لإذن المكاتب فلو سلم بغير إذنه لم يجز ولو سلم إلى المكاتب بغي إذن السيد جاز لأنه الأصل في الاستحقاق
الصنف السادس الغارمون
والديون ثلاثة
الأول دين لزمه بسبب نفسه فيقضى من الصدقات بثلاث شرائط
أن يكون الدين حالا والسبب الذي فيه الاستقراض مباحا وأن يكون هو معسرا
فإن كان موسرا فلا يعطى
وإن كان مؤجلا وله صنيعة وقف يدخل منها قدر الدين فلا يعطى وإن لم يكن فوجهان كالمكاتب
إن كان السبب معصية كثمن الخمر أو السرف في الإنفاق فإن كان مصرا لا يعطى وإن كان تائبا فوجهان ينظر في أحدهما إلى الحال وفي الثاني إلى أول الدين
الثاني ما لزمه بسبب حمالة تبرع بها تطفية لثائرة فتنة بين شخصين في قتيل أو في أمر تعظم الفتنة فيه
فإن كان معسرا يقضى دينه وكذا إن كان يساره بالضباع والعروض
وإن كان غنيا بالنقد فوجهان
أحدهما يقضى كالغني بالعقار لأن سبب قضائه كونه مصروفا إلى مصلحة
والثاني لا لأن في تكليف بيع العقار هتكا لمروءته
الدين الثالث دين لزمه بطريق الضمان عن شخص فإن كانا معسرين أغني الضامن والمضمون عنه قضي من سهم الغارمين
وإن كانا موسرين أو كان المضمون عنه موسرا فلا يقضى لأنه فائدته ترجع إلى الموسر
وإن كان الضامن موسرا والمضمون عنه معسرا فوجهان
أحدهما يقضى كما في الحمالة لأن الضمان أيضا من المروءات
والثاني لا إذ صرفه إلى المضمون عنه المعسر ممكن وفيه إسقاط للضمان
أما إذا كان المضمون عنه موسرا ولكن امتنع الرجوع بسبب فمطالبته الموسر بقضاء الدين حتى يبرأ الضامن ممكن بخلاف مسألة الحملة
و قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يقضى دين غني قط
وهو مخالف لقول صلى الله عليه وسلم
لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة غاز في سبيل اللهأو عامل أو غارم أو رجل اشتراها بماله أو رجل له جار مسكين فتصدق عليه فأهداها إليه
الصنف السابع المجاهدون في سبيل الله
وهم المطوعة من الغزاة الذين لا يأخذون من الفيء ولا اسم لهم في الديوان
يعطون هذا السهم للصرف إلى السلاح والفرس والنفقة إعانة على الغزو وإن كانوا أغنياء
فأما من له اسم في الديوان فلا يعطى من الصدقة لأن حقهم في الفيء إلا إذا قاتلوا مانعي الزكاة وكان قتالهم كالعمل على تحصيل الزكاة فلا يبعد أن يعطوا سهم العاملين
الصنف الثامن ابن السبيل
وهو الذي شخص من بلده أو اجتاز به يصرف إليه سهم وإن كان معسرا وإن كان له ببلد آخر مال أعطي قدر بلغته إليه
وهذا بشرط أن يكون السفر طاعة فإن كان معصية فلا وإن كان مباحا فيعطى
وفي طريقة العراق وجه أنه يشترط كونه طاعة
فرع
إذا منعنا نقل الصدقة فالشاخص من بلد من أبناء سبيل ذلك البلد قولا واحدا
وكذا المجتاز به على الأظهر
وفي المجتاز وجه أنه ليس من أبناء سبيل ذلك البلد
وقال أبو حنيفة المجتاز هو من أبناء سبيل ذلك البلد دون الشاخص
الفصل الثاني في موانع الصرف مع الاتصاف بهذه الصفات
وهي ستة الأول الكفر
فلا تصرف زكاة إلى كافر وإن وجد الفقر والمسكنة
الثاني أن يكون مستحقا للنفقة على من يخرج الزكاة كالابن مع الأب
الثالث أن يكون المال غائبا عن بلد الآخذ فيمتنع على رأي من جهة نقل الصدقة
الرابع أن يكون الآخذ من المرتزقة ثابت الاسم في الديوان فلا تصرف إليهم الصدقات كما لا يصرف خمس الخمس إلى أهل الصدقات لأن لكل حزب مالا مخصوصا بهم بنص الكتاب
فإن لم يكن في بيت المال شيء للمرتزقة واتسع مال الصدقات ذكر العراقيون قولين
أحدهما يصرف إليهم لتحقق صفة الاستحقاق مع عجزهم عن مالهم
والثاني لا لأن مالهم هو الفيء بنص الكتاب
فعلى هذا إن خفت الضرورة ولم يستغن الإمام عن المرتزقة وجب على أغنياء المسلمين إعانتهم من رءوس أموالهم
فإن قلنا يعطون من الصدقات فإنما يعطون من سهم سبيل الله تعالى
الخامس أن يكون من بني هاشم وبني المطلب فقد حرم عليهم أوساخ أموال الناس بما أعطوا من خمس الخمس
فأما سهم العاملين هل يجوز أن يصرف إليهم إذا عملوا وجهان وكذا في المرتزقة إذا عملوا بناء على أنه أجرة أو صدقة
وهو مركب من الشيئين إذ لا تصرف إلى كافر قطعا ولا يستعمل الكافر ولا يزاد على أجر المثل في حق المسلم فهذا يدل على اجتماع المعنيين
وهل يصرف إلى مولى ذوي القربي فيه وجهان
أحدهما نعم إذ لا نسب له
والثاني لا لأنه روي أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال
إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة وإنما مولى القوم منهم
السادس أن يكون قد أخذ سهم الصدقات بجهة واتصف بجهة أخرى كالفقير الغارم إذا أخذ سهم الفقراء وطالب سهم الغارمين ففيه طرق ثلاثة
أحدها أنه لا يجمع بل يقال له اختر أيهما شئت لأن عدد الأصناف مقصود
وعلى هذا سهم العاملين يجوز أن يجمع إلى غيره إذا غلبنا مشابه الأجرة
الثاني أن فيه قولين ينظر في أحدهما إلى اتحاد الشخص وفي الآخر إلى تعدد الصفة
الثالث أنه إن تجانس السببان مثل أن يستحق الكل لحاجته كالفقر وغرم لزمه لغرض نفسه فلا يجمع
وكذا الغازي الغارم لإصلاح ذات البين فإن كل واحد لحاجة المسلمين لا لحاجته
وإن اختلف السبب بأن استحق أحدهما لحاجته والآخر لحاجة غيره فيجمع
الفصل الثالث فيما يعرف به وجود الصفات
وهي منقسمة إلى خفية وجلية
أما الخفية كالفقر والمسكنة فلا يطالب بالبينة لتعذرها إلا إذا ادعى المسكين عيالا فيطالب لإظهاره لإمكانه
وهل يحلف الفقير إذا اتهم فيه وجهان
فإن قلنا يحلف فاستحباب أم إيجاب فوجهان
أما ما يظهر فإن كان يأخذ لغرض مرتب كالغازي وابن السبيل فيعطى بغير يمين ثم إن لم يغز ولم يسافر استرد
ومن يأخذ لغرض ناجز كالمكاتب والغارم فيطالب بالبينة لإمكانها وإقراره مع حضور مستحق الدين كالبينة
وفيه وجه أنه لا يقبل لتهمة المواطأة
وإن استفاض كونه مديونا أو مكاتبا وحصل غلبة الظن فلا بأس بترك الاستقصاء في البينة
أما المؤلف قلبه إن قال أنا شريف مطاع طولب بالبينة لإمكانها
وإن قال نيتي في الإسلام ضعيفة صدق لأن كلامه برهان كلامه
الباب الثاني في كيفية الصرف إلى المستحقين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في القدر المصروف إلى كل واحد منهم
وفيه مسائل
الأولى استيعاب الأصناف الثمانية واجب إن كانوا موجودين
وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز صرفه إلى صنف واحد
أما آحاد كل صنف فلا يجب استيعابهم إذ لا حصر لهم ثم يقتصر على أقل الدراجات وهو ثلاثة لأنه أقل الجميع فإن أمكن الاستيعاب لانحصارهم فهو أولى
ويحتمل أن يقال يجب الاستيعاب عند الإمكان
الثانية يجب التسوية بين سهام الأصناف الثمانية فلكل صنف ثمن الصدقة فإن عدم صنف وزع الكل على الباقي فلكل سبع وعلى هذا الحساب وإنما هو على المالك
فأما الساعي فيجوز له أن يصرف صدقة واحد إلى شخص واحد لأنه إذا وصلإليه فكأنه وصل إلى المستحقين
فالنظر إلى الإمام في التعيين فجميع الزكوات في يده كزكاة رجل واحد في يد نفسه
أما آحاد الصنف فلا يجب التسوية بينهم بل المتبع مقادير الحاجة فإن تساوت أحوالهم فالتسوية أولى وقيل بالوجوب
فإن صرف إلى اثنين غرم للثالث أقل ما يتمول على أقيس الوجهين لأنه يكفيه ذلك القدر لو سلمه إليه ابتداء وعلى الوجه الثاني يغرم الثلث
الثالثة يعطى الغارم والمكاتب قدر دينهما ولا يزاد ويعطى الفقير والمسكين ما بلغ به أدنى الغنى ولا يزيد وهو كفاية سنة
ويعطى المسافر ما يبلغه إلى المقصد أو إلى موضع ماله ويعطى الغازي الفرس والسلاح وإن شاء أعاره أو استأجر له أو اشترى بهذا السهم أفراسا وأرصدها لسبيل الله وفقا عليهم
ويعطيهم من النفقة ما زاد بسبب السفر وهل يعطي أصل النفقة وجهان
أحدهما لا لأنه لا ضرورة بينة وإن لم يسافر فلا يعطى ما يزيده بسفره
والثاني أنه يعطي الكل فإنه متجرد للغزو
الفصل الثاني في نقل الصدقات إلى بلدة أخرى
وفيه ثلاثة أقوال
أحدهما الجواز لعموم الآية
والثاني المنع لمذهب معاذ ولقوله عليه الصلاة والسلام أنبئهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فيدل على الحصر في البلد ولأن أعين المساكين ممدودة إلى المال وفي النقل إضرار
والثالث أنه لا يجوز النقل ولكن تبرأ ذمته كما لا يجوز التأخير في الزكاة ولكن تبرأ ذمته
ومن الأصحاب من طرد هذا الخلاف في مال الوصية والكفارات والنذور وهو بعيد لأنه لا تمتد إليه الأعين فإنها غير متكررة
فأما صدقة الفطر فحكمها حكم الزكاة في منع النقل ووجوب الاستيعاب
وقال الإصطخري يجوز صرفها إلى صنف واحد لقلته
فإن منعنا النقل ففيه مسائل
الأولى تعتبر بلدة المال ويفرق بها لا بلدة المالك
وفي صدقة الفطر وجهان والأظهر رعاية بلدة المالك لأن ذلك صدقة الرءوس وهذه صدقة الأموال
ثم لو كان المال في الحول في بلدتين فالنظر إلى وقت الوجوب والبلدي هو الحاضر في البلد وقت أخذ الصدقة وإن كان غريبا
الثانية لو امتد طول البلدة فرسخا محكمها واحد
نعم الصرف إلى الجيران أولى كما أنه إلى الأقارب أولى والقريب الذى ليس بجار أولى من الجار الأجنبي أما القرية فلا تنقل منها الصدقة إلى قرية أخرى بخلاف المحلتين
فأما أهل الخيام فإن كانوا مجتازين لا مقام لهم فصدقتهم لمن يدور معهم من الأصناف فإن لم يكن معهم فلأقرب بلدة إليهم وقت تمام الحول
وإن كانوا ساكنين مجتمعين على التقارب فيحل النقل إلى مادون مسافة القصر وفوقها إذ لا فاصل سواه
وإن كان كل حلة بعيدة عن الأخري فوجهان
أحدهما أنها كالقرى
الثاني أنها كالخيام المتواصلة فيضبط بمسافة القصر
الثالثة إن عدم بعض الأصناف في بلد
فإن عدم العامل فقد سقط سهمه للاستغناء عنه
وإن عدم غيره ووجد في مكان آخر فوجهان
أحدهما ينقل لأن استيعاب الأصناف أهم من ترك النقل
والثاني هو اختيار القاضي أنه يرد الباقين لأن من عدا أهل البلد كالمعدوم في حقه
فعلى هذا إن رددنا عليهم ففضل عن حاجتهم فالفاضل لا بد من نقله لأنه فقد مستحقه فهو كما إذا عدم كل الأصناف إذ يتعين النقل
الرابعة للمالك إيصال الصدقة بنفسه سواء كان المال ظاهرا كالنعم والزروع أو باطنا كالنقد
وللشافعي رضي الله عنه قول قديم أن زكاة الأموال الظاهرة يجب صرفها إلى الأمام
ففي الأفضل خلاف إن كان الإمام عادلا فإن كان جائزا فالأصح أن مباشرته بنفسه أولى
ولا خلاف في أن يد الإمام لو طلب وجبت الطاعة لأنه في محل الاجتهاد
وهل له المطالبة بمال النذور والكفارة فيه وجهان
الخامسة إن نصب الإمام ساعيا فليكن مسلما مكلفا حرا عدلا فقيها بأبواب الزكاة غير هاشمي ولا من المرتزقة إلا على أحد الوجهين
وليعلم الساعي في السنة شهرا يأخذ فيه صدقة الأموال فيسم الصدقات فيكتب على نعم الصدقة لله وعلى نعم الفيء صغار
وفائدته تمييز أحد المالين عن الآخر
ثم موضع وسم الغنم آذانها لكثرة الشعر على غيره وللبقر والإبل أفخاذها وليكن ميسم الغنم ألطف من ميسم البقر والإبل
الفصل الثالث في صدقة التطوع
وفيه مسائل
الأولى لا تحرم صدقة التطوع على الهاشمي والمطلبي
وهل كان يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه خلاف مأخذه أن امتناعه عن القبول كان ترفعا أو تورعا
الثانية صدقة السر أفضل قال الله تعالى { إن تبدوا الصدقات فنعما هي } الآية
وقال عليه الصلاة والسلام
صلة الرحم تزيد من العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصنائع المعروف تقي مصارع السوء
الثالثة صرفها إلى الأقارب أولى لقوله عليه الصلاة والسلام لزينبامرأة عبد الله بن مسعود
زوجك وولدك أحق من تصدقت عليه
الرابعة الإكثار منها في شهر رمضان مستحب
قال ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في شهر رمضان
الخامسة من احتاج إلى المال لعياله فلا يستحب له الصدقة لأن نفقة العيال كالدين قال عليه الصلاة والسلام
كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوته
فإن فضل عنهم فإن كان يثق بالصبر على الإضاقة فيستحب له التصدق بالجميع بعد فراغه من قوت يومه لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتصدق فوافق ذلك مالا عندي فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف مالي فقال لي ماذا أبقيت لأهلكقلت مثله فجاء أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله فقال له
ماذا أبقيت لأهلك فقال الله ورسوله فقال عليه الصلاة والسلام
بينكما ما بين كلمتيكما فقلت لا أسابقك إلى شئ أبدا
فأما من لا يصبر على الإضافة كره له التصدق بجميع المال
قال جابر بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل بمثل البيضة من الذهب أصابها من بعض المعدن فقال يا رسول الله خذها صدقة فوالله ما أصبحت أملك مالا غيرها فأعرض عنه حتى جاء من جوانبه وأعاد عليه فقال عليه الصلاة والسلام
هاتها مغضبا ورمى رميته لو أصابته لأوجعته أو عقرته ثم قال
يأتي أحدكم بماله كله ويتصدق به ثم يجلس بعد ذلك يتكفف وجوه الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى والله أعم بالصواب
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
كتاب النكاح
اعلم أن النظر في أحكام النكاح تحصره خمسة أقسام
الأول في المقدمات
والثاني في مصححات العقد من الأركان والشرائط
والثالث في موانع العقد من النسب والمصاهرة والكفر والرق وغيره
والرابع في موجبات الخيار فيه
والخامس في لواحق النكاح وتوابعه
القسم الأول في المقدمات
وهي خمسة
الأولى في بيان خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم وله اختصاص بواجبات ومحرمات ومباحات ومخففات لم تشاركه أمته فيها
أما الواجبات فكالضحى والأضحى والوتر
قال صلى الله عليه وسلم كتب علي ثلاث لم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتروكالتهجد قال الله سبحانه وتعالى { فتهجد به نافلة لك } أي زيادة لك على درجاتك وقال تعالى { وشاورهم في الأمر } فظاهره للإيجابوقيل إنه استحباب لاستمالة القلوب وترددوا في وجوب السواك عليه
وإنما اختص في أمر النكاح بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك ولعل سره فيه أن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي أعظم الآلام وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد وكذلك إلزامهن الصبر على الضر والفقر يؤذيهن
ومهما ألقي زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون بصدد التأذي والإيذاء فنزه عن ذلك منصبه العلي وقيل له { يا أيها النبي قل لأزواجك } ونزل ذلك عليه حين ضاق صدره عليه الصلاة والسلام من كثرة خصامهن واقتراحهن زينة الدنيا حتى آلى عنهن ومكث في غرفته شهرا فابتدأ صلى الله عليه وسلم بتخيير عائشة رضي الله عنها وقال إني ملق إليك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتى تؤامري أبويك وتلا الآية فقالت أفيكأؤامر أبوي اخترت الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت لا تخبر زوجاتك باختياري إياك وأرادت أن يختار سائر أزواجه الفراق فطاف على نسائه وكان يخبرهن باختيار عائشة إياه فاخترن الله ورسوله بأجمعهن
والصحيح أن واحدة لو اختارت الفراق لما بانت بنفس الاختيار لقوله تعالى { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } وأن الجواب لم يجب عليهن على الفور بدليل قوله حتى تؤامري أبويك
وهل كان يحرم طلاق من اختارته منهن فيه خلاف ودليل التحريم قوله تعالى { لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج } ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه حرم عليه الزيادة عليهن ثم نسخ ذلك وعند أبي حنيفة رحمه الله دام التحريم ولم ينسخ
وأما المحرمات فقد حرم عليه الزكاة والصدقة صيانة له ولمنصبه عنأوساخ الأموال التي تعطى على سبيل الترحم وتنبئ عن ذل الآخذ وأبدل بالفيء المأخوذ على سبيل القهر والغلبة المنبيء عن عز الآخذ وذل المأخوذ عنه وشاركه في هذا الفيء ذوو القربى وقيل إنهم لم يشاركوه في تحريم الصدقة بل في الزكاة فقط
وكان صلى الله عليه وسلم لا يأكل الثوم وقال لا آكل متكئا
فقيل إنه حرم عليه ذلك وقيل كان ذلك منه تنزها وترفعا
ونكح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فعلمتها نساؤه أن تقول عند لقائه أعوذ باللهمنك وقلن هذه كلمة تعجبه فقالت ذلك لما دخل عليه الصلاة والسلام عليها فقال لقد استعذت بمعاذ فالحقي بأهلك ففهم منه أنه حرم عليه نكاح امرأة تكره صحبته وجدير أن يكون ذلك محرما عليه لأنه نوع من الإيذاء ويشهد لذلك إيجاب التخيير
واختلفوا في أنه هل كان يحرم عليه نكاح الكتابية الحرة ونكاح الأمة وأنه لو جاز له نكاح الأمة هل كان ينعقد ولده على الرق
ونحن لا نرى الخوض في تصحيح أدلة ذلك وتزييفها لأنها أمور تخمينية إذ لا قاطعفيها وتخمين الظن فيما لا حاجة فيه إلى العمل في الحال تضييع زمان واقتحام خطر
وأما المباحات والتخفيفات فقد أبيح له الوصال في الصوم وصفيةالمغنم والاستبداد بخمس الخمسودخول مكة بغير إحرام وحرم ميراثه فقال إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة
وفي النكاح أبيح له الزيادة على أربع وفي الزيادة على التسع خلاف وكذلك في انحصار الطلاق في الثلاث خلاف وكان ينعقد نكاحه بلفظ الهيه وقالوا إذا وقع بصره على امرأة فوقعت منه موقعا وجب على الزوج تطليقها لقصة زيد ولعل السرفيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله ومن جانبه صلى الله عليه وسلم ابتلاؤه ببلية البشرية ومنعه من خائنة الأعين ومن إضمار ما يخالف الإظهار ولذلك قال تعالى { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } ولا شيء أدعى إلى غض البصر وحفظه عن لمحاته الاتفاقية من هذا التكليف
وهذا مما يورده الفقهاء في صنف التخفيف وعندي أن ذلك في حقه غاية التشديد إذ لو كلف بذلك آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات خوفا من ذلك ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها لو كان رسول الله يخفي آية لأخفى هذه الآية
واختلفوا في انعقاد نكاحه بغير ولي وشهود وفي حالة الإحرام وهل كان يجب عليه القسم أو كان يقسم تبرعا وتكرما فيه خلاف
ولا خلاف في تحريم نسائه بعد وفاته على غيره فإنهن أمهات المؤمنين ولا نقول بناتهن أخوات المؤمنين ولا إخوانهن أخوال المؤمنين بل يقتصر على ما ورد من الأمومة ويقتصر التحريم عليهن
وفي تحريم مطلقاته على غيره ثلاثة أوجه
أعدلها أنها إن كانت مدخولا بها حرم لما روي أن ألأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمان عمر رضي الله عنه فهم عمر رضي الله عنه برجم الأشعث فذكر له أنها لم تكن مدخولا بها فكف عنه
ولا شك في أن المخيرات لو اختارت واحدة منهن الفراق لحل لها النكاح إذ بذلك يتم التمكن من زينة الدنيا
وقد مات صلى الله عليه وسلم عن تسعه عائشة وحفصة وأم حبيبة وأم سلمة وميمونة وصفية والجويرة وسودة وزينب وهي امرأة زيد رضي الله عنهن
وأعتق صلى الله عليه وسلم صفية وجعل عتقها صداقها وفيه خاصية له بالاتفاق منهم من قال خاصيته أن قيمتها كانت مجهولة والصداق المجهول لا يجوز لغيره وقيل إنه وجب عليه الوفاء بالنكاح بعد الإعتاق ولا يجب على غيرها إذا أعتقت بشرط النكاح الإجابة
المقدمة الثانية في الترغيب في النكاح
وقد قال الله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم } وقال
تناكحوا تكثروا فأني أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط وقال
معاشر الشبان عليكم بالباءة فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء وقال عليهالسلام
من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه ألا فليتق الله في الثلث الباقي وقال عمر رضي الله عنه لرجل أتزوجت فقال لا فقال لن يمنع من النكاح إلا عجز أو فجور
ولما حضرت معاذا الوفاة قال زوجوني كي لا ألقى الله عزبا
وهذه الأحاديث ربما توهم أن النكاح أفضل من التخلي لعبادة الله تعالى كما ظنه أبو حنيفة رحمه الله لكن الصحيح أن من لا تتوق نفسه إلى الوقاع فالتخلي للعبادة أولى به ولذلك تفصيل وغور استقصيناه في كتاب آداب النكاح منربع العادات من كتب إحياء علوم الدين فليطلب منه
وقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم في النكاح إلى أربعة أمور
أحدها طلب الحسيبة فقال عليه السلام
تخيروا لنطفكم فلا تضعوها في غير الأكفاء وقال
إياكم وخضراء الدمن وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء كذلك فسره عليه السلام
الثاني الندب إلى البكر فإنها أحرى بالمؤالفة وقال لجابر هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك وكان تزوج ثيبا
الثالث الندب إلى الولود قال صلى الله عليه وسلم
انكحوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم وقال
لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد
الرابع الندب إلى الاجنبية قال صلى الله عليه وسلم
لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا أي نحيفا ولعل ذلك لنقصان الشهوة بسبب القرابة
الخامس الندب إلى الصالحة قال عليه السلام
عليك بذات الدين تربت يداك
المقدمة الثالثة في النظر إليها بعد الرغبة في نكاحها
وذلك مستحب لقوله صلى الله عليه وسلم
من أراد نكاح امرأة فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما وينبغي أن يقتصر على النظر إلى الوجه وذلك بعد العزم على النكاح إن ارتضاها ولا يشترط استئذانها في هذا النظر بل يكفي فيه إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافالمالك وقد رخص في هذا النظر للحاجة وإلا فالأصل تحريم النظر إلى الأجنبيات
وقد جرت العادة ها هنا بذكر ما يحل النظر إليه والكلام فيه في أربعة مواضع
الأول نظر الرجل إلى الرجل وهو مباح إلا إلى العورة وذلك ما بين السرة والركبة ويحرم اللمس كما يحرم النظر ولا يحرم نظر الإنسان إلى فرج نفسه ولكن يكره من غير حاجة
فرعان
أحدهما أنه يحرم النظر إلى المرد بالشهوة ويحل بغير شهوه عند الأمن من الفتنةوعند خوف الفتنة وجهان أحدهما التحريم لأنهم في معنى المرأة
والثاني الحل لما روي أن قوما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام حسن فأجلسه وراءه وقال
ألا أخاف على نفسي ما أصاب أخي داود ولم يأمره بالاحتجاب عن الناس بخلاف النساء
ولم يزل الصبيان بين الناس مكشوفين فالوجه الإباحة إلا في حق من أحس في نفسه بالفتنة فعند ذلك يحرم عليه بينه وبين الله تعالى إعادة النظر
الثاني أن يكره للرجلين الاضطجاع في ثوب واحد قال صلى الله عليه وسلم لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد
الموضع الثاني نظر المرأة إلى المرأة وهو مباح إلا فيما بين السرة والركبة وقيل إنه كالنظر إلى المحارم وسيأتي والصحيح أن الذمية كالمسلمة وقيل إنه لا يحل للمسلمة التكشفللذمية
الموضع الثالث نظر الرجل إلى المرأة فإن كانت منكوحة أو مملوكة حل النظر إلى جميع بدنها وفي النظر إلى فرجها فيه تردد وحمل الأصحاب النهي على أنه أراد به كراهية والكراهية في باطن الفرج أشد
وإن كانت محرما نظر إلى ما يبدو في حالة المهنة كالوجه والأطراف ولا ينظر إلى العورة وفيما بين ذلك وجهان وقيل إن الثدي قد يلتحق بالوجه لأنه قد يبدو كثيرا فأمره أخف
وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا ومنهم من جوز النظر إلى الوجه حيث تؤمن الفتنة وهذا يؤدي إلى التسوية بين النساء والمرد وهو بعيد لأن الشهوة وخوف الفتنة أمر باطن فالضبط بالأنوثة التي هي من الأسباب الظاهرة أقرب إلى المصلحة وكذلك لا يجوز للمخنثوالعنين والشيخ الهم النظر حسما للباب ونظرا إلى الفحولة الظاهرة دون الشهوة الباطنة نعم يجوز للممسوح عند الأكثرين لأن الجب سبب ظاهر في قطع غائلة الفحولة وعليه يحملقوله تعالى { غير أولي الإربة من الرجال } وكذلك الطفولة سبب ظاهر فلا يجب الاحتجاب عنهم نعم تستر العورة عن الذي ظهر فيه داعية الحكاية فإذا قارب البلوغ وظهر مبادئ الشهوة وجب الاحتجاب
وقال القفال ثبت الحل فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر وهو البلوغ
ولا يستثنى عن هذه القاعدة إلا نظر الغلام إلى سيدته فإنه مباح لقوله تعالى { أو ما ملكت أيمانهن }ولعل السبب فيه الحاجة وقد قيل بتحريم ذلك لما فيه من الخطر
ولكن ذلك يحوج إلى تعسف في تأويل الآية
ومن المستثنيات النظر إلى الإماء حتى روي أن عمر رضي الله عنه قال لجارية متقنعة أتتشبهين بالحرائر يا لكعاء ولعل السبب فيه أن الرقيقة تحتاج إلى التردد في المهمات ومنهم من قال إنها كالحرة لا ينظر إليها إلا لحاجة الشراء وهو القياس
فرعان
أحدهما ما أبين من المرأة يجوز النظر إليه إن لم يتميز بصورته عما للرجال كالقلامة وما ينتف من الشعر والجلدة المتكشطة وإن تميز كالعضو المبان والعقيصة فلا يحل النظر إليه
الثاني الصبية لا يحل النظر إلى فرجها وفي النظر إلى وجهها وجهان
أحدهما الجواز لأنها خرجت عن مظنة الشهوة بسبب ظاهر
والثاني التحريم نظرا إلى جنس الأنوثة وعلى الجملة أمرها أهون من أمر العجوز فإنها محل للوطء والشهوات لا تنضبط
الموضع الرابع نظر المرأة إلى الرجل أما نظرها إلى زوجها فكنظره إليها ونظرها إلى الأجانب فيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه كنظر الرجل إليها
والثاني أنه كنظره إلى المحارم
والثالث وهو الأصح أنها تنظر إلى ما وراء العورة وتحترز عند خوف الفتنة كما يحترز الرجل من النظر إلى الأمرد إذ لو استوى النظران لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء
هذا كله في النظر بغير حاجة فإن مست الحاجة لتحمل شهادة أو رغبة نكاح جاز النظر إلى الوجه ولا يحل النظر إلى العورة إلا لحاجة مؤكدة كمعالجة مرض شديد يخاف عليه فوت العضو أو طول الضنى ولتكن الحاجة في السوأتين آكد وهو أن تكون بحيث لا يعد التكشف لأجله هتكا للمروءة وتعذر فيه في العادة فإن ستر العورة من المروءات الواجبة
ولم يجوز الإصطخري النظر إلى الفرج لتحمل شهادة الزنا وخالف فيه الأصحاب
وما ذكره غير بعيد لأن ستر العورة وستر الفواحش كلاهما مقصودان فيختص تحمل الشهادة بما إذا وقع البصر عليه وفاقا
المقدمة الرابعة في الخطبة وآدابها
وينبغي أن يقدم النظر عليها إذ في الرد بعد الخطبة إيحاش والتصريح بخطبة المعتدة حرام والتعريض جائز في عدة الوفاة وحرام في عدة الرجعية وفي عدة البائنة وجهان
وسبب التحريم أنها مستوحشة بالطلاق فربما كذبت في انقضاء العدة مسارعة إلى مكافأة الزوج
والتعريض هو أن يقول رب راغب فيك وإذا حللت فآذنيني كما قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا تجوز الخطبة على خطبة الغير بعد الإجابة وتجوز قبل الإجابة وهل يكون السكوت كالإجابة فيه قولان وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس إذا حللت فآذنيني فلما حلت قال انكحي أسامة فقالت خطبني أبو جهم ومعاوية قال أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقة أي يداوم الضرب وقيل يدوام السفر وذلك يدل على جواز ذكر الغائب بما يكرهه إذا كان فيه مصلحة لغيره ولذلك قال عليه السلاماذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس
المقدمة الخامسة في الخطبة
ويستحب ذلك عند الخطبة وعند إنشاء العقد وسواء يخطب العاقدان أو غيرهما فهو حسن وإن قال الولي الحمد لله والصلاة على رسول الله زوجتك فلانه فقال الزوج الحمد لله والصلاة على رسول الله قبلت صح النكاح وكان أحسن وتخلل هذه الكلمة اليسيرة وهي متعلقة بغرض العقد لا يقطع الجواب عن الخطاب وفيه وجهبعيد أنه يقطع
هذا هو الكلام في قسم المقدمات جرينا فيه على ترتيب الوجود إذ البداية بالرغبة ثم بالنظر ثم بالخطبة ثم بالخطبة فنشرع في شرح العقد
القسم الثاني من الكتاب في الأركان والشرائط
وهي أربعة الصيغة والمحل والشاهد والولي
الأول الصيغة وهي الإيجاب والقبول الدالان على جزم الرضا دلالة صريحة قاطعة وفيه مسائل ستة
الأولى أن الصريح هو كلمة الإنكاح والتزويج فلا يقوم لفظ آخر مقامهما لأن النكاح يشتمل على أحكام غريبة لا يحيط بجميعها لفظ من حيث اللغة فيتعين اللفظ المحيط بها شرعا ولذلك لا نزيد أيضا في صرائح الطلاق على ما ورد في القرآن
وقال أبو حنيفة رحمه الله ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك وكل ما يفيد معنى التمليك
فرع
الصحيح أن ترجمتها بالفارسية وسائر اللغات يقوم مقامها لأنها في معناها
وقيل يقوم مقامها عند العجز فقط وقيل لا يجوز ذلك أيضا وعلى العاجز أن يستنيب القادر
الثانية لا ينعقد النكاح بالكنايات مع النية لأنها تتعلق بتفهيم الشاهد ولا مطلع له على النية ويصح بها الإبراء والفسخ والطلاق وما يستقل به الإنسان
وأما البيع وما ليفتقر إلى القبول ففيه وجهان مأخذهما أن القائل هل يكون كالشاهد حتى لا يكفي تفهيمه بقرينة الحال
فرع
إذا قال زوجتكها فينبغي أن يقول الزوج قبلت نكاحها أو قبلت هذا النكاح فلو اقتصر على قوله قبلت ففيه وجهان مأخذهما أن قوله قبلت ليس صريحا لنفسه ما لم ينضم فيه الإيجاب السابق
الثالثة نص الشافعي رضي الله عنه على أن النكاح ينعقد بالاستيجاب والإيجاب وهو قوله زوجنيها وقول الولي وزجتكها ونص في البيع على قولين وقطع الأصحاب بأن ذلك يكفي في الخلع والعتق على المال والصلح عن دم العمد لأن العوض غير مقصود فيها وإنما لا ينعقد البيع على قول لأنه قد يقول بعني على سبيل استبانة الرغبة من غير بت الرضا في الحال لأنه قد يقع بعته بخلاف النكاح ومن الأصحاب من طرد القولين في النكاح ومنهم من طرد القولين في الخلع والصلح وغير هذا وهو غريب لكنه منقاس جدا
الرابعة النكاح لا يقبل حقيقة التعليق مثل أن يقول إذا جاء رأس الشهر فقد زوجتك ولا يحتمل أيضا لفظه مثل أن يقول إن كان قد ولد لي بنت فقد زوجتكهاثم بان أنه كان قد ولدت فلا يصح النكاح بصيغة التعليق وكذلك لو قال إن انقضت عدتها فقد زوجتك وكان قد انقضت وفيه وجه أنه يصح مأخوذ من الوجهين فيما إذا قال إن كان أبي مات فقد بعت منك ماله
الخامسة نكاح الشغار باطل للنهي الوارد فيه وصورته الكاملة أن يقول زوجتك ابتني على أن نزوجني ابنتك أو أختك على أن يكون بضع كل واحد منهما صداق الأخرى ومهما انعقد لك نكاح ابنتي انعقد لي نكاح ابنتك وهذا يشتمل على ثلاثة أمور تعليق وشرط عقد واشتراك في البضع بجعله صداقا وقد قال القفال إنما يبطل العقد بالتعليق وهو المراد بالشغار مأخوذا من قولهم شغر الكلب برجله أيلا ترفع رجل ابنتي ما لم أرفع رجل ابنتك وكان ذلك من عادة العرب لأنفتها من التزويج فقال لو اقتصر على شرط التزويج في العقد وعلى إصداق البضع صح العقد لأن النكاح لا يفسد بالشرائط الفاسدة وجماهير الأصحاب عللوا بالاشتراك في البضع بجعله صداقا وقالوا يشبه ذلك ما لو نكحت الحرة عبدا على أن تكون رقبته صداقا لها فإن ذلك يبطله ومنهم من قال لو قال زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك واقتصر عليه بطل أيضا لما فيه من الخلو عن المهر
وأخذ الشغار من قولهم شغر البلد إذا خلا من الوالي وما ذكره القفال أقيس وما ذكره الجماهير إلى الخبر أقرب وأما الإبطال بمجرد اشتراط العقد والخلو عن المهر فبعيد
السادسة تأقيت النكاح باطل وهو أن يقول زوجتك شهرا وذلك هو نكاحالمتعة سمي بها لأن مقصوده مجرد التمتع
الركن الثاني المحل
وهي المنكوحة وشرطها أن تكون خلية من الموانع وهي قريب من عشرين ألا تكون منكوحة الغير أو في عدة الغير أو مرتدة أو مجوسية أو زنديقة لا تنسب إلى ملة أو كتابية دانت بدينهم بعد التبديل أو بعد المبعث وليست مع ذلك من بني إسرائيل أو تكون رقيقة والناكح حر واجد طول حرة أو غير خائف من العنت أو مملوكة للناكح بعضها أو كلها أو كانت من المحارم إما من نسب أو رضاع أو مصاهرة أو تكون خامسة بأن يكون تحته أربع أو يكون تحت الزوج أختها أو عمتها أو خالتها فيكون بالنكاح جامعا بينهما أو يكون الناكح قد طلقها ثلاثا ولم يطأها بعده زوج أخر أو يكون الناكح قد لاعن عنها أو تكون محرمة بحج أو عمرة أو تكون ثيبا صغيرة أو يتيمة أوكانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك لا يوجد في هذا الزمان فهذه مجامع الموانع وسيأتي شرحها في القسم الثالث من الكتاب
الركن الثالث الشهود
وهو شرط ولكن تساهلنا بتسميته ركنا ولا ينعقد النكاح إلا بحضور عدلين ولا ينعقد بحضور رجل وامرأتين خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وقال داود لا حاجة إلى الشهادة وقال مالك يكفي الإعلان وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلابولي وشاهدي عدل فنقول لا بد من حضور من هو أهل للشهادة فلا يكفي حضور الصبي والذمي والرقيق والأصم والفاسق وفي حضور الأعمى خلافلأنه أهل لبعض الشهادات
ولو حضر ابن الزوجين أو أبو الزوجين ففيه أربعة أوجه
أحدها الانعقاد لأنه أهل على الجملة
والثاني لا لأنه ليس أهلا في هذا النكاح
والثالث أنه إن حضر ابن الزوج وابن الزوجة لم يكتف لأنه لا يتصور الإثبات وإن حضر ابنان لأحدهما جاز لأنه يمكن الإثبات على والدها
والرابع أنهما إن كانا ابنيها صح وإن كانا ابني الزوج لم يصح لأن الحاجة إلى الإثبات عليها عند الجحود لا على الزوج فيقبل عليها قول ابنيها
وتجري هذه الزوجه في عدوي الزوجين
ولو حضر من حاله في الفسق مستور على الزوجين جميعا صح العقد على الأصح وذكر المحاملي فيه خلافا ويعضده أن مستور الحرية لا يكفي حضوره على الأظهرلكن الحرية مكشوفة في الغالب والفسق خفي وفي المنع من المستور حرج وتضييق
فإن صححنا فبان بينه عادلة فسقهما حالة العقد ففي تبين بطلان العقد قولان كالقولين في نقض القضاء المبني على قولهما
ولا التفات إلى قولهما كنا فاسقين ولو قال الزوج كنت أعرف فسقه حالة العقد وأنكرت المرأة قال الصيدلاني ينزل منزلة الطلاق حتى يتشطر المهر قبل الدخول وبعده يجب جميع المهر وتعود إليه بطلقتين إن نكحها ونص الشافعي رضي الله عنه على أن الحر إذا نكح أمة ثم قال كنت واجدا طول الحرة بانت منه بطلقة
أما تشطير المهر فمعقول لأنه فراق حصل بجهته لا بزعم المرأة وأما جعله طلاقا ولم يجر عقد فليس يتبين لي وجهه إلا أن يجعل طلاقا في حق المرأة المنكرة خاصة أو يجعل في حق الزوج طلاقا في الظاهر لجريان الشهادة على ظاهر النكاح لا بينه وبين الله تعالى
فرع تردد الشيخ أبو محمد في أن المعلن بالفسق إذا تاب في مجلس العقد هل يلتحق بالمستور وكان عادته استتابة الحاضرين ووجهه أنه يمكن أن يكون صادقا في توبته
ولا خلاف في أنه لا يشترط الإشهاد على رضاء المرأة
الركن الرابع العاقدان
وهو الزوج والولي لأن المرأة مسلوبة العبارة عند الشافعي رضي الله عنه في عقد النكاح فلا تصح عبارتها بالنيابة ولا بالوكالة ولا بالاستقلال لا في التزويج ولا في القبول ويصح إقرارها بالنكاح على الجديد لأن شرط الولي إنما ورد في الإنشاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي إلا أنها لو أقرت وكذبها الولي قال القفال لا تقبل لأنها أقرت على الولي بالتزويج ومنهم من قال تقبل لأنها مقرة على نفسها بالرق
ثم إن اعتبرنا تصديق الولي فكان غائبا سلمناها في الحال إلى الزوج بإقرارها للضرورةإذ يعسر ملازمة الولي حضرا وسفرا لكن لو رجع وكذب فالظاهر أنه يحال بينهما لزوال الضرورة
وصيغة الإقرار أن تقول زوجني الولي منه فلو أقرت بالزوجيه ولم تضف إلى الولي ففيه خلاف مبني على أن دعوى النكاح مطلقا من غير التقييد بالشرط هل تسمع
فأما إقرار الولي المجبر فنافذ إن أقر في حالة القدرة على الإجبار وأما أبو حنيفة رحمه الله فقد قضى بأنها تزوج نفسهالكن الولي يفسخ العقد إن وضعت نفسها تحت غير كفؤ وقال مالك تزوج الدنية نفسها دون الشريفة
وعندنا أن الوطء في النكاح بغير ولي يوجب المهر للشبهة ولا يوجب الحد وقال الصيرفي يجب الحد وقال بعض الأصحاب ينقض قضاء الحنفي بصحة نكاح بلا ولي لمخالفته الحديث الظاهر وتفاصيل أحكام الولاية يستوفيه بابان باب في الولي باب في المولي عليه
الباب الأول في الأولياء وفيه فصول
الفصل الأول في أسباب الولاية
وهي أربعة
الأبوة والجدودة في معناها
والعصوبة بالنسب
والولاء
والسلطنة أما الأب والجد أب الأب فلهما منصب الإجبار في حالة البكارة ولو بعد البلوغ وفي البنين في الصغر دون الكبر وقال أبو حنيفة رضي الله عنه البكر البالغة لا تجبر على النكاح والثيب الصغيرة يجوز أجبارها عنده
ونظر الشافعي رضي الله عنه إلى الثيابة والبكارة لقوله عليه السلام الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها
ومعنى إجبارها أن الأب لو زوجها من كفؤ وهي ساخطة نفذ ولو التمست التزويج من الولي وجبت الإجابة وإن كانت مجبرة كالصبي الذي يلتمس الطعام
ولو عينت كفؤا وعين الولي كفؤا فمنهم من قال يجب رعاية حقها في الأعيانوإنما حظ الولي في الكفاءة فقط ومنهم من قال تعيين الولي أولى
ومهما ثابت ولو بالزنا لم تجبر ولو انفتق جلد العذرة بوثبة أو طفرة فالأظهر أنها بكر لأن واطئها مبتكر
ولم ير أبو حنيفة للزنا أثرا في إزالة حكم البكارة
فأما العصبات من جهة النسب كالإخوة والأعمام وأولادهم فليس لهم الإجبار بحال وإنما لهم تزويج البكر والثيب بعد البلوغ برضاهها وهل لهم الاكتفاء بصمت البكر وجهان
أحدهما نعم لظاهر الحديث
والثاني لا لأن السكوت مردد ومعنى الحديث حث المجبر على مراجعتها من غير تكليف نطق
وأما الولي المعتق فولايته كولاية العصبات وأما السلطان فولي في أربعة مواضع عند عدم الولي وغيبته وعضله وإذا أراد الولي أن يزوج من نفسه وليس للسلطان ولاية الإجبار خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
وليس للوصي ولاية التزويج وإن فوض إليه الموصي إذ ليس له قرابة تدعوه إلى الشفقة والنظر ولا حظ له في الكفاءة
الفصل الثاني في ترتيب الأولياء من القرابة والولاء والسلطنه
وجهة القرابة مقدمة على الولاء والولاء مقدم على السلطنة والازدحام يفرض في النسب والولاء
أما النسب فالأب ثم الجد ولهما ولاية الإجبار ثم ترتيب باقي العصبات كترتيبهم في الميراث إلا في ثلاث مسائل
إحداها أن الابن عصبة في الميراث ولا يزوج بحكم النبوة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله نعم إن كان قاضيا أو عصبة أو ابن عم أو معتقا زوج بهذه الأسباب فالبنوة لا تمنع ولا تفيد
الثانية الجد في الميراث يقاسم الإخوة وهاهنا يقدم الجد لأنه على عمود النسبوشفقته أكمل
الثالثة أن الأخ من الأب والأم مقدم على الأخ من الأب في الميراث وكذلك في الصلاة على الجنازة وفي الولاية قولان لأن جهة الأمومة لا مدخل لها في الولاية فيجوز أن لا توجب ترجيحا واختار المزني التقديم في التزويج أيضا
ويجري القولان في العم من الأب والأم والعم من الأب وابنيهما ولا يجري في ابني عم أحدهما أخ لأم لأن أخوة الأم هاهنا لا تفيد عصوبة في الميراث وكذلك إذا كان لها ابنا ابن عم أحدهما ابنها أو ابنا معتق أحدهما منها فلا ترجيح ونص ابن الحداد على أن ابنها من المعتق مقدم على سائر البنين وهو بعيد
أما ترتيب الولاء فالمتعق أولى فإن لم يكن فعصباته فإن لم يكونوا فمعتق المعتق ثم عصباته وترتيب عصبات المعتق كترتيب عصبات النسب إلا في مسائل
إحداها إذا اجتمع جد المعتق وأخوه من الأب ففيه قولان
أحدهما أن الأخ أولى لأنه يدلي ببنوة الأب وهي أقوى من الأبوة في العصوبة
والثاني يتساويان لأن أحدهما أب الأب والآخر ابن الأب وليس الجد هاهنا أصل الزوجة حتى يقدم
الثانية ابن المعتق مقدم على أبيه لأنه العصبة دون الأب هنا لقوة البنوة
الثالثة الجد وابن الأخ إن قلنا إن الجد مع الإخوة يتساويان فهاهنا الجد يقدم وإنقلنا يقدم الأخ على الجد فهاهنا يتساويان وقيل الجد مقدم لقربه وقيل ابن الأخ لقوة البنوة
الرابعة أخ المعتق من الأب والأم وأخوه من الأب قيل لا ترجيح إذ الولاء يجري بمحض العصوبة وقيل بطرد القولين
فرعان
أحدهما المرأة إذا أعتقت فلها الولاء ولكن يزوج العتيقة من يزوج السيدة برضا العتيقة ولا يحتاج إلى رضا المعتقة لأنها لا تلي العقد على نفسها ولا غيرها وليس لها الإجبار
وفيه وجه أنه لا بد من رضاها فإن عضلت يزوجها وليها برضا السلطان ويكون السلطان نائبا عنها في الرضا الواجب عليها
وإن كان للمعتقة أب وابن فيزوجها في حياتها الأب فإن ماتت يزوج الابن لأنه العصبة الآن وقيل باستصحاب ولاية الأب وهو بعيد وقيل يزوجها ابنها في حال حياتها كما يزوجها بعد مماتها وهو بعيد
الثاني جارية أعتق نصفها يزوجها المالك وعصبتها إن قلنا إن مثل هذه الجارية تورث وإن قلنا لا تورث فيزوجها المالك والقضاي وقد قيل يزوجها المعتق والمالك
وقيل لا تزوج لعسر الأمر وهو بعيد والأحوط التزويج باتفاق الجميع
الفصل الثالث في سوالب الولاية
وهي سبعة
الأول الرق فلا ولاية للرقيق على نفسه فكيف على غيره نعم تصح عبارته في شقي عقد النكاح بالوكالة وإن لم يأذن له سيده إذ لا ضرر على سيده فيه ومنهم من منع عبارته في شق التزويج وزعم أن نائب الولي ينبغي أن يكون بصفة الولاة بخلاف نائب الزوج
الثاني كل ما يقدح في النظر كالصبي والجنون والإغماء والعتة والسفه الموجب للحجر والمرض المؤلم الملهي عن النظر لشدته فجميع ذلك يسلب الولاية وينقلها إلى الأبعد إلا في الإغماء والجنون المتقطع ففيهما ثلاثة أوجه
أحدها أنها تنتقل إلى السلطان لأن زوالها منتظر كالغيبة
والثاني أنها تنتقل إلى الأبعد لأن الغيبة لا تخل بالنظر والجنون والإغماء يخلان بالنظر
والثالث أن الإغماء ينتقل إلى القاضي والجنون إلى الأبعد
ثم المغمى عليه ينتظر مقدار مدة سفر العدوى أو سفر القصر كما في مدة الغائب وعندي أن تقدير الانتظار هاهنا بثلاثة أيام أولى
الثالث العمى وفيه وجهان
أحدهما أنه لا يلي الأعمى لاختلال نظره
والثاني يلي لأن مقاصد النكاح لا ترتبط بالبصر
الرابع الفسق وظاهر نصوص الشافعي رضي الله عنه قديما وجديدا أنه يلي وقال لا يلي السفيه قال القفال أراد به الذي لا ينظر لنفسه ويدل على ولاية الفاسق الناظر لدنياه ترك الأولين النكير على سلاطين الظلمة والفساق في التزويج ولأنه ناظر لنفسه فكذلك لولده فإنه من أهم أموره الخاصة به ولأن عود الفسق بعد البلوغ لا يعيد الحجر وفاقا وإن كان عود السفه يعيده على وجه مع أن اتصال الفسق بالبلوغ يمنعارتفاع الحجر لأنه ثبت بيقين فلا يرتفع بالشك في الرشد واتصال الفسق يوجب الشك فإذا ارتفع بيقين لم يعد أيضا بالشك بسبب الفسق والمشهور تخريج ولاية الفاسق على قولين وقيل شارب الخمر لا يلي خاصة وقيل ولاية الإجبار تسقط بالفسق دون غيره وقيل عكسه فهذه خمسة طرق
ولا خلاف في أن المستور يلي لترك الأولين النكير وتوكيل الفاسق في العقد كتوكيل العبد وفيه خلاف على قولنا لا يلي الفاسق
فأما السكران المختل العقل فلا يصح تزويجه قولا واحدا ولا وجه لبناء ذلك على أنه يسلك به مسلك الصاحي أم لا فإن هذا يتعلق بالنظر للغير
الخامس اختلاف الدين يسلب النظر فيسلب الولاية الخاصة حتى لا يزوج المسلم ابنته الكافرة وأما الكافر فيزوج ابنته الكافرة من مسلم قال الشافعي رضي الله عنه وولي الكافرة كافر لأنه ينظر لولده بخلاف الفاسق المسلم على رأي وقال الحليمي لا يزوج الكافر إذا قلنا لا يزوج الفاسق وهذا خلاف النص
ولا يقبل المسلم نكاح الكافرة من قاضي الكفار لأنه لا وقع لقضائهم وفي كلام صاحب التقريب إشارة إلى خلافه
السادس غيبة الولي وهي لا تسلب الولاية عندنا لأن النظر قائم ولكن ينوب السلطان عنه لتعذر الأمر لغيبته ولذلك لا ينعزل الوكيل بطرآن الغيبة على الموكلوينعزل بطرآن الجنون
ثم السلطان يزوج إن كان السفر فوق مسافة القصر ولا يزوج إن كان دون مسافة العدوى وهو الذي يرجع عنه المبكر إليه قبل الليل وفيما بينهما وجهان يجريان في قبول شهادة الفرع عند غيبة الأصل وفي الاستعداء عند القاضي
ثم إذا طلبت من السلطان التزويج قال الشافعي رضي الله عنه لا يزوجها ما لم يشهد عدلان أنه ليس له ولي حاضر وليست في زوجية ولا عدة فمنهم من قال ذلك واجب احتياطا للنكاح خاصة ومنهم من قال هو استحباب لأن اعتماد العقود على قول أربابها وكذلك يحلفها القاضي على أن وليها لم يزوجها في الغيبة إن رأى ذلك
ومثل هذه اليمين التي لا تتعلق بدعوى استحباب أو إيجاب فيه خلاف
السابع الإحرام والمحرم مسلوب العبارة في عقد النكاح بالوكالة والنيابة والاستقلال في شقي القبول والإيجاب وهل يمنع الرجعة فيه وجهان
وهل ينعقد النكاح بشهادة المحرم فيه خلاف للتردد في الرواية إذ ورد في بعضها لا ينكح المحرم ولا يشهد
وهل تنقطع هذه التحريمات بالتحلل الأول فيه وجهان والأظهر أنه لا تنقطع لبقاء اسم الإحرام
ثم اختلفوا في أن الولاية تنتقل إلى السلطان أو إلى الأبعد ومأخذه أنه كالغيبة أو مناف للولاية فإن قلنا إنه مناف فلو أحرم الموكل انعزل وكيله وإن قلنا لا فلا ينعزل ولكن قال الصيدلاني يصبر الوكيل إلى تحلل الموكل إذ يبعد أن يتعاطى عنه فعلا في وقت يعجز عنه هو في نفسه
الفصل الرابع في تولي طرفي العقد
أعلم أن الأب يتولى طرفي البيع في مال ولده وكذا الجد لقوة الولاية ولكثرة الحاجة في البيع وعسر مراجعة السلطان وهل يتولى الجد طرفي النكاح في حفدته فيه وجهان مبنيان على أن العلة في البيع قوة الولاية وحدها أم مع كثرة الحاجة إلى البيع فإن النكاح نادر
فإن قلنا يتولى فهل يكفيه النطق بأحد الشقين فيه وفي البيع ثلاثة أوجه
أحدها يكفي لأن رضاه بأحد الطرفين رضا بالآخر فلا معنى لجوابه نفسه
والثاني لا لأن معنى التحصيل غير معنى الإزالة فلا بد من لفظين
والثالث أنه لا يكفي في النكاح للتعبد في صيغته بخلاف البيع
وإن قلنا لا يتولى فيفوض إلى السلطان أحد الطرفين وقيل إنه يوكل لأن الجهة قوية وإنما يحتاج إلى الغير لنظم التخاطب وللتعبد
فأما الجهة التي لا تفيد الإجبار فلا تفيد تولي الطرفين للعقد فلا يزوج ابن العم من نفسه بل يزوجه من في درجته أو السلطان ولا يكفيه التوكيل فإن وكيله بمثابته وكذا المعتق والقاضي والحاكم المنصوب عن جهة القاضي يزوج منه لأن حكمه نافذ عليه وكأنه من جهة السلطان لا كالوكيل ومنهم من استثنى الإمام الأعظم وقال له تولي الطرفين لقوة الإمامة
والصحيح أن الوكيل من الجانبين في النكاح لا يتولى طرفي العقد وكذا في البيع وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز للولي والوكيل تولي طرفي النكاح دون البيع
الفصل الخامس في توكيل الولي وإذنه
أما الولي المجبر فله التوكيل قطعا وهل عليه تعيين الزوج قولان
احدهما لا لكن على الوكيل طلب الكفؤ فإن الإذن يتقيد بالغبطة
والثاني يلي لأن النظر في أعيان الأكفاء دقيق والنكاح مخطر فينبغي أن يتولاه الولي
أما المرأة إن أذنت للولي الذي لا يجبر ولم تعين ففيه قولان مرتبات وأولى بالجواز لأن الولي ذو خط فينظر بخلاف الويكل
وإن صرحت بإسقاط الكفاءة تخير الولي وهل يجب التعين مع ذلك فيه طريقان وإن قالت زوجني ممن شئت فالصحيح أنه لا يزوج إلا من كفؤ ومعناه ممن شئت من الأكفاء وليس لغير المجبر التوكيل إن منعت من ذلك وإن رضيت جاز وإن أطلقت الإذن فوجهان
أحدهما لا كالوكيل بالبيع
والثاني نعم لأنه على الجملة ذو ولاية وحظ
فرع
لو عينت زوجا ورضيت بالتوكيل فعين الولي في التوكيل ذلك جاز وإن اطلق فاتفق أن زوج الوكيل من المعين ففي الصحة وجهان ووجه الفساد صيغة التوكيل كما لو قال الولي بع مال الطفل بالغبن فباع بالفبطة فإنه لا يصح ويتصل هذا النظر في كيفية تعاطي الوكيل وليقل الولي للوكيل في القبول زوجت فلانة من فلان ولا يقل منك ويقول الوكيل قبلت لفلان فلو اقتصر على قوله قبلت ففيه وجهان لتردده بينه وبين الموكل ولو قال قبلت لنفسي لم يصح له ولا للموكل لأنه مخالف للخطاب
ولو قال زوجت منك فقال قبلت ونوى موكله لم يقع للموكل وفي البيع يقع مثله للموكل لأن معقود البيع قابل للنقل بخلاف معقود النكاح
الفصل السادس فيما يجب على الولي
فنقول أما غير المجبر فتجب عليه الإجابة إذا طلبت إن لم يكن في درجته غيره فإن كان فهو كشاهد لا يتعين وفيه خلاف فإن تعين وعضل وأحوجها إلى السلطان عصى لما فيه من الإضرار وخرق المروءة والنهي عن العضل
وأما المجبر فيجب عليه تزويج المجنونة إذا تاقت ولا يجب التزويج من الابن الصغير لأنه لا يلزمه المهر والنفقه ولا يجب تزويج البنت إلا إذا ظهرت الغبطة فيحتمل الإيجاب كما إذا طلب مال الطفل بزيادة فإنه يجب عليه البيع ويحتمل تجويز التأخير إلى بلوغها
وأما مال الطفل فلا يجب على الولي أن يكد نفسه بالتجارة والاستنماء ولكن يجبصونه عن الضياع وقدر من الاستمناء المعتاد الذي يصونه عن أن تأكله النفقة ولو طلب ماله بزيادة وجب البيع ولو بيع شيء بأقل فله أن يشتري لنفسه فإن لم يرد فليشتر لطفله وإن قبل نكاح ابنه لم يلزمه الصداق في الجديد لأنه لم يضمن وفي القديم يصير بالعقد ضامنا وهل يرجع به بعد البلوغ فيه احتمال على القديم وإن تبرم بحفظ مال الطفل فله أن يستأجر من مال الطفل من يعمل له أو يطالب السلطان بأجرة يقدرها له من مال الطفل إن لم يجد متبراعا وإن وجد متبرعا فالظاهر أنه لا يعطي الأجرة بخلاف الأم فإن إرضاعها بالأجرة أولى من إرضاع متبرعة أجنبية لما فيه من التفاوت الظاهر
الفصل السابع في الكفاءة وخصالها
واعلم أن الكفاءة حق المرأة والأولياء فلو رضوا بغير كفؤ جاز خلافا للشيعة فإنهم حرموا العلويات على غيرهم وكيف يحرمن ولم تحرم بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان وعلي وأبي العاص وأين كفؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالم قال الشافعي رضي الله عنهكيف كان علي كفؤ فاطمة وأبوه كافر وأبوها سيد البشر ولو كان يكفي النسب في الكفاءة فالناس كلهم إولاد آدم عليه السلام فلم تفاوتوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس وهي قرشيه أن تنكح أسامة وهو مولى
والصحيح أن التي لا ولي لها يزوجها السلطان من غير كفؤ برضاها إذ لا حظ للمسلمين في الكفاءة وذكر الصيدلاني خلافه
ثم الكفاءة ترجع إلى مناقبوالمعتبر منها خمس التنقي من العيوب المثتبة للخيار والحرية والنسب والصلاح في الدين والتنقي من الحرف الدنية والجمال لا يعتبر لأنه يرجع إلى ميل النفس واليسار يعتبر في أضعف الوجهين ولعل ذلك قدر البلاغ دون التساوي في المقادير ولا مبالاة بالانتساب إلى الظلمة بل إلى أرومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى العلماء لأنهم ورثة الأنبياء وإلى الصلحاء المشهورينالذين لا ينسى أمرهم بعد الموت فإنه الموجب للتفاوت
وأما صلاح الزوج فيكفي فيه التنقي من الفسق ولا تعتبر المساواة في درجة الصلاح والاشتهار
والحرف الدنية هي التي تدل على سقوط النفس وأكثرها يرجع إلى ملابسة القاذورات والرجوع في تفصيل جميع ذلك إلى العادات
وتمام هذا النظر بثلاث مسائل
إحداها أن هذه الخصال تعتبر في تزويج البنت لا في الابن إذ لا عار على الرجال في غشيان خسيسة نعم لا تزوج منه معيبة بالعيوب المثبتة للخيار ولا يتصور تزويج الرقيقة منه لأنه لا يخاف العنت وفي اعتبار الكفاءة بجانبه أيضا وجه بعيد
الثانية هذه الخصال هل تجبر بالفضائل
ينظر فإن كان الفائت نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوازيها الانتساب إلى غيره من العلماء والصلحاء وهل يوازيه الصلاح الظاهر المشهور في الخطاب الأصح أنه لا يوازيه وقيل تجبر به واعتمد فيه هم عمر رضي الله عنه بتزويج ابنته سلمان الفارسي وبأمثال ذلك
وأما العيوب فلا يجبرها غيرها وأما اليسار فيجبر بغيره والحرفة لا تعارض النسب وربما يعارضه الصلاح والمحكم في جميع ذلك العادات ونفي العار
الثالثة إذا زوجها من غير كفؤ بطل العقد على الصحيح وذكر العراقيون في تزويج السليمة من المعيب قولين وهو أجرى في سائر الخصال ثم قالوا إن قلنا ينعقد العقد فهل يثبت للولي الفسخ قولان وأجروا ذلك وإن كان عالما به لأن الحق للطفل فلا يسقط بعلمه وإن بلغت فهل يثبت لها الخيار ففيه تردد وكل ذلك بعيد ووجهه أن في النكاح مصالح خفية والأب مؤتمن غير متهم فربما يتعاطى تحصيل مصلحة خفية قد تتقاضى ترك الكفاءة إلا أنه إذا روعي ذلك فلا يتجه إثبات الخيار
الفصل الثامن في اجتماع الأولياء في درجة واحدة
وإذا اجتمعوا فكل واحد يستقل لكن الأحب تقديم الأسن والأفضل فإن تزاحموا فالعقد إلى من تعين المرأة فإن أذنت للكل أقرع بينهم فإن عقد من لم تخرج له القرعة مبادرا انعقد وإن زوج أحدهم من غير كفؤ برضاها قال الشافعي رضي الله عنه النكاح مفسوخ فقيل إن معناه أن للآخرين فسخ العقد اعتراضا وقيل معناه أنه لا ينعقد لأنه يؤدي إلى لحوق العار بالولي قبل أن يتدارك وقيل المسألة على قولين
فرع إذا أذنت لوليين ولم تعين الزوج وجوزنا ذلك فعقد كل واحد منهما مع شخص فإن اتحد الوقت تدافعا وإن لم يعلم السبق وأمكن التوافق تدافعا أيضا إذ ليس نستيقن صحة نكاح أحدهما فإن سبق أحدهما وتعين ولكن نسيناه وتعذر بيانه فالنكاح بينهما موقوف ولا نبالي بتضررها طول العمر كما لو غاب زوجها ولم تعرف حياته وكما لو انقطع دم الشابة بمرض فإن عليها انتظار سن اليائس من الضرار فيه وإن علم السبق ولكن لم يتعين السابق منهما أصلا وحصل اليأس من البيان فقولان مبنيان على القولين في جمعتين عقدتا في بلدة واحدة على هذا الوجه وهاهنا أولى بالفسخ لأن الصلاة لا تحتمل الفسخ ففي قول يتوقف كما لو تعين ثم نسي وفي قول يفسخ لدوام الضرار وإطباق الإشكال من أول الأمر إلى آخره ويشكل على هذا إذا تعين ثم نسي وقد قيل بطرد القولين فيه لكنه غريب
التفريع حيث رأينا الفسخ فقد حكى الصيدلاني عن القفال أنه ينفسخ ولا حاجة إلى إنشاء الفسخ والأصح أنه يحتاج إلى إنشاء الفسخ ثم فيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه يتعين بتعيين القاضي لأنه محل التباس
والثاني لها الإنشاء لتضررها كما في الجب والعنة فإن الزوج يقدر على الطلاق
والثالث أن للزوجين أيضا الفسخ
وإن تأخر الفسخ فنفقتها تقسم على الزوجين لأنها محبوسة بسببهما ولا مهر عليهما إذ النفقة قد تجب بعلة الحبس دون المهر وفي النفقة وجه منقدح أنه تجب لأنه ليس الحبس بتقصير منهما ولا النكاح مستيقن في حق واحد منهما
هذا كله عند الاعتراف بالإشكال فإن ادعى كل واحد منهما أنه السابق قال الصيدلاني ليس لأحد الزوجين أن يدعي على الآخر إذ ليس في يده شيء وليس أحدهما بأن يكون مدعيا أولى من أن يكون مدعى عليه
وإن ادعى على الولي وهو غير مجبر لم يجز وإن كان مجبرا فوجهان لااختصاص لهما بمحل التنازع
أحدهما أنه لا يتوجه عليه أصلا إذ لا حظ له في الملك وإنما هو عاقد كالوكيل
والثاني يتوجه لأن إقراره يقبل بخلاف الوكيل والذي لا يجبر
قال الإمام إذا لم يمكن دعوى العلم على المرأة فلا يبعد أن يدعي أحدهما على صاحبه وتجعل المرأة كمال في يد ثالث تداعاه رجلان ثم ذكر القاضي في البداية بالتحليف أنه يقرع بينهما
أما إن ادعى عليهما العلم بالسبق فلها ثلاثة أحوال
إحداها أن تقر لواحد وفرعنا على الصحيح في صحة إقرارها ثبتت زوجيته في الحال لكن هل للثاني أن يحلفها فيه قولان مبنيان على أن من أقر بشيء لزيد ثم أقر به لعمرو هل يغرم للثاني بالحيلولة فإن قلنا يغرم فهاهنا أيضا يتوقع إقرارها فيحلفها حتى تقر فتغرم أو تنكل فيستفيد الثاني باليمين المردودة تغريمها
وإن قلنا لا تغرم فلا يحلفها إذ لا فائدة له في نكولها ولا في إقرارها وفي القديم قول أنه يحلفها حتى يستفيد باليمين المردودة إن نكلت ثبوت الزوجية له وكأن إقرارها الأول لم يثبت زوجية الأول إلا بشرط الحلف للثاني فأما مع النكول فلا وهذا بعيد إذ نكولها كيف يرد إقرارها ويزاحمه
الحالة الثانية أن تنكر العلم بالسبق وتحلف على نفي العلم فيبقى التداعي بين الزوجين وذلك جائز وإن منعناه في الابتداء قبل توجيه الدعوى عليها فإن الدعوى الآن وجد متعلقا ثم لم يفد قطع الخصومة وقيل إنه لا يسمع تداعيهما كما في الابتداء ويكفيها يمين واحدة على نفي العلم إن حضر الزوجان معا وإن بادر أحدهما فهل للثاني تحليفها مرة أخرى فيه وجهان يجريان في كل شريكين يدعيان شيئا واحدا
الحالة الثالثة أن تنكر وتنكل حلف المدعي على السبق ولا يتعرض لعلمهما فإن ذلك شرط في الدعوى لترتبط بها الدعوى
هذا كله إذا ادعي عليها العلم فإن أطلق دعوى الزوجيه ففي سماع الدعوى المطلقة خلاف والله تعالى أعلم
الباب الثاني في المولي عليه وفيه فصول ثلاثة
الأول في المولي عليه بالجنون
وفيه مسائل ثلاثة
الأولى البكر المجنونة لا شك في أن الأب يزوجها لكن الثيب إن كانت كبيرة يزوجها بمجرد المصلحة من غير حاجة على الأصح وقيل لا يزوجها لأن الأب في حق الثيب كالأخ وهو لا يزوجها
وأما الثيب الصغيرة المجنونة ففيه وجهان أحدهما لا يزوجها كالعاقلة وبخلاف البالغة فإنها في مظنة الشهوة على الجملة وإن لم يشترط ظهور حاجة الشهوة في حق الأب
والصحيح أنها إذا بلغت عاقلة ثم عاد الجنون عاد ولاية البضع وإن كان في عود ولاية المال خلاف لأن تفويض البضع إلى السلطان مع حياة الأب قبيح
الثانية للأب التزويج من الابن الكبير المجنون وفي الصغير وجهان ووجه المنع أنه تكثر عليه المؤن وخرج بالجنون عن مظنة الاستصلاح وبالجملة تزويج البنتالصغيرة أولى من التزويج من الابن
ثم لا ينبغي أن يزاد في التزويج من المجنون على واحدة وظاهر المذهب أنه يزوج من الصغير العاقل أربع لأنه في مظنة الاستصلاح وفيه وجه أنه لا يزيد على واحدة أيضا
الثالثة إذا لم يكن للمجنونة أب ولا جد يزوجها السلطان أو العصبات فيه وجهان
أحدهما العصبات لأنهم على الجملة ذو حظ وشفقتهم أكمل نعم السلطان ينوب عنها في الرضا
والثاني أن السلطان يزوجها كما أنه يلي مالها نعم قال الشافعي رضي الله عنه يراجع أهل الرأي من أقاربها ويشاورهم واختلفوا في أن ذلك إيجاب أو استحباب فإن جعلناه إيجابا رجع الأمر إلى أنه لا بد من رضا الولي والسلطان ويرجع الخلاف إلى تعيين من يتعاطى العقد
ثم هل يشترط في تزويجهم حكم الأطباء بظهور حاجتها إلى الوطء وجهان
أحدهما لا يشترط بل يجوز بالاستصلاح كما يجوز للأب
والثاني نعم إذ ليس لهؤلاء رتبة الإجبار فلا يقدمون عليه إلا عن ضرورة
الفصل الثاني في المولي عليه بالسفه
فإذا بلغ الصبي سفيها لم يجبره الولي على النكاح لأنه بالغ ولا يستقل هو بالنكاح لأنه سفيه لكن ينكح بإذن الولي وعبارته صحيحة ويستقل بالطلاق لأنه لا يندرج تحت الحجر ومهما التمس النكاح بعلة الحاجة وجب الإسعاف لأنه أعرف بحاجته فإن التمس بعلة المصلحة ففي وجوب إسعافه تردد ولأنه بين الصبي والمجنون وهو أولى بالاستصلاح من المجنون وإذا وجب الإجابة فامتنع الولي فليراجع السلطان فإن لم يجد السلطان ففي صحة استقلاله تردد بخلاف ما إذا استقل بشراء الطعام في مثل هذه الصورة لأن الطعام في محل الضرورة دون الوقاع ولذلك يجب على الأب الإنفاق على الابن دون الإعفاف
ومهما استقل دون مراجعة الولي لم ينعقد النكاح فإن وطئ ففي المهر ثلاثة أوجه
أحدها لا يجب كما إذا اشترى وأتلف فإن البائع هو الذي قصر وسلط
والثاني يجب إذ تعرية الوطء عن المهر غير ممكن تعبدا
والثالث يكتفي بأقل ما يتمول لحق التعبد وحق السفيه وأما السفه في جانبها فلا يظهر له أثر
فرع ينبغي للولي أن يعين المهر والمرأة جميعا إذا أذن فإن عين المرأة دون المهر جاز وتعين مهر المثل إنه زاد سقطت الزيادة وصح العقد وإن عين المهر وزاد ثم يثبت وصح العقد بخلاف الوكيل إذا زاد لأنه عاقد لنفسه ومقصود الإذن رفع الحجر ثم الغبطة تعين مقدار المهر
أما إذا عين امرأة فنكح غيرها لم يصح لأنه حاد عن الأصل والمصلحة تتفاوت به كما أن الزيادة أيضا لا تصح وإن صح العقد دونها
أما إذا أذن مطلقا ولم يعين المرأة ففي صحة هذا الإذن وجهان لمخالفته للمصلحة غالبا فإن قلنا يصح فله أن ينكح من شاء بمهر المثل بشرط أن لا ينكح شريفة يستغرق مهرها جميع ماله فإن ذلك يخالف الغبطة والإذن المطلق ينزل على الغبطة أما المرأة فالشفة في حقها لا يؤثر في تغيير أمر الولاية
الفصل الثالث في المولي عليه بالرق
و للسيد إجبار الأمة على النكاح وهل له إجبار العبد فيه ثلاثة أقوال
أحدها نعم كالأمة
والثاني لا لأن مستمتعه غير مملوك له ولا هو أهل للنظر له
والثالث أنه يجبر نظرا إليه دون الكبير وهل للعبد إجبار السيد على التزويج منه فيه وجهان
أحدهما نعم لأن منعه يورطه في الفجور والرق لا آخر له ولا بد من التحصن
والثاني لا لأن ذلك يشوش مقاصد الرق
ولعل الأصح أن كل واحد منهما لا يجبر الاخر بل لا بد من تراضيهما وهذا خلاف جار في أنه هل يجب تزويج الأمة إذا طلبت وهو أبعد لأن لها مطمعا في الاستمتاع بالسيد
ثم تزويج المالك رقيقة حيث قلنا به طريقة الولاية أو الملك فيه وجهان
أحدهما أنه الملك إذ لا قرابة له حتى ينظر له وإن نظر فينظر لمصالح ملكه وقد لا تكون مصلحة ملكه مصلحة للرقيق في نفسه
والثاني أنه بطريق الولاية لأن مستمتع العبد لا يملكه ومستمتع الأمة وإن ملكه فليس المنقول إلى الزوج ملكه ولذلك يملك الزوج ما لا يملكه من طلاق وظهار ولا يقدر الزوج على نقل البضع من نفسه ولا هو واطئ بملك اليمين ولذلك لا يجوز له تزويجها من معيب بالعيوب الخمسة فإن فعل فلها الخيار ولا خيار للسيد إذا جهل ذلك لأنه مأخوذ من دفع ضرار الاستمتاع ولو باعها من معيب فليس لها الخيار
فإن قلنا إنه بالولاية فلا يزوج الفاسق أمته وعبده إن قلنا لا يلي الفاسق
ولا يزوج المسلم رقيقه الكافر أمة كانت أو عبدا ولا الكافر يجبر رقيقه المسلم لكن يرضى فيسقط حقه وينكح العبد انفسه
فروع ثلاثة
الأول الولي هل يزوج رقيق طفله فيه ثلاثة أوجه
أحدها نعم لأنه من مصالح المال
والثاني لا لأن مصلحة المال لا تقتضي النكاح
والثالث أنه يزوج الأمة لحظ المؤنة دون العبد
الثاني أمة المرأة يزوجها وليها برضاها وقال صاحب التلخيص يزوجها السلطان برضاها إذ وليها ليس مالكها ولا ولاء لها وهذا له وجه على قولنا إن تزويج الرقيقبالملك لا بالولاية ثم لا يجبر الولي أمة البكر البالغة وإن أجبرها فلا يكتفي بسكوتها في أمتها وإن اكتفي بذلك في نفسها
الثالث قال ابن الحداد المعتقة في المرض لا يزوجها قريبها لأنه ربما ينقص المال ويموت المريض وتعود رقيقة فمن الأصحاب من خالفه وقال ينبني التصرف على الحال كما لو وهب المريض جاز للمتهب وطؤها مع هذا الاحتمال لكن قياس ابن الحداد يقتضي المنع في هذا أيضا ويحسن هذا الاحتياط للبضع إذا كان المرض مخطرا أولا مال له سواه إذ يظهر هذا الاحتمال
القسم الثالث من الكتاب في الموانع للنكاح في الناكح والمنكوحة
وهي أربعة أجناس
الأول ما يوجب المحرمية
والثاني ما يتعلق بعدد ولا يوجب حرمة مؤبدة
والثالث الرق والملك
والرابع الكفر
الجنس الأول المحرمية
وذلك يحصل بنسب أو رضاع أو مصاهرة
المانع الأول النسب ويحرم جميع الأقارب إلا أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات وأصناف المحرمات سبعة ذكرهن الله تعالى في قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } الآية
أما الأم فهي كل أنثى انتهيت إليها بالولادة بواسطة أو غير واسطة كانت الواسطة ذكرا أو أنثى واندرجت تحته الجدات
وأما البنت فهي كل أنثى تنتهي إليك بالولادة بواسطة وغير واسطة كما سبق واندرج فيه الأحفاد
وأما الأخت فهي كل أنثى ولدها أبوك وأمك أو أحدهما وبنات الأخ وبنات الأخت كبناتك منك
والعمة كل امرأة ولدها أجدادك أو جداتك من قبل الأب ولا يحرم أولادها
والخالة كل امرأة ولدها أجدادك أو جداتك من قبل الأم
والفظ الجامع أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل بعده أصل
فرع
إذا ولدت من الزنا لم يحل لها نكاح ولدها والمخلوقة من ماء الزنا لا يحرم نكاحها على الزاني لأنها تنفصل عن الأم وهي إنسان وبعض منها وتنفصل عن الفحل وهو نطفة فعلة تحريمه النسب الشرعي وقد انتفى ولو كان بعضا حقيقيا منه لما انعقد ولد الحر رقيقا في منكوحة رقيقة كما لا تلد الحرة رقيقا من زوج رقيق
أما المنفية باللعان فهل تحرم على النافي فيه وجهان وجه التحريم أنها عرضة اللحوق بسبب الفراش إن كذب نفسه
المانع الثاني الرضاع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب فتحرم منه الأم والبنت والأخ والأخت وبناتهما والعمة والخالة
وأمك كل امرأة أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت من يرجع نسبك إليه من جهة أبيك أو أمك وكذلك كل امرأة يرجع نسب المرضعة إليها
وكل امرأة يرجع نسبها إلى هذه المرضعة من قبل أبيها أو أمها فهي أختك وكذلك كلامرأة أرضعتها أمك بلبان أبيك فهي أختك من الأب والأم وإن أرضعتها أمك بلبان غير أبيك فهي أختك من الأم وإن أرضعتها أجنيبة بلبان أبيك فهي أختك من الأب وكذلك قياس العمات وسيأتي في كتاب الرضاع شرحه
فرع لو اختلطت أخته من الرضاع بأهل بلد أو قرية لا ينحصرون في العادة فله أن ينكح من شاء كما لو غصب شاة في بلدة فلا يحرم عليه اللحم
ولو اختلطت بعشر أو عشرين أو عدد محصور على الجملة فيلزمه اجتناب الكل لأن يقين التحريم عارض يقيت الحل في عدد وقيل يجوز الهجوم وهو بعيد
المانع الثالث المصاهرة والمحرمات بالمصاهرة أربع
أم الزوجة وجداتها من الرضاع والنسب
وبنتها وحفدتها من الرضاع والنسب
وزوجة الابن والحفدة
وزوجة الأب والجد
ويحرم الجميع بمجرد النكاح إلا بنت الزوجة فلا تحرم إلا بالدخول قال الله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن }
والوطء الحلال بملك اليمين والوطء بالشبهة يحرم الأربع كالوطء في النكاحبخلاف الزنا فإنه لا يحرم خلافا لأبي حنيفة إذ الشبهة كالحقيقة في جلب المحرمات كالعدة والمهر والنسب وسقوط الحد لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط وينظر في ثبوت النسب والعدة إلى الاشتباه عليه وقيل في المصاهرة إنه تكفي الشبهة من أحد الجانبين وقيل لا بد من الاشتباه على الرجل لأنه قرينة النسب في كتاب الله تعالى وقيل لا بد فيه من الاشتباه عليهما جميعا
والصحيح أن مجرد الملامسة لا يقوم مقام الوطء في تحريم المصاهرة كانت بالشبهة أو في النكاح وفيه قول آخر أنه يلتحق به وقيل يطرد ذلك القول في النظر بالشبهة أيضا
الجنس الثاني ما يتعلق بتعبد عددي ولا تتأبد به الحرمة
وهي ثلاث
المانع الأول نكاح الأخت في عدة الأخت
قال الله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف } فقيل أراد ما سلف قبل التحريم فلا يرد وقيل ما سلف في الجاهلية
ثم ألحق به رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع المحارم فقال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها والضابط أن كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع لو كان أحدهما ذكرا والأخرى أنثى حرم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما
واحترزنا بالقرابة والرضاع عن الجمع بين المرأة وأم زوجها أو ابنة زوجها فإن ذلك جائز وإن كان النكاح يحرم بينهما لو كان أحدهما ذكرا
ثم ألحق الفقهاء ملك اليمين بالنكاح حتى قالوا لو اشترى أمة ووطئها حرمت عليه أختها وخالتها وعمتها فإن ملك الجميع فما لم يحرم الموطوءة على نفسه ببيع أو عتق أو تزويج أو كتابة فلا يحل له وطء الباقيات ولا تقوم العوارض المحرمة مقام البيع كالحيض والعدة بالشبهة والردة والإحرام وفي الرهن والبيع بشرط الخيار خلاف وتحل الأخت بالطلاق البائن ولا تحل بالطلاق الرجعي وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تحل أيضا بالبائن وكذا الخلاف في نكاح الخامسة
فرع لو وطئ أمة ثم نكح أختها الحرة صح النكاح وحرمت الأمة وليس كما لونكحها ثم نكح عليها أختها فإن الطارئ لا يصح لأن ملك اليمين ضعيف في مقصود الوطء فلا يدفع النكاح المقصود بل يدفع به حله
ولو اشترى الرجل منكوحته صح الشراء وانفسخ النكاح لأن ملك اليمين أقوى في نفسه
المانع الثاني
الزيادة على الأربع ممتنع على الحر والثالثة في حق العبد كالخامسة في حق الحر فلا يزيد العبد على اثنتين وقال مالك ينكح العبد أربعة
فرع لو نكح خمسا في عقد فالعقد باطل فيهن ولو كان فيهن أختان بطل فيهما وفي الباقيات قولا تفريق الصفقة وكذا لو جمع بين معتدة وخلية من العدة ففي الخلية القولان
المانع الثالث استيفاء عدد الطلاق
فلا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره ويطأ في نكاح صحيح ثم يطلقها وتنقضي عدتها ولا يحصل بالوطء في ملك اليمين والمذهب أنه لا يحصل بالوطء في نكاح فاسد ويحصل بوطء الصبي ونزولها على الزوج وهو نائم وبالاستدخال خال من غير انتشار وفيه وجه بعيد ويحصل بمجرد تغييب الحشفة أو مقدار الحشفة من مقطوع الحشفة ومنهم من قال لا بد من تغييب الجميع إذا زالت الحشفة
ومن لطائف الحيل للفرار من الغيظ أن يشتري عبدا صغيرا ويزوجها منه ثم يستدخل زبيبة الصغير ولو مع حائل من ثوب ثم يبيع العبد منها حتى ينفسخ النكاح فيحصل التحليل إلا إذا قلنا لا يجوز إجبار الصغير
فإن قيل فما معنى قوله عليه السلام لعن الله المحلل والمحلل له
قلنا قيل أراد به طالب الحل من نكاح المتعة وهو المؤقت رسما وسمي محللا وإن لم يحلل له لأنه يعتقده ويطلب الحل منه وأما طالب الحل من طريقه فلا يستوجب اللعن وقيل إنما لعن مع حصول التحليل لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس هو المحلل له وإعارة النفس في الوطء لعرض الغير أيضا رذيلة فإنه إنما يطؤها ليعرضها لوطء الغير وهو قلة حمية ولذلك قال عليه السلام ذلك هو التيس المستعاروإنما يكون ذلك مستعارا إذا سبق منه التماس من المطلق ومن عرض الوطء الغير من هي منكوحته أو من كانت منكوحته أو ستكون منكوحته فهو مزموم جدا فلا يبعد أن يلعن ولا يقتضي هذا اللعن بطلان العقد لأنه سماه مع ذلك محللا إلا أنه إذا شرط الطلاق في نفس العقد فإنه يفسد على وجه كالتأقيت ولا يفسد على وجه لأنه شرط فاسد كما لو شرط أن لا يتسرى عليها ولا يسافر بها وكسائر الشرائط المفسدة للمهر
وأما التأقيت فإنه وضع للعقد قاصرا على مدة ولا يمكن الاقتصار ولا التسرية
أما إذا قال بشرط أن لا تحل لك فينبغي أن يفسد لأنه يجعل اللفظ متناقضا ولو قال بشرط أن لا تطأها ففيه وجهان
وهذه الشروط إذا لم تقارن العقد لا تضر وفيه وجه بعيد أن المقدم كالمقارن أخذا من مهر السر والعلانية كما سيأتي وعلى هذا لا يصح التحليل بالالتماس إلا إذا زوج مطلقا ثم التمس الطلاق بعد العقد
الجنس الثالث من الموانع الرق والملك
أما الرق فمانع على الجملة عند الشافعي رضي الله عنه في بعض الأحوال فلا يجوز للحر المسلم أن ينكح الأمة إلا بخمسة شرائط
ثلاثة فيه وهو فقد الحرة تحته وفقد طول الحرة وخوف العنت
واثنان في الأمة وهي أن تكون مسلمة ومملوكة لمسلم
الشرط الأول ألا يكون تحته حرة فإن كانت تحته رتقاء أو هرمة أو غائبة أو كتابية لم يجز أيضا نكاح الأمة بل يجب عليه طلاقها بخلاف ما إذا وجد مالا ولكنهغائب فإنه كالفاقد للطول
الشرط الثاني فقد طول الحرة فمن ليس تحته حرة ولكنه قادر عليها لم يجز له نكاح الأمة لقوله تعالى { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات } الآية
ويجوز للمفلس نكاح الأمة وإن وجد حرة ترضى بمهر مؤجل جاز لأن الأجل سيحل وهو معسر وكذلك إذا كان له مال غائب وهو يخاف العنت في الحال قبل القدرة على المال وكذلك إذا رضيت الحرة بدون مهر المثل وملك ذلك القدر لأنه لا يلزمه تحمل المنة وفيه وجه آخر اختاره الصيدلاني أنه لا يجوز له نكاح الأمة لأن المنة بالمهر مستحقر في النكاح بخلاف المنة في بيع الماء والثوب الساتر للعورة في الصلاة
ولو وجد مالا ولم يجد حرة ينكحها جاز له نكاح الأمة ولو لم يجد إلا حرة تغاليه في المهر مغالاة يعد احتمال ذلك سرفا بالإضافة إلى مقاصد النكاح فله نكاح الأمة وإن كان ذلك قدرا قريبا لم يرخص بسببه
وكذلك الولي إذا نقص من مهر المثل قدرا يحتمل ذلك لأغراض النكاح فلا ينبغي أن يثبت الإعراض للمرأة بل إذا أفرط في النقصان فإن مقاصد النكاح تغطي على هذه المحقرات وكذلك لو لم يجد إلا حرة غائبة غيبة قريبة يحتمل مثلها في مقاصد النكاح لم ينكح الأمة وإن كانت بعيدا نكح الأمة
ولو لم يجد إلا حرة كتابية جاز له نكاح الأمة على أحسن الوجهين لأن الحذرمن مخالطة المشركات مهم ويشهد له ظاهر قوله { المحصنات المؤمنات }
الشرط الثالث خوف العنت وإنما يتم ذلك بغلبة الشهوة وضعف عصام التقوى ولا يشترط في الخوف غلبة وقوع الزنا بل توقع وقوعه كما أن الطريق المخوف هو الذي يتوقع فيه الهلاك وإن لم يغلب والأمن هو أن لا يتوقع وإن كان ذلك ممكنا على الندور
ومن ضعفت شهوته وقوي تقواه فهو آمن ومن غلب عليه شهوته ولكنه راسخ التقوى فإن كان يفضي به الصبر إلى مرض فلينكح الأمة وإلا فالصبر أحسن من إرقاق الولد ولا يبعد أن يترخص ولا يكلف المشقة في مصابرة الشهوة
ومن قدر على التسري فالظاهر أنه لا ينكح الأمة لأنه لا يخاف العنت وفيه وجه أنه ينكح لأن ملك اليمين لا يقصد به التحصن
الشرط الرابع في الأمة وهي أن تكون مسلمة فلا يحل عند الشافعي رضي الله عنه للمسلم نكاح الأمة الكتابية بحال لقوله تعالى { من فتياتكم المؤمنات } وكأن الأصل في المشركات والإماء التحريم وهذا مستثنى مع التقييد
الشرط الخامس أن تكون مملوكة لمسلم حتى لا يرق ولد المسلم لكافر وفي هذا الشرط خلاف ولعل الظاهر أنه لا يشترط لأنه إن رق لكافر فيباع عليه في الحال واختتام الشرائط بأمرين
أحدهما أن العبد لا تعتبر فيه الشرائط كلها إلا الشرط الرابع والخامس بل الأمة في حقه كالحرة حتى يجوز له الجمع بين الأمتين ولا يجوز للحر الجمع بين أمتين بحال وهذا لأن المحذور من نكاح الإماء إرقاق الولد والعبد رقيق ليس عليه النظر لولده الموجود فلا يؤمر بالنظر لولده المفقود
والمكاتب ومن نصفه رقيق في هذا كالعبد كما أن من نصفها رقيق كالأمة حتى تفتقر إلى الشرائط في نكاح الحر إياها نعم يحتمل تردد في أن من قدر على مثلثها هل يجوز له نكاح أمة كاملة الرق لأن إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق جميعه
وأما الحر الكتابي فهو كالمسلم في شرائط النكاح إلا في نكاح الأمة الكتابية إذ نص الشافعي رضي الله عنه على أن الكافر يزوج أمته وذلك يدل على أن تزويجها ممكن ويتجه ذلك من حيث إن الكفر ليس نقصا في حق الكافر ولكن هذا ينقضه نص الشافعي رضي الله عنه أن العبد المسلم لا ينكح الأمة الكتابية والرق ليس نقصا بالإضافة إليه لما اعتورها نقصان في حقه فمن الأصحاب من جعل المسألتين على قولين ويرجع الخلاف إلى أن الأمة الكتابية هل هي محرمة في عينها كالوثنيات أو هي محرمة لاجتماع النقصين
الأمر الثاني أن شرط فقد الحرة وطولها وخوف العنت يعتبر في ابتداء النكاح دون دوامه فلو نكح حره على أمة يجوز وقال المزني ينقطع نكاحها بوجدان طول الحرة والقدرة عليها فضلا عن وجودها ولم يطرد ذلك في زوال خوف العنت
وأما إسلام المالك إن شرطناه فلا شك في أنه لا يعتبر في الدوام
فرع لو جمع بين حرة وأمة في عقد واحد بطل نكاح الأمة وفي نكاح الحرة قولا تفريق الصفقة الأصح وهو نص القديم صحة نكاح الحرة لأن النكاح لا يفسد بفساد المهر فكيف يفسد بفساد القرينة المباينة له
ولو جمع بينهما من يحل له نكاح الأمة مع القدرة على الحرة وهي أن تكون هذه الحرة رضيت بدون مهر المثل وقلنا لا يلزمه تقلد المنة فلا يصح هاهنا نكاح الأمة لأن الأمة لا تضام الحرة فلا يصح إلا إذا سبق نكاحها وها هنا لم يسبق وأما نكاح الحرة فطريقان
أحدهما طرد القولين
والاخر القطع بالفساد كما لو جمع بين أختين فإنه الآن قادر عليهما جميعا وهذا بعيد لأن إحدى الأختين ليست أولى بالدفع وهاهنا الأمة أولى بالدفع
المانع الثاني الملك
وهو وراء الرق فإن من يحل له نكاح الأمة لا يحل له أن ينكح أمة نفسه وإن قلنا إن القدرة على التسري لا تمنع نكاح الأمة بل لو اشترى زوجته أو ورثها انفسخ النكاح
وكذلك لا تنكح الحرة عبد نفسها ولو اشترت زوجها العبد أو ورثته انفسخ النكاح
الجنس الرابع من الموانع
الكفر وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في أصناف الكفار
وهي ثلاثة
الصنف الأول أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى وكفرهم أخف فتحل مناكحتهم وذبائحهم وحكمهم في حقوق النكاح كالمسلمات إلا في الميراث إذ لا إرث مع اختلاف الدين ولا كراهية في نكاحهن فإن الاستفراش إهانة والكافرة جديرة بذلك
وقال مالك يكره نكاحهن نعم الحربية الكتابية يكره نكاحها فإن صحبة الكفار في ديارهم توجب الافتتان وربما تسبى الحربية وهي حامل بولد مسلم والكراهية تثبت بأقل من هذا
الصنف الثاني عبدة الأوثان والمعطلة والدهرية ومن لا يقر بالجزية فلا يحل نكاحهم وذبائحهم وتدخل فيهم المرتدة
الصنف الثالث المجوس ويسلك بهم مسلك أهل الكتاب في التقرير بالجزية دون المناكحة والذبيحة وحكي في مناكحتهم قول بعيد للشافعي رضي الله عنه ولا وجه له وقيل كان لهم كتاب فأسري به
ثم حق الكتابية في القسم والنفقة وسائر الحقوق كالمسلمة وللمسلم منعها من الخروج إلى الكنائس كما له منع المسلمة من المساجد وله أن أن يلزمها الغسل من الحيض حتى تحل له
وهل يلزمها الغسل من الجنابة لأجل العيافة فيه قولان وكذلك في إلزام الاستحداد الذي يكسرالشهوة تركه وكذلك في المنع من تناول الخنزير والمستقذرات وأكل الثوم وكل ذلك في المسلمة أيضا
الفصل الثاني في أقسام أهل الكتاب
فنقول من آمن أول آبائه قبل التحريف أو بعده ولكن علم المحرف ولم يؤمن به وكانت من نسب بني إسرائيل فقد اجتمع لهما الشرفان فيصح نكاحها قطعا وإن لم تكن من بني إسرائيل ففي جواز نكاحها قولان وإن كان أول آبائها آمن بعد التحريف ففي جواز نكاحها أيضا قولان وإن شككنا في ذلك فقولان مرتبان وأولى بالجواز
ولا خلاف في أن من آمن أول آبائه بعد المبعث أو شككنا في ذلك لم تحل مناكحته
وإذا آمن أول آباء اليهودية بعد نزول عيسى عليه السلام فهل يكون كما بعد المبعث فيه وجهان والأقيس ألا يعتبر نسب بني إسرائيل ولا يقدم إيمان الآباء على التحريف
وأما الصابئون والسامرة وهم من طوائف اليهود والنصارى وبينهم خلاف في الاعتقاد نص الشافعي رضي الله عنه في موضع على جواز مناكحتهم ونص في موضع على خلافه واتفق جماهير الأصحاب على أن المسألة ليست على قولين ولكن ظنالشافعي رضي الله عنه مرة أنهم يخالفون القوم فيما يوجب التكفير فتلتحق بالزنادقة وظن مرة أنهم يخالفون فيما يوجب البدعة ونكاح المبتدعة صحيح وأطلق الشيخ أبو علي طرد القولين
الفصل الثالث في تبديل الدين
وله صور
إحداها أن يتنصر يهودي أو يتهود نصراني ففيه ثلاثة أقوال
أحدها أنه يقرر عليه لأنهما دينان متساويان الآن
والثاني أنه لا يقنع منه إلا بالإسلام ولو عاد إلى تنصره لم يكفه لأنه أبطل تلك العصمة فلا يستحدثه بعد المبعث عصمة
والثالث أنه لا يقنع منه إلا بالإسلام أو بالعود إلى التنصر فإن أصر وقلنا لا يقر عليه فيلتحق بمأمنه أو يقتل قتل المرتد فيه قولان
الصورة الثانية أن يتنصر وثني فلا يقر عليه أصلا لأنه لم يكن معصوما ويريد استحداث عصمة بدين باطل وإن توثن النصراني فلا يقر أصلا ولكن في قول لا يقنع إلا بالإسلام وفي قول يقنع بالإسلام أو بالعود إلى التنصر وفي قول يقنع وإن عاد إلى التهود
الصورة الثالثة أن يرتد مسلم والعياذ بالله فالأديان في حقه سواء ولا يقنع منه إلا بالسيف أو الإسلام
ويمتنع نكاح المرتد والمرتدة وإن طرأ على دوام النكاح تنجزت الفرقه قبل المسيس وإن جرى بعد المسيس توقف على انقضاء العدة عند الشافعي رضي الله عنه فإن عاد إلىالإسلام استمر العقد وإلا تبين بطلان النكاح بنفس الردة وكذلك لو ارتدا معا فهو كما لو ارتد أحدهما وكذلك لو أسلم أحد الزوجين المجوسيين أو الوثنيين أو أسلمت الكتابية تحت كافر تنجزت الفرقة قبل المسيس وتوقف على العدة بعد المسيس ولو أسلما معا استمر النكاح
فرع متولد من يهودي ومجوسي ففي حل مناكحته قولان
أحدهما التحريم تغليبا لجانب الحرمة
والثاني النظر إلى جانب الأب اعتبارا للنسب
ثم قال القفال هذا في الصغير فإن بلغ وتمجس فله ذلك وهو مجوسي ويحتمل أن يقال إذا كان أبوه يهوديا لم يمكن من التمجس بعد البلوغ وجعل كاليهودي يمجس
هذا باب نكاح المشركات
وهذا أوان ذكره لانشعاب مسائله عن الموانع السابقة وفيه فصول
الفصل الأول في حكم أنكحة الكفار في الصحة والفساد
وكان مقتضى قياس الشرع وعموم خطابه أن لا يخالف نكاح الكافر نكاح المسلم ويرعى فيه جميع الشرائط حتى لا يحتاج إلى إفراد نكاحهن بنظر لكن روي أن فيروز الديلمي أسلم على أختين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اختر إحداهما وفارق الأخرى وأسلم غيلان على عشر نسوة فقال صلى الله عليه وسلم أمسك أربعا وفارق سائرهن فحمل أبوحنيفة قوله اختر على الاستئناف ووفى برعاية تمام الشروط وقضى بأن من أسلم على أختين تعينت السابقة واندفعت الثانية وإن نكحها في عقدة اندفعتا جميعا كما لو أرضعت امرأة صغيرتين نكحهما واحد فإنهما يندفعان إلا أن التأويل الذي ذكره باطل لقوله صلى الله عليه وسلم أمسك ولأنه لم يعلمهم شرائط النكاح ولم ينقل إنشاء العقد وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم استفصال نكاح الأختين مع أن الغالب أن تسبق إحداهما ففهم منهم أنهم إذا أسلموا لم يؤاخذوا بشرائط الإسلام ولكن ولكن إن كان المفسد مقارنا دفعناه ولذلك أمرناه باختيار إحداهما إذ الجمع مفسد مقارن فتحصل من هذا أنه لو نكح بغير ولي وشهود أو في عدة وأسلم بعد انقضاء العدة قررناه على النكاح
وأما إن كان المفسد مقارنا لحال الإسلام لم يقرر كما لو أسلم على محرمنكحها من أم أو بنت أو غيرهما أو نكحها معتدة وأسلما أو أحدهما قبل انقضاء العدة وكذلك لو نكح مؤقتا واعتقدوا صحته مؤقتا وأسلما قبل انقضاء الوقت لا يقرر عليه لأن التأبيد على خلاف اعتقادهم وتقريره مؤقتا فاسد في الإسلام وإن اعتقدوه مأبدا قرروا عليه
ولو اغتصب كافر امرأة واعتقدوه نكاحا قال القفال لا نقررهم عليه إذ لا أقل من عقد وقال الصيدلاني يقرورن إذ اقامة الفعل مقام العقد ليس فيه الا إخلال بشروط وهو متجه
ولو نكحوا نكاحا واعتقدوه فاسدا وهو صحيح عندنا قررناهم على الصحيح وإن كان فاسدا عندنا لم نقررهم لأن الرخصة بالتقرير إنما ورد فيما اعتقدوه نكاحا أما المفسد الطارئ بعد العقد كالعدة بالشبهة فلا يدفع النكاح وإن اقترن بالإسلام لأن طارئها لا يقدح في نكاح المسلم فكيف يقدح في نكاح الكافر
ولو نكح أمة ثم حرة وأسلم عليهما اندفع نكاح الأمة لأن إذا لم ننظر إلى التقدم والتأخر في العقد على أختين فكذا لا ننظر في العقد على حرة وأمة ويجعل ذلك كمفسد لنكاح الأمة قارن العقد والإسلام واليسار الطارئ بعد نكاح الامة إذا دام إلى إسلامهما يدفع نكاح الأمة وهذا يخالف ما ذكرناه في العدة الطارئة والفرق غامض ووجهه أن فقد قدرة الطول أحد شرطي نكاح الأمة فكان بطرآن الحرة أشبه ولأن إرقاق الولد مفسد نكاح القادر وهو مقارن للإسلام دائما فيشبه المحرميةالمقارنة وأما العدة الطارئة فينتظر زوالها على قرب وكذلك لو أسلم أحد الزوجين وأحرم فأسلم الثاني لم يندفع النكاح كما في العدة الطارئة وبخلاف وجود الحرة وحكي عن القفال أنه ألحق العدة والإحرام بالحرة وقضى باندفاع النكاح واستشهد على ذلك بنص الشافعي رضي الله عنه أنه لو أسلم أحدهما بعد المسيس وارتد ثم أسلم الثاني اندفع نكاحها وهذا فيه نظر لأن الردة تضاد النكاح ولذلك نتبين بعد انقضاء العدة من وقت الردة إذا أصر والعدة والإحرام لا يضادهما ولذلك لا تصح رجعة المرتدة وتصح رجعة المحرمة والمعتدة عن الشبة على الصحيح ثم قطع الصيدلاني والجماهير بأن المفسد إن قارن إسلام أحدهما كفى إلا في اليسار فإنه لم يلتفت إلى وجوده إلا حالة اجتماعهما في الإسلام
ولو نكح معتدة فأسلم أحدهما قبل تمام العدة والآخر بعد تمام العدة لم يقرر
وكذلك لو أسلم على حرة وأمة فاسلمت الحرة وماتت ثم أسلمت الأمة اندفعت الأمة بوجود الحرة عند إسلام الزوج
ولو أسلم موسرا على أمة ثم أعسر فأسلمت قرر عليها وغاية الفرق أن تأثير اليسار في دفع الأمة أضعف لأنه مأخوذ من ظاهر الخطاب الوارد مع المؤمنين فلا يظهر أثره في حق الكافر إلا عند الاجتماع في الإسلام بخلاف العدة والحرة ولضعف هذا الفرق طرد أبو يحيى البلخي القياس وقضى بأنه إذا أسلم موسرا وتخلف ثم أسلمت بعدإعساره لم يقرر عليها وزاد فقال لو أسلم معسرا ثم أيسر فأسلمت قرر لأنه إذا اعتبر تلك الحالة فما بعد ذلك طارئ لا يؤثر
وقد ثار الخلاف بين الأصحاب في أصلين
أحدهما أن التقرير عند الإسلام في حكم ابتداء نكاح أو في حكم الإدامة فقالوا فيه قولان مستنبطان من كلام الشافعي رضي الله عنه وهو غير سديد إذ كيف يجعل في حكم الابتداء والصحيح أنه لا تمنعه عدة الشبهة والإحرام وكيف يجعل إدامة واليسار المقارن وإن كان طارئا بعد النكاح يدفعه بل الصحيح أنه مردد بينهما لا يتمحض فيه أحد الحكمين وكأنه بالرجعة أشبه فإنه أيضا كالمردد
الثاني أن أنكحه الكفار يحكم بصحتها أو فسادها أو يتوقف إلى الإسلام ذكروا فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنها فاسدة لأنها تخالف الشرع ولكنا نصححها بعد الإسلام رخصة
والثاني أنها صحيحة بدليل التقرير فإن القول بالفساد مع التقرير محال ولأنه يحصل التحليل بوطء الذمي ويرجم الذمي لكونه محصنا وإذا ترافعوا إلينا قضينا بالمهر والنفقه من غير بحث عن شروطهم
والثالث أنا نتوقف فإن أسلموا بان الصحة فيما يقرر عليه في الإسلام حتى لو نكح أختين فاختار في الإسلام إحداهما بان صحة نكاحها وفساد نكاح الأخرى وميل ابنالحداد إلى التوقف وهذا أقرب أما الإفساد مع إيقاع طلاقهم ومع التحليل والإحصان والتقرير بعد الإسلام فلا وجه له
التفريع
إن قضينا بالفساد من الأصل أو التوقف فلا مهر للتي اندفع نكاحها بالإسلام إذ بان الفساد من الأصل ولذلك إذا طلق الكافر زوجته ثلاثا ثم أسلم لم يفتقر إلى المحلل إن قضينا بفساد نكاحه وإن صححنا افتقر إليه وقال ابن الحداد لو نكح أختين وطلق كل واحدة ثلاثا ثم أسلموا خيرناه فإن اختار واحدة تعينت للنكاح ونفذ الطلاق الثلاث فيها وافتقر فيها إلى محلل وللأخرى نصف المهر إذا جرى الإسلام قبل المسيس قال الشيخ أبو علي إن حكمنا بصحة أنكحتهم فلا حاجة إلى الاختيار بل نفذ الطلاق فيهما جميعا ويفتقر إلى محلل فيهما وإن حكمنا بالفساد لم ينفذ الطلاق ويختار واحدة ولا مهر للثانية وإن توقفنا فهو كما قاله ابن الحداد إلا في المهر لأن على قول التوقف نتبين فساد نكاح المندفعة بالإسلام فلا مهر لها لأنها اندفعت باختيار الثانية والثانية لما تعينت للنكاح نفذ الطلاق الثلاث فيها وافتقر إلى المحلل
فإن قيل فما حكم صداقهن الفاسد بعد الإسلام قلنا إذا أصدقها خمرا أو خنزيرا وقبضت ثم أسلما فلا مهر لها وإن كان الإسلام قبل المسيس
وإن أسلما قبل القبض وبعد المسيس فلها مهر المثل ولا سبيل إلى قبض الخمروكذلك في تقابضهم ثمن الخمر وقيمتها عند الإتلاف لم نتعرض لما سبق استيفاؤه ولا ننشئ في الإسلام حكما لأجل اعتقادهم فلو قبض البعض دون البعض رجع إلى بعض مهر المثل فلو أصدقها ثلاثة من الكلاب وخنزيرين ورزق خمر فقبضت الكلاب فالصحيح أنه يقوم الجميع فإن كان ما قبضته قدر الثلث رجع إلى ثلثي المهر ومنهم من قال لا قيمة لهذه الأشياء فيوزع على العدد وترجع إلى نصف المهر ومنهم من قال يوزع على الأجناس وصورته أن الكلاب كلها تجعل كلبا واحدا وكذلك الزقاق وكذلك الخنازير
ولو نحكت بغير مهر واعتقدوا أن لا مهر للمفوضة فلا مهر لها بعد الإسلام وإن أسلم قبل المسيس فلا مهر لأنا لا نتعرض لما سبق وقد سبق استحقاق وطء بلا مهر
هذا كله إذا أسلموا فإن ترافعوا إلينا في أنكحتهم أو في غيرها قبل الإسلام فيجوز لحاكمنا أن يحكم بينهم بالحق ويستتبعهم
وهل يجب عليه الحكم إن كان أحد الخصمين مسلما وجب وإن لم يكن فقولان
أحدهما لا يجب لقوله تعالى { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }
والثاني وهو الأصح أنه يجب إذا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم من جملة الذب والآية لم تنزل في أهل الذمة
وكذلك إذا كانا مختلفي الملة وجب الحكم قطعا وقيل بطرد القولين
وأما المعاهدون فلا يلزمنا الحكم بينهم وإن كانوا مختلفي الملة لأنا شرطنا الكف عنهم ولم نلتزم لهم شيئا إذ لم يلتزموا لنا شيئا
ثم إذا أوجبنا الإجابة فمهما استعدى أحد الخصمين فحضر الآخر ولم يرض بحكمنا لم نحكم لأنا إنما نحكم عليهم إذا رضوا بحكمنا فإن أبوا فلا نكلفهم موجبات شرعنا
ثم مهما طلبوا تقدير النفقة واستيفاء المهر في انكحتهم حكمنا بها وإن عقدوها بغير ولي ولا شهود وهذا يقوي قول التصحيح لكن لو كان المفسد قائما لم نحكم كما لو طلبت نفقة في نكاح المحارم
ولو طلبت المجوسية النفقة فيه وجهان
أحدهما لا كالمحرم فإنها محرمة في عينها
والثاني نعم لأنه لا بد للمجوس من الأنكحة وهذا يشير إلى أنها محرمة على المسلم خاصة
ولو طلبت نفقة أختين في نكاح واجد فينبغي أن لا نحكم لأن المانع قائم مقارن وهو مخالفة ظاهرة للشرع بل القدر المسامح به أن لا يبحث عما سبق من شروط أنكحتهم
وإذا لم نحكم في هذه المسألة فهل يفرق بينهم فيه وجهان
أحدهما لا تركا للتعرض
والثاني نعم لأنهم أظهروا ذلك عندنا فصار كما لو أظهروا خمورهم أرقناها
الفصل الثاني في أن يسلم الكافر على عدد من النسوة لا يمكن الجمع بينهن
كما لو أسلم على أختين أو على خمس نسوة أو على امرأة وابنتها أو على حرة وأمة أو على إماء كثيرة فهذه خمس صور
الأولى أن يسلم على أختين فيختار إحداهما وتندفع الأخرى سواء نكحها في عقد واحد أو في عقدين فإن أسلمت معه واحدة وتخلفت الأخرى اندفع نكاح المتخلفة إلا إذا كان بعد المسيس فإنه ينتظر إسلامها قبل مضي العدة فإن أسلمت اختار إحداهما وإن أصرت اندفعت المصرة وهذا فيه إذا كانت المتخلفة وثنية أو مجوسية فإن كانت كتابية فلا يندفع نكاحها بالإصرار بل يجري الاختيار وإن أصررن على الكفر
الثانية إذا أسلم على خمس نسوة فصاعدا اختار أربعا واندفعت الأخرى سواء نكحهن في عقد واحد أو في عقود وحكم انتظار إسلام المتخلفة منهن كانتظار الأخت
الثالثة أن يسلم على امرأة وابنتها فإن كان قد دخل بهما فهما محرمان ومحرمتان فلا تقرير عليهما إذ وطء كل واحدة بالشبهة يحرم الثانية بالمصاهرة فإنلم يدخل بهما فقولان
أحدهما أنه يتخير بينهما كالأختين
والثاني وهو الأصح واختيار المزني أن الأم تندفع ويبقى نكاح البنت لأن مجرد نكاح البنت يدفع نكاح الأم ومجرد نكاح الأم لا يدفعها وأما الأختان فلا ترجيح لإحداهما على الأخرى
وينبني هذا الخلاف على قولين في صحة أنكحتهم وفسادها وقول التخيير يستمد من قول الإفساد فإنه إذا انتفت الصحة لم يعهد نكاح البنت صحيحا قبل الإسلام حتى يدفع نكاح الأم لكن الخلاف محتمل دون هذا البناء بل هو محتمل فيما لو نكح المسلم امرأة وأمها في عقد واحد إذ يحتمل أن ينعقد على البنت بهذا الترجيح كما لو جمع بين حرة مسامحة بالمهر وأمة وقد ذكرنا خلافا في أنه هل ينعقد نكاح الحرة لترجيح جانبها بأن نكاحها يدفع نكاح الأمة ونكاح الأمة لا يدفعها
ثم قال ابن الحداد وإن قلنا بالتخيير فللمفارقة نصف المهر لأنها بانت باختياره
قال القفال هذا بالعكس أولى فإن التخيير بناء على القول بفساد أنكحتهم قبل الإسلام فتبين بإختيارها أن نكاح الأخرى لم ينعقد فلا مهر لها
وإن عينا البنت فالأم قد اندفعت بالإسلام فلها المهر ويمكن أن يقال إنها اندفعت بالمحرمية ولا مهر للمحرم إنما المهر على قول صحة أنكحتهم للزائدات على العدد الشرعي ومن لا يتصف بصفة تنافي النكاح كالأخت والخامسة
أما إذا وطئ إحداهما نظر فإن وطئ البنت حرمت الأم فصارت محرمة وتعينت البنت عند الإسلام وإن وطئ الأم صارت البنت محرحه واندفعت وهل يبقى نكاح الأم إذا أسلمتا إن قلنا يصح نكاح الكفار فهي أيضا صارت محرما بنكاح البنت فلا يبقى وإلا دام نكاحها
الرابعة أن يسلم الحر على إماء فإن كان عاجزا عند الالتقاء في الإسلام اختار واحدة ولو أسلم على ثلاث إماء فأسلمت معه واحدة وهو معسر ثم أسلمت الثانية وهو موسر ثم أسلمت الثالثة وهو معسر وكل ذلك قبل انقضاء عدتهن اختار واحدة من الأولى والثالثة واندفعت الثانية وهذا بناء على المذهب الصحيح في أن اقتران اليسار بإسلام إحداهما لا يدفع بخلاف العدة المقارنة للنكاح وهذا على مخالفة البلخي
الخامسة أن يسلم على حرة وإماء فإن أسلمن معه اندفع نكاح الإماء وتعينت الحرة وإن أسلمن معه وتخلفت الحرة وأصرت أو ماتت قبل العدة اختار واحدة من الإماء إن كان عاجزا عند الإسلام ولا يعتبر عجزه عند الاختيارلأنه كالبيان لما قرره الإسلام فالنظر إلى حالة الإسلام وإن أسلمت قبل انقضاء عدتها اندفع نكاح الإماء لأنه أسلم وتحته حرةاستقر نكاحها ولا تجتمع الأمة مع حرة في النكاح وإن كانت كافرة
ولو أسلم مع الحر وبقيت أو ماتت وتخلفت الإماء اندفع نكاحهن ولا ينتظرن لأنه استقر نكاح الحرة بإسلامها فلا معنى للانتظار وكل من ينتظر إسلامه فمات ولم يسلم قبل القضاء العدة فهو كما لو أصر وكذلك لو أسلم على واحدة ومات قبل إسلام الباقيات فالميراث للمسلمة ولا شيئ للباقيات لأن التخلف إلى موته كالتخلف إلى انقضاء العدة إذ لا انتظار بعد الموت وانتهاء النكاح
فرع ما ذكرناه من أن الحرة إذا تقدمت مع الزوج في الإسلام اندفع نكاح الإماء ولا ينتظرن وذلك فيه إذا بقين على الرق فإن عتقن ثم أسلمن قبل العدة التحقن بالحرائر الأصليات حتى لو لم يكن تحته حرة فأسلم على إماء وتخلفن ثم عتقن وأسلمن اختار أربعا منهن ولو أسلم على إماء وتخلفت واحدة وعتقت وأسلمت قبل انقضاء العدة تعينت للنكاح
والمقصود أن طرآن الحرية قبل الاجتماع في الإسلام يلحقها بالحرائر الأصليات
ولو أسلم على أمتين وتخلفت أمتان فعتقت واحدة من المتقدمين ثم أسلمت المتخلفتان رقيقتين اندفع نكاحهما إذ تحت زوجهما عتيقة أما المتقدمة الرقيقة فلا تندفع لأن عتق الأخرى كان بعد اجتماعهم فى الإسلام فلا يؤثر في دفعها بل يختار إحدى المتقدمين
الفصل الثالث في حكم العبيد والإماء وطرآن العتق عليهم
وله طرفان
الأول في العبيد
ومهما أسلم العبد على إماء أو حرائر أو إماء وحرائر اختار اثنتين لأن الحرة في حقه كالأمة نعم إذا أسلم مع حرة فهل لها الخيار لرقه القياس أنه لا يثبت لأنها رضيت برقه أولا واختار المزني ثبوت الخيار كما إذا عتقت تحت عبد وكأن حكم حريتها إنما يثبت بالإسلام فيكون كالحرية الطارئة والمقصود بيان طرآن العتق عليه وذلك لا يؤثران إن كان بعد الإسلام وإن كان بين الإسلام مين يؤثر حتى لو أسلمن وتخلف وعتق ثم أسلم فيختار من الحرائر أربعا ويرجع في الإماء إلى واحدة وإن أسلم وأسلمت معه حرتان ثم عتق فأسلمت الباقيات من الحرائر فلا يزيد على اثنتين لأنه صادف كمال عدد العبد قبل الحرية
ولو أسلم مع واحدة وعتق وأسلمت الباقيات اختار أربعا لطرآن العتق قبل كمال عدد العبيد وشبهوا هذا بمسألتيتنإحداهما العبد لو استوفى طلقتين من زوجته ثم عتق لم ينكحها ولو استوفى طلقة ثم عتق نكحها وملك عليه طلقتين
الثانية الأمة لو عتقت في يوم قسمها استوفت مدة الحرائر ولو عتقت متصلا بآخر مدتها اقتصرت
فرع
لو أسلم على أربع إماء فأسلمت معه ثنتان فعتق ثم أسلمت الأخريان جاز له اختيار ثنتين لأنه تم له عدد العبيد قبل العتق فلا يجب عليه الرجوع إلى واحدة ولكنه هل تتعين الأوليان أم لا قال الإمام لا تتعين بل هو كما أسلم حر على أربع إماء فأسلمن على التوالي وطرآن الحرية لا يزيد على الحرية الأصلية وقال الفوراني لا يجوز له اختيار الأخريين لأنه اجتمع بهن في الإسلام وهو حر فكيف يجمع بينهما ويختار الأوليين
وهل يختار واحدة من الأوليين وواحدة من الأخريين فيه وجهان وتوجيه الجواز أن الحرية تمنعه من الجمع بين الأخريين ولا تمنعه من أصل العدد فيختار واحدة منهما وواحدةمن الأوليين وقد قال القاضي حسين لو أسلم على اثنتين فأسلمت معه واحدة ثم عتق فأسلمت الثانية لا يختار إلا واحدة لأنه عتق قبل كمال العدد ولكن قال تتعين الأولى وهذا لا وجه له أصلا
الطرف الثاني في عتقهن
وتأثيره في إلحاقها بالحرائر مهما تقدم على الاجتماع في الإسلام ويطهر أثره في إثبات الخيار لها إذا كانت تحت عبد ويكون خيار العتق على الفور لكنها لو أسلمت وعتقت فلها ألا تبادر الفسخ فإن الزوج ربما يصر فتستغني عن هذا الفسخ وكذلك الرجعية إذا عتقت لها التأخير إلى انقضاء المدة فإن هذا عذر في التأخير ولو فسخت قبل إسلام الزوج نفذ ولا فائدة له إن أصر الزوج وفائدته إن أسلم الزوج تظهر في قصور مدة العدة إذ لو أخرت وأسلم الزوج وفسخت طال عليها الانتظار ولا نقول فسخها موقوف على إصرار الزوج فلا ينفذ فإن الفسخ جنس واحد فلا يمتنع بإمكان فسخ آخر بخلاف ما إذا كان تحته حرة وإماء فأسلمن وتخلفت الحرة واختار واحدة من الإماء ثم ماتتالمتخلفة أو أصرت فإن صحة الاختيار تنبني على وقف العقود لأنها لو أسملت لبطل اختياره لاندفاع نكاح الإماء وهو أولى بالصحة من العقود لأنه ليس ابتداء عقد
نعم لو أسلمت امرأة وتخلف الزوج ونكح أختها ثم أسلم وأسلمت يخير بينهما لأنه جرى في حالة الشرك
ولو أسلم أولا ونكح أخت المتخلفة وأسلمت المتخلفة بطل النكاح الذي جرى في الإسلام لأنها طارئة بعد الإسلام فلو أصرت المتخلفة انبنى صحة نكاح الأخرى على القولين فيما لو باع مال أبيه ولم يدر أنه ميت فإذا هو ميت
فأما إذا أسلمت وعتقت وأجازت قبل إسلام الزوج بطلت الإجازة وبقي حقها في الفسخ إذ ليس لها المقام تحت كافر فلا حكم لإجازتها في الحال
ولو عتقت الرجعية وفسخت نفذ وإن أجازت فوجهان والفرق أن إجازتها تفيد الزوج سلطان الرجعة وهو من مقاصد النكاح ولا يمكن أن يقال إجازتها تحت الكافر تفيده سلطان الإسلام فإن ذلك لا يستفاد من الغير
الفصل الرابع في الاختيار وحكمه
والكلام في طرفين
أحدهما في وجوب الاختيار فإذا أسلم على ثمانية مثلا فعليه تعيين أربعة فإن امتنع فعليه الإنفاق على الجميع في مدة الحبس وللقاضي أن يحبسه ليعين فإن أصر عزره وكذا كل قادر على أداء حق إذا أصر ولم ينجع فيه الحبس فينبغي أن يعزر
ويمهل الزوج ثلاثة أيام للنظر والتأمل ولا يختار القاضي عنه إذا أصر وإن قلنا في قول إن القاضي يطلق زوجة المؤلي لأن هذا أمر منوط بالرؤية ولا يقبل النيابة
ولو مات قبل التعين فعلى كل واحدة الاعتداد بأقصى الأجلين للاحتياطويوقف لهن من الميراث الربع أو الثمن كاملا إلى أن يصطلحن وإن كان فيهن طفلة لم يرض وليها إلا بربع الموقوف
ولو جاءت أربع منهن لم نسلم إليهن شيئا فلعلهن المفارقات وإن جاءت خمسة سلمنا إليهن ربع الموقوف لأنه المستيقن ولا نزيد في التسليم على المستيقن وحكي عن ابن سريج أنه قال يوزع على جميعهن بالسوية إذ التوقف عند انتظار البيان أو عند اختصاص البعض بفرقة اشتبهت علينا كما إذا قال إن كان هذا غرابا فعمره طالق وإن لم يكن فزينب طالق فإن المطلقة في علم الله واحدة واشتبهت علينا وهاهنا هن متماثلات قطعا وهذا متجه جدا
فرع لو أسلم على ثمان كتابيات وأسلمت أربع فيختار من شاء من الكتابيات أوالمسلمات فلو مات قبل البيان لا نقف لهن شيئا من الميراث إذ كان يحتمل أن يختار الكتابيات فلا يرثن ولا يرث الجميع فلم يحصل حق الزوجية بتعيين
ولو نكح مسلمة وكتابية وقال إحداكما طالق ومات قبل البيان لا نقف أيضا شيئا للشك في أصل الحق
الطرف الثاني في ألفاظ الاختيار وفيه مسائل
الأولى إذا قال اخترت هذه الأربعة للزوجية تعينت الباقيات للفسخ ولو قال اخترت هذه للفسخ أو هذه للفسخ دون لفظ الاختيار نفذ ولو كن ثمانية فطلق أربعا منهن فهو تعيين للنكاح ونفذ الطلاق واندفعت الأخريات بالفسخ وليس لفظ الإيلاء والظهار كلفظ الطلاق فإن ذلك مما يخاطب به الأجنبيات والأزواج جميعا
ولو قال فسخت نكاح هذه الأربعة وفسر التعيين بالفراق نفذ ولو فسر بالطلاق قبل ومطلقه يحمل على التعيين للفراق
الثانية لو قال من دخل الدار فقد اخترتها للنكاح لم يصح لأن الاختيار لا يقبل التعليق ولو قال هي طالق نفذ الطلاق وحصل الاختيار ضمنا ولو قال فهي مفسوخة النكاح وأراد الفراق لم ينفذ وإن فسر بالطلاق نفذ الطلاق وحصل التعيين ضمنا
الثالثة لو وطئ واحدة هل يكون تعيينا للنكاح فيه خلاف كما لو قال إحداكما طالق ثم وطئ إحداهما
الرابعة إذا أسلمت أربع وتخلفت أربع فاختار المسلمات نفذ واندفعت المتخلفات وإن فسخ نكاح المسلمات والمتخلفات وثنيات لم ينفذ لأن من ضرورته تقرير نكاح الوثنيات وربما أصررن فيتعذر ذلك وفائدته أنهن إذا أسلمن استأنف اختيار من شاء منهن وفيه وجه أنه يبنى على الوقف فإن أصررن تبين بطلان فسخه وإن أسلمن نفذ وليس هذا كما لو باع خمرا فإنه لا يصير موقوفا على أن يصير خلا لأن الخمر لا يقبل العقد ومهما أسلمت الوثنيات كان العقد مستندا إلى ما سبق وإن اختار المتخلفات للفسخ نفذ قطعا لأن التقرير يلائم المسلمات وإن اختار المتخلفات للنكاح لم ينفذ إلا على وجه الوقف وهو بعيد
نعم لو طلقهن ثم أسلمن فهل نتبين نفوذ الطلاق فيه خلاف ظاهر لأن الطلاق يقبل التعليق فلا يبعد فيه الوقف أيضا
الخامسة لو قال حصرت المختارات في ست صح وتعين الباقيات للفسخ إلى أن يتمم الاختيار
السادسة لو أسلمت الثمانية على ترادف وكان يخاطب كل مسلمة بالفسخ تعين للفراق الأربعة الأخيرة فإن المسلمات السابقات يمكن فيهن التقرير وعلى الوجه البعيد يتعين للفراق الأربعة الأولى بطريق الوقف
الفصل الخامس في النفقة والمهر
فنقول إن أسلم الزوج أولا وتخلفت وأصرت فلا نفقة لها في مدة العدة لأنها بائنة وقد أساءت بالتخلف ولو أسلمت قبل انقضاء العدة فالجديد أنها لا تستحق النفقة لمدة التخلف لأنها ناشزة بالتخلف وفي القديم تستحق لأنها ما أحدثت شيئا إنما الزوج أحدث تبديل الدين وهذا ضعيف إذ لو ابتدأ الرجل سفرا فتخلفت تسقط نفقتها إذ يجب عليها الموافقة فكذلك في الإسلام لكن هذه مؤاخذة بحكم الإسلام فيجوز أن لا تؤاخذ به هاهنا
فإما إذا سبقت المرأة ثم أسلم قبل انقضاء العدة فالمذهب أنها تستحق النفقة لأنها أحسنت بالإسلام وفيه وجه بعيد أنها لا تستحق لأنها أحدثت شيئا مانعا من الاستمتاع ولو أصر الزوج فوجهان والقياس أنها لا تستحق لأنها بائنة
قال القاضي مأخذ التردد أنها هل هي كالرجعية إذ الزوج قادر على تقرير النكاحعليها وهذا بعيد لأنا نتبين بينونتها وكذلك لو طلقها وأصر لم ينفذ بخلاف الرجعية
ثم إن صح هذا القياس فلو سبق الرجل وتخلفت المرأة فلم يبق للزوج عليها قدرة فينبغي أن تلحق بالبائنة قطعا
فرعان في الاختلاف
أحدهما إذا قضينا بأنها لا تستحق النفقة في مدة التخلف فلو تنازعا فقال تخلفت عني عشرين يوما وقالت بل عشرة فالقول قوله إذ ثبت النشوز فعليها إثبات الزوال
ولو تنازعا في السبق فقال سبقت وسقط حقك مدة التخلف وقالت بل سبقت أنا فالقول قولها لأن النفقة ثابتة فعليه إثبات المسقط إلا إذا اتفقا على أن إسلامه كان أول الاثنين فقال الرجل أسلمت بعدي وقالت بل قبلك فالقول قوله لأن الأصل استمرارها على الكفر
الثاني لو قالت أسلمت أنت أولا قبل المسيس ولي نصف المهر وقال بل أسلمت أنت أولا ولا مهر لك فالقول قولها لأن الأصل ثبوت المهر
ولو تنازعا في بقاء النكاح فقال أسلمنا معا والنكاح باق وقالت بل على التعاقب فالأصل بقاء النكاح ولكن التوافق في الإسلام نادر فيبنى على أن المدعى من الظاهر معه وهي المرأة هاهنا أو من لا يخلى وسكوته وهو الرجلوفيه قولان
القسم الرابع من الكتاب في موجبات الخيار
وأسباب الخيار أربعة
العيب
والغرور
والعتق
والعنة
السبب الأول العيوب
والنظر في الموجب والموجب
النظر الأول في الموجب والعيوب المتفق على ثبوت الخيار بها خمسة
اثنان يختص بهما الزوج وهو الجب والعنة واثنان تختص بهما المرأة وهو الرتق والقرن وثلاثة مشتركة بينهما وهو البرص المستحكم الذي لا يقبل الإصلاح دون أوائل الوضح والجذام المستحكم الذي سود العضو وأخذ في التقطيع والجنون ولا يعتبر في الجنون أنه لا يقبل العلاج
والجب المثبت للخيار هو الاستئصال بحيث يكون الباقي أقل من الحشفة فلا يثبت الخيار بقطع البعض
واختلفوا في ثلاثة أمور
أحدها أن البخر والصنان والعذيوط الذي لا يقبل العلاج هل يرد بالعيب المشهور أنه لا يدر ولا يزاد على الخمس وعن زاهر السرخسي أنه أثبت بهذه الثلاث وزاد القاضي حسين على هذا وقال لا توقيف ولا حصر والمتبع كل عيب يكسر شهوة التواق فيتعذر الاستمتاع به إذ لو اعتبر امتناع الاستمتاع لاقتصر على الرتقوالقرن وقال قد تجتمع عيوب آحادها لا يثبت ولكن مجموعها ينفر فيثبت الخيار به
ولعل ذلك يجري في كل ما يؤثر في التنفير تأثير الجذام والبرص
الثاني لو كان أحد الزوجين خنثى ففي ثبوت الخيار أربعة أوجه
أحدهما نعم لأنه عيب ضفر فاحش
والثاني لا إذ ليس فيه زيادة ثقبة في الرجل وزيادة سلعة في المرأة
والثالث أنه إن انكشف الحال بعلامة محسوسة تورث اليقين فلا يرد وإن كان بعلامة منظنونة يرد لما فيه من الخطر
والرابع أنه لا يرد ما يثبت بعلامة أيضا بل ما لم يثبت إلا بالإقرار
الثالث أن العيب المثبت للخيار إنما يثبت من الجانبين لو كان مقارنا للعقد فلو طرأ قبل المسيس ثبت الخيار لها فإن كان بعده فوجهان إلا في العنة فإنها إن طرأت بعد الوطء لم يثبت الخيار لأن اليأس لا يحصلوهل يثبت الخيار له إذا طرأ العيب عليها فيه قولان
أحدهما وهو اختيار المزني أنه يثبت إذ لا يفارقها إلا في التمكن من الطلاق وهو جار في المقارن أيضا ثم استويا
والثاني لا يثبت لأن العقد سلم أولا وهو قادر على الطلاق والمرأة مضطرة لأجل التحصن
وأما أولياء المرأة فلا يثبت لهم الخيار بالعيوب الطارئة وهل يثبت بالمقارن ينظر إن كان فيه عار ثبت كالجنون فإن العار فيه لا يتقاصر عن عار الحرفة الدنية
والفسق وإن لم يكن عار فلا يثبت كالجب والعنة وهل يثبت بالبرص والجذام فيه وجهان ومنهم من أثبت في الجميع وقال في الجميع عار عليهم
النظر الثاني في حكم الخيار وهو على الفور ثم إن فسخت قبل المسيس سقط المهر وكذلك إن فسخ الزوج بعيبها بخلاف ما إذا ارتد فإنه يتشطر المهر لأن الفسخ وإن كان من جهته فسببه عيب من جهتها فيحال عليها وإن فسخت بعد المسيس فعليها العدة
والنظر في المهر والرجوع به والنفقة في العدة
أما المهر فساقط والرجوع إلى مهر المثل لأن مقتضى الفسخ تراد العوضين لكن نص الشافعي رضي الله عنه في الردة بعد المسيس أن المسمى يتقرر لأن الفسخ به لا يستند إلى أصل العقد فلا يدفع المهر المسمى عند العقد ونص فيما إذا كان العيب مقارنا أنه يسقط المسمى فقيل قولان في المسألتين بالنقل مقتضى والتخريج
أحدهما أنه يسقط المسمى فيهما لأنه مقتضى الفسخ
والثاني يتقرر لأنه إذا لم يكن بد من مهر المثل فالمسمى أولى
فإن فرعنا على النص وأسقطنا المسمى وكان العيب طارئا ففيه ثلاثة أوجه
أحدها السقوط كالمقارن
والثاني التقرير لأن الخلل لم يستند إلى أول العقد
والثالث أنه يسقط إلا إذ طرأ بعد المسيس لأن الوطء إذا جرى على السلامة فينبغي أن يقررالمهر
أما الرجوع بالمهر على الولي فغير ثابت قطعا إن كان العيب طارئا وإن كان مقارنا فقولان
أقيسهما أنه لا رجوع إذ هو كوكيل عاقد سكت عن ذكر العيب إذ ليس يقع العقد له
والثاني وهو مذهب عمر رضي الله عنه أنه يرجع لأنه كالغار
ثم اختلفوا هل يشترط أن يكون الولي محرما حتى يكون خبيرا بالتواطؤ فلا يعذر في الإخفاء
وهل يشترط علمه حالة العقد لثبوت تقصيره فمنهم من شرط ذلك ومنهم من رآه مقصرا بكل حال
فإذا جعلناه مغرورا وكانت هي الغارة ففائدته سقوط المهر إذ كيف يغرم لها ثم يرجع عليها ولكن قيل لا بد وأن يسلم إليها أقل ما يتمول تعبدا وقيل إن ذلك القدر هي الغارة به فيسقط إذ لا معنى للتسليم إليها ثم الاسترداد منها
أما النفقة والسكنى فلا تثبت لها إن كانت حائلا وسقوط السكنى كسقوط المهر وإن كانت حاملا فلها النفقة على قولنا النفقة للحمل فإن لوازم النكاح ساقطة عند الفسخ
السبب الثاني للخيار الفرور
وفيه نظران
الأول في حكم الغرور وصورته فنقول إذا قال العاقد زوجتك هذه المسلمة فإذا هي كتابية أو هذه القرشية فإذا هي نبطية أو هذه الحرة فإذا هي أمة أو ما يجري مجراه مما يقصد في النكاح ففى انعقاد العقد قولان كقولين فيما إذا قال بعتك هذه الرمك فإذا هي نعجة الأصح ها هنا الصحة لأن هذا تفاوت في الصفة بعد تعيين المقصود وذلك تفاوت في الجنس
فإن قلنا يصح فهل يثبت خيار الخلف كما في البيع فيه قولان
أحدهما القياس على البيع
والثاني الفرق لافتراقهما في خيار الرؤية والشرط وغيره وكذلك إذا غرت المرأة بنسبه أو حريته جرى الخلاف في انعقاد العقد ثم في ثبوت خيار الخلف لكن إن قلنا لا يثبت خيار الخلف فلها الخيار بسبب فوات النسب إذا لم يكن الزوج كفؤها وكذلك للأولياء الخيار إن رضيت بمن هو دونها وكأن للشرط مدخلا أيضا في التأثير لأنه لو زوجها الولي برضاها من مجهول فإذا هو غير كفؤ فلا خيار لأن هذا ليس بعيب وإنما هو فوات منقبة ولم يجر شرط والولي هو المقصر إذ لم يقدم البحث فكأنه إذا جرى شرط أثر في نفي التقصير من جهة الولي والتحق عدم الكفاءة بالعيب في إثبات الخيار لها وللولي
ولو نكح مجهولة ظنها مسلمة فإذا هي كتابية قال الشافعي رضي الله عنه له الخيار ولو ظنها حرة فإذا هي رقيقة قال لا خيار له فقيل قولان بالنقل والتخريجمأخذهما أن الكفر والرق هل يلتحق بالعيوب الخمس ومنهم من فرق وقال الكفر منفر فهو عيب وإن لم يجر شرط والرق غير منفر فهذا تقرير النصين ومنهم من قرر النص ولكن قال مأخذه أن الكتابية تتميز عن المسلمة إذ وليها كافر فلا تشتبه إلا بتلبيس فمأخذه الغرور وكأنه حصل الغرور بمجرد الفعل من غير قول
وأنا أقول إن أمكن أن يجعل هذا تغريرا مثبتا للخيار فلو نكحها وظن بكارتها فإذا هي ثيب ثم يبعد إثبات الخيار لأن النفرة ها هنا أعظم وكثيرا ما يقع هذا في الفتاوي
أما إذا شرط بكارتها في العقد فيجري قولا الإنعقاد وقولا خيار الخلف
وكل تغرير سابق على العقد فلا يؤثر في صحة العقد ويؤثر في إثبات الرجوع بالمهر لأن قول الرجوع بالمهر على الغار قوي ها هنا بخلاف مذهب عمر رضي الله عنه في الرجوع بسبب عدم ذكر العيوب
النظر الثاني في حكم الولد إذا جرى التغرير بالرق
وله أحكام
الأول أنه إذا غر بحرية أمة فأحبلها انعقد الولد على الحرية لظنه الحرية سواء كان الزوج حرا أو عبدا لأن العبد يساوي الحر في الظن وقال أبو حنيفة رحمه الله ينعقد ولد العبد رقيقا دون الحر
الثاني يجب أنه قيمة الولد على الزوج لسيد الأمة لأن الرق في الأم يوجب رق الولد واندفاعه بظنه فهو المتسبب في عتقه وإنما تجب قيمته إذا انفصل حيا باعتبار يوم الإنفصال ولو انفصل ميتا لا بجناية جان فلا شيأ عليه لأنه لا يمكن اعتبار قيمته قبل الإنفصال وهو في الحال لا قيمة له
الثالث أنه إذا غرم رجع به على الغار قولا واحدا قضى بالرجوع بقيمة الولد عمر رضي الله عنه ووافقه العلماء
وأما المهر ففي الرجوع به قولان لأن البضع فات بالمباشرة فلا يبعد أن يقدم على سبب الغرور وأما رق الولد ففات بظنه وهو سبب منشأه قول الغار فكان السبب الأول أولى بالاعتبار
الرابع أنه لا يرجع ما لم يغرم كالضامن لا يرجع على المضمون عنه ما لم يغرم وكذلك الدية المضروبة على العاقلة بشهادة الشهود إذا رجعوا يغرمونها ثم يرجعون على الشهود
الخامس في محل الغرم ومتعلقه وهو الذمة إن كان الزوج حرا وإن كان عبدا فثلاثة أقوال
أحدها أنه يتعلق بكسبه لأنه من لوازم النكاح كالنفقة والمهر
والثاني برقبته لأن النكاح لا يقتضي قيمة الولد وهو نتيجة اتلافه
والثالث يتعلق بذمته فإنه ليس جانيا ولا وجوبه مقتضي النكاح بل هو مقتضى ظنه فسار كما لو لزم بضمانه
وعلى هذا يرجع على الغار بعد العتق لأنه يغرم بعد العتق وعلى القولين الآخرين يرجع السيد مهما غرم من كسبه أو رقبته
وأما المهر فيتعلق بكسبه مهما جرى الفسخ بخيار الغرور إن أوجبنا المسمى وإن رجعنا إلى مهر المثل ففيه الأقوال الثلاثة المذكورة فيما إذا أذن له في النكاح فنكح نكاحا فاسدا ووطأ فتعلق مهر المثل ها هنا بكسبه أظهر لأنه وجب بحكم نكاح صحيح
السادس في المرجوع عليه وهو وكيل السيد إذا زوجه لأنه لا يتصور الغرور من السيد لأنه لو قال زوجتك هذه الحرة عتقتأما إذا كانت الغارة هي الأمة نفسها تعلق العهدة بذمتها لا بكسرها ورقبتها لأنها ليست مأذونه ولا جانية بل تلطفت بلفظ فيلزمها العهدة
فإن كانت مكاتبة فارقت الأمة في شييئى
أحدهما أنه لا مهر لها لأنها مستحقة المهر فكيف يغرم لها ويرجع عليها نعم تعطى قدر ما يتمول على وجه كما سبق
والثاني أنا إذا قلنا ولده المكاتبة قن فتجب قيمته كما في الأمة وإن قلنا مكاتب فهي مستحقة القيمة فلا يغرم لها إذ عليها الرجوع فإنها الغارة
وإن كان الغرور من الأمة ومن وكيل السيد جميعا فوجهان
أحدهما أنه يرجع على أيهما شاء إذ كل واحد باشر سببا كاملا من الغرور لو انفرد به
والثاني أنه يرجع على كل واحد بالنصف لاشتراكهما في السبب
فرع إذا انفصل الولد ميتا بجناية جان فعلى الجانى غرة عبد أو أمة تصرف إلى أب الجنين وجدته بطريق الإرث ولا يمكن للجنين وارث مع الأب سوى الجدة أم الأم
وما الذي يغرم للسيد فيه وجهان
أحدهما وهو اختيار القاضي أنه يغرم للسيد عشر قيمة الأم فإن هذا القدر هو الذي فات عليه بظنه
والثاني أنه يغرم أقل الأمرين من قيمة الغرة التي سلمت له أو عشر قيمة الأم فإنه إن كان قيمة الغرة أقل فكيف يضمن زيادة والولد الميت لا ضمان له وإنما لزم الضمان لسبب حصول هذا القدر بسبب الجناية ولو زادت الغرة فالزيادة للمغرور فإنه زاد بسبب حرية الولد
التفريع إن أوجبنا العشر فهو واجب من غير تفصيل وإن أوجبنا الأقل فينظر إلى قدر ما سلم له فإن كان معه جدة لم يحسب عليه إلا خمسة أسداس الغرة ولا يغرم أيضا ما لم يسلم إليه
وهذا إن كان الجاني أجنبيا ووراءه أحوال وهو أن يكون الجاني هو السيد أو المغرور أو عبد المغرور
فإن كان هو السيد غرم عاقلته لورثة الجنين الغرة وغرم المغرور له العشر أو أقل الأمرين على ما سبق ويحتمل أن يقال لا يغرم المغرور شيئا إذ كان سبب غرمه أنه فات بظنه والآن قد فات بجناية السيد ولكن يمكن أن يقال لما غرم العاقلة انمحى أثر جنايته وقد انفصل مضمونافلا يهدر في حقه
وإن كان الجاني هو المغرور وجب الدية على عاقلته لبقية الورثة دونه فإنه حجب نفسه عن الإرث بجنايته ووجب عليه الغرم للسيد إن أوجبنا العشر وإن لاحظنا الغرة فكيف نلزمه شيئا ولا نسلم له الغرة قال الأصحاب الوجه أن يقال قدر العشر من الغرة للسيد والباقي للورثة فإن تفريمه من غير تسليم شيئ إليه على المذهب الذي يلاحظ الغرة بعيد
وعندي أن ذلك غير بعيد لأن ما صرف عن نفسه بجانيته كأنه استوفاها وهو كما لو أخذ الغرة وأتلفها
وإن كان الجاني عبد المغرور تعلق حصة بقية الورثة برقبته وأما حصته فلا يمكن أن تتعلق برقبة عبده فكأنه استوفاها ولا يجعل ذلك كالساقط بحرمانه عن الميراث لأن حقه كالثابت ها هنا تقديرا
السبب الثالث للخيار العتق
وفيه مسائل
الأولى أنها إن عتقت تحت حر فلا خيار لها وإن عتقت تحت عبد فلها الخيار لما روي أن بريرة عتقت تحت عبد فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يثبت لها الخيار إذا عتقجميعها فلو عتق بعضها لم تتخير ولو عتقت بكمالها تحت من نصفه حر ونصفه رقيق تخيرت لحصول الضرار
ولا خيار بسبب طرآن الاستيلاد والكتابة قبل حصول العتق
الثانية لو عتقت ثم عتق الزوج قبل علمها ففي ثبوت الخيار وجهان كالوجهين فيما إذا علم بالعيب بعد زواله
الثالثة إذا طلقها الزوج قبل الفسخ طلاقا رجعيا فلها الفسخ فإن فسخت فهل تستأنف عدة أخرى فيه خلاف وإن أجازت لم تصح إجازتها لأنها لا تفيد حلا وهي صائرة إلى البينونة ولا يخرج على وقف العقود بل هو كما لو باع خمرا فصار خلا وفيه وجه بعيد أنه يخرج على الوقف
وإن كان الطلاق بائنا فلا معنى لإجارتها ولا لفسخها ونقل المزني أنه ينفذ فسخها ونتبين بطلان الطلاق وكأن حقها كان قويا في الفسخ فليس للزوج إبطاله بالطلاق
الرابعة إذا عتق الزوج وتحته أمة فلا خيار له لأن الخبر ورد فيها وليست المرأة كالرجل في هذا المعنى وذكر العراقيون وجها أنه يثبت الخيار له قياسا لأنا ألحقنا رقالزوج بالعيوب حتى يثبت لها الخيار وقد ثبت استواء الزوجين في العيوب
الخامسة أن هذا الخيار على الفور أم لا فيه ثلاثة أقوال
أحدهما أنه على الفور كخيار العيب في البيع
والثاني على التراخي حتى لا يسقط إلا بإسقاط أو تمكين من الوطء مع جريان الوطء لأن البيع لا يقصد منه إلا المالية ويدرك على الفور فواته بالعيب ومقاصد النكاح كثيرة تفتقر إلى التروي ثم لا يمكن إدامته مع جريان الوطء وعلى التأبيد فيسقط بالإسقاط أو الوطء
والثالث أنه يتمادى ثلاثة أيام ويكفي ذلك مهلة للتروي
والظاهر أن خيار العيب في النكاح على الفور وقد حكى وجه في طرد الأقوال فيه وهو غريب ومنقاس إذ الفرق عسير وغايته أن الأمة لم تطلع من حال أمر الزوج على أمر جديد حتى تدرك على الفور مصلحته فيفتقر إلى التروي بخلاف ما إذا اطلع على عيب لم يعرفه
التفريع
لو وطئها العبد فادعت الجهل نقل المزني قولين فمنهم من قال يقبل ومنهم من قال لا يقبل
فمنهم من قال أراد ما إذا ادعت الجهل بعتقها أما إذا ادعت الجهل بثبوت الخيار فيقبل ومنهم من قال إراد إذا ادعت الجهل بثبوت الخيار شرعا لأنها لا تعذر على قولكما لو ادعى المشتري الجهل بخيار العيب وتعذر على قول لأن ذلك شائع وهذا قد يخفى
أما إذا ادعت الجهل بعتقها فيقبل لأنه لا تقصير منها أصلا
وأما إذا ادعت الجهل بأن الخيار على الفور فلا تعذر ولو ادعت الجهل بخيار البرص والعيوب فينبغي أن يخرج على القولين لأنه في مظنة الالتباس
السادسة إذا عتقت قبل المسيس وفسخت سقط كمال المهر لأن الفسخ حصل بسببها ولن يستند إلى عيب في الزوج
وإن فسخت بعد المسيس قطعوا بأن المسمي لا يسقط ولم يطردوا القول المخرج ها هنا ووجهه أن المهر ها هنا للسيد وقد استقر بالوطء فلا يظهر أثر فسخها في استرداد المهر منه وقد أحسن إليها إذ أعتقها
السبب الرابع العنة
والنظر في أربعة أمور
الأول السبب وهو امتناع الوقاع وحصول اليأس منه يجب أو عنة ومعنى العنة سقوط القوة الناشرة للآلة ولو حصل ذلك بمرض مزمن يدوم ثبت الخيار أيضا إذ العنة مرض في عضو مخصوص وهذا في جميع البدن
والخصي هل يلتحق بالمجبوب فيه قولان ولعل مأخذه أنه يفوت به الولد دون المباشرة والعنة الطارئة بعد الوطء لا تؤثر قولا واحدا
ولو عن عن امرأة دون أخرى ثبت الخيار ولو عن المأتى وقدر على غير المأتى ثبت الخيار ولو امتنع مع القدرة فلا يثبت الخيار ولكن هل يثبت للمرأة المطالبة بوطأة واحدة فيه وجهان
أحدهما لا يثبت لأن داعيته كافية في الاستحثاث
والثاني تثبت المطالبة لعلتين
إحداهما حصول أصل التحصن
والثانية تقرير المهر
وإنما لا تثبت المطالبة بكل حال لأنه قد يفتر عن الوفاء بمطالبتها لو سلطت عليه والمرأة لا تعجز عن التمكين
فإن عللنا بتقرير المهر لم تثبت المطالبة بعد الإبراء وثبت لسيد الأمة المطالبة دون الأمة لأن المهر له
ومهما غيب مقدار الحشفة سقطت المطالبة فإنه وطء كامل في التحليل والإحصان والعدة والغسل والحد وغيرها
النظر الثاني في المدة عنته إما بإقراره أو يمينها بعد نكوله ضربت المدة سنة حتى تتكرر عليه الفصول الأربعة فربما يتغير الطبع فلو قال مارست نفسي وأنا عنين فلا تضربوا لي المدة فلا نبالي بقوله بل لا بد من المدة
ولا يتصور أن تثبت العنة بشهادة لأنه لا مطلع عليها نعم القول قوله إذا أنكر العنة فإن نكل حلفت لأنها بقرائن الأحوال بعد طول الممارسة تعلم وقال أبو إسحاق لا تحلف لأنها لا تعلم كما لا يشهد الشاهد وهو بعيد بل إذا تنازعا في نية الطلاق فنكل قضى الشافعي رضي الله عنه برد اليمين عليها مع أن النية غيب فهذا أولى
وإذا حلف الرجل على أنه ليس بعنين تركناه ولم نطالبه بإقامة البرهان بالإقدام علىالوطء إلا إذا قلنا لها المطالبة بوطأة واحدة فذلك يثبت أيضا في حق غير العنين
والعنة بعد الوطء لا توجب الخيار لأنه إذا قدر مرة فربما تعود القدرة
ثم إذا أقر أو حلفت لم تضرب المدة إلا بالتماسها فإن سكتت لم تضرب وتستوي مدة الحر والعبد لأن هذا أمر يتعلق بالطبع
فإن مضت المدة ولم يجر وطء بالاتفاق رفعت الأمر إلى القاضي فإن له نظرا في دعواه الإصابة فإذا قضى عليه بالعنة فسخت كما في الجب وسائر العيوب وفيه وجه أن القاضي هو الذي يتعاطى الفسخ لأن ظهور ذلك في محل الاجتهاد
ولا خلاف في أن القاضي لا يطلق عليه كما يفعل في المؤلي على قول لأن الإيلاء كان طلاقا في الجاهلية فجعل موجبا للطلاق وأما هذا ففسخ كخيار العيوب
فرع إنما تحسب المدة إذا لم تعتزل عنه فإن اعتزلت لم تحسب ولو انعزل الزوج قصداحسب لأنه لا يعجز عن المدافعة بذلك ولو سافر فوجهان الظاهر أنه يحسب
النظر الثالث في استيفاء الخيار وهذا الفسخ في الأحكام كالفسخ بالعيب في أنه على الفور وأنه إن رضيت فلا اعتراض للولي ولو رضيت فلا عود إلى الطلب بخلاف رضاها بالزوج المؤلي فإن القدرة حاصلة والتوقع ثم دائم وأما ها هنا فحصل اليأس
وإن فسخت في أثناء المدة لم ينفذ وإن رضيت فهل ينفذ حتى يسقط حقها قولان
أحدهما لا لأنه لم يثبت الفسخ والرضا في مقابلته فلا يثبت قبله
والثاني نعم لأنها تدعي المعرفة بالعنة
ولو رضيت بعد المدة فطلقها زوجها ثم راجعها وكانت العدة وجبت باستدخال مائة لم يثبت لها المطالبة ثانيا وإن أبانها ثم جدد نكاحها فقولان
أحدهما لا يعود لأنها رضيت مرة
الثاني نعم لأنها ربما توقعت عود قوته ولذلك لو وطئها في النكاح الأول وعن عنها في النكاح الثاني ثبت لها المطالبة ولو عن عنها في ذلك النكاح بعد الوطء لم تطالب
النظر الرابع في النزاع في الإصابة ومهما تنازعا فالقول قول من ينكر الإصابة إلا فيثلاثة مواضع
أحدها إذا تنازعا في مدة العنة والإيلاء فالقول قوله وإن كان الأصل عدم الإصابة لأنه يعسر عليه إقامة البينة فإن أقامت البية على بكارتها رجعنا إلى تصديقها وحلفناها لاحتمال رجوع البكارة
الثاني إذا قالت طلقتني بعد المسيس ولي كمال المهر فأنكر فالقول قوله إلا إذا أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق في النكاح فإنا نثبت النسب بالاحتمال ونقوي به جانب المرأة فنجعل القول قولها
فإن لاعن عن الولد استقر الظاهر في جانبه فنرجع إلى القياس وتصديقه بيمينه
الثالث إذا تنازعا في الوطء مع التوافق على جريان الخلوة قال بعض الأصحاب الخلوة تصدق من يدعي الوطء والأصح أن ذلك لا يؤثر في تغيير قانون التصديق
القسم الخامس من الكتاب
في فصول متفرقة شذت عن هذه الضوابط وهي ستة فصول
الفصل الأول فيما يستباح من الاستمتاع بالنكاح
فنقول يحل للرجل جميع فنون الاستمتاع ولا يستثنى عنه إلا كراهة في النظر إلى الفرج وتحريم مؤكد في الإتيان في الدبر ونهي عن العزل على وجه والصحيح أن العزل جائز مطلقا ومنهم من منع مطلقا وقال هو الوأد الأصغر ومنهم من أباح في المنكوحة الرقيقة دون الحرة خوفا من إرقاق الولد ومنهم من جوز برضى المرأة كأنه يحذر من تضررها وكل ذلك ضعيف بل القياس أن الإمتناع عن إرسال الماء في الرحم كالإمتناع عن أصل الإنزال وتحقيق هذه المسألة ذكرناها على الإستقصاء في كتاب النكاح من كتب إحياء علوم الدين في ربع العادات فليطلب منه
ولا خلاف في جواز العزل من السرية والمملوكة حفظا للملك واختلفوا في أن المستولدة كالسرية أو كالمنكوحة
وأما الإتيان في الدبر فمحرم في المملوك والمملوكة والمنكوحة وما يحكى عن بعض الأئمة من تجويزه في المنكوحة فهو اختراع بل النص عن في النهي عن اتيان النساء في المحيضوتعليله بأنه أذا منبه على تحريمه بطريق الأولى فإن الأذى في ذلك الموضع دائم
ثم اتفق الأصحاب على أنه في معنى الوطء في إفساد العبادات ووجوب الغسل من الجانبين ووجوب الكفارة ووجوب مهر المثل في النكاح الفاسد وبالشبهة ووجوب العدة وحرمة المصاهرة
واتفقوا على أنه لا يتعلق به التحليل والإحصان إحتياطا للتحليل ولسقوط الحد وترددوا في أربعة أمور
أحدها النسب والظاهر أنه يثبت أن الماء قد يسبق ويتجه هذا عند من يثبت النسب في السرية بمجرد الوطء مع العزل
الثاني تقرير المسمى في النكاح والظاهر أنه يتعلق به وإنما ذكر العراقيون فيه ترددا مع قطعهم بوجوب مهر المثل في النكاح الفاسد
والثالث الرجم والجلد ثم إذا أوجبنا به الحد لم نوجبه في المملوكة والمنكوحة بل ذلك كإتيانهما في الحيض ونوجب في المملوك لأن الملك هاهنا لا ينتهض شبهة بخلاف وطء الأخت المملوكة فإن الصحيح ثم سقوط الحد لقيام المبيح
الرابع في الاستنطاق في النكاح والظاهر أنها لا تستنطق وفيه وجه أنها كالثيب
الفصل الثاني في وطء الأب جارية الابن
وهو حرام ولكن له في مال ابنه شبهة الإعفاف وبمثل هذه الشبهة يسقط عنه حد السرقة فتؤثر هذه الشبهة أيضا في درء الحد عنه ووجوب المهر عليه وفي تحريم الجارية على الابن أبدا بحكم المصاهرة وفي ثبوت النسب وانعقاد الولد على الحرية وهل تصير مستولدة له إذا أحبلها فيه قولان
المنصوص وهو مذهب أبي حنيفة أنها تصير مستولدة إذ لا وجه للحكم بحرية الولد إلا نقل الملك إليه رعاية لحرمة الأبوة
والثاني وهو مذهب المزني أنه لا يثبت لأنه لا سبب لنقل الملك إليه وليس من ضرورة حرية الولد نقل الملك إليه فإن الوطء بالشبهة يوجب حرية الولد ولا يوجب أمية الولد وكذلك المغرور بحرية الجارية يخلق الولد حرا ولا تحصل أمية الولد للجارية ولا ينقل الملك إليه وحكي عن صاحب التقريب قول ثالث في الفرق بين المعسر والموسر كما فيسراية العتق فإن قلنا لا تحصل فلا يجوز بيع الجارية وهي حامل بولد حر وهل تجب قيمة الجارية على الأب لهذه الحيلولة إلى وقت الولادة فيه وجهان والظاهر أنه لا يجب لأن يده مستمرة وانتفاعه دائم وإنما هذا تأخير بيع أما قيمة الولد فتجب على هذا القول باعتبار يوم والانفصال إن انفصل حيا
وإن قلنا يثبت الاستيلاد ففي وجوب قيمة الولد وجهان ينبنيان على أن الملك يقدر انتقاله بعد العلوق أو مع العلوق منهم من قال بعد العلوق فتجب القيمة لأن المعلول يترتب على العلة والصحيح ان لا قيمة والملك ينتقل مع العلوق والمعلول مع العلة وإن كان بينهما ترتيب فهو عقلي لا زماني وإذا قارنه فقد صادف العلوق ملك الأب فلا تجب القيمة وقد قيل يقع قبل العلوق وهو ضعيف يضاهي قول أبي حنيفة إنه يقع قبل الوطء حتى يسقط المهر أيضا وتقديم المعلول على العلة من غيرضرورة ممتنع في الأحكام ومستحيل على الإطلاق في العقليات
هذا كله إذا لم تكن الجارية موطوءة الابن فإن كانت موطوءة الابن فقد حرمت على الأب على التأبيد وإن أثبتنا الاستيلاد لم يبح للأب غشيانها لأن التحريم المؤبد لا يرتفع بالطورئ
الفصل الثالث في إعفاف الأب
وفي وجوبه قولان
أحدهما وهو المذهب المشهور أنه يجب لأن تعريضه للزنا مع القدرة على تحصينه عن الحد في الدينا والعذاب في الآخرة لا يليق بحرمة الأبوة
والثاني وهو مذهب أبي حنيفة والمزني وهو القياس أنه لا يجب كما لا يجب إعفاف الابن وكما لا يجب إعفاف المحتاجين من بيت المال
فإن قلنا يجب فإنما يجب إعفاف الأب المحتاج إلى النكاح الفاقد للمهر فهذه ثلاثة قيود
الأول الأب ويدخل تحته الجد وإن علا من جهة الأب ومن جهة الأم وهو كل من يستحق النفقة
ولو اجتمع اثنان منهم في درجة واقتضى الحال توزيع النفقة إذا لم يقدر الابن إلا على نفقة أحدهما كما سنذكره في كتاب النفقات إن شاء الله تعالى فهاهنا لا يمكن التوزيع ففيه وجهان
أحدهما أنه يقرع بينهما
والثاني أن القاضي يجتهد ويقدم من يرى في مخايله أنه أحوج إلى النكاح
وأما قولنا محتاج إلى النكاح فأردنا به صدق الشهوة فإذا ادعي الشهوة وجب قبوله من غير تحليف فإن ذلك لا يليق بالاحترام نعم هو بينه وبين الله تعالى لا يحل له اقتراح ذلك إلا إذا صدقت بشهوته بحيث يعسر عليه مصابرتها ويحتمل أن يعتبر مع ذلك خوف العنت كما في نكاح الأمة
وأما قولنا الفاقد للمهر فأردنا به أنه لو وجد مالا هو بلغة نفقته أياما لكنه لا يفي بالمهر فيجب إعفافه لأنه مستغن عن النفقة دون الإعفاف وفيه وجه بعيد أنه لا يستحق لأنه لا يستحق النفقة وهو ضعيف
وأما قولنا يجب الإعفاف فنعني به ما تحصل به عفته عن الزنا ويحصل ذلك بأن يزوج منه امرأة مسلمة أو كتابية أو يملكه جارية أو يسلم إلى صداق امرأة أو ثمن جارية ثم يلزم مؤنة الزوجة في دوام النكاح
وليس للأب أن يعين امرأة رفيعة المهر ومهما تعين مقدار المهر فتعيين الزوجة إلى الأب لا إلى الابن
ولا يكفيه أن يزوجه عجوزا شوهاء أو معيبة ببعض العيوب فإن ذلك لا يعف ويكونذلك كطعام فاسد لا ينساغ فإنه لا يقبل في النفقة
ولا يلزمه تسليم الصداق إلى الأب بل له أن لا يسوق الصداق إلا بعد العقد
فرعان
أحدهما أنه تكفيه زوجة واحدة فلو ماتت لزمه الأخرى وفيه وجه بعيد أنه لا يلزمه لأن النكاح وظيفة العمر فيكفي مرة واحدة
ومهما فسخ نكاحها ببعض العيوب أو انفسخ لا باختياره فيجب التجديد كما في الموت أما إذا طلقها ففي التجديد ثلاثة أوجه
أحدها أنه يجب لأن تكليفه إمساك زوجة واحدة فيه عسر
والثاني لا يجب إذ هو الذي قطع النكاح بنفسه
والثالث أنه إن طلق بعذر ظاهر من ريبة أو غيرها كان كالرد بالعيب فيجب التجديد وإلا فلا أما إذا كان مطلاقا بحيث ينسب في العرف إليه فلا يجب التجديد
الثاني لو ملك الابن جارية فإذا أراد أن يزوجها منه فهذا يبتنى على أصلين
أحدهما أن الأب هل يعد موسرا بمال ولده حتى يمتنع عليه نكاح الأمة وفيه خلاف
فإن قلنا لا يعد موسرا فيبتني على أن وطء جارية الابن هل يوجب الاستيلاد
فإن قلنا يوجب لم يصح النكاح لأنه يؤدي إلى انفساخ النكاح بحصول الولد الذي هو مقصود العقد
أما إذا كان الأب عبدا ونكح جارية ابنه جاز لأن الاستيلاد في حقه غير ممكن لا يتصور له الملك فكيف ينتقل الملك إليه
ولو نكح الحر أمة أجنبي فملكها ابنه لم ينفسخ النكاح لأن هذه الشروط والتوهمات إنما تعتبر في ابتداء العقد لا في دوامه نعم إذا حصل ولد في ملك الابنانفسخ النكاح إذ ذلك وانعقد الولد على الحرية وقال الشيخ أبو علي لا ينعقد على الحرية فإن وطء في ملك النكاح لا يقتضي حرية الولد فلا يحصل الاستيلاد وهو بعيد ولو أمكن هذا لحكمنا بصحة النكاح ابتداء كما قاله أبو حنيفة
ولا خلاف بين الأصحاب أنه لو نكح جارية مكاتبه لم يصح لتوقع الاستيلاد و انقلاب الملك إليه كما في جارية الابن لكن لو طرأ ملك المكاتب على زوجة سيده ففي الانفساخ وجهان
أحدهما لا كطرآن ملك الابن
والثاني ينفسخ لأن المكاتب وماله كالملك للسيد فلا يفرق في ذلك بين الطارئ والمقارن كما في ملك الزوج زوجته
الفصل الرابع في تزويج الإماء وحكمه في الاستخدام والنفقة والمهر
أما الاستخدام فلا يبطل بالتزويج وإنما يحرم الاستمتاع لأن تعطيل منفعتها على السيد ينفره من الرغبة في التزويج بخلاف الحرة فإنه صاحبة الحظ فيرغب مع تعطيل المنافع
ثم السيد يستخدمها نهارا ويسلمها إلى الزوج ليلا فلو عكس لم يجز لأن الليل هو وقت الاستمتاع ولذلك يعتمد عليه في القسم نعم هل للسيد أن يقول أبوئها بيتا في داري ليلقاها زوجها ولا أسلمها إليه فقولان
أحدهما لا لأنه يناقض تمام التمكين
والثاني له ذلك لأن اليد حقه ولا ضرورة إلى إبطاله كيف ولا خلاف أن له أن يسافر بها وعلى الزوج إن أراد صحبتها أن يصحبها ولينفرد بها ليلا فإذا جاز ذلك فهذا أولى
فإن قلنا ليس له أن يبوئها بيتا فلو كانت محترفة فقال سلموها نهارا إليلتحترف في بيتي وأستأنس بمشاهدتها قال أبو إسحاق المروزي يجب إسعافه جمعا بين الجانبين وقال الأكثرون لا يجب تسليمها في مدة العمل فإن ذلك نقص في حق السيد
أما النفقة فتجب على الزوج بكمالها إن تسلم إليه ليلا ونهارا وإن لم تسلم إليه إلا بالليل فثلاثة أوجه
أحدها أن لها النفقة على السيد لأن النفقة إنما تجب بكمال التمكين على الزوج ولم يجر
والثاني أنه يجب كمال النفقة على الزوج لأنه يسلم له كمال التمكين المستحق بالنكاح
والثالث أنه يتشطر لتشطر الزمان
أما إذا نشزت الحرة نهارا وسلمت ليلا فعلى وجه تسقط جميع النفقة وعلى وجه يسقط الشطر لأنه لم تسلم كمال المستحق بالنكاح
ولا خلاف في أنه لو سافر السيد بها سقطت النفقة ولم يلزم الزوج مصاحبتها والإنفاق عليها
وأما المهر فإنما يجب للسيد ولا يسقط بإسقاطها
والنظر في السقوط بالقتل والبيع
أما القتل فقد نص الشافعي رضي الله عنه أن السيد لو قتلها قبل المسيس فلا مهر له مع أنه لا خلاف في أن الحرة لو ماتت أو قتلها أجنبي قبل المسيس استقر المهر لأن ذلك نهاية النكاح ولذلك يتعلق به الإرث فمنهم من خرج قولا في الأمة من الحرة ومنهم من قرر النص وعلل بعلتين
إحداهما أن السيد زوج بحكم ملك اليمين فيسقط حقه بإتلافه قبل القبض كما في البيع
والثانية أن العاقد هو الذي فوت المعقود عليه فيمتنع منه المطالبة
وينبني على العلتين قتل الحرة نفسها لأنها عاقدة وليست مملوكة وفيه وجهان
وكذلك قتل الأجنبي الأمة يخرج على العلتينفأما موت الأمة فلا يخرج على العلتين ولا خلاف أنه يقرر الماء أما إذا باع الأمة لم ينفسخ النكاح خلافا لابن عباس رضي الله عنه ويسلم المهر للبائع لأنه وجب بالعقد إلا في صورة التفويض على قولنا يجب المهر بالمسيس غير مستند إلى العقد فعند ذلك إذا جرى المسيس في ملك المشتري كان له المهر نعم لو باع قبل تسليم المسمى لم يكن له منع الأمة وحبسها لسوق الصداق إليه إذ لم يبق له تصرف في الأمة ولم يكن أيضا للمشتري الحبس لأنه لا يستحق المهر فيستفيد الزوج بالبيع سقوط حق المنع ومهما أعتق الجارية كان حكم المهر ما ذكرناه لكن المعتقة تقوم مقام المشتري
فرعان
أحدهما لو زوج أمته من عبده فلا يستحق السيد المهر إذ لا يستحق السيد على عبده دينا والرق المقارن للعقد دفع المهر بعد جريان موجبه ولو يكن هذا تعرية للعقد عن المهر بل جرى الموجب واقترن به الدافع فاندفع والاندفاع في معنى الانقطاع لا في معنى الامتناع
الثاني إذا قال لأمته أعتقتك على أن تنكحيني فلا ينفذ العتق إلا بقبولها لأنه علق بعوض مقصود ثم إذا قبلت عتقت وفسد العوض ولو يلزمها الوفاء بالنكاح والرجوع عليها بقيمتها للسيد كما لو أعتقها على خمر ثم لو نكحها بعد ذلك بالقيمة التي عليها وهي مجهولة ففي صحة الصداق وجهان
أحدهما وهو اختيار المزني أنه لا يصح
والثاني أنه يصح إذ الاستيفاء غير مقصود بخلاف ما لو أتلفت الحرة على إنسان شيئا ولزمتها قيمة مجهولة فنكحها بتلك القيمة فالصحيح فساد الصداق هاهنا ويتجه طرد القولين لعسر الفرق
ولو قالت السيدة لعبدها أعتقتك على أن تنكحني فالصحيح أنه ينفذ من غير قبول وكأنها قالت أعتقتك على أن أعطيك بعده شيئا ومنهم من قال يفتقر إلى القبول لأنه مقصود في العادة وهو ضعيف إذ لا خلاف أنه لو قال طلقتك على أن لا تحتجبي مني وقع الطلاق من غير قبول
ثم قال صاحب التقريب من أعتق أمة لينكحها ولم يأمن مخالفتها فسبيله أن يقول إن يسر الله بيننا نكاحا صحيحا فأنت حرة قبله ثم ينكحها فيبين وقوع العتق قبله ويصح النكاح ومنهم من خالف في هذا وبنى على ما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو ميت وهذا البناء ضعيف لأنه لا يدري أن موت الأب مع تقرير العقد وهاهنا نتيقن مصادفة صحة النكاح للعتق ويمكن أن يقال جعل العتق معلول الصحة إذعلق بها والصحة معلول العتق فتكون الصحة علة نفسها بواسطة العتق فإنها علة العتق الذي هو علتها ولا يكون الشيئ علة نفسه ولا معلول معلوله وليس هذا كدور الطلاق فإن المعلق يكون معلول المنجز والمنجز ر يكون معلول المعلق أصلا لأنالمنجز لا يستدعي وقوع طلاق قبله وصحة النكاح تستدعي وقوع عتق قبله وفي المسألة زيادة غور لا يحتمل هذا الموضع كشفه
الفصل الخامس في تزويج العبيد
والنظر فيه في المهر والنفقة وهما لازمان متعلقان بأكساب العبد مهما نكح بالإذن وإن كان في يده مال التجارة تعلق بالأرباح وهل يتعلق برأس المال فيه وجهان
أحدهما لا لأنه ليس من كسبه فصار كرقبته وسائر أموال السيد
والثاني أنه يتعلق لأن الأطماع تمتد إلى ما في يده
والقول الجديد أن السيد لا يصير ضامنا للمهر بمجرد الإذن في العقد إذ الإذن لا يقتضي إلا تمكينه من أداء لوازم النكاح فيجب عليه ترك الاستخدام وتمكن العبد حتى يكسب مقدار المهر أولا ثم يكسب للنفقة والقول القديم في العبد الذي ليس بكسوب أوجه وهو مستمد من قولنا إن عهدة عقود المأذون ترجع إلى السيد وإن لم يصرح بالضمان نعم اختلفوا على الجديد في أنه هل يمتنع على السيد المسافرة به واستخدامه
فقال المراوزة له ذلك ثم عليه لوازمالنكاح وقال العراقيون لا بل تعلقت اللوازم بكسبه فليس له استيفاءه
ثم مهما استخدم يوما واحدا مثلا محقا أو مبطلا ففيما يلزمه قلولان
أحدهما أقل الأمرين من أجرة المثل أو لوازم النكاح
والثاني أنه يلزمه جميع لوازم النكاح لأنه ربما كان يكتسب بالاتفاق في هذا اليوم ما يفي بالجميع
ثم على هذا القول ترددوا في أنه هل يجب كمال النفقة إلى آخر العمر أم يقتصر على المهر ونفقة مدة الاستخدام لأن العمر مجهول الآخر
ولا خلاف في أنه لو استخدمه أجنبي لم يلزمه إلا أجرة المثل لأنه ليس عاقدا حتى يخاطب بلوازم العقد والسيد كالعاقد
فرع إذا نكح العبد حرة فاشترته انفسخ النكاح وكذلك إذا اتهبت ولكن يضاف الفسخ إلى قبولها أو إلى ايجاب السيد حتى يظهر أثره في التشطير قبل المسيس إن أضيف إلىالسيد وإسقاط الجميع إن أضيف إليها فيه قولان مأخذهما طلب الترجيح بين الإيجاب والقبول في السببية مع أن السبب واحد وهو مركب فيهما جميعا
ويمكن أن يقال أصل الفسخ إسقاط جميع المهر إلا إذا كان السبب من جانب من يستحق عليه المهر خاصة وهذا ليس من جانبه خاصة فسقط الجميع وهذا هو الأوجه
فعلى هذا لو اشترته بالصداق الذي ملكته عن السيد بصريح ضمانه فإن كان قبل المسيس قال الشافعي رضي الله عنه لا يصح الشراء إذ لو صح لسقط المهر ولعري الشراء عن العوض فيؤدي إثباته إلى نفيه فيبطل من أصله إذ يعود المهر إلى السيد بحكم الفسخ لا بحكم البيع وهذا من قبيل الدور الحكمي
وإن فرعنا على قول التشطير بطل الدور في النصف ويخرج في الباقي على قولي تفريق الصفقة
فإن رأينا تفريق الصفقة أو اشترته بعد المسيس حيث يتقرر المسمى كله فيبتنى على أن من استحق دينا على عبد ثم اشتراه هل يسقط دينه بالملك الطارئ كما يسقط بالمقارن وفيه وجهان
فإن قلنا إنه يسقط فيؤدي براءته إلى براءة الكفيل وهو السيد فيؤدي إلى خلو الشراء عن العوض ويعود إلى الدور الحكمي
وإن قلنا لا يسقط بقي السيد ضامنا فيصح الشراء وينفسخ النكاح
ولنذكر ها هنا مسائل خمسا في الدور الحكمي
إحداها أنه لو أعتق أمته في مرضه وتزوجها وكانت ثلث ماله ومات ولو يزد ماله لم يكن لها طلب المهر لأن ذلك يلحق دينا بالتركة ويوجب در العتق والنكاح والمهر من أصله فطلب المهر يؤدي إلى إبطال أصل المهر
الثانية المريض إذا زوج أمته عبدا ثم قبض صداقها وأتلفه ثم أعتقها فلا خيار لها إذ لو فسخت لارتد المهر ولما خرجت من الثلث فيبطل العتق ويبطل الخيار
الثالثة لو مات وخلف أخا وعبدين فأعتقهما الأخ ثم شهدا على أن للميت ابنا من زوجته فلانة ثبتت الزوجية والنسب ولا يثبت الميراث للولد بقولهما إذ لو ثبت لحجب الأخ وبطل إعتاقه وشهادتهما
وإن شهدا بأن له بنتا لم يثبت الإرث لها لأن في توريثها رد عتق الأخ في البعض وإرقاق بعض العبدين وذلك يبطل الشهادة هذا إذا كان معسرا فإن كان موسرا يثبت الإرث إذ ليس من ضرورة الإرث إرقاق العبد بل ينفذ في نصيب الأخ ويسري إلى الباقي
الرابعة لو أوصى له بابنه فمات وخلف أخا فله القبول فإذا قبل عتق الابن ولم يرث لأنه ورث لحجب الأخ وأبطل قبوله فإنه قبل لكونه وارثا
الخامسة لو اشترى المريض ابنه أو أباه عتق من ثلثه ثم لا يرث أنه لو ورث لصار التسبب إلى عتقه بالشراء وصية له فيبطل العتق ولا يرث وها هنا دقيقة في طريق قطع الدور فإنه تارة يقطع من أوله كما ذكرناه في إبطال شراء الزوجة زوجها وتارة من وسطه كما ذكرنا في إثبات النسب ونفي الميراث وإنما ذكرنا ذلك لأجل تأكد بعض الأسباب وبعدها عن قبول الدفع كالنسب وضعف بعضها وقبولها للدفع كالبيع وسر ذلك قد حققناه في كتاب غاية الغور في دراية الدور فليطلب منه
الفصل السادس في التنازع في النكاح
والدعوى إما أن تكون منه أو منها فأما دعواه فصحيحه لأنه مستحق الحق وعليها تتوجه الدعوى بناء على الصحيح في قبول إقرارها
أما المرأة إذا ادعت فإن ادعت المهر صحت الدعوى وإن ادعت الزوجية ولم تتعرض للوازم الدعوى فالظاهر قبول دعواها فإن الزوجية وإن كان حقا عليها ولكنها مناط حقوق لها وفيه وجه أنه لا يقبل لفساد صيغة الدعوى إذ تدعي أنها رقيقة لغيرها وهو ضعيف بدليل أنه تفيد دعواها إذا سكت الزوج إذ لو أقر بعد ذلك أو ادعى الزوجية قبل لأنه ما ثبت التحريم فلو أنكر وجعلنا إنكاره طلاقا على أحد المذهبينسقط دعواها وإن لم نجعله طلاقا كان إنكاره كسكوته
فروع خمسة
الأول إذا ادعى زيد زوجية امرأة وادعت المرأة أنها زوجة عمرو وأقام كل واحد بينة قال ابن الحداد بينة زيد أولى لأنها استندت إلى صيغة صحيحة في الدعوى بخلاف دعوى المرأة فاستحسن منه بعض الأصحاب وخالفه بعضهم وقال كيف تسلم لزيد وقد كذبته البينة الأخرى المقابلة لها والمسألة المفروضة فيما إذا كان عمرو ساكتا فإنه لو أنكر ربما جعل إنكاره طلاقا
الثاني إذا زوج إحدى ابنتيه ومات ووقع النزاع في عين الزوجة فللمسألة حالتان
إحداهما أن يعين الزوج إحداهما وكل واحدة تدعي أن المزوجة صاحبتها فالتي عينها الزوج توجه الدعوى عليها فتجري على منهاج الخصومات والثانية لا خصومة معها
الثانية أن تزعم كل واحدة منهما أنها المزوجة فالتي عينها الزوج منكوحة باتفاق الزوجين وبقيت الأخرى تدعي الزوجية وقد سبق حكم دعواها
وقال بعض الأصحاب ليس من شرط المسألة تقدير موت الأب كما فرضه ابن الحداد فإنالأب و إن كان حيا فإقرار المرأة يقبل على الصحيح وهذا متجه إذا كانتا ثيبين إذ لا يقبل إقرار الأب فهو كالميت
وأما إذا كانتا بكرين فإقرار الأب مقبول عليها ويجر قبول إقرارها مع قبول إقراره عسرا لأنه ربما يختلف فكيف يحكم بها فيمكن أن يقال يرعى السابق من الإقرارين أو يسقط إقرارها إلا إذا يكذبها الولي وهو الأوجه
الثالث إذا ادعت زوجية ومهرا وشهد الشهود وقضى بالمهر فرجع الشهود ففي تغريمهم قولان مبنيان على شهود المال إذا رجعوا أنهم هل يغرمون بالحيلولة وها هنا أولى بأن لا يغرم لأن الشهود أثبتوا البضع له في مقابلة المهر وهو الذي فوت بإنكاره
التفريع
إن قلنا يغرمون فإنما يغرمون ما أخذ من الزوج وإن قلنا لا يغرمون فإنما لا يغرمون فإن زاد المأخوذ على قدر مهر في مقابلته حقا
التفريع إن قلنا يغرمون فإنما يغرمون ما أخذ من الزوج وإن قلنا لا يغرمون فإنما لا يغرمون فإنما لا يغرمون ما هو قدر مهر المثل فإن زاد المأخوذ على قدر مهر المثل غرموا الزائد لأنهم لم يثبتوا في مقابلته حقا
المسألة بحالها ولو شهد الشهود على النكاح وآخرون على الإصابة وآخرون علىالطلاق قال ابن الحداد الغرم على شهود الطلاق لأنهم المفوتون وأما شهود النكاح فإنهم أثبتوا حقا والآخرون أثبتوا استمتاعا واتفق الأصحاب على تغليطه لأن شهود الطلاق وافقوه إذ نفوا زوجية هو منكر لها بل الغرم موزع على شهود النكاح وشهود الإصابة إن شهد شهود الإصابة على الإصابة في نكاح وإن شهدوا على أصابة مطلقة فذلك لا يؤثر لأنه يظهر كونه في نكاح حتى يتعلق بها الحكم
الرابع إذا ادعت المرأة محرمية أو رضاعا بعد العقد وكانت مجبرة تسمع دعواها
وقال ابن الحداد القول قولها لأن هذا من الأمور الخفية فربما انفردت به وقال ابن سريج القول قوله وهو الأصح لأن النكاح معلوم والأصل عدم المحرمية وفتح هذا الباب للنساء طريق عظيم في الخلاص للفاسقات من ربقة النكاح
أما إذا كانت تزوجت برضاها فظاهر المذهب أنه لا يقبل دعواها لأنه يناقض رضاها إلا إذا أظهرت عذرا من نسيان أو غلط فيحتمل أن يقبل دعواها ويحلف الزوج كما إذا ادعى الراهن قبل الرهن وزعم أنه اعتمد على كتاب وكيله أنه لم يبيع ثم بان أنه مزور فإنه تقبل دعواه في وجه
الخامس إذا زوج أمته ثم قال زوجتها وكنت مجنونا أو محجورا علي وأنكر الزوج فإن لم يعهد له جنون بيقين فالقول قول الزوج
وإن ادعى الصبى أو أمرا معهودا فوجهان
أحدهما أن القول قوله إذ الأصل بقاء تلك الحالة
والثاني أن القول قول الزوج فإنه اعترف بالعقد فيحمل على الصحة فعليه بينة الإبطال
وقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لو أحرم الولي بعد التوكيل بالنكاح ثم ادعى أن الوكيل زوج بعد الانعزال بالإحرام أن القول قول الزوج لأن العقد معترف به فيحمل على الصحة ولكن هذا يفارق مسألة الوجهين لأنه أقر بسبق التوكيل على الإحرام والله تعالى أعلم بالصواب
كتاب الصداق
وفيه خمسة أبواب
الباب الأول في حكم الصداق الصحيح في الضمان والتسليم والتقرير
الحكم الأول في الضمان فنقول كل عين مملوكة يصح بيعها أو منفعة متقومة تصح الإجارة عليها فيصح تسميتها في الصداق حتى تعليم القرآن فلا يتعين للصداق مقدار ولا جنس
وقال أبو حنيفة رحمه الله أقل الصداق نصاب السرقة وقال لا يصدقها منفعةحر لكن يصدقها منفعة العبد
ويستحب ترك المغالاة في الصداق لقوله عليه الصلاة والسلام خير النساء أرخصهن مهورا وأحسنهن وجوها
ثم مهما صح الإصداق فالصداق في يد الزوج مضمون ضمان العقد أو ضمان اليد ففيه قولان مشهوران
أحدهما أنه مضمون ضمان العقد لأنه عوض في معاوضة كاليبع فعلى هذا لو تلف قبل القبض انفسخ الصداق وقدرنا انتقال الملك إلى الزوج قبل التلف حتى لو كان الصداق عبدا ومات كان مئونة التجهيز على الزوج وترجع المرأة إلى مهر المثل وهو عوض البضع إذ كان قياس الفسخ رجوع البضع إليها لكن الصداق ليس ركنا في النكاح فتعذر رد البضع وفسخ النكاح به يضاهي ما لو تلف العوض في البيع والمعوض جارية تعذر ردها باستيلاد متملكها فإنه يرجع إلى قيمة الجارية
والقول الثاني أنه مضمون ضمان اليد كما في المستام والمستعار حتى يخرج على وجهين في أنه يضمن بأقصى القيمة من يوم الإصداق إلى التلف أو يضمن بقيمة يوم الإصداق
ومنشأ القولين التردد في أن الغالب على الصداق مشابه العوض أو مشابه النحلة ويدل على كونه نحلة قوله تعالى { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } وأنه لا يفسد النكاح بفساده ولا ينفسخ برده اتفاقا وكأنه تحفة عجلت إليها لتهيئ بها أسبابها
ويدل على كونه عوضا أنه تقابل به المرأة في العقد كما في البيع وأنه يتقرر بتسليم المعوض ويرجع عند فساده إلى بدله وهذا هو الأصح وكأنه عوض إذا ثبت ولكن إثباته ودوامه ليس ركنا في النكاح
ويتفرع على القولين النظر في التصرف في الصداق قبل القبض وحكم الزوائدوحكم التعييب والتلف وبيانه بخمس مسائل
الأولى بيع الصداق قبل القبض ممتنع عن قول ضمان العقد جائز على ضمان اليد وكذلك الإستبدال عنه إذا كان دينا يجري مجرى الإستبدال عن الثمن على قول ضمان العقد لا مجرى المسلم فيه
الثانية منافع الصداق إذا فات لم يضمنه الزوج على القولين إلا إذا قلنا إنه مضمون ضمان المغصوب نعم لو استخدم الزوج فاستوفى المنفعة ضمن على قول ضمان اليد وعلى قول ضمان العقد ينزل منزلة البائع إذا انتفع وفي ضمانه وجهان ينبنيان على أن جناية البائع كجناية الأجنبي أو كآفة سماوية
وأما الزوائد كالولد والثمار لا تدخل في ضمان الزوج على القولين إلا إذا الحقناه بضمان المغصوب
الثالثة إذا تعيب الصداق قبل القبض فلها خيار فسخ الصداق على القولين إلا على وجه حكي عن أبي حفص بن الوكيل أنه لا خيار لها على ضمان قول الغصب واتفاق الجمهور على إثبات الفسخ يؤيد قول ضمان العقد لكن القائل الآخر يقول هو وإن كان مضمونا ضمان اليد فقد التزم تسليمه في عقد
ثم إن فسخت فعلى ضمان قول العقد رجعت إلى مهر المثل وإن أجازت لم تطالب بالأرش وعلى الثاني ترجع إلى قيمة الصداق وإن أجازت طالبت بالأرش
أما إذا اطعلت على عيب قديم فلها الخيار ولكن على قول ضمان اليد هل تطالب بالأرش إن أجازت فيه تردد الأصحاب وتبعد المطالبة بأرش ما لم يدخل تحت يده بحكم ضمان اليد ولكن له وجه من حيث إن الأصحاب اتفقوا على طرد القولين فيما إذا أصدقها عبدا فخرج مغصوبا أو حرا وقالوا على قول ضمان اليد ترجع إلى قيمة العبد وتقدر قيمة الحر وزادوا عليه فقالوا لو أصدقها خمرا أو خنزيرا قدرنا الخمر عصيرا والخنزير شاة ورجعنا إلى قيمتهما على هذا القول ثم قال الصيدلاني هذا إذا قال أصدقتك هذا العبد فإذا هو حر أو هذا العصير فإذا هو خمر أو قال أصدقتك هذا ولم يسم فإن قال أصدقتك هذا الحر أو هذا الخمر والخنزير فسدت التسمية قطعا وكان الرجوع إلى مهر المثل قولا واحدا وهذا ينبه على مأخذ آخر سوى ضمان اليد وهو أن تعيين الصداق له فائدتان
إحداهما التعيين
والأخرى التقدير بقدر ماليته
وكأن التسمية إن فسدت في حق التعيين فلا تفسد في حق تقدير تعيين المالية فكأنهما رضيا بهذه العين وبهذا القدر والشرع قد منع من عين الحر والغصب والخمر فبقيالمعين معيارا للقدر فترجع إليه فكذلك في العيب القديم يمكن أن يقال معيار المقدار مظن حالة العقد وهو سليم فيجب إكماله
الرابعة إذا تعيب الصداق بجنايتها فذلك كقبضها وإن تعيب بجناية أجنبي فلها الخيار ولكنها على قول ضمان العقد إن فسخت طالبة الزوج بمهر المثل ولم تطالب الأجنبي بالأرش وإن أجازت طالبت الأجنبي بالأرش إذ جنى على ملكها وعلى قول ضمان اليد إن فسخت طالبت الزوج بقيمة الصداق سالما وإن أجازت تخيرت بين مطالبة الزوج والأجنبي والقرار على الأجنبي
الخامسة إذا تلف بعض الصداق ارتبط النظر على قول ضمان العقد بتفريق الصفقة وإن تلف كله لم يخف تفريع ضمان العقد لكن على قول ضمان اليد لا فسخ لها بخلاف ما إذا تعين فإنها تستفيد بالفسخ الخلاص بالعيب والرجوع بالقيمة
وأما ها هنا إن أجازت أو فسخت فرجوعها إلى قيمة يوم الإصداق فأي معنى لفسخ لا فائدة له وقد تضرر به إذ تسقط مطالبته عن الأجنبي
وإذ قلنا إنه يضمن ضمان المغصوب وكان قيمته يوم التلف أكثر فإن أجازت أخذت قيمته يوم التلف وإن فسخت رجعت إلى قيمة يوم الإصداق فينقص حقها وتتضرر بالفسخ وهذا بخلاف ما لو وجد بالمبيع عيبا وهو مع ذلك يساوي أضعاف الثمن فإن له الرد لأن له فائدة في الخروج من العهدة
الحكم الثاني في التسليم
ومهما تنازعا في البداية بالتسليم ففيه ثلاثة أقوال كما في البيع
أحداها أنهما يجبران معا من غير تقديم أحدهما وطريقه أن يكلف الزوج تسليم الصداق على عدل وتكلف المرأة التمكين فإذا وطئها أخذت الصداق
والثاني أنهما لا يجبران بل من أراد استيفاء ماله بادر إلى تسليم ما عليه حتى يجبر صاحبه على التسليم
والثالث أن البداية بالزوج لأن استرداد الصداق ممكن دون البضع وهذا بشرط أن تكون مهيأة للاستمتاع فإن كانت صغيرة ففي المهر قولان كما في النفقة وإن كانت محبوسة أو ممنوعة بعذر آخر لم يجب تسليم الصداق إليها
والقول الرابع وهو أن البداية بالمرأة وإن كانت في رتبة البائع فإن ذلك لا يجري ها هنا أصلا لأن البضع يفوت بالتسليم بخلاف المبيع
ثم إن البداية لا تخلوا إما أن تكون منها أو منه فإن كان منها التمكين ثبت لها طلب الصداق على الأقوال كلها وطئت أو لم توطأ إذ بذلت ما في وسعها فإن رجعت إلىالامتناع لم يكن لها طلب الصداق لأن شرط استمرار الطلب على قولنا الابتداء بالزوج استمرار التمكين وإن وطئها استقر الطلب فإن لم يسلم لها الصداق لم يكن لها العود إلى المنع إذ سقط حق حبسها بالوطء ولا يسقط حق حبسها بتمكين عار عن الوطء
وهل يسقط بوطء أكرهت عليه فيه وجهان ووجه سقوطه أن العوض قد تقرر وقال أبو حنيفة رحمه الله لها الامتناع بعد الوطء مهما منع الصداق
أما إذا بادر الزوج إلى تسليم الصداق فامتنعت فهل له الاسترداد إن قلنا إنه يجبر الزوج على البداية فيسترد لأن ذلك بشرط تسليم المعوض وإن قلنا لا يجبر فقد تبرع وأبطل حق الحبس فلا يسترد وقال القاضي إن كانت معذورة عند التسليم ثم زال العذر وامتنعت فله الاسترداد لأنه سلم على رجاء التمكين عند زوال العذر والأظهر أنه لا يسترد كيفما كان
ثم مهما سلم الصداق فليس له أن يرهقها بل يمهلها ريثما تستعد بالتنظف والاستحداد وقيل إنه يمهل ثلاثة أيام
ولا خلاف في أن الإمهال لأجل تهيئة الجهاز لا يجب نعم لو كانت صغيرة لا تطيق الوقاع لم يجب تسليمها وكذا إن كانت مريضة فلو كانت حائضا وجب التسلم إذ يستمتع بها فوق الإزار ويكفي الدين وازعا عن الوطء
فإن قال أنا أمتنع عن وطء الصبية والمريضة لم يوثق بقوله فيه وذلك إضرار بهما ولا ضرر على الحائض نعم لو علمت من عادته أنه يتغشاها في الحيض فلها الامتناع من المضاجعة
الحكم الثالث التقرير
ولا يتقرر كمال المهر إلا بالوطء أو موت أحد الزوجين فأما الخلوة فلا تقرر على الجديد من القولين ومنهم من قطع بأن الخلوة لا تقرر وجها واحدا وحمل نص القديم على أن الخلوة تؤثر في جعل القول قولها إذا تنازعا في الوطء لأجل التقرير
ثم قال المفرعون على القديم يتعلق بالخلوة أيضا العدة والرجعة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تثبت الرجعة وقال أبو حنيفة الخلوة بالنفساء والحائض والصائمة صوم الفرض لا تقرر المهر ووافقه المحققون على القديموقال الخلوة بالرتقاء والقرناء تقرر المهر وخالفه المحققون
الباب الثاني في أحكام الصداق الفاسد
وقاعدة الباب أن النكاح لا يفسد بفساد الصداق لأن المذهب الصحيح أن النكاح الخالي عن ذكر الصداق ينعقد موجبا للصداق تعبدا فلا يؤثر ذكر الصداق إلا في التعيين والتقدير فيفسد التعيين والتقدير ويبقى وجوب مهر المثل أو يبقى التقدير ويسقط التعيين حتى يرجع إلى قيمة الصداق إذا كان حرا أو مغصوبا وقال مالك رحمة الله عليه يفسد النكاح بفساد الصداق وقيل هو قول الشافعي رضي الله عنه ولا تفريع عليه
ثم لفساد الصداق أسباب ومدارك
الأول أن لا يكون قابلا للتمليك كالخمر والمغصوب والحر وحكمه بالرجوع إلىالقيمة على قول وإلى مهر المثل على قول
الثاني الشروط والأصل أن النكاح لا يفسد بكل شرط يوافق مقصوده كقوله بشرط أن أنفق عليك أو أجامعك ويفسد بكل شرط يخل بمقصود البضع كقوله نكحت بشرط أن أطلق أو لا أجامع وفيه وجه بعيد أنه لا يفسد به وأما الذي لا يخل بالمقصود ولكن يتعلق به غرض مقصود ويؤثر فيه كشرط أن لا يتسرى عليها وأن يمكنها من الخروج متى شاءت أو لا يجمع بينها وبين ضراتها في مسكن أو لا يقسم لها فهذه أغراض مقصودة وكل غرض مقصود فهو عوض مضاف إلى الصداق أو مقابل له فيؤثر في إفساد الصداق لا في إفساد النكاح وكذلك الشروط الفاسدة الخاصة بالصداق تفسد الصداق دون النكاح
ولو شرط الخيار ثلاثة أيام في الصداق فحاصل المنقول فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنه يصح الشرط ويثبت الخيار لأن الصداق في حكم عقد مستقل ولذلك لا ينفسخ النكاح بفسخه فيفرد بالخيار كالبيع
والثاني أنه يفسد ويفسد النكاح لأن إثبات الخيار في أحد العوضين يتداعى إلى الثاني
وهو ضعيف يلزم في سائر شروطه
والثالث أنه يفسد به الصداق دون النكاح لأن إثبات الخيار في الصداق بعيد وإذا لم يصح أفسد الصداق
فرع نقل المزني لفظين متقاربين وحكمين مختلفين فقال لو عقد النكاح بألف على أن لأبيها ألفا فالمهر فاسد لأن الألف الثاني ليس بمهر وقد اشترطه
ولو نكح امرأة بألف على أن تعطي أباها ألفا كان جائزا ولها منعه وأخذها منه لأنها هبة لم تقبض أو وكالة وكأن المزني جعل هذا كأنهعقد بألفين على أن توصل إلى أبيها من مالها ألفا فالتزم عملا لا يلزمه فيلغوه لكن اللفظ يكاد ينبو عنه فمن الأصحاب من قال المهر فاسد هاهنا أيضا لأنه عقد بألف بلا فرق بين الإضافة وبين الإعطاء ومنهم من قال في المسألتين قولان بالنقل والتخريج إذ الإضافة إلى أبيها أيضا مشعر بأنه يسلم له من جهتها الفا فهو كالإعطاء والصحيح الفرق وتقرير النصين
المدرك الثالث الفساد بتفريق الصفقة وفيه مسألتان
إحداهما أن يصدقها عبدا على أن ترد ألفا فقد جعل العبد مبيعا وصداقها فجمعبين صفقتين مختلفتين فيخرج على قولي تفريق الصفقة فإن أفسدنا كان تأثيره في إفساد الصداق وذكر الفوراني القولين في صحة النكاح وربما يعتضد ذلك بطرد الأصحاب القولين فيما لو جمع بين أجنبية ومحرم في صفقة واحدة إذ أفسدوا نكاح الأجنبية على قول لكنه ضعيف لأن الفساد تطرق هاهنا إلى بعض صيغة التزويج والصيغة لا تتبعض وهناك تطرق الفساد إلى لفظ الصداق
وإن فرعنا على صحة الصداق فلو تلف العبد قبل القبض استردت الألف ورجعت إلى مهر المثل على قول وعلى قول ترجع إلى قيمة الباقي باعتبار توزيع العبد على الألف ومهر المثل
ولو قبضت العبد فوجدت به عيبا وأرادت أن تفرد القدر المبيع أو الصداق بالرد ففيه قولا تفريق الصفقة ووجه جوازه أن جهة الصداق تباين جهة البيع فلم يكن كما لو اشترى عبدا ورد بعضه بالعيب فإن ذلك ممتنع لما فيه من الإضرار بالتوزيع
الثانية لو جمع بين نسوة في عقد واحد على صداق واحد فالنكاح صحيح وفي صحة الصداق قولان نص عليهما الشافعي رضي الله عنه وكذلك في الخلع
ونص على أنه لو اشترى عبدين من رجلين لكل واحد عبد بثمن واحد فالبيع باطل لجهالة الثمن ونص على أنه لو كاتب عبيده على عوض واحد فالكتابة صحيحة
فمن الأصحاب من قرر النصوص وقال البيع باطل لجهالة الثمن في حق كل واحد والكتابة صحيحة تشوفا إلى العتق إذ احتمل فيه مقابلة الملك بالملك فهذا أولى والصداق والخلع دائر بين الرتبتين ففيه قولان ومنهم من طرد القولين في الجميع وهو القياس ووجه قول الفساد الجهل بحق كل واحد ووجه الصحة معرفة الجملة وتيسير الوصول إلى التفصيل بالتوزيع لكنه لا خلاف أنه لو قال بعتك هذا العبد بما يقتضيه التوزيع من الألف إذا قسم على قيمته وعلى قيمة ذلك العبد الآخر لم يجز ذلك فأي فرق بين أن يدخل العبد الآخر في العقد أو لا يدخل والصفقة تعددت بتعدد البائع فالتصحيح بعيد في الجميع
التفريع إن قضينا بالصحة وزع الصداق على مهور أمثالهن وفيه وجه بعيد أنه يوزع على عدد الرءوس
وإن فرعنا على الفساد يرجع كل واحد منهم إلى مهر المثل على قول وإلى قيمة الصداق كما يقتضيه التوزيع على قول لأن هذا مجهول أمكن معرفته بخلاف ما لو أصدقها مجهولا لا يمكن معرفته فإنه يرجع إلى مهر المثل قولا واحدا
المدرك الرابع أن يكون الصداق بحيث لو قدر ثبوته لارتفع النكاح كما إذا قبل نكاح عبده وجعلرقبته صداقا فلو ملكت رقبته لانفسخ النكاح فيفسد الصداق ويفسد النكاح أيضا لأنه قرن النكاح بما يضاده لو ثبت بخلاف ما لو أصدق خمرا فضاهى هذا شرط الطلاق والفسخ وكان يحتمل تصحيح النكاح ولكن لا صائر إليه
المدرك الخامس أن يتضمن إثبات الصداق رفع الصداق كما لو زوج من إبنه امرأة وأصدقها أم ابنه فإنه لا بد من تقدير دخول الأم في ملك الابن حتى ينتقل إلى الزوجة صداقا ولو دخل في ملكه لعتق عليه ولما صار صداقا ففي إثباته نفيه ففسد بطريق الدور ولكن يصح النكاح
المدرك السادس أن يضمن إضرارا بالطفل كما لو قبل لابنه الصغير نكاحا بأكثر من مهر المثل أو زوج ابنته باقل من مهر المثل فيفسد الصداق وفي صحة النكاح قولان
أحدهما الصحة كسائر أسباب الفساد
والثاني الفساد لأنها إذا لم ترض إلا بأكثر من مهر المثل فكيف ترد إلى مهر المثل وكيف يصح العقد دون رضاها وكذلك إذا لم يرض زوج ابنته إلا بأقل من مهر المثل فكيف يلزمه مهر المثل هذا إذا زوج من ابنه بمال الابن فإن زوج وأصدق من ماله بزيادة على مهر المثل صح ولا نقول هذا يدخل في ملك الطفل ويصير تبرعا منماله لأنه لا مصلحة للطفل في إفساد هذا الصداق إذ يفوت عليه الكل فإذا كان يحصل ذلك ضمنا فلا نبالي بالزيادة
واختتام الباب بمسالة السر والعلانية فإذا تواطأ أولياء الزوجين على ذكر ألفين في العقد ظاهرا وعلى الاكتفاء بألف باطنا فقد نقل المزني قولين في أن الواجب مهر السر أو مهر العلانية واختار المزني أن الواجب مهر العلانية لأن ما جرى قبله وعد محض وما ذكره صحيح إذ لم يجز إلا الوعد فأما إذا تواطئوا على إرادة الألف بعبارة الألفين فيحتمل قولين مأخذهما أن الاصطلاح الخاص هل يؤثر في الاصطلاح العام وبغيره أم لا وفيه نظر
المدرك السابع مخالفة الآمر وذلك أن يقول للوكيل زوجني بألف فزوج بخمسمائة لا يصح النكاح لأنه لا يملك الوكيل إلا ما أذن له فيه ولم يؤذن له في هذا العقد بخمسمائة
فأما إذا قالت للوكيل زوجني مطلقا بزوج بأقل من مهر المثل فالصحيح فساد النكاح أيضا لأن المطلق في العرف يقتضي مهر المثل
ولو زوجها من غير المهر ففي الصحة قولان
أحدهما لا يصح لأن المطلق ينزل على النكاح بالمهر
والثاني الصحة لأنه طابق فعله إذنها
أما إذا زوج الوكيل أيضا مطلقا ولم يتعرض للمهر فيحتمل التصحيح والرجوع إلى مهر المثل لأنه طابق فعله إذنها ويحتمل الإفساد إذا كان مفهوم قولها في العرف ذكر المهر
وأما إذا ذكر خمرا أو خنزيرا ظهرت المخالفة فيظهر الإفساد وأما إذا أذنت للولي فالصحيح أن الولي في هذا المعنى كالوكيل لأنه غير مجبر وقيل إن الإذن يلحقه بالمجبر
ثم في تزويج المجبر بأقل من مهر المثل قولان وإنما ذكروا القولين أيضا في الوكيل حيث فوضت إليه مطلقا
أما إذا قدرت المهر وخالف فقطعوا بفساد النكاح وقيل بطرد القولين أيضا في الوكيل إذا فوض إليه مطلقا
فرع لو قالت زوجني بما شاء الخاطب فقال زوجتك بما شئت فالمهر مجهول والرجوع إلى مهر المثل إلا إذا عرف المزوج ما شاء الخاطب وقال القاضي وإن عرف فالصداق فاسد فإنه لم يتلفظ به
الباب الثالث في إخلاء النكاح عن المهر وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيما تستحقه المفوضة
ونعني بالتفويض تخلية النكاح عن المهر بأمر من إليه الأمر كما إذا قالت البالغة للولي زوجني بغير مهر فزوجها ونفى المهر أو سكت عن ذكره وكما لو زوج السيد أمته ونفي المهر أو سكت عنه ولا يتصور ذلك في صبية ولا مجنونة ولا سفيهة إذ ليس لأحد إسقاط مهورهن نعم إذا قالت السفيهة للولي زوجني بغير مهر تسلط الولي على التزويج بإذنها لكن عليه تزويجها بمهر المثل ولا يعتبر قولها في إسقاط المهر
ثم فيما تستحقه المفوضة طريقان
قال العراقيون لا تستحق بالعقد شيئا وتستحق بالوطء مهر المثل وهل تستحقبالموت قولان
أحدهما نعم لأن الموت مقرر كالوطء ولأن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن المفوضة وقد مات زوجها فاجتهد شهرا ثم قال إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان أرى لها مهر نسائها والميراث فقام معقل بن سنان وقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في تزويج بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضائك هذا فسر به سرورا عظيما
والثاني أنها لا تستحق لأن تشبيه الموت بالطلاق أولى
ولا خلاف أنها لا تستحق الشطر عند الطلاق قبل المسيس وأما حديث معقل بن سنان فلم يقبله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقال كيف نقبل في ديننا قول أعرابي بوال على عقبيه
هذه طريقة العراقيين أما المراوزة ذكروا قولين في أنها هل تستحق بالعقد ووجه الاستحقاق أنها إذا استحقت عند الموت والموت لا يوجب بل يقرر فقد دل على أنه وجب بالعقد فكذلك الوطء وإن كان موجبا فإنما يوجب إذا لم يكن مستحقا أعني الوطء والوطء هاهنا مستحق بالعقد فلا يوجب شيئا وهذا بخلاف الوطء بالشبهة ولذلك لا يجب على السيد بوطء أمته شيء فوجوبه بالوطء يدل على وجوبه بالعقد
واتفق الأصحاب على أنها لا تستحق بالطلاق قبل المسيس لأن القياس سقوط الكلبالطلاق ولكن قال الله تعالى { فنصف ما فرضتم } فخصص بالمفروض
ولو أصدقها خمرا ورجعنا إلى مهر المثل تشطر ذلك في الطلاق لأنه مفروض صحيح في إثيات الأصل دون التعيين وذكر الشيخ أبو محمد أن مهر المثل في صورة التفويض أيضا يتشطر كذكر الخمر
واتفقوا على أنها تستحق بالوطء أيضا إلا القاضي حسين فأنه ذكر وجها انها لا تستحق مخرجا من قول الشافعي رضي الله عنه في المرتهن إذا وطء الجارية المرهونة بإذن الراهن على ظن أنه مباح إن المهر لا يجب مع ثبوت النسب والعدة وسقوط المهر لا مأخذ له إلا إسقاط من له الحق
فرع إذا قلنا تستحق المهر بالوطء فيجب باعتبار حالها يوم الوطء أو يوم العقد فيه وجهان ووجه اعتبار يوم يومئ إلى أن الأمر كان موقوفا فكأنا نقول العقد الخالي عن الوطء لا يوجب المهر والمفضي إلى الوطء يوجب ولكن لا يتبين إلابالآخرة فتحصل بالعقد ثلاثة أقوال
يجب
لا يجب
هو موقوف إلى أن يخلو عن المسيس أو يفضي إليه
الفصل الثاني في الفرض ومعناه وحكمه
اعلم أن المفوضة إذا قلنا إنها تستحق المهر إما بالعقد أو بالمسيس فمعناه أنها تستحق إما مهر المثل أو ما تراضى به الزوجان وما يتراضيان به فهو أولى فإن عجزنا عن ذلك رجعنا إلى مهر المثل لأن إيجاب المهر مع التصريح بنفيه تعبد والتعبد في أصل المهر لا في مبلغه لكن طلب ما لا يتعين مبلغه غير ممكن فلذلك يجب على الرجل تعيين المبلغ بالفرض ويحوز للمرأة أن تمنع نفسها في طلب الفرض على القولين جميعا
فأما إن قلنا إنها تستحق بالعقد فلها غرض في الفرض وهو تقرير الشطر عند الطلاق
وإن قلنا لا يجب فتستحق عند المسيس فلها أن لا تسلم نفسها إلا على ثبت نعم ليس لها حبس نفسها لتسليم المفروض في صورة التفويض لأنها أبطلت حقها إذ رضيت بغير مهر وإنما لها الفرض لنفي الجهالة عما أثبته الشرع أو تثبته ومن أصحابنا من ذكر وجها أن لها حبس نفسها لتسليم المفروض كما لها طلب الفرض وهو متجه
ثم لا خلاف في أن لهما فرض غير جنس الصداق وما يزيد على مهر المثل وما ينقص إذا لم يكن من جنس مهر المثل والصحيح أنه يجوز فرض الزيادة على مهر المثل وإن كان من جنسه ويجوز فرض المؤجل ولا يشترط علمهما بمهر المثل عند الفرض
ومن أصحابنا من ذكر في هذه المسائل الثلاث وجهين فكأنه يجعل مهر المثل أصلا والفرض بيانا له وتقديرا فيقول لا يمكن إثبات الأجل ابتداء ولا التزام زيادة على مهر المثل فإنه لا أصل له كما أنه لا تجوز المصالحة في دم العمد على ما تبين من الإبل إذا قلنا الواجب أحدهما لا بعينه وكأن مثل ذلك التردد جار هاهنا وهو أن الواجب مهر المثل أو المفروض أحدهما لا بعينه أو مهر المثل هو الأصل والفرض بناء عليه وتابع له والأصح أن الواجب أحدهما لا بعينه ولذلك جاز تعيين ما تزيد قيمته من غير جنس المهر لا على منهاج الاستبدال إذ لا يفتقر إلى إيجاب وقبول
فروع أربعة
الأول لو أبرأت قبل الفرض عن المهر صح على قولنا يجب بالعقد إن كان مهر المثل معلوما وإن كان مجهولا لم يصح في الزيادة على المستيقن وفي القدر المستيقن قولا تفريق الصفقة وإن قلنا لا يجب إلا بالوطء فهو كالإبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه وفيه قولان ولا يكون إبراؤه مضادا للتعبد فإنه في حكم الاستيفاء
أما إذا قالت أسقطت حقي عن طلب الفرض فهذا يلغو لأن أصل الحق باق والفرض تابع له فصار ذلك كرضى التي آلى عنها زوجها فإن ذلك لا يسقط حقها
الثاني لو فرض لها خمرا أو خنزيرا لغا ولم يتشطر بسببه مهر المثل لأن المؤثر فرض صحيح أو مقرون بحال العقد فما لا يفيد تعيينا بعد العقد لم يؤثر في تغير العقد
الثالث لو امتنع من الفرض مع طلبها فللقاضي أن يفرض ولكن عليه أن لا يزيد على مهر المثل كيلا يتضرر الزوج وكأنه نائب عنه نيابة قهرية
الرابع لو فرض الأجنبي متبرعا ففي صحته وجهان
أحدهما يجوز وعليه المفروض كما له التبرع بأداء الصداق عنه دون إذنه
والثاني لا يجوز لأن هذا إظهار لمراد الطلب الذي يقتضيه العقد فلا يليق إلا بالعاقدين
الفصل الثالث في تعرف مهر المثل
والحاجة تمس إلى معرفة ذلك في المفوضة إذ لم يتفق فرض وفي الوطء بالشبهة وفي أخذ المهور بالشفعة وفي توزيع عند جمع نسوة في عقد واحد وفي مواضع
والأصل العظيم في مهر المثل النسب وينظر إلى مهر الأخوات للأب والعمات للأب ولا ينظر إلى البنات والأمهات إذ يختلف ذلك بنسب الآباء ويعتبر مع ذلك الكمال والعفة وسلامة الخلق وسائر الخصال إذا كانت الرغبة تزيد بذلك وتنقص فإن لم تكون نسيبة فمجرد النظر إلى هذه الخصال فإن هذا يجري مجرى معرفة القيم فينظر إلى الرغبات
فروع
الأول لو سمحت واحدة من العشيرة لم يلزم الباقيات ذلك إلا إذا شاع التسامح فيهن فيدل ذلك على قلة الرغبات
الثاني لو كن ينكحن بألف مؤجل فلا يمكن التأجيل في قيم المتلفات فالوجه أن ينقص من الألف ما يقتضيه العدول إلى النقض
الثالث لو كن يسامحن من يواصلهن من العشيرة فيلزم ذلك في العشيرة لا في غيرهم
وقال الشيخ أبو محمد رحمه الله لا يلزم ذلك لأن القيم لا تختلف بالأشخاص
الرابع الوطء بالشبهة يوجب المهر باعتبار يوم الوطء وكذلك في النكاح الفاسد لأنالعقد باطل فلا معنى لاعتباره نعم إن وطئها في العقد الواحد مرارا لا يلزم إلا مهر واحد لأن الشبهة شاملة وكذلك لو ظنها منكوحة ووطئها مرارا
ومهما تعددت الشبهة تعدد المهر
ولو أكره الغاصب الجارية على الوطء ووطئها مرارا لزمه بكل وطء مهر إذ لا شبهة حتى يعتبر شمولها
والأب إذا وطئ جارية الابن مرارا ولم تحبل فهل يقال شبهة الاعفاف شاملة فيكتفى بمهر واحد ففيه وجهان
ثم إذا اكتفينا بمهر واحد فلو كانت هزيلة في حال وسمينة في حال اعتبرنا حال زيادة المهر واكتفينا به والله أعلم
الباب الرابع في حكم تشطر الصداق بالطلاق قبل المسيس وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في محله وحكمه
فنقول ارتفاع النكاح قبل المسيس لا بسبب من جهتها يوجب تشطر الصداق الثابت بتسمية مقرونة بالعقد صحيح أو فاسد أو يفرض بعد العقد في صورة التفويض ويستوي فيه الطلاق والفسخ والانفساخ إلا إذا كان الفسخ منها أو بعيب فيها أو بسبب من جهتها
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يتشطر إلا مسمى صحيح في نفس العقد فأما المفروض بعد العقد الواجب في العقد بتسمية فاسدة فلا يتشطر ثم المذهب الصحيح أن معنى التشطير رجوع النصف إلى الزوج بمجرد الطلاق من غير اختيار وفيه وجه مشهور أن معناه ثبوت خيار الرجوع في الشطر بالطلاق مضاهيا لخيار الرجوع في الهبة ومن أصحابنا من قال يفتقر إلى قضاء القاضي وهو ضعيف جدا
ويتفرع على وجه الخيار أن الزيادة حادثة بعد الطلاق وقبل الاختبار تسلم للزوجة وأنه لو طلقها على أن لها كمال المهر يكون ذلك كإسقاط الخيار ويسلم لها كمال المهر وعلى الوجه الآخر ولا يؤثر الشرط في إسقاط الشطر ويحتمل ترددا في تصرفالمرأة بين الطلاق والاختيار وفي أنه لو أسقط الزوج خياره هل يسقط لتردد هذا الخيار بين خيار الواهب وبين خيار البيع وتشبيبه بخيار الواهب أولى
فرع لو تلف الصداق قبل الطلاق يرجع الزوج بنصف القيمة ولو تلف بعد الإقلاب إلى الزوج بآفة سماوية
قال المراوزة لا ضمان عليها وهو كما لو تلف الموهوب في يد المتهب بعد رجوع الواهب
وقال العراقيون هو مضمون عليها لأنه عوض عن البضع الذي رجع إليها بالطلاق فصار كالمبيع إذا تلف بعد الفسخ
والمراوزة يقولون إن الطلاق كالإعتاق وهو تصرف معناه تقرير النكاح وقطع موجبه فليس يعود الشطر لعود البضع بخلاف البيع ومساق الطريقين يقتضي أن يكون الصداق مضمونا في يدها لو تلف بعد الفسخ بالعيب وكل فسخ يستند إلى أصل العقد والانفساخ بردته بالطلاق أشبه إذ لو كان رجوع المهر بطريق تراد العوضين لرجع جميع الصداق إليه لا شطره ولو انفسخ بردتها أو بسبب آخر لا يستند إلى العقد ولا يتشطر وهو في محل الاحتمال والتردد والله تعالى أعلم
الفصل الثاني في تغييرات الصداق التي توجب رد الحق إلى القيمة أو الخيار
والتغير إما أن يكون بنقصان محض أو بزيادة محضة أو نقصان من وجه وزيادة من وجه
أما النقصان المحض فكالتعيب الحاصل في يدها قبل الطلاق فلذلك يوجب الخيار بعد الطلاق فللزوج أن يطالب بنصف قيمة السليم فإن رجع إلى عين الصداق فعليه أن يقنع بالمعيب بخلاف ما لو اشترى عبدا بثوب فرد الثوب بالعيب والثوب معيب فإنه يطالب بالأرش ويأخذ الثوب وهذا الفرق يمكن على طريق المراوزة حيث لم يجعلوا الصداق مضمونا في يدها ولكن مع ذلك يشكل فإنه لو تلف قبل الطلاق ضمنة القيمة فمن هذا خرج بعض الأصحاب وجها أنه يطالب بأرش العيب ويأخذ العين إن شاء
هذا إذا تعيب في يدها فإن تعيب في يد الزوج فعليه أن يقنع بالمعيب لأنه تلف من ضمانه إلا إذا كان بجناية أجنبي وأخذت الأرش فإن له أن يسترد نصف الأرش لأنه خلف عن الفائت وقال القاضي حسين لا يرجع بالأرش لأنه كزيادة منفصلة في حق المرأة والفوات كان من ضمان الزوج فلا يعتبر في حقه لإقامة الأرش مقامه
أما الزيادة المحضة فالمنفصلة منها كالولد واللبن والثمر فتسلم لها ولا حق للزوج فيها
والمتصلة تبطل حق الرجوع بالعين إلا برضاها فإن منعت غرمت قيمة النصف قبل ظهورالزيادة وإن سمحت أجبر الزوج على القبول ولم يكن له الامتناع حظرا من المنة لأنه في حكم البائع والمشكل أن الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع في الرد بالعيب وكذلك ينبغي أن يكون في فسخ النكاح بالعيب ولعل السبب فيه أن الفسخ يرفع العقد من أصله بالإضافة إلى حينه فلا يبقى حق في الزيادة وأما هاهنا فالزيادة حصلت على ملكها والطلاق سبب مستأنف لا استناد له إلى العقد فإبطال حقها من الزيادة غير ممكن وعند هذا ينبغي أن تلحق ردته بالطلاق وفي الانفساخ بردتها تردد العراقيون لأنه غير مستند إلى سبب في العقد
أما إذا زاد من وجه ونقص من وجه فلكل واحد منهما الخيار فإن أبى الزوج قبول العين فله نصف القيمة وإن أبت المرأة التسليم كان على الزوج قبول نصف القيمة ومثاله أن يكون الصداق عبدا صغيرا فكبر وترعرع فالزيادة لقوته وكبره والنقصان لزوال طراوته وكذا النخل إذا أرقلت وبسقت لكن قل ثمرها فهي زيادة في الجرم ونقصان في الفائدة ولسنا نشترط في هذه الزيادة ما يزيد في القيمة بل ما يرتبط به غرض صحيح فإن العبد الكبير وإن لم تزد قيمته فإنه يصلح لأغراض لا يصلح له الصغير
ولتعلم أن الثمار في الأشجار زيادة محضة والحمل في الجارية زيادة من وجه ونقصان من وجه وفي البهائم زيادة من وجه وهل فيها نقصان ترددوا فيه والظاهر أنه إن كان مأكولا كان نقصانا لأنه يظهر أثره في اللحم لا سيما إذا تكرر والزرع في الأرض نقصان محض إذ يبقى الزرع لها وتكون الأرض ناقصة القوة والحراثة في المزارع زيادةمحضة وفي مواضع البناء نقصان محض والغرس في معنى الزرع
هذه قاعدة الفصل ويتهذب مقصوده برسم مسائل
المسألة الأولى لو أصدقها نخيلا فأثمرت في يدها وطلقها قبل الجذاذ فيعسر في هذه الصورة التشطير إذ تبقى الثمار خالصة لها وتصير الأشجار مشتركة وإن ترك السقي تضرر الثمر والشجر لامتصاص الثمرة رطوبة الشجرة وإن سقى انتفع الثمر والشجر وليس الكل مشتركا حتى يشتركا في السقي فلا يمكن فصل هذه الواقعة إلا بمسامحة أحد الجانبين أو موافقة فإنه لو أراد أن يأخذ نصف الأشجار ويكلفها قطع الثمار في الحال لم يلزمها لأنها تستحق إبقاء الثمرة إلى الجذاذ وكذلك لو كلفها هبة شطر الثمار منه ليكون الكل مشتركا وكذلك لا يمكنه أن يكلفها السقي إذ ليس عليها أن تنفع نصيبه من الشجر ولا ترك السقي إذ يضر ثمرتها وكذلك ليس لها أن تكلفه تأخير الملك إلى أوان الجذاذ ولا أن يسقي ولا أن يترك السقي لما ذكرناه
أما المسامحة فلها صور
إحداها أن يقول الزوج أرجع إلى نصف الشجر ولا أسقي وإليك الخيرة إن شئت فاسقي وإن شئت فاتركي السقي فلا تلزمها الإجابة لأنها تتضرر بترك السقي وتنفع شجره بالسقي وكذلك مسامحتها على هذا الوجه لا تقتضي لزوم الإجابة
الثانية أن يقول الزوج آخذ نصف الشجر وأسقي بنفسي أو قالت المرأة ارجع إلى النصف وأنا التزم السقي ففي وجوب الإسعاف وجهان
أحدهما نعم لأنه اندفع العسر بالمسامحة والالتزام
والثاني لا لأنه وعد لا يلزم الوفاء به ولأن المرأة ربما خافت على ثمارها بدخوله البستان أو خاف على الشجر بدخولها
فإن قلنا يجاب فلو رجع وترك السقي نتبين أن الملك لم ينقلب إليه في النصف لأنه كان موقوفا على الوفاء بالوعد وإن قلنا لا يجاب فتسلم القيمة ثم إن وفى بالوعد ففي رد القيمة والرجوع إلى العين تردد والظاهر أنه لا يرد إذ يبعد منع الحكم بعد إثباته
الثالثة أن تبادر إلى قطع ثمارها وذلك يقطع العسر فإن وهبت نصف الثمار منه حتى يصير الكل مشتركا ففي وجوب الإجابة وجهان وجه المنع ما فيه المنة ووجه الإيجاب الضرورة وهذه الضرورة لا تجري في الأرض المزروعة إذ الأرض لا تنتفع بالسقي فإذا رجع في نصف الأرض كان عليها السقي لخاص زرعها
ويجري هذا العسر فيما لو أصدقها جارية فولدت فطلقها والولد رضيع لأنه لو رجع إلى نصف الجارية تضرر الولد بقطع الرضاع فإن قال رضيت بأن تبقى مرضعة إلى الفطام فهذا وجه المسامحة ففي وجوب الإجابة وجهان
وأما الموافقة فلها صورتان
إحداهما أن يلتزم أحدهما السقي برضا صاحبه فهذا تواعد منهما فإن وفيا فذاك وإلا تبين أن الملك لم يحصل في الشطر
الثانية أن يتراضيا على أن يأخذ الزوج نصف النخل ولا يلتزم واحد منهما سقيا بل يترك السقي أو يسقي من شاء متبرعا فلو ندم أحدهما وقال أريد السقي لم يمكن منه بخلاف ما إذا التزم السقي ثم ندم لأن هذا إسقاط حق والتزام ضرار فيلزم
وأما التزام السقي فوعد لا يلزم قبل التسليم
المسألة الثانية إذا أصدقها جارية حاملا فولدت ثم طلقها فيرجع إلى نصف الولد إن قلنا إنه يقابل بقسط من الثمن وقيل لا يرجح لأن أكثر القيمة حصل بالانفصال في ملكها وهذه الزيادة حصلت في يدها وهي لها ولا يمكن تمييز قيمة الجنين عن المنفصل إذ لا قيمة للجنين وإن قلنا لا يقابله قسط من الثمن فنسلم الولد لها
المسألة الثالثة لو أصدقها حليا وكسرته وأعادته صنعة أخرى فهو زيادة من وجه ونقصان من وجه فلها الخيار فإن أعادت تلك الصنعة بعينها فهل لها الامتناع من تسليم النصف فيه وجهان
أحدهما لا كما إذا كانت سمينة فهزلت ثم عادت سمينة
والثاني لها المنع وهو اختيار ابن الحداد لأنها زيادة حدثت باختيارها
التفريع إن قلنا يرجع بنصف القيمة فالصحيح أنه يرجع بنصف القيمة مع الصنعة
وقيل إنه يرجع إلى مثل نصف تبر من الحلي وزنا بوزن ثم تغرم المرأة نصف أجرة الصنعة من نقد البلد
المسألة الرابعة لو أصدق الذمي زوجته خمرا فقبضت ثم أسلما فانقلب خلا فطلقها ففيه وجهان
أحدهما وهو قول ابن حداد أنه يرجع بنصف الخل
والثاني أنه لا يرجع لأن هذا مالية جديدة ومالية الخمر قبلها لا تعتبر في الإسلام فكيف يرجع فيها وهو لا يرجع في زيادة منفصلة
التفريع إن قلنا يرجع فلو أتلفت الخل ثم طلقها قال الخضري يرجع بمثل بنصف الخل لأنه من ذوات الأمثال
وقال ابن الحداد لايرجع بشيئ لأنه في التلف ينظر إلى قيمة يوم الإصداق أو القبض ولم يكن خلا ذلك اليوم حتى يجب مثله ولا هو موجود في الحال حتى يرد عينه
ولو أصدقها جلد ميتة فدبغته فمنع الرجوع هاهنا أولى إذ حصلت المالية باختيارها
فإن قلنا يرجع فقول ابن الحداد في أنه لا يرجع عند التلف هاهنا أظهر لأنه لا مثل له فتتعين قيمته يوم القبض ولا قيمة له إذ ذاك
المسألة الخامسة لو أصدقها دينا ثم سلم فطلق فليس لها منعه من عين ما سلم وإن لميكن متعينا في العقد لأنه أقرب إلى حقه لا محالة وقيل إن لها الإبدال فإن العقد لم يرد عليه بعينه
المسألة السادسة لو أصدقها تعليم القرآن فلم يتفق حتى طلقها فقد عسر التعليم وبقي في ذمته الشطر وتعسر تعيين شطر القرآن إذ سوره تختلف في العسر واليسر وكذلك خياطة نصف الثوب تعسر إذا أصدقها الخياطة فلها نصف مهر المثل على قول ضمان العقد وعلى القول الثاني نصف أجرة الخياطة أو التعليم
قاعدتان ينعطف حكمهما على المسائل
الأولى أنا حيث أثبتنا الخيار من الجانبين فلا نحكم بالملك قبل الاختبار وإن فرعنا على الأصح في أن الصداق يتشطر بنفس الطلاق ولكن ننتظر ما يجري من اختيار أو توافق ولا يكون هذا الخيار على الفور بل هو كخيار الرجوع في الهبة وإذا ثبت لها الخيار لم يسقط بالتأخير بل للزوج المطالبة بحقه إما القيمة وإما العين فإن أبت حبس القاضي عين الصداق عنهما وامتنع تصرفها كما في الرهن
وإذا ثبت الخيار لها في صورة الزيادة المتصلة وأصرت على المنع باع القاضي من نصف الصداق ما بقي بنصف القيمة دون تقدير الزيادة فإن كان لا يشتري النصف بأكثر من نصف القيمة فلا فائدة في البيع فالصحيح أنه يسلم إليه ولكن لا يملكه ما لم يقض له القاضي به لأنه يدرك بالاجتهاد وفي نص الشافعي رضي الله عنه على هذا غلط من غلط حيث اعتبر القضاء في أصل التشطير
والثانية إذا مست الحاجة إلى القيمة فأي قيمة تعتبر
ينظر إن تلف في يدها بعد الطلاق وقلنا إنه مضمون عليها فيعتبر يوم التلف أما إذا تلف من قبل أو امتنع الرد إليه لعيب أو زيادة فالواجب عليها أقل قيمة من يوم الإصداق إلى الإقباض لأنه إن نقص قبل الإقباض فهو من ضمان الزوج فلا يحسب عليها وإن كان يحتمل أن يقال إن كان المانع هو الزيادة والعين قائمة تعتبر حالة التقويم لكن قدرت الزيادة كالمفوت للرجوع
الفصل الثالث في التصرفات المانعة من الرجوع
وفيه مسائل
إحداها إذا زال ملكها بجهة لازمة من بيع أو هبة أو عتق امتنع الرجوع وتقرر القيمة
وإن تعلق به حق لازم من غير زوال ملك كرهن أو إجارة فليس له الفسخ وله طلب القيمة في الحال فإن قال أنتظر الفكاك للرجوع فلها إجباره على قبول القيمة خيفة من غرر الضمان إن قلنا إن الصداق بعد الطلاق مضمون في يدها
وإن قلنا لا ضمان أو أبرأها من الضمان حيث نصحح الإبراء عن ضمان ما لم يجب فهل تلزمها الإجابة فيه وجهان ومنشؤهما أن هذا وعد وربما يبدو له المطالبة بالقيمة وتخلو يدها في ذلك الوقت عن النقد وإن قلنا لا يلزمها الإجابة فلو لم تتفق المطالبة حتى انفك فهل له الآن التعلق بالعين فيه وجهان
أحدهما نعم لأنه لا مانع
والثاني لا إذ المانع نقل حقه إلى القيمة فلا ينقض بعده
الثانية لو أصدقها عبدا فدبرته ثم طلقها نقل المزني أنه تتعين القيمة فاختلفالأصحاب على ثلاث طرق
منهم من قطع بأنه غلط لأن التدبير لا يمنع إزالة الملك اختيارا فكيف يمنع الرجوع قهرا ومنهم من قرر النص وقال التدبير قربة مقصودة فلا يتقاعد عن زيادة متصلة مقصودة لا تؤثر في زيادة القيمة فإنها تمنع الرجوع قهرا ومنهم من قال المسألة على قولين ينبنيان على أن التدبير وصية أو تعليق
فإن قلنا تعليق فيمتنع الرجوع لأن إبطال التعليق بالتصريح به ممتنع وهذا البناء ضعيف فإن التعليق لا يمنع البيع فكيف يمنع التشطير
ثم اختلف المقررون للنص في أن صريح تعليق العتق هل يكون كالتدبير وأن الوصية بالعتق للعبد هل تكون كالتدبير وأن التدبير هل يمنع الرجوع في الهبه ورجوع البائع في العوض المتسرد عن رد المعوض بالعيب والأظهر أنه لا يمنع
الثالثة إذا أصدقها صيدا والزوج محرم عند الطلاق فإن قلنا إنه يحتاج إلى الاختيار فهو كشراء المحرم للصيد وفيه خلاف وإن قلنا ينقلب إليه فهاهنا وجهان
أحدهما أنه ينقلب إليه لأنه ملك قهري فهو كالإرث
والثاني أنه كالشراء لأن الطلاق إلى اختياره
فإن قلنا لا ينقلب فيرجع إلى نصف القيمة وإن كان المانع من جهته وإن قلنا ينقلب فكيف يجب إرسال نصف الصيد أو كيف يمسك ونصفه لمحرم وفيه خلاف يبنى على أن المقدم عند التزاحم حق الله تعالى أو حق الآدمي أم يتساويان فإن قدمنا حق الله وجب على الزوج الإرسال وغرم قيمة نصيبها وإن قلنا حق الآدمي بقي ملكا للمحرم للضرورة وإن قلنا يتساويان فإليهما الخيرة فإن أرسله الرجل برضاها غرم لها وإلا بقي مشتركا
الرابعة إذا زال ملكها بغيب أو هبة لازمة ثم عاد فهل يمتنع الرجوع فيه قولان مأخذهما أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد وإن كان الطارئ هو الرهن والإجارة فإذا زال لم يمتنع الرجوع
وترددوا في الكتابة والتدبير والصحيح أنهما بعد الانقطاع لا يمنعان الرجوع عند الطلاق
الفصل الرابع فيما لو وهبت الصداق من زوجها ثم طلقها
ونقدم عليه مقدمتين
إحداهما أن الله تعالى قال { فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح }
أما عفوهن فمعلوم أنه يوجب سقوط حقهن عن النصف الباقي إذا كان الصداق في الذمة
أما الذي بيده عقدة النكاح فقد اختلفوا فيه
فمذهب ابن عباس وهو القول القديم أن المراد به الولي دون الزوج لأنه ذكر الأزواجبصيغة المخاطبة فقال { فنصف ما فرضتم } وهذا بصيغة المغايبة ولأنه عطف على عفوها فليحمل على من يوجب عفوه سلامة الصداق له
ومذهب علي وابن جريج وابن المسيب رضي الله عنهم أن المراد به الزوج وهو الجديد لأنه ذكر عفوها الموجب لخلوص الجميع له ثم ذكر عفوه الموجب لخلوص الجميع لها وهذا يؤيد قول الحاجة إلى الاختيار ولأنه قال { أقرب للتقوى }
وعفو الولي لا يوصف بذلك
التفريع
إن منعنا عفو الولي وهو القياس فلا كلام وإن أثبتنا عفوه فهو مقيد بخمس شرائط
أن يكون الولي مجبرا كالأب والجد
وأن لا تكون مالكة أمر نفسها
وأن يكون قبل المسيس فأما ما بعده تعطيل لحقها
وأن يكون بعد الطلاق لا قبله فإن كان معه بأن اختلعها بالمهر ففيه تردد والأظهر أنه كالمتأخر
وأن يكون الصداق دينا إذ لفظ العفو إنما يستعمل فيه لا في العين وقال الشيخ أبو محمد العين في معنى الدين في حكم القياس والمصلحة لأنه جوز رخصة لتخليصها إذا مست الحاجة إليه ثم اختلف الأصحاب في ثلاث مسائل
إحداها أنه هل يعفو مهر الصغيرة المجنونة فقيل نعم للعموم وقيل لا لأن الغرض تخليصها لتنكح غيره وهذه لا يرغب فيها
الثانية البكر البالغ قيل يعفو عن مهرها للعموم وقيل لا لأنها مالكة أمر نفسها وعلى هذا ينبني أن الولي هل يستقل بقبض صداقها وكأن من جوز ذلك سحب ولايته على عوض البضع لتعلقه بالبضع
الثالثة البكر الصغيرة إذا زوجت وثابت في صلب النكاح بوطء شبهة فالظاهر أنه ليس للولي العفو لأن عقدة النكاح ليست بيده الآن
المقدمة الثانية في ألفاظ العفو إذا كان الصداق دينا يسقط بلفظ العفو والإبراء ولا يحتاج إلى القبول على الصحيح ولو قالت وهبت فهل يفتقر إلى القبول فيه وجهان وإن كان عينا لم يسقط بلفظ الإبراء وإن قبل وفي لفظ العفو تردد والأشهر أنه كلفظ الإبراء وقال القاضي يكفي ذلك في الصداق خاصة لعموم الآية
رجعنا إلى المقصود فنقول في رجوع الصداق إلى الزوج قبل الطلاق خمس صور
إحداها أن يكون بمعاوضة فإذا طلق رجع إلى القيمة سواء كان محاباة أو بثمن المثل
الثانية أن يرجع بهبة وهل يمنع الرجوع بالقيمة عليها فيه قولان
الثالثة أن يكون دينا ورجع بالإبراء فطريقان
منهم من قطع بأنه لا يرجع بالقيمة
ومنهم من قال قولان
الرابعة أن يكون بهبة الدين وفيه قولان مرتبان وأولى بالرجوع
الخامسة أن يكون بهبة الدين المقبوض وفيه قولان مرتبان وأولى بأن يرجع
توجيه أصل القولين
من قال لا يرجع جعل هبة الصداق كتعجيل رده إليه قبل الطلاق ومن قال يرجع أنكر أن تكون الهبة تعجيلا إذ لو صرح بالتعجيل لم يصح بل الهبة سبب مستأنف لا يغير حكم الطلاق وترتيب الإبراء على الهبة سببه أن الإبراء يضاهي الإسقاط من وجه ولكن لا يشترط فيه القبول في ظاهر المذهب ويجري القولان في الفسوخ وكل جهة تقتضي الرجوع إلى عوض حتى لو باع عبدا بجارية فوهب منه العبد ثم أراد رد الجارية بالعيب لم يجز له طلب قيمة العبد على هذا القول ويمتنع بسببه رد الجارية عند بعضهم لعروه عن الفائدة
فرعان
أحدهما لو وهبت من الزوج نصف الصداق ثم طلقها فإن قلنا الهبة لا تمنع الرجوع فله الرجوع بالنصف وفي كيفيته ثلاثة أقوال
أحدها أنه يرجع إلى النصف الباقي ليخلص له الكل وانحصر هبتها في نصيبها وهو المستيقن وهذا يعرف بقول الحصر
والثاني أنه يرجع إلى نصف الباقي وربع قيمة الجملة إذ لا بد من الإشاعة فإن الحصر تحكم
والثالث أن الإشاعة حق ولكن تؤدي إلى تبعيض حق الزوج فله الخيار إن شاء طلب قيمة النصف وإن شاء رجع إلى نصف الباقي وربع قيمة الجملة
وتجري الأقوال فيما لو أصدقها أربعين من الغنم فأخرجت واحدة للزكاة ثم طلقها ففي قول يرجع إلى عشرين من الباقي وتنحصر زكاتها في نصيبها وفي قول يرجع إلى نصف الباقي وبقية القيمة
وفي قول يتخير بين ذلك وبين قيمة العشرين وكذلك تجري فيما لو وهبت النصف من الأجنبي
أما إذا فرعنا على أن الهبة تمنع الرجوع فإن قلنا بالحصر
فمنهم من حصر الهبة في جانبها وأثبت للزوج الرجوع بالنصف الباقي ليخلص له الكل
ومنهم من حصر الهبة في جانبه وجعل الموهوب كأنه المعجل فلا يبقى له حق في التشطير فكأنه عجل ما يستحق من النصف بالطلاق قبل المسيس
وإذ قلنا بالإشاعة رجع إلى النصف الباقي وهو ربع الجملة ولا يجري قول الخيار لأناعلى هذا القول نعني على قول منع الرجوع جعلناها معجلة للربع فيضاف الربع الباقي إليه
الفرع الثاني إذا اختلعت المرأة قبل المسيس بعين الصداق فينبغي أن تقول اختلعت بالنصف الذي يبقى لي فإن قالت اختلعت بالنصف مطلقا فعلى قول الحصر ينحصر في نصفها ويصير كما لو صرحت بما يبقى لها وعلى قول الشيوع يفسد نصف العوض وفي الباقي قولا تفريق الصفقة فإن جوزنا تفريق الصفقة سلم للزوج من الصداق ثلاثة أرباعه نصف بحكم التشطير وربع بحكم الخلع ويرجع إلى قيمة الربع الباقي أو إلى نصف مهر المثل لأن ربع الصداق هو نصف عوض الخلع وفيه القولان المذكوران في فساد الصداق
الفصل الخامس في المتعة
وقد قال الله تعالى { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فهي واجبة عندنا وعند أبي حنيفة رحمه الله وقال مالك إنها مستحبة
والنظر في محل وجوبها وقدرها أما المحل فالنظر في المطلقات وأنواع الفراق أما المطلقات فثلاثه ثلاثة أقسام
إحداها المطلقة المفوضة وهي تستحق المتعة مهما طلقت قبل الفرض والمسيس إذ ليس لها نصف مهر وفيها ورد القرآن
الثانية مطلقة استحقت شطر المهر قبل المسيس فلا تستحق المتعة لأنهما كالمتعاقبين في نص القرآن
الثالثة وهي التي استقر مهرها بالمسيس ففيها قولان
أحدهما لا تستحق إذ سلم لها جميع المهر
والثاني تستحق لأن جميع المهر في مقابلة البضع فكأنها لم تستحق للإبتذال شيئا
وأما أنواع الفراق ففي معنى الطلاق فراق العان لأنه يتعلق بمجرد لعانه وكذا ردته وكل فراق مشطر للمهر فيوجب المتعة إذا لم يشطر
وأما ما يستند إليها كفسخها بعيبه أو فسخه بعيبها فلا يوجب المتعة
ونقل المزني في فسخها بجبه أنه يثبت المتعة واتفقوا على تغليطه
وأما الخلع فقد ترددوا فيه من حيث إنه مشطر ولكنه يتعلق برضاها وجانبها
وأما ما لا يتعلق بالجانبين كالانفساخ برضاع محرم فيوجب المتعة لأنها تأذت بالفراق وإن لم يؤذها الزوج وكأن المتعة جبر لأذى الفراق إذا لم يجبر بالمهر
وأما المتوفى عنها زوجها فلا خلاف في أنها لا متعة لها لأنها متفجعة لا مستوحشة
النظر الثاني في قدرها وفيه وجهان
أحدهما أن أقل ما يتمول به يعني فلا تقدير فيه
والثاني أنه يجتهد فيه القاضي فما يراه لائقا بالحال يقدره وقيل ينظر القاضي الى حاله في اليسار والإعسار وقيل بل إلى حالها ومنصبها
والصحيح أنه ينظر إليهما جميعا وقال الشافعي رضي الله عنه يفرض القاضي لها مقنعتا أو خاتما أو ثوبا والأصل أنه لا ضابط فيه إلا الاجتهاد كما في التعزيزان فإنها على قدر الجنايات وعلىقدر أخلاق الجناة في الغرامة والسلامة
ثم لا يزاد في المتعة على نصف المهر كما لا يزاد التعزير على الحد ثم إن لم يكن في النكاح مهر فمرد المتعة إلى نصف مهر المثل فلتنقص عنه
الباب الخامس في النزاع في الصداق
وفيه مسائل خمس
الأولى إذا تنازعا في مقدار الصداق أو جنسه أوصفته كما وصفانه في البيع تحالفا وإن كان بعد الموت جرى التحالف مع الوارث لكن الوارث النافي يحلف على نفي العلم والمثبت يحلف على البت وكذلك يجري التحالف بعد ارتفاع النكاح لأن الصداق مستقل بنفسه وفائدة التحالف فيه انفساخ الصداق والرجوع على مهر المثل إلى الأقوال كلها لأن منشأ التحالف الجهل بمقدار الصداق فلا يمكن الرجوع إلى القيمة
وقال ابن خيران إذا كان ما تدعيه المرأة أقل من مهر المثل فلا ترجع إلى مهر المثل بل يكفيها ما تدعيه وهو بعيد لأن رجوعها إلى المهر بجهة الفسخ يخالف جهة الدعوة
ولو ادعت المرأة التسمية وأنكر الزوج أصل التسمية تحالفا وإنما يفيد ذلك إذا ادعت زيادة على مهر المثل وفيه وجه أن القول قوله لأن الأصل عدم التسمية وهو ضعيف لأن حاصل النزاع يرجع إلى أن الثابت مهر المثل أو أكثر
الثانية لو اعترف الزوج بالنكاح وأنكر أصل المهر أو سكت عنه قال القاضي لها مهر المثل ولكن نحلفها لأن الظاهر معها وزاد فقال لو قال هذا الصبي ابني من فلانة فلها مهر المثل إن حلفت لأن الظاهر أن الولد يكون من وطء محترم فإن استدخال الماء بعيد وما ذكره فيه نظر لأن هذا يدل على أصل المهر فأما مقداره فلا يدل عليه فإن إنكاره أصل المهر أبلغ من إنكاره بعض المهر وذلك يوجب التحالف نعم ما ذكره يستمد من مذهب أبي حنيفة رحمه الله حيث قال لو تنازعا وكان ما تدعيه المرأة مقدار مهر المثل فالقول قولها ولا تحالف ونحن لا ننظر إلى ذلك
الثالثة لو تنازع الزوج وولي الصبية في مقدار المهر هل يتحالفان فيه وجهان ووجه تحليف الولي أنه مقبول الإقرار فيه فلا يبعد أن يحلف وحيث لا يقبل إقراره فلا يحلف
ويجري هذا الخلاف في الوصي والقيم والوكيل فيما يتعلق بإنشائهم أما إذا ادعى الولي على إنسان أنه أتلف مال طفل فنكل المدعي عليه فالظاهر أنه لا ترد اليمين على الولي لأنه لا يتعلق بإنشائه ولكن لا يقضى بنكوله عليه ويتوقف إلى بلوغ الصبي حتى يحلف وعن هذا قال بعضهم لا تعرض اليمين عليه بل يتوقف في أصل الخصومة لأنه لا يعجز عن النكول ومن أصحابنا من قال ترد اليمين على الولي هاهنا أيضا فلو نكل هل يقضى على الطفل بنكوله أم له أن يحلف بعد البلوغ فيه وجهان
الرابعة لو ادعت ألفين في عقدين أحدهما يوم الخميس والآخر يوم الجمعة وأقامت البينة استقحت وحمل على تخلل الطلاق فإن ادعى الرجل أن الطلاق قبل المسيس ليسقط النصف وما أقامت بينة على المسيس قلنا له النكاح مثبت للكل وعليك بيان المسقط
الخامسة لو كان في ملك الرجل أبوها وأمها فأصدقها أحدهما على التعيين لكن تنازعا فقالت المرأة أصدقتني الأم وقال الزوج أصدقتك الأب تحالفا وفيه وجه أنهما لا يتحالفان لأن الصداق عقد مستقل بنفسه ولم يتفقا على صداق واحد فهو كما لو قال بعتني الجارية بدينار فقال بل بعتك العبد بدرهم فإنهما لا يتحالفان وهذا ضعيف لأن الصداق له حكم الأعواض
ثم لو تحالفا رجعت إلى مهر المثل ورقت الأم وعتق الأب على الزوج بإقراره ولا يرجع إليها بقيمته لأنها منكرة وولاؤه موقوف إذ لا مدعي له
ولو حلف الزوج ونكلت المرأة رقت الأم وحكم بأن الصداق هو الأب وعتق ولا ولاء لها لإنكارها
أما إذا قال الزوج أصدقتك الأب ونصف الأم وقالت بل أصدقتهما جميعا فإذا تحالفا رجعت إلى مهر المثل وعتق الأب لأنه متفق عليه وعليها قيمته وعتق نصف الأم والباقي يعتق بالسراية إن كانت موسرة
وقد تم كتاب الصداق ونردفه بباب في الوليمة والنثر على ترتيب الشافعي رضي الله عنه وفيه فصول ثلاثة
الوليمة والنثر
الفصل الأول في وجوبها ووجوب الإجابة
فنقول الوليمة عبارة في اللغة عن مأدبة سببها سرور من ختان أو قدوم أو إملاك لكنا نريد به مأدبة العرس فإن الأمر فيه مؤكد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يترك الوليمة في حضر ولا سفر وأولم على صفية بسويق وتمر في السفر وقال لعبد الرحمنابن عوف أولم ولو بشاة
وقال الشافعي رضي الله عنه في سائر الدعوات من تركها لم يبن لي أنه عاص كما تبين لي في وليمة العرس فاختلف الأصحاب فمنهم من قال فيه قولان ومنهم من قطع بأنه لا تجب وحمل الأمر على الاستحباب وحمل كلام الشافعي رضي الله عنه على ترك الإجابة إلى الوليمة ومنهم من قطع بأن الإجابة أيضا لا تجب وحمل قوله عليه
==============================
================ج 777777777777777
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : الوسيط في المذهب
المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
الصلاة والسلام من لم يجب الداعي فقد عصى أبا القاسم على أنه عصى في سيرته والاقتداء بمحاسن أخلاقه إذ قال صلى الله عليه وسلم لو أهدي إلي ذراع لقبلت ولو دعيت إلى قراع لأجبت ثم إن قلنا تجب الإجابة فيسقط الوجوب بأعذار
الأول أن يكون في الدعوة شيئ من المنكرات فإن كان يهاب ويرتفع ذلك بحضوره فليحضر وإلا فليمتنع فإن حضر ورأى ذلك ولم يقدر على التغيير فليخرج إذ الإقامة في مشاهدة المنكرات حرام
الثاني أن يكون في البيت المدعو إليه صورة مصورة للحيوانان أو على الستور والسقوف فإن ذلك حرام ولا بأس بصور الأشجار وأما صورة الحيوانات فلا يعفى عنها إلا على الفرش وما تحت الأقدام لا المنصوبة على صور الأصنام والوسادة الكبيرة في الصدر في حكم المنصوب وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم رأى في داره سترة عليها صور فكان يدنو منها وينصرف فعل ذلك مرارا ثم قال حطيها واتخذي منها نمارق ولا يجوز لبس الثياب وعليها صور الحيوان لا للرجال ولا للنساء وأما نسج تلك الثياب فجوزه الشيخ أبو محمد لأنه ينتفع به في الفرش إلا أن الظاهر تحريم ذلك لعموم الحديث حيث قال يحشر المصورون يوم القيامة ويقال لهم انفخوا الروح فيما خلقتم وما هم بنافخين ولا يخفف عنهم العذاب نعم لا يبعد أن يقال ما اتخذوه يجوز أن
يوطء بالأقدام وقد قال عليه الصلاة والسلام لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة والظاهر أن الدخول مكروه ومنهم من حرم ذلك
الثالث لو أحضر أكواما من الأراذل والسفلة وكانت مجالستهم تزري بمنصبه ومروءته فالظاهر أنه لا تجب الإجابة
الرابع أن الصوم ليس بعذر بل يحضر فإن صام عن فرض أمسك وإن كان عن نفل أفطر إلا إذا علم أنه لا يعز على الداعي إمساكه فعند ذلك يمسك أيضا
وحيث تجب الإجابة فإنما تجب إذا قصده الداعي فإن قال لغلامه ادع من شئت فلا تجب على من دعاه الغلام الإجابة
ولو دعا جماعة ولم يقصد الآحاد سقط الوجوب بحضور جماعة كرد السلام
الفصل الثاني في الضيافة
وفيه مسائل
الأولى أنه لا يعين طعاما في الضيافة بل الخيرة إلى المضيف لكن في الوليمة ينبغي أن ب 180 يتخذ يتأخذ ما يليق بمنصبه وحاله
الثانية أنه لا يفتقر إلى تصريح بالإباحة بعد إحضار الطعام وقيل لا بد من لفظ كقوله كلوا أو الصلاة
الثالثة الضيف يأكل ملك الغير بطريق الإباحة وله الرجوع وقيل إنه يملك لكن اختلفوا في وقته منهم من قال عند رفع اللقمة وقيل عند الوضع في الفم وقيل عند المضغ وقيل عند الازدراد نتبين أنه يملك مع الازدراد وقيل لا يملك أصلا وإنما هذه الترددات في وقت امتناع الرجوع عن الإباحة والقياس أنه لا يملك ولا يمتنع الرجوع إلا بالفوات
الرابعة زلت الصوفية حرام إلا إذا علم يقينا بقرينة الحال رضا المالك فإن تردد فيه فالظاهر التحريم
الفصل الثالث في نثر السكر والجوز
وفيه مسائل
إحداها أن النثر والالتقاط كلاهما مباحان لما روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حضر إملاكا فقال أين أطباقكم فأتي بأطباق عليها جوز ولوز وتمر فنثرت قال جابر فقبضنا أيدينا فقال عليه الصلاة والسلام ما لكم لا تأخذون فقالوا لأنك نهيتنا عن النهبى فقال إنما نهيتكم عن نهبي العساكر خذوا على اسم الله تعالى فجاذبنا وجاذبناه قال الشافعي رضي الله عنهترك ذلك أحب إلي وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للرخصة وبيانها فلا نقول إنه مكروه ولكن ربما يؤثر الناثر بعض الناس دون بعض فتركه أولى
الثانية ما وقع في الأرض فالحاضرون فيه سواء ويملكه من يبتدره ومن تثبت يده على شيء منه فلا يسلب بل هو كالصيد
الثالثة لو وقع في حجر إنسان وقد بسطه لذلك ملكه فإن سقط منه فهل لغيره أخذه فيحتمل أن يقال له ذلك وقرار أمره موقوف على استقراره في يده
أما إذا لم يبسطه لذلك فلغيره أخذه كما إذا عشش الطائر في داره ثم طار أما إذا وقع الصيد في الشبكة ثم أفلت فالظاهر أن ملكه لا يزول وفي وجه أنه في العرف لا يعد مستقرا
كتاب القسم والنشوز
وفيه مقدمة وستة فصول
أما المقدمة
فهي أن الحق في النكاح مشترك بين الزوجين وإن كان بينهما تفاوت قال الله تعالى { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } إذ لهن النفقة والكسوه والمهر والقسم كما لهم عليهن الاستعداد للاستمتاع والتمكين والطاعة ولزوم قعر البيت حتى يمنعها عن زيارة الوالدين وتشييع جنائزهما وعيادتهما وإن كان الأولى أن يرخص في ذلك كيلا يؤدي إلى الوحشة وقطيعة الرحم
ولكن ليس للمنفردة في النكاح مطالبة الزوج بالمبيت عندها ولا بالوقاع اكتفاء بدواعي الطبع والأولى بالزوج أن لا يخليهن عن الإيناس والوقاع تحصينا لهن عن الفجور وقال أبو حنيفة رحمه الله لا بد وأن يبيت عندها في كل أربع ليال ليلةواحدة لأنه أقصى ما يمكن في حقه أربع نساء وذلك غير سديد بل لو كان له أربع نسوة فأعرض عن جميعهن لم يكن لهن مطالبته نعم إذا بات عند واحدة لزمه مثله في حق الباقيات
ولا قسم بين المستولدات والإماء ولا بينهن وبين المنكوحات بل له أن يفعل فيهن ما شاء وإن كان الأولى الإنصاف بينهن وترك الإيذاء لكن وجوب القسم من خاصية النكاح هذه هي المقدمة
أما الفصل الأول فيمن يستحق القسم ويستحق عليه
فنقول المريضة والرتقاء والحائض والنفساء والمحرمة والتي آلى عنها زوجها أو ظاهرا وجميع أصناف النساء ممن بهن عذر شرعي أو طبعي يثبت لهن استحقاق القسم لأن هذه الأشياء تمنع الوطء ومقصود القسم السكن والأنس والحذر من التخصيص المؤذي
أما الناشزة فلا تستحق حتى لو كان يدعوهن إلى منزله فامتنعت واحدة في نوبتها سقط حقها إذ يجب عليهن الإجابة إلا إذا كان يساكن واحدة ويدعوا الأخرى فامتنعت فيحتمل ألا تجعل ناشزة حتى يجب عليه أن يأتيهن أو يدعوا جميعهن إذ مساكنة واحدة تخصيص موحش ويحتمل أن يترخص في هذا القدر من التخصيص
أما المسافرة بغير إذنه فناشزة وإن سافرت في غرضه بإذنه فحقها قائم وتستحق القضاء وإن كان في غرضها فقولان والجديد الصحيح
أنها لا تستحق القضاء لأنها مشغولة بغرض نفسها
أما من يستحق عليه فهو كل زوج حتى المجنون قال الشافعي رضي الله عنه على الولي أن يطوف به على ويحتمل أن يقال لا يجب على الولي ذلك إذ العاقل لو امتنع عن الكل جاز ذلك وكذا المجنون ولكن العاقل يكتفي بدعايته الباعثة والمجنونبخلافه فلا يبعد أن يجب على الولي ذلك
فإن قلنا يجب فعليه مراعاة البيتوتة وإن قلنا لا يجب على الولي ذلك فلو حمله إلى واحدة ليلة يلزمه مثل ذلك لغيره ويحتمل أن يقال التخصيص إنما يثقل من الزوج وهذا من الولي فلا يعظم ضرره
وأما السفيه فلا شك في وجوب القسم عليه لأنه مكلف
فرع لو كان يجن ويفيق وأمكن الضبط فلا يجوز تخصيص واحدة بالإفاقة وإن لم يمكن فأفاق في نوبة واحدة ففي كلام الشافعي رضي الله عنه ما يدل على أنه يقضي للأخرى يوم الجنون لنقصان حقها
الفصل الثاني في مكان القسم وزمانه وعدده
أما المكان فلا ينبغي أن يجمع بين الضرتين في مسكن واحد إلا أن تنفصل المرافق فإن ذلك ظاهر في الإضرار ولو كن في بيوتهن وكان يستدعي كل واحدة إلى منزله جاز وعليهن الإجابة
وأما الزمان فعماده الليل لأن الله تعالى جعل الليل سكنا إلا في حق الأتوني والحارس فالأصل في حقهما النهار وأما في حق العامة فالنهار تابع وتظهر التبعية في أمرين
أحدهما أنه لا يجوز له أن يدخل في نوبة واحدة على ضرتها إلا لضرورة كمرض مخوف أو مرض يمكن أن يكون مخوف فيستبين حقيقة الحال ليعود فارغ القلب وقيل إذا لم يتحقق أنه مخوف لم يجز الخروج
فإن خرج إليها بغير عذر عصى ويقضي لها من نوبة ضرتها إن بلغ مكثه ثلث الليل هكذا قدره القاضي حسين رحمه الله وهو قريب من التحكم بل وجه أن لا يقدر بل يجب عليه قضاء مثله كيفما كان لكن ظاهر المنقول أنه إذا لم يكن مكث فيقتصر على التعصية ولا يجب القضاء
وأما بالنهار فليس عليه ملازمة النساء إذ يشتغل بالكسب بل إذا أراد أن يعود إلى لوضوء أو طعام فيرجع إلى بيت صاحبة النوبة فإن دخل على ضرتها بالنهار ففيه ثلاث طرق
أحدها أنه كالليل
والثاني أنه أن ذلك لا حجر فيه لأن النهار تبع وهو وقت الانتشار وليس فيه استحقاق ملازمة حتى يفوت بسبب الدخول على الضرة
والثالث أن ذلك يجوز لغرض مهم وإن لم يكن بمرض مخوف ولا يجوز بالليل إلا بمرض مخوف
فإن تعود الانتشار في نوبة واحدة وملازمة الأخرى فيظهر المنع في ذلك
الأمر الثاني لو جامعها في نوبة ضرتها عصى بالاضرار ولكن إن جرى بالليل ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أن يقضي مثل تلك المدة إن طالت ولا يكلف الوطاء
الثاني أنه أفسد تلك الليلة فلو عاد إليها لا يعتد به لأن المقصود قد فات فيقضي تمام الليل وإن عاد إليها
والثالث أنه يلزمه قضاء الوقاع في نوبة الموطوءة فقط وإن جرى بالنهار احتمل الاقتصار على التعصية ويحتمل أن يجعل ذلك كالليل
فأما المقدار فأقله ليلة وإن أراد أن ينصف لم يجز لأنه يتنغص العيش إذا بتر الليل
وأما الأكثر فقد قال الشافعي رضي الله عنه وأكرمه مجاوزة الثلاث أي يجوزأن يبيت ثلاث ليال عند واحدة وثلاث عند أخرى ومنهم من قال لا يجاوز الثلاث إذ لا مرد بعده ومنهم من قال يجوز إلى السبع فإنه مدة ملازمة البكر أولا ومنهم من قال لا تقدير والاختيار إلى الزوج وإنما عليه التسوية فقط
فرع إذا قرر القسم على مقدار فالبداية ينبغي أن تكون بالقرعة وقيل هو إلى خيرة الزوج لأنه ما لم يبت عند واحدة لا يلزمه للأخرى حق
الفصل الثالث في التفاضل
وله سببان
الأول الحرية وللحرة ليلتان وللأمة ليلة لما روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للحرة ثلثا القسم وللأمة الثلث وقال مالك يسوي بينهما وهو ضعيف للخبر ولأن حق الأمة فيه نقصان وقد يتضرر برق ولدها فله الحذر من ذلك
فرع لو طرأ العتق عليها نظر فإن كان قد بدأ بالحرة فلها ليلتان وللأمة ليلة فإذا عتقت في هذه الأيام الثلاثة إما في نوبة الحرة أو في نوبتها التحقت بالحرة الأصلية حتى تستحق استكمال يومين فإن عتقت بعد تمام يومها اقتصرت على يومها ووجب التسوية بعد ذلك
وإن بدأ بها فعتقت قبل انقضاء يومها صارت كالحرة الأصلية وإن عتقت بعد انقضاء يومها فقد تم استحقاق الحرة ليومين فوجب توفية اليومين ثم بعد ذلك يسوى بينهما
السبب الثاني في تجدد النكاح فإن نكح ثيبا فله أن يبيت عندها ثلاثا ولا يقضي للباقيات بل يسوي بعد ذلك ويبيت عند البكر سبعا ثم يسوي بعد ذلك فإن طلبت الثيب زيادة على الثلاث فأجابها بطل حقها من الثلاث ووجب قضاء الجميع للباقيات لما روي أنه صلى الله عليه وسلم أم سلمة وبات عندها ثلاثا فلما انقضت تعلقت به فقال إنه ليس بك على أهلك هوان وإن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثث عندك ودرت عليهن وشبه الأصحاب هذه المسألة بما لو استحق القصاص من المرفق فقطع من الكوع سقط حقه من أرش الساعد
ولا خلاف في أنه لو أقام باختياره دون التماسها لم يبطل حقها وبالغ الأصحاب في الاقتصار على الخبر وقالوا لا يبطل حقها إلا في صورة ورود الخبر حتى لا يبطل حق البكر من السبع أصلا وإن استزادت ولا حق الثيب إن قام عندها خمسا بالتماسها حتى يقيم السبع
وليس يبعد عندي أن يكون ذلك معللا بحسم باب التحكم والاقتراح عليها فيطرد ذلك في جميع الصور لكن هذا ما وجدته منقولا في المذهب
فرع لو كانت الجديدة أمة فلها مثل حق الحرة في الثلاث أو السبع لأن هذا يرادلحصول الألفة والأنس وذلك يتعلق بالطبع كمدة العنة ليستوي بينهما وفيه وجه أنه ينصف
ثم سبيل التنصيف هاهنا تنصيف الليلة ولا نبالي بذلك بخلاف الأقراء في العدة فإنه لا يقبل التنصيف
الفصل الرابع في الظلم ووجوب القضاء
وفيه ثلاث مسائل
الأولى لو كان تحته ثلاث نسوة فبات عند اثنتين عشرين ليلة بالسوية فقد استحقت الثالثة عشر ليال فيقضيها على الولاء وليس عليه أن يفرق فيبيت عندها ليلتين وعند كل واحدة ليلة لأن هذا حق مجتمع في ذمته فليقضه من غير تأخير ومن ضرورته الولاء
فلو كانت المسألة بحالها فنكح جديدة فلها الثلاث أو السبع ويشتغل بالقضاء بعد ذلك ولكن لو أقام عند المظلومة عشر ليال لصارت الجديدة مظلومة فسبيله أن يبيت عند المظلمومة ثلاث ليال وعند الجديدة ليلة وهكذا حتى تنقضي ثلاث نوب وقد وفاها تسع ليال واعترض إشكال وهو أنه لو بات العاشرة للقضاء ثم استأنف القسم لم تعد النوبة إلى الجديدة إلا في خمس ليال وذلك ظلم عليها قال الشيخ أبو محمد هذا القدر من الظلم ينبغي أن يحتمل للضرورة وقال غيره سبيل العدل إذا بات عندها العاشرة أن يبيت عند الجديدة بعده ثلث ليله ثم يخرج إلى صديق أو مسجد بقية الليل حتى يندفع الظلم إذيثبت بهذه الليلة للجديدة مثل ما يثبت للأوليين وحصة كل واحدة من الأوليين من هذه الليلة الثلث ولها أيضا ثلث الليل فيوفيها في ليلة أخرى ويستقيم الحساب من ليلة وثلث
الثانية إذا بات عند واحدة نصف ليلة فأخرجه السلطان أو خرج قصدا يلزمه أن يبيت عند ضرتها نصف ليلة ثم يخرج في مثل ذلك الوقت إلى صديق ويحتمل التنصيف في القضاء ثم بعد ذلك يستأنف الحساب
الثالثة إذا وهبت واحدة نوبتها صحت الهبة ولها الرجوع متى شاءت في المستقبل فلو بات ليلة بعد الرجوع وقبل بلوغ الخبر لم يلزمه القضاء كما لو أباح تناول ثمار بستان ثم رجع فما تناول قبل بلوغ الخبر فلا ضمان فيه ومنهم من قال مسألة القسم تخرج على القولين في عزل الوكيل
ثم لهبتها ثلاث صيغ
الأولى أن تهب نوبتها من واحدة فليس للزوج أن يقول أسقطت حقك فأنا أصرف الليل إلى من شئت بل هو هبة بشرط فيجب الاتباع وكذلك فعلت سودة ووهبت نوبتها من عائشة رضي الله عنها
فلو أبت الموهوب منها فللزوج أن يقهرها على ذلك إذ ليس هذه هبة منها حتى تفتقر إلى القبول بل هي هبة من الزوج ولذلك يجوز للزوج أن يمتنع ويبيت عند الواهبة قهرا ثم قال العراقيون إن كانت نوبة الموهوب منها متصلة بنوبة الواهبة بات عندها ليلتين وإن لم يكن فهل له أن يوصلها عندها بين ليلتين عندها فيه وجهان
الصيغة الثانية أن تقول وهبت منك مطلقا فقد صارت كالمعدومة فيسوي بين الباقيات
الصيغة الثالثة أن تقول وهبت منك فخصص من شئت منهن فالظاهر أنه ليس له التخصيص فإن هذا يورث الغيظ بخلاف ما إذا وهبت من واحدة
فرع إذا ظلمها بعشر ليال مثلا وجب القضاء فإن طلقها تعذر القضاء وبقيت المظلمة إلى القيمة فإن راجعها وجب القضاء فإن أبانها ثم جدد النكاح ووجب القضاء أيضا وقيل يثنى على عود الحنث وهو ضعيف لأن المظلمة باقية فلا بد من التقضي وإنما يمكن القضاء إذا عادت وعنده تلك النسوة التي ظلمها بهن فإن نكح جديدات فلا يمكن القضاء إلا بظلم الجديدات فقد تعذر القضاء
الفصل الخامس في المسافرة بهن
فنقول من أنشأ سفرا في حاجة على قصد الانصراف عند نجاز حاجته فعليه أن يقرع بينهن فإذا استصحب واحدة بالقرعة لم يلزمه قضاء أيام السفر للمخلفات لما روت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه واستصحب واحدة ثم ظهر أنه كان إذا عاد يدور على النوبة فصار سقوط القضاء من جملة رخص السفر على خلاف القياس وقال أبو حنيفة رحمه الله يجب القضاء
وهذه الرخصة وردت مقرونه بأربعة أوصاف مؤثرة فلا يجوز حذفها
الأول أن عليه السلام أقرع فمن استصحب واحدة بغير قرعة لزمه القضاء وعصى بالتخصيص وهذا كما أنه لو أقام عند واحدة لتمريضها قضى للباقيات إن سلمت وإن ماتت فقد فات القضاء لأنه لم يبقى لها نوبة حتى يقضي منها نعم لا يعصى إن كانالمرض مخوفا ولا ممرض سواه
فإن كان مخوفا ولها ممرض سواه أو لا ممرض ولكن ليس بمخوف ففي جواز الإقامة عندها بهذا العذر وجهان
الثاني أن لا يعزم على النقلة فيحرم أن يعزم على النقلة ويخلف نساءه لأنه لا يطالب بالتحصين اكتفاء بداعية الطبع وإذا انتقل انقطع ذلك فإن استصحب واحدة ولو بالقرعة عصى ولزم القضاء للباقات وعليه الرجوع وهل يلزمه القضاء لأيام الرجوع وهومشتغل بامتثال الأمر فيه وجهان والظاهر وجوبه
الثالث أن يكون السفر طويلا ليكون تعبها ومشقة السفر في مقابلة ما فازت به من الصحبة فأما السفر القصير فهو بالتفرج أشبه فلا يسقط القضاء فلا يكون في معنى مورد الخبر وقال الشيخ أبو محمد يحتمل أن يلحق هذا بالرخص الذي يفيده السفر القصير
الرابع أن لا ينتظر في مقصده لإنجاز حاجته فإن عزم الإقامة بها مدة لزمه قضاء تلك الأيام لأن تعب السفر قد انقطع فيه متودعة فكيف تفوز بالصحبة وإن لم يعزم على الإقامة لكن أقام يوما واحدا مثلا فهذا القدر تابع للسفر فلا قضاء فيه وإن كنا نرى أنه لا يترخص بالفطر وغيره وإن طالت إقامته من غير عزم ولكن في انتظار نجاز الحاجة ففيترخصه خلاف فإن قلنا يترخص فلا قضاء وإن قلنا لا يترخص فيلزمه القضاء
فروع ثلاثة
الأول لو لزمه قضاء أيام الإقامة بالعزم فإذا توجه للرجوع ففي لزوم قضاء أيام الرجوع وجهان
أحدهما أنه لا يجب لأن عزم الإقامة يؤثر في أيام الإقامة
والثاني أنه يجب لأنه إنما سقط قضاء أيام الرجوع رخصة بشرط أن لا يكون له عزم إقامة فإذا عزم فقد أفسد الرخصة فنرجع إلى القياس وقد قيل إنه كما نقض العزم سقط عنه القضاء وإن لم ينهض للرجوع وهو وجه ثالث ضعيف
أما إذا كان عزم على الإقامة ثم أنشأ سفرا آخر مستدبرا وطنه فإن لم يكن عزم عليه في أول السفر لزمه القضاء لأنه سفر بغير قرعة وإن كان عزم عليه ففيه وجهان مرتبان على أيام الرجوع وهاهنا أولى بوجوب القضاء لأنه فيه غير متوجه إلى الامتثال بالرجوع
الثاني لو استصحب اثنتين بالقرعة فعليه التسوية بينهما في السفر فلو ظلم إحداهما بالأخرى قضى لها من نوبتها إما في السفر وإما في الحضر ولو أراد أن يخلف إحداهما في بعض المنازل بالقرعة جاز له ذلك ولو نكح في الطريق جديدة خصصها بثلاث أو سبع ثم عدل بينها وبين المستصحبات ولو خرج وحده ثم نكح في الطريق لم يلزمه القضاء للباقيات لأنه تجدد حقها حيث لم يكن عليه التسوية ولا يظهر الميل بإيثارها
الثالث لو كان تحته امرأتان فنكح جديدتين فخرجت القرعة على إحدهما فسافر بها اندرج حق الجديدة المسافرة في صحبة السفر إذا انقضت أيامها في السفر فإذا عاد إلى الوطن فهل يبقى حق الجديدة المخلفة فيه وجهان
أحدهما لا لأن أيامها قد انقضت
والثاني نعم لأن ذلك لإزالة التوحش والتوحش قائم والتي في السفر قد أنست بصحبة السفر
وهذا فيه إذا زفت إليه الجديدتان ثم سافر أما إذا لم تزف إليه فحق المخلة قائم قطعا
الفصل السادس في الشقاق بين الزوجين
وله ثلاثة أحوال
الأول أن يكون التعدي منها بالنشوز ومعنى نشورها أن لا تمكن الزوج وتعصي عليه في الامتناع عصيانا خارجا عن حد الدلال بأن كان بحيث لا يمكن الزوج حملها على الطاعة إلا بتعب فإن كانت تؤذيه بالشتم وبذاءة اللسان وغير ذلك فليست ناشزة لكنها تستحق التأديب وهل له أن يؤدبها أم يرفع الأمر إلى القاضي فيه تردد
ثم حكم النشوز سقوط النفقة وتسلط الزوج على ضربها لكن قال الله تعالى { فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن } فمنهم من حمل على الجمع ومنهم من حمل على الترتيب والصحيح أنه إن غلب على ظنه أنها تنجر بالوعظ ومهاجرة المضطجه لم يجز الضرب وإن علم أن ذلك لا يزجرها جاز الضرب والأولى ترك الضرب بخلاف الولي فإن الأولى به أن لا يترك الضرب فإن مقصوده إصلاح الصبي لأجل الصبي وهذا يصلح زوجته لنفسه ولذلك كان ضرب الزوج مقيدا بشرط سلامةالعاقبة فلو أفضى إلى فساد عضو أو روح فعليه الضمان وله أن يضربها وإن أمكنت من الجماع إذا منعته غير ذلك من الاستمتاعات
وهل تسقط نفقتها مع الوقاع فيه تردد وأقرب مثال فيه تسليم السيد الأمة ليلا واستخدامها نهارا وذكرنا فيه خلافا
الحالة الثانية أن يكون التعدي منه بالضرب وسوء الخلق فلا سبيل إلا الحيلولة حتى يعود إلى حسن المعاشرة وإنما يعول فيه على قولها أو على قرائن أحوال وشهادات تدل عليه كما يستبرأ حال الفاسق إذا أظهر التوبة فأما مجرد قوله فلا يعول عليه
الحالة الثالثة أن يشكل الأمر فلا يدري من المتعدي فقال قال تعالى { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما }ومقصود الحكمين أن يصلحا بينهما إن أنمكن أو يفرقا
وهل هما وكيلان من جهة الزوجين فيوقف تصرفهما على إذنهما أم هما متوليان من جهة القاضي حتى ينفذ تفريقهما بالطلاق على الزوج وبإلزام المال على المرأة عند استصوابها الخلع فيه قولان الأول وهو القياس أنهما وكيلان إذ يتعد دخول الطلاق تحت الولاية
والثاني أنهما متوليان لما روي أن عليا كرم الله وجهه بعث حكمين بين زوجين فقال أتدريان ما عليكما عليكما إن رأيتما أن تفرقا وإن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا فقال الزوج أما الطلاق فلا فقال علي رضي الله عنه كذبت
ويدل عليه أيضا تسميتهما حكمين فإنه إذا كان مسخرا لا ينفذ حكمه فكيف يسمى حكما فعلى هذ القول إن توافقا لم يجز لهما التفريق
وإن غاب أحدهما أو سكت ففي جواز التفريق وجهان منهم من شرط لنفوذ حكمهما قيام الخصومة في الحال ثم لا بد على هذا القول في الحكمين من العدالة والهداية إلى المصالح ولا يشترطمنصب الاجتهاد وكذلك في كل أمر معين جرى يفوضه القضاة إلى الآحاد
ولا يشترط أن يكونا من أهلهما بل ذلك أولى إذا وجدا فإنهما أعرف ببواطن أحوالهما والله أعلم وأحكم
كتاب الخلع
وفيه أبواب
الباب الأول في حقيقة الخلع ومعناه وفيه فصلان
الأول في أثره في النكاح وألفاظه
أما أثره ففيه قولان
أحدهما أنه طلاق محوج إلى التحليل إذا تكرر ثلاثا وهو مذهب عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومذهب أبي حنيفة والمزني رحمهما الله
والثاني وهو القديم والمنصور في الخلاف أنه فسخ
وحقيقة الخلاف راجع إلى أن النكاح هل يقبل الفسخ تراضيا فعلى قول يقبل قياسا على البيع
ثم ألفاظه ثلاثة الخلع والفسخ والمفاداة
أما لفظ الخلف فصريح في الفسخ على هذا القول ولا يحتاج إلى النية لأن شاع في لسان حملة الشريعة لإرادة الفسخ وتكرر فصار كلفظ الفراق والسراح الذي تكرر في القرآن
وأما الذي شاع في لسان العامة كقوله حلال الله علي حرام فهل يصير صريحا في الطلاق فيه خلاف ظاهر
وأما لفظ الفسخ فالظاهر أنه صريح في مقصود الفسخ لا يحتاج إلى النية وفيه وجه بعيد أنه يحتاج إلى النية بخلاف لفظ الخلع فإن ذلك تداولته ألسنة حملة الشريعة ولفظ الفسخ في النكاح غير مستعمل إلا إذا جرى عيب أو سبب
أما لفظ المفاداة ففيه وجهان مأخذهما أنه ورد به القرآن في قوله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } ولكن لم يتكرر وكذا الخلاف في لفظ الإمساك في الرجعة ولفظ الفك في العتق فإذا الصريح قطعا لفظمتكرر في القرآن أو متكرر على لسان حملة الشريعة أما ما تكرر على لسان العامة أو ورد به القرآن ولم يتكرر ففيه خلاف
ثم إذا جعلنا الخلع صريحا في الفسخ على هذا القول فلو نوى به الطلاق لم ينقلب طلاقا على الأظهر لأنه وجد نفاذا في موضعه صريحا فلا تؤثر فيه النية كما لو نوى الطلاق بلفظ الظهار فإنه لا يصير طلاقا وهذا بخلاف ما لو قال إنها علي حرام ونوى به الطلاق فإنه يقع به الطلاق وإن كان مطلق هذا القول صريحا في التزام الكفارة لكنه لا اختصاص له بالنكاح إذ يجري في الأمة المملوكة ولفظ الخلع يختص بالنكاح
أما إذا قدر الزوج على فسخ النكاح بعيبها مثلا فقال فسخت ونوى به الطلاق فيحتمل أن لا ينصرف إلى الطلاق لأنه وجد نفاذا فيما هو صريح فيه وقال القاضي يقع الطلاق لأنه لا اختصاص للفظ الفسخ بالنكاح فيحتمل أنيصرف إلى الطلاق
أما إذا فرعنا على الصحيح وهو أن النكاح لا يقبل الفسخ فلفظ الفسخ كناية في الطلاق وفي لفظ المفاداة وجهان كما سبق على قول الفسخ وفي لفظ الخلع قولان
أحدهما أنه كناية أيضا لأن صرائح الطلاق ثلاثة وهي التي تكررت في القرآن الفراق والسراح والطلاق
والثاني وهو الذي نص عليه في الإملاء أنه صريح لأنه تكرر في لسان حملة الشرع لإرادة الفراق فالتحق بالمتكرر في القرآن ومنهم من قال مأخذه أن ذكر المال هل ينتهض قرينة في إلحاق الكناية بالصريح حتى لو خلا عن ذكر المال كان كناية قطعا وهذا المأخذ ضعيف إذ قرينة الغضب والسؤال وغيره لا تغير الكنايات عند الشافعي رضي الله عنه فكذلك قرينة المال
أما إذا جرى الخلع من غير ذكر المال فمطلقه هل ينزل على اقتضاء المال فيه وجهان
أحدهما نعم لاقتضاء العرف ذلك
والثاني لا لأن لم يتلفظ به
ويجري الخلاف فيما لو قارض رجلا على أن يتجر ولم يشترط الربح أنه هليستحق أجر المثل واختار القاضي أنه يقتضي المال تشبيها للخلع بالنكاح وتعليله بالعرف أولى من التشبيه بالنكاح المخصوص بالتعبد
فإن قلنا يثبت المال وهو الصحيح فالثابت هو مهر المثل إن جعلناه فسخا أو صريحا في الطلاق وإن جلناه كناية في الطلاق ونوى فهو كالصريح وإن لم ينو لغا ولم يؤثر
أما إذا قلنا لا يثبت المال فإن جعلناه فسخا لغا إذ لا فسخ إلا على عوض وإن جعلناه طلاقا صريحا أو جرت النية فهو طلاق رجعي إذ لا مال ولكن يتصدى أمران
أحدهما أن الرجعي لا يفتقر إلى قبولها فهذا هل يفتقر فيه وجهان
أحدهما لا أنه لا مال
والثاني نعم لأن اللفظ يستدعي القبول ولا يبعد ذلك فإنه لو خالع السفيهة لا ينفذ إلا بقبولها ثم يكون الطلاق رجعيا إذ لا يصح التزامها المال
وهذا إنما يظهر في قوله خالعت فلو قال خلعت فيبعد انتظار القبول وكذا لو قال خالعت ولم يضمر التماس جوابه فيكون كقوله قاطعت وفارقت
الأمر الثاني أنه إن أضمر الرجل المال فيبعد إيقاع طلاق من غير مال ففيه وجهان
أحدهما أنه لا أثر لنية المال فهو كما إذا لم ينو
والثاني أنه يؤثر حتى لا يقع من غير ثبوت المال وإنما يثبت المال إذا نويا جميعا المال فإن لم تنو المرأة فلا يقع الطلاق أصلا
وهذا بيان هذه الاختلافات والأولى في الفتاوى أن نجعل الخلع طلاقا ونجعله صريحا فيه ونجعل الخالي عن العوض مقتضيا للعوض بحكم العرف ونجعله صريحا أيضا ونطرح بقية الاحتمالات وإن كان لها بعض الاتجاه أما جعل الخلع فسخا فبعيد في المذهب والقياس إذ لا خلاف أن الزوح لا يستقل بالفسخ ولو قبل النكاح الفسخ لكان لا يمنع بسببها كما لا يمنع الطلاق وفيه إبطال حقها ولأنه لا خلاف أن الخلع قبل المسيس مشطر وأنه يجوز إيراده على عوض جديد وكل ذلك يناقض معنى الفسخ
الفصل الثاني في معنى نسبة الخلع إلى المعاملات
فنقول إن جعلناه فسخا فهو معاوضة محضة شبيهة بالنكاح وإن جعلناه طلاقا أو جرى الطلاق على مال فهو من جانب الزوج تعليق فيه مشابه المعاوضات ومن جانبها معاوضة محضة فيها فيها مشابه الجعالة ولا نعني بذلك أن الحكم الواحد يتركب من أصلين فإن ذلك متناقض بل تجري بعض الأحكام على قاعدة التعليق وبعضه على قانون المعاوضة وشرح ذلك من جانبه يستدعي تفصيل الصبغ وله صيغ
الأولى صيغة المعاوضة وهو أن يقول طلقتك على ألف أو أنت طالق على ألف فتتمحض في هذه الصيغة قضية المعاوضات ويظهر ذلك في أربعة أمور
أحدها أنه لو رجع قبل قبولها لم يقع الطلاق كما في البيع
والثاني أنه لا بد من قبولها باللفظ
والثالث أنه لا بد من القبول في المجلس على الاتصال
والرابع أنه لو قال طلقتك ثلاثا على ألف فقالت قبلت واحدة على ثلث الألف لم يقع كما إذا قال بعتك هذا العبد بألف فقال قبلت ثلثه بثلث الألف فإنه لا يصح ولو قبلت واحدة على كمال الألف فالأصحأنه يقع لأنها وافقت في العوض وليس إليها عدد الطلاق بخلاف ما لو باع عبدين بألف فقبل أحدهما بالألف فإن الأصح فيه أنه لا يصح لأن الملك مقصود للمشتري والطلاق لا يدخل في ملكها ثم قال ابن الحداد لا يقع إلا واحدة لأنها لم تقبل إلا واحدة وقال القفال يقع الثلاث لأن قبولها يعتبر للعوض فقط
ثم الصحيح أنه يستحق المسمى وعن ابن سريج أنه يستحق مهر المثل
الصيغة الثانية أن يصرح بالتعليق فيقول متى ما أعطيتني ألفا فأنت طالق فهذا تعليق محض من جانبه فلا يحتاج إلى القبول لفظا ولا إلى الإعطاء في المجلس ولا له الرجوع قبل الإعطاء
الثالثة أن يقول إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فلا يصح رجوعه ولا يفتقر إلى قبولها لفظا ولكن يختص الإعطاء بالمجلس لأن قوله متى ما صريح في تجويز التأخير وهذا متردد وقرينه العوض تشعر باستعجاله في المجلس فيختص به ولا تطلق بالإعطاء بعد ذلك
أما جانب المرأة فاختلاعها معاوضة نازعة إلى الجعالة لأن الطلاق ليس إليها حتى يتطرق إلى جانبها مشابة التعليق وإنما إليها بذل المال في مقابلة ما يستقل الزوج به إن شاء
وفائدة هذا أن لها الرجوع في جميع الصور قبل الجواب حتى لو أتت أيضا بصيغة التعليق وقالت إن طلقتني فلك ألف ثم رجعت قبل القبول جاز ويختص الجواب أيضا بالمجلس فلو طلقها بعد ذلك لم يلزمها العوض حتى لو قالت متى ما طلقتني فلك ألف فطلقها بعد مدة حمل ذلك على الاستقلال لا على الجواب لأنه قادر على الابتداء وإنما ينصرف إلى الجواب بقرينة التخاطب المعتاد في المجلسوإنما نزوعها إلى الجعالة يظهر من شيئين
أحدهما أنه احتمل صيغة التعليق منها بأن تقول إن طلقتني فلك ألف كما تقول إن رددت عبدي الآبق لأنها التمست ما يستقل الزوج به ويحتمل التعليق بالأغرار
الثاني أنها لو قالت طلقني ثلاثا على ألف فقال طلقتك واحدة استحق الثلث كما إذا قال إن رددت عبيدي الثلاث فلك ألف فرد واحدا استحق الثلث
وكذلك لو قالتا طلقنا على ألف فطلق واحدة استحق نصفها عليها وهذا بخلاف ما لو قال الرجل طلقتك ثلاثا بألف فقالت قبلت واحدة على ثلث الألف لم يقع الطلاق لأن ما أتى به صيغة المعاوضة فالتحقت بالمعاوضة وما أتت به صيغة ضاهت الجعالة فالتحق بها
ولو قال الزوج ابتداء خالعتكما على ألف وقبلت واحدة منهما لم يصح بلا خلاف لأن الجواب لم يوافق الخطاب بخلاف ما إذا قالتا طلقتنا فأجاب إحداهما نفذ لأن ذلك مأخوذ من الجعالة وكذلك إذا باع عبدا من رجلين فأجاب أحدهما وقبل النصف لم يصح على المذهب وإن شغب أصحاب الخلاف بمنع فيه
ولو قال خالعتك وضرتك فقبلت صح لأنها العاقدة وحدها وإنما المتعدد المعقود عليه فقط ولو تخلل بين إيجاب الخلع وقبوله كلام يسير لم يضر
وقد قال الشافعي رضي الله عنه لو قالتا طلقنا وارتدتا فأجابها ثم عادتا إلى الإسلام صح الخلع وإن تخلل كلمة الردة إلا أن هذا كلام من المخاطب بعد تمام خطابه وإنما النظر في كلام القابل بعد الإيجاب وقبل القبول والله أعلم
الباب الثاني في أركان الخلع
وهي خمسة الصيغة والعاقدان والعوضان وإذا تطرق الخلل إلى واحدة منها فسد الخلع ومعنى فساده أن يمتنع وقوع الطلاق ولفظ البطلان بهذا أحق أو ينقلب الطلاق رجعيا أو تنفذ البونه ويفسد العوض ولفظ الفساد بهذا أحق وتفصله بشرح الأركان
الركن الأول الموجب وشرطه أن يكون مستقلا بالطلاق فخلع الصبي باطل وخلع العبد صحيح والعوض يدخل في ملك سيده قهرا فهذا كالاكتساب
وخلع المحجور بالفلس والسفة صحيح لأن طلاقه ينفذ من غير مال فهو مع المال أولى ولا حجر عليهم في مقدار العوض وإن نقص عن مهر المثل إذ ينفذ طلاقهم مجانا إلا أن المختلعة من السفيه لا تبرأ عن العوض إلا بالتسليم إلى الولي فإن سلمت إلى السفيه لم تبرأ
الركن الثاني العاقد
وشرطه أن يكون أهلا لالتزام المال غير محجور عليه
وأسباب الحجر خمسة
الأول الرق فإذا اختلعت الأمة بإذن سيدها بعين ماله صح واستحق الزوج عين المال وإن اختلعت بدين هل يكون السيد ضامنا بالإذن فيه خلاف كما في نكاح العبد وإن استقلت بالاختلاع فسد الخلع ونفذت البينونة وتعلق مهر المثل بذمتها تطالب به إذا أعتقت وفيه وجه أنه تطالب بالمسمى إذا عتقت ويصح المسمى وهو ملتفت إلى الوجه المذكور في صحة شراء العبد وضمانه وتعلقه بذمته
السبب الثاني حجر المكاتبة والتزامها المال في الخلع تبرع فإن استقلت فهي كالأمة وإن اختلعت بإذن السيد يبنى على أن تبرعها هل ينفذ بإذن السيد وإنما جعل تبرعا لأنه لم يحصل في مقابلته مال
السبب الثالث الحجر بالسفة وإذا اختلعت السفيهة ولو بإذن الولي لم يثبت المال للحجر وامتنع الخلع ونفذ طلاقا رجعيا إذا قبلت لأن لفظها صحيح في القبول ولا بد من القبول لاقتضاء الصيغة ذلك
السبب الرابع الحجر بالصبي فلا يصح اختلاع الصبية لفساد لفظها فيالقبول بخلاف السفيهة ومنهم من قال يقع الطلاق ها هنا أيضا رجعيا ويكون كما لو قال للصبية أنت طالق إن شئت فقالت شئت لأن قبول قول السفيهة أيضا ساقط في الالتزام
السبب الخامس الحجر بالمرض ويجوز اختلاع المريضة بمهر المثل ولا يحتسب من الثلث إذ غايتها أنها صرفت المال إلى أغراضها في حياتها ولها ذلك بخلاف السفيهة والمكاتبة وهو كما لو نكح المريض أبكارا بمهور أمثالهن وهو مستغن عنهن جاز ذلك
وأما الزيادة على مهر المثل فيحسب من الثلث وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه أصل المهر يحسب من الثلث
الركن الثالث المعوض
وهو البضع وشرطه أن يكون مملوكا للزوج فلا يجوز للزوج مخالعة
المختلعة وإن كانت بعد في العدة إذ لا ملك ووافق على هذا أبو حنيفة رحمه الله وإن خالفنا في لحوق الطلاق إياها
وأما المرتدة بعد المسيس إذا خالعها صح إن عادت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة وإن أصرت تبين الفساد وله التفات إلى وقف العقود
وأما الرجعية ففي مخالعتها قولان
أحدهما أنه يصح لأن الملك قائم
والثاني لا لأنه لأجل والطلقة الثانية لا تفيد في حقها أمرا جديدا فينفذ طلاقا رجعيا كما في السفيهة
وفيه وجه آخر أنه يصح مخالعتها بالثالثة دون الثانية إذ الثانية لا تفيدها شيئا جديدا وهو بعيد
الركن الرابع العوض
وشرطه أن يكون متمولا معلوما وبالجملة يشترط فيه شرائط المبيع والثمن فإن خالع على مجهول فسد العوض ونفذت البينونة والرجوع إلى مهر المثل
وإن خالع على خمر أو خنزير أو مغصوب أو حر أو شيء مما يقصد وهو غير معلوم فسد العوض والرجوع إلى القيمة أو مهر المثل فيه قولان كما ذكرناه في الصداق ولو خالع على دم وقع طلاق رجعيا لأن ذلك لا يقصد بحال والميتة كالخمر لا كالدم فإنها قد تقصد لطعمة الجوارح والتفصيل في هذا كالتفصيل في الصداق
فرع إذا قال خالعتك على ما في كفك صح الخلع إن صححنا بيع الغائب ونزل على ما في كفها وإن لم نصحح فسد العوض والرجوع إلى مهر المثل ولا يرجع إلى قيمته أصلا لأن مأخذ الرجوع إلى القيمة الرضا بالمالية والرضا بالمجهول لا يتصور وقال أبو حنيفة رحمه الله إن لم يكن في كفها شيئ نزل على ثلاثة دراهم ولعله يقول معناه ما في كفها المقبوض من عقود الحساب وليسفيه إلا ثلاثة إذ لا معنى لقبض الإبهام والسبابة في الحساب ثم يرى تنزيله من الأعداد على النقد أولى ومن النقود على الأدنى وهو الدراهم
والوجه تنفيذه رجعيا فإن ما ذكره وإن تكلفنا له خيالا فهو تعسف ظاهر
ومما يتعلق بالعوض موافقة الوكيل ومخالفته والنظر في وكيله ووكيلها
أما وكيله فإن قال له خالع بمائة فخالع بها أو بما فوقها صح وإن نقص لم ينفذ الطلاق لمخالفته وإن قال خالع مطلقا نفذ خلعه بمهر المثل فما فوقه
فإن نقص فالنص في الإملاء أنه لا يبطل لأنه أذن مطلقا فيتناول ذلك بعمومه وإنما ينزل في البيع على ثمن المثل للعرف الجاري في مقصود الأموال إذ لا مقصود فيها سوى المالية وفيه قول مخرج أنه يبطل كما لو عين المقدار وله اتجاه
وفي مسألة تعيين المقدار قول مخرج من هذه المسألة أنه لا يبطل وإن نقص وهو ضعيف
فإن فرعنا على النص وهو أنه لا يبطل فما الذي يحصل فيه طريقان
أحدهما ذكه الشيخ أبو علي أن للزوج الخيار ولكن في تخيره قولان
أحدهما أن معناه أنه إن رضي بذلك نفذ وقد قنع بالمسمى وإلا امتنع الطلاق ولا ينبغي أن يؤخذ هذا من وقف العقود بل مأخذه أن لفظه عام وله أن يقول اردت به مهر المثل وعلامة ذلك أن لا يرضى بالمسمى فإن رضي بالمسمىفكأنه أراد ذلك بالعموم
والقول الثاني أنه إن شاء قنع بالمسمى وإلا صار الطلاق رجعيا وامتنع العوض أصلا إذ رد الطلاق لخيرته بعيد وتكليفها مهر المثل وما رضيت إلا بالمسمى بعيد
الطريقة الثانية نقل القولين على وجه آخر
أحدهما أنه لا خيار له إلا بين المسمى ومهر المثل فأما الطلاق فلا خيار فيه
والثاني أنه لا خيار له أصلا بل فسد العوض والرجوع إلى مهر المثل وهذه الطريقة أقيس ويحصل من هذه الاختلافات خمسة أقوال إذا جمعت
أما وكيلها بالاختلاع بمائة إن وافق أو نقص صح وإن زاد فالنص وقوع البينونة واختيار المزني أنه لا ينفذ وهو القياس لأنه خالف ولم يجعل اختياره تخريجا مع اتجاهه
ثم فيما يلزمها على النص قولان
أحدهما أنه يفسد المسمى واللازم مهر المثل
والثاني أنه يلزمها ما سمت وزيادة الوكيل أيضا تلزمها إلا ما جاوز من زيادة مهر المثل فإنها لا تلزم
هذا إذا أضاف الوكيل الاختلاع إلى مالها فإن أضاف إلى نفسه نفذ ولزمالوكيل تمام ما سمى وليس عليها شيء لأن اختلاع الأجنبي بنفسه صحيح
وإن أطلق الوكيل ولم يضف إليها ولا إلى نفسه فالبينونة حاصلة على النص وفيما يلزمه قولان
أحدهما أن عليها ما سمت والزيادة على الوكيل كأنه قد افتداها بما سمت وزيادة من عند نفسه
والثاني أن الزيادة عليها أيضا ما لم يجاوز مهر المثل فما جاوز مهر المثل فهو على الوكيل وقياس مذهب المزني صحة الخلع من الأجنبي وانصرافه عنها كالوكيل بالشراء بمائة إذا زاد فإنه يقع عنه إذا لم يصرح بالأضافة إلى الموكل
فأما إذا أضاف الوكيل المال إليها وضمن قال الصيدلاني هو كما لو أطلق الوكيل وهذا ضعيف بل الإضافة إذا فسدت فالضمان المرتب عليه لا يصح ولا يؤثر فيه
هذا كله إذا عينت مائة فإن أذنت مطلقا قطع الأصحاب بأن ذلك كالمقدر بمهر المثل والمصرح به
هذا كله في المخالفة بالمقدار فلو خالف في الجنس بأن قالت اختلعني بالدراهم فاختلع بالدنانير قال القاضي انصرف الخلع عنها لأنه مخالف بخلاف ما إذا زاد فإنه أتى بما أمرت وزيادة وهذا يؤكد اختيار المزني لأن الفساد هاهنا أيضا في العوض
الركن الخامس الصيغة
وفيه مسائل
إحدها أنه لو قال طلقتك بدينار على أن لي الرجعة ففي المسألة قولان
أحدهما وهو الذي نقله المزني أن العوض يسقط وينفذ الطلاق رجعيا إذ لا جمع بين العوض والرجعة والعوض هو المحتاج إلى إثباته دون الرجعة فيندفع بذكر الرجعة
والثاني وهو القياس وقد نقله الربيع واختاره المزني أن العوض يفسد لاقتران الشرط به وتنفذ بينونة على مهر المثل لأن دفع الرجعة أهون من دفع البينونة
الثانية المرأة تتوكل في الاختلاع وهل تتوكل في الخلع فيه وجهان ووجه المنع أنها لا تقدر على الاستقلال بالخلع ويجري الخلاف في توكلها بالتطليق مع أنه لا خلاف أنه لو قال لها زوجها طلقي نفسك فقالت طلقت ينفذ ولكن هو تمليك أو توكيل فيه خلاف
الثالثة الوكيل بالخلع هل يتولى طرفي الخلع فيه وجهان ومن جوز ذلكعلى خلاف البيع والنكاح علل ذلك بأن الخلع يكفي فيه اللفظ من أحد الجانبين فإنه لو قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فأعطت حصلت البينونة
الرابعة لو خالعها على أن ترضع ولده حولين صح الاستئجار والخلع ولو أضاف إليه الحضانة جاز ولو أضاف إليه نفقة عشر سنين مثلا وقدرها ووصفها بحيث يجوز فيه السلم انبنى على تجويز الجمع بين صفقتين مختلفتين فإن أفسدنا فالرجوع إلى مهر المثل أو إلى بدل هذه الأشياء فعلى قولين
ومنهم من قطع هاهنا بأن الرجوع إلى مهر المثل إذ لو جوزنا الرجوع إلى أبدال مختلفة لصححنا العقد على أبدال مختلفة ومنهم من قال وإن لم نصحح الجمع بين صفقتين مختلفتين جوزنا هاهنا لأن النفقة هاهنا تابع للحضانة غير مقصود
التفريع إن صححنا وعاش الولد واستوفاه فإن كان زهيدا فالزيادة للزوج وإن كان رغيبا فالزيادة على الزوج
ولو مات في وسط المدة فلا يخفى حكم تفريق الصفقة بسبب الانفساخ في البعض ووجه التفريع عليه
الباب الثالث في موجب لفظ الزوج في إلزام العوض وتسليمه
وفيه فصول
الفصل الأول في الألفاظ الملزمة وحكمها
وفيه مسألتان
الأولى أن الملزم الصريح قوله أنت طالق على ألف أو طلقتك على ألف فلو قال أنت طالق ولي عليك ألف وقع الطلاق رجعيا لأنه صيغة إخبار لا صيغة إلزام وقوله أنت طالق مستقل فينفذ ويلغو قوله ولي عليك ألف كما لو قال وعليك حجة ولو قال أردت ما يريده أنه قصد ذلك فمن الأصحاب من قال ينزل عليه وتلزم الألف ومنهم من قال لا أثر للتوافق إذ اللفظ غير صالح له
أما إذا قال أنت طالق على أن لي عليك ألفا فظاهر هذا أنه شرط والطلاقلا يقبل الشرط فيلغو ولكنه لو قال أردت الإلزام فهذا أدل على الإلزام
من الصيغة الأولى ولكن قال صاحب التقريب لا يقبل وفي كلام غيره ما يدل على القبول
وإن قال عنيت أنت طالق إن ضمنت لي ألفا قبل وذلك لو صرح به لاقتضى ضمانا في المجلس كالتعليق بالإعطاء إلا أن يقول أنت طالق متى ضمنت لي ألفا فإن ذلك لا يختص بالمجلس
ولو قال أمرك بيدك فطلقي نفسك إن ضمنت لي ألفا فإن جعلنا التفويض تمليكا اختص الجواب بالمجلس وإن جعلناه توكيلا لم يختص ثم سبيلها أن تقول ضمنت الألف وطلقت أو طلقت وضمنت الألف فيقع الطلاق والضمان معا
المسألة الثانية ذكرنا أن الجواب يختص بالمجلس فيما يستدعي الجواب ولو قال إن أعطيتني أو أديت إلي ألفا أو أقبضتنى لم يستدع الجواب باللفظ واختص بالمجلس لقرينة العوض وفيه وجه بعيد أنه لا يختص كالتعليقات كلها وكذلك إذا قال أنت طالق إن شئت اختص الجواب بالمجلس لأنالتعليق بالمشيئة يشبه استدعاء جواب وقبول وكذلك لو قال أنت طالق على ألف إن شئت فقالت شئت وقبلت اختص بالمجلس وصح ويكفي قولها شئت أو قبلت إ ذ أحدهما يؤدي المعنيين جميعا وفيه وجه أنه لا بد منهما جميعا ويلزم عليه تجويز الرجوع قبل القبول لأنه يغلب فيه مشابه المعاوضة
ولو قالت المرأة طلقني على ألف فقال أنت طالق على ألف شئت لم يكن جوابا بل كان كلاما مستأنفا يستدعي منها جوابا مستأنفا
الفصل الثاني في حكم الإعطاء
فنقول إذا قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فالإعطاء هو أن تضع بين يديه وليس يشترط قبضه باليد إلا إذا قال إن أقبضتني فلا بد من قبضه عند ذلك
ثم إذا وضعت بين يديه وقع الطلاق ودخل في ملك الزوج ولم يجز لها الرجوع وفي دخوله في ملك الرجل من غير لفظ منها إشكال يؤيد تجويز المعاطاة لأنها لم تملك ولا سبق منها التزام لقبول إذ لا يشترط القبول
لكن المذهب ما ذكرناه وسببه أن التعليق يقتضي وقوع الطلاق عند الإعطاء ثم لا يمكن إيقاعه مجانا مع قصد العوض فيدخل في ملكه لضرورة وقوع الطلاق وعن هذا الإشكال حكى الشيخ أبو علي وجها أن الطلاق يقع ويرد المعطي عليها ويلزمها مهر المثل وهذا منقاس ولكنه غريب وهذا الوجه يجري في قوله إن ضمنت لي الفا فأنت طالق لأنه إذا قالت ضمنت وقع الطلاق بحكم التعليق ولذلك يتصور تأخره عن المجلس ولزومه بمجرد قولها ضمنت مشكل لدخوله في ملكه بمجرد الإعطاء
أما إذا قال إن أقبضتني ألفا فأنت طالق طلقت بالإقباض طلاقا رجعيا ولم يملكه الزوج لأن بالإعطاء ينبنيء عن الملك دون الإقباض ومنهم من ألحق الإقباض في اقتضاء الملك
ومن حكم التعليق أيضا أنه لو قال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق فأعطت ألفين طلقت وملك الزوج ألفا لأن الألفين مشتمل على الألف فقد وجدت الصفة بخلاف ما إذا قال خالعتك بألف فقالت قبلت بألفين لم يصح لأنه جواب لم يوافق الخطاب والله أعلم
الفصل الثالث في التعليق بالنقد
وفيه مسائل
الأولى إن قال إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق وفي البلد نقود مختلفة كلها نقرة خالصة لكن الغالب في المعاملة واحد فأتت بالغالب طلقت وملك الزوج
ولو أتت بغير الغالب طلقت ولم يملك الزوج بل يجب إبداله بالغالب وإنما طلقت لعموم لفظ التعليق والعرف إنما يؤثر في المعاملات
أما التعليق فلا يقع غالبا حتما يؤثر العرف في تعيين العموم وكذلك لا يؤثر في الإقرار حتى لو قال علي ألف فله أن يسلم كل ما ينطلق عليه الاسم لأن الموجب السبب هو المخبر عنه وذلك مجهول فكيف يحكم العرف فيه نعم لو قال أنت طالق على ألف نزل على الغالب لأن هذه معاملة فتفارق التعليق والإقرار وبقي الإشكال في أنه وجب إبداله في الغالب وسببه أن ملك من حكم المعاملة فينزل على الغالب وعند هذا صار وجه الشيخ أبي علي في الرجوع إلى مهر المثل أوجه لأنه إن لم يكن المعطى هو المراد فلم طلقت وإن كان هو المراد فلم يجب الإبدال فإن جاز الإبدال فالرجوع إلى مهر المثل أولى وقد قال الشافعي رضي الله عنه لو كان الألف الغالب معيبا فإذا جاءت به طلقتورجع الزوج عليها بالسليم وهذا يزيد في الإشكال الذي ذكرناه
المسألة الثانية إذا كان في البلد دراهم ناقصة في الوزن عليها التعامل بالعدد وهي نقرة خالصة فلفط الإقرار والتعليق لا ينزل عليها بل على الوازنة الكاملة لأن العرف لا يؤثر فيها نعم مطلق البيع هل ينزل عليه فيه وجهان
أحدهما نعم لعرف المعاملة
والثاني لا لأن اللفظ صريح في الموازنة التامة والفرق لا يغير الصريح إنما يخصص العموم عند شمول اللفظ
نعم لو فسر الإقرار بالناقصة هل يقبل فيها وجهان وكذا في تفسير المعلق بالمعتاد فيه وجهان وإنما يجري الخلاف في التعليق في العددية الزائدة أما الناقصة فيقبل التفسير في المعلق بها لأنه توسيع لباب الطلاق
المسألة الثالثة إذا كان الغالب دراهم مغشوشة فلا ينزل عليها إقرار وتعليق لكن تصح المعاملة عليها إن كان قدر النقرة معلوما وإن كان مجهولا ففي صحة المعاملة على أعيانها وجهان والصحيح أنه يقبل تفسير المقر بها إذا غلبت في المعاملة
الفصل الرابع في التعليق بإعطاء ثوب أو عبد
وفيه مسائل
الأولى إذا قال إن أعطيتني عبدا من صفته كيت وكيت ووصفه إلى حد يجوز السلم فيه فإذا أتت بمثله طلقت ودخل في ملكه
أما إذا قال إن أعطيتني عبدا واقتصر فمهما أتت بعبد سليم أو معيب كيفما كان طلقت والرجوع إلى مهر المثل لأنه مجهول فلا يمكن الرجوع إلى قيمته وإن أتت بعبد مغصوب ففي وقوع الطلاق وجهان
أحدهما يقع لحصول الاسم ولأن الرجوع إلى مهر المثل فلا معنى لاشتراط الملك
والثاني لا يقع لأن لفظ الإعطاء ينبئ عما تقدر المرأة على إعطائه
التفريع إن شرطنا الملك فلو قال إن أعطيتني خمرا فهل تكون الخمر المغصوبة المحترمة كالتي لم تغصب فيه تردد من حيث إن الملك غير متصور فيها لكن الاختصاص الممكن فيه لا يبعد أن يعتبر
المسألة الثانية إذا عين عبدا فقال إن أعطيتني هذا العبد وقع الطلاق بإعطائه وملكه فإن كان معيبا طلقت بحكم التعليق ولكن يرد عليهاورجع إلى قيمة السليم أو إلى مهر المثل على اختلاف قولين وإن خرج مستحقا قال ابن أبي هريرة نتبين أن الطلاق غير واقع لأنه غير قابل للإعطاء
وقال القاضي طلقت والرجوع إلى البدل لأنها أعطت ما عينه الزوج
فلو صرح وقال إن أعطتني هذا العبد المغصوب فوجهان مرتبان وأولى بوقوع الطلاق لتصريحه
ثم إذا صححنا رجع إلى مهر المثل وفيه وجه أنه يقع الطلاق رجعيا لأنه قنع بغير شيء وقيل يطرد هذا فيما لو قال إن أعطيتني خمرا وهو بعيد في المذهب
أما إذا قال إن أعطيتني هذا الحر فالظاهر أن الطلاق يقع بأعطائه رجعيا لأن الصيغة فاسدة لا تصلح لطلب العوض وقيل إن ذلك كالمغصوب والخمر
المسألة الثالثة لو قال إن أعطتني هذا الثوب وهو مروي فسلمت فإذا هو هروي لم تطلق لعدم الشرط
أما إذا قال إن أعطتني هذا الثوب المروي فإذا هو هروي ففيه تردد لأنهمتردد بين صيغة الشرط والإخبار على وجه خطأ فإن لم نجعله شرطا وقع الطلاق بتسليمه
ولو قال خالعتك على هذا الثوب على أنه هروي فإذا هو مروي وقعت البينونة سواء وجد الوصف أو لم يوجد ولكن إن أخلف الوصف ثبت خيار الخلف في العوض وفائدته الرجوع إلى مهر المثل أو بدله
الباب الرابع في سؤال الطلاق
وفيه فصول
الفصل الأول في ألفاظها في الالتماس
وفيه مسائل
الأولى إذا قالت متى طلقتني فلك ألف اختص الجواب بالمجلس
بخلاف قول الزوج متى ما أعطيتني ألفا فأنت طالق فإنها تطلق وإن أعطت في غير المجلس لأن الغالب على جانبه التعلقق وعلى جانبها المعاوضة فلذلك افترقا
الثانية لو قالت إن طلقتني فأنت بريء من الصداق فقال طلقت نفذ رجعيا ولم يبرأ عن الصداق لأن تعليق الإبراء لا يصح وطلاق الزوج طمعا في البراءة من غير لفظ صحيح منها في الالتزام لا يوجب شيئا عليها
الثالثة إذا قالت طلقني ولك علي ألف فطلقها لزمها الألف وهذه الصيغة منها تصلح للالتزام بخلاف ما لو قال طلقتك ولي عليك ألف فإن ذلك لا يصلح لإلزامها فيحمل على الإخبار وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمها يالحال بذلك وسوى فيه بين الزوجين
لأصحابنا وجه موافق مذهبه ولا يطرد ذلك الوجه في الجعالة بل هذه الصيغة ملزمة في الجعالة
ولو قال بعني ولك علي ألف فقد قيل إن ذلك كالخلع والجعالة
وقيل إن ذلك لا يحتمل في البيع
الرابعة لو قالت طلقني على ألف فقال طلقتك ولم يذكر المال فإن قال لم أقصد الجواب قبل وفائدته ثبوت الرجعة بخلاف ما إذا قيل له أطلقت زوجتك فقال نعم ثم قال لم أقصد الجواب لم يقبل لأن قوله نعم لا يستقل بنفسه فيتعين للجواب وكذلك مجرد قوله اشتريتدون ذكر المال يتعين للجواب مهما قيل له بعت منك
الخامسة إذا صدر منها كناية كقولها أبني وقوله أبنتك فإن نويا نفذ وإن لم ينويا لغا وإن نوت دونه لم ينفذ لأن اعتماد البينونة على جانبه
وإن نوى دونها نظر
فإن جرى ذكر المال من الجانبين لم ينفذ لأنه لا يصح التزامها من غير نية الفراق
وإن لم يجر من الجانبين نفذ الطلاق رجعيا وإن جرى ذكر العوض في جوابه لافي التماسها لم يقع الطلاق
وإن جرى في التماسها لا في جوابه بأن قالت أبني بألف فقال فلم يصح أبنتك لم يقع الطلاق لأنه إنما رضيا بالبينة نته بعوض ولم يوجد منها نية الفواق التزامها فصار كما إذا ذكر المال من الجانبين وفيه وجه بعيد أن الطلاق يقع رجعيا ويجعل قوله أبنتك كالمستقبل دون الالتماس
فأما إذا جرى من أحدهما صريح ومن الآخر كناية فالكناية مع النية كصريح ودون النية كالمعدوم
ولا خلاففي أنه لو قالت أبني فقال أبنتك ونويا الطلاق ولم يذكر العوض أن هذا لا يقتضي العوض بخلاف لفظ الخلع فإن لفظ الخلع ينبئ عن العوض بخلاف لفظ البينونة
الفصل الثاني في التماسها طلاقا مقيدا بعدد
وفيه أربع مسائل
إحداها أن تقول طلقني ثلاثا بألف فطلقها طلقة واحدة استحق ثلث الألف كما ذكرناه على قياس الجعالة بخلاف جانبه
فإن لم يبق له عليها إلا طلقة فقالت طلقني ثلاثا بألف فطلق طلقة واحدة قال الشافعي رضي الله عنه استحق جميع الألف لأن مرادها البينونة الكبرى وقد حصلت بكمالها
وقال المزني رحمه الله يستحق ثلث الألف اتباعا للحساب وقال أبو إسحاق المروزي إن علمت أنه لم يبق إلا واحدة استحق الجميع وإن لم تعلم استحق الثلث ولا تفريع بعد هذا على مذهبه
أما إذا بقيت له طلقتان فطلق واحدة استحق الثلث عند الشافعي رضيالله عنه والمزني جميعا لأن الشافعي رضي الله عنه أيضا يتبع الحساب إلا إذا حصلت البينونة الكبرى وإن طلقها اثنتين استحق الجميع عند الشافعي رضي الله عنه والثلثين عند المزني
فلو قالت طلقني عشرا بألف استحق بالواحدة العشر وبالثنتين الخمس بالاتفاق وأما بالثلاث استحق الجميع عند الشافعي رضي الله عنه وقياس المزني إنه يستحق ثلاثة أعشار المال وقيل تخريجا على قياسه إنه إنما يوزع على العدد الشرعي ويوافق الشافعي رضي الله عنه في استحقاق الجيمع بالثلاث في هذه الصورة
الثانية إذ قالت طلقني ثلاثا بألف فقال أنت طالق واحدة بألف وثنتين مجانا قال جماعة من أئمة المذهب تقع الواحدة بثلث الأف والزيادة لا تلزمها والثنتان بعدها لا تقعان لأنها صارت بائنة بالأولى وهذا لا وجه له بل ينبغي أن لا تقع الأولى لأنه ما رضي بوقوعها إلا بألف وهي ما التزمت على واحدة إلا لثلاث نعم تقع الطلقتان مجانا وهما رجعيتان
أما إذا عكس فقال أنت طالق واحدة مجانا واثنتين بثلثي الاف وقعت واحدة رجعية وتخرج الثنتان على مخالعه الرجعية إن جوزنا نفذنا أيضا بثلثي الأف وإن منعنا وقعت طلقتان أيضا إذا قبلت لأن الرجعية يلحقها الطلاق وبالجملة إذا خالع الرجعية على قولنا لا تصح مخالعتها كان كمخالعة السفيهة حتى يقع طلاق بلا عوض
الثالثة إذ قالت طلقني واحدة بألف فقال أنت طالق ثلاثا قال الشافعي رضي الله عنه طلقت ثلاثا واستحق الألف لأنه أجابها وزاد وإليه سار أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يستحق شيئا لأنها لم تلتمس البينونة الكبرى وسلم أنها لو قالت طلقني ثلاثا بألف فطلق واحدة إنه استحق ثلث الأف وإن خالف
أما إذا عاد الزوج ذكر المال فقال أنت طالق ثلاثا بألف فأكثر الأصحاب على أنه لا فرق بين أن يعيد أو لا يعيد وحكى الفوراني وجها عن القفال إنه إذا أعاد فقد قابل كل طلقة بثلث الألف فلا يلزمها إلا ثلث الألف ووقع الثلاث
أما إذا لم يعد ذكر المال أمكن أن يقال التمست واحدة فأجابها إلى بينونة أغلظ منه فيرجع إلى زيادة صفة أما هاهنا فيظهر التوزيع ولكن يلزم على قياس القفال أن لا يقع إلا واحدة لأنه قابل طلقتين بثلثي الألف وهي ما قبلت وقد قيل بهذا أيضا ويلزم ألا تقع الأولى أيضا لأنها التمست بألف فأجاب بثلث الألففهو كقوله بعني بألف فقال بعت بخمسمائة فإنه لا يكون جوابا وقد قيل بهذا أيضا وقد قيل في البيع أيضا إنه يصح ويقول أيضا إذا قالت طلقني واحدة بألف فقال طلقت واحدة بخمسمائة إنه يستحق تمام الألف لأن تقدير العوض إليها لا إليه
وعلى الجملة مذهب أبي حنيفة رحمه الله في صورة إعادة المال أوجه
الرابعة إذ قالت طلقني نصف طلقة بألف أو طلق نصفي أو يدي بألف فأجابها نفذ الطلاق وفسد العوض لفساد صيغة المقابلة فيرجع إلى مهر المثل وفيه وجه منقاس أنه يثبت المسمى لأنه خصص العوض بما لا يختص به ولكن كمله الشرع فلا يبعد أن ينزل منزلة المقابلة بالكامل
الفصل الثالث في استدعائها طلاقا معلقا بزمان
وفيه صور
الأولى أن تقول طلقني غدا ولك ألف فإن طلق بعد غد نفذ رجعيا ولا مال له لأنه خالف وإن طلق في الغد وقعت البينونة وفسد العوض لأنه لا يحتمل التعليق فيرجع إلى مهر المثل
ولو طلق في الحال أو قبل الغد فقد أجاب وزاد إذ عجل فيثبت مهر المثل
وفي كل حال لا يستحق المال قبل الطلاق
الثانية أن تقول خذ مني ألف وأنت مخير في تطليقي من اليوم إلى شهر فلك الألف متى لم تؤخر عن الشهر فمهما طلقها في الشهر على قصد الإجابة استحق مهر المثل كالصورة الأولى وهذا بخلاف قولها متى ما طلقتني فلك ألف فإن متى ما وإن كان ظاهرا في التأخير فلا يستحق العوض إلا بطلاق في المجلس لأن قرينة العوض قابل عموم اللفظ فخصصه بالمجلس أما هاهنا فرفعت الاحتمال بالتصريح والتخيير في الشهر ومن الأصحاب من نقل الجواب من كل مسألة إلى أختها وسوى بينهما
الثالثة إذ قال أنت طالق غدا على ألف فقالت قبلت فإذا جاء الغد وقع الطلاق بائنا وفيما يلزمها وجهان
إحدهما مهر المثل لأن المعاوضة لا تقبل التعليق وهذا تعليق معاوضة
والثاني أنه يصح ويجب المسمى لأن مقابلة المعلق بالمال كمقابلة المنجز والمعاوضة إنما صحت بوجود شقي الإيجاب والقبول في الحال من غير تعليق فإذاصح قوله إذا أعطيتني ألفا فأنت طالق من غير قبول منها فبأن يصح هذا التعليق مع قبولها في الحال أولى وفيه وجه ضعيف أن الطلاق لا يقع أصلا لأنه علق بالعوض ولا سبيل إلى إثبات العوض بالتعليق ولا إلى إيقاع الطلاق وقد علقه بالعوض
ثم إذا أوقعنا الطلاق عند مجيء الغد وجب العوض بعد نفوذ الطلاق ولا يجب بمجرد قبولها في الحال وليس لها الرجوع بعد القبول لأنه قد تم شقا العقد بالقبول
الفصل الرابع في سؤال الأجنبي واختلاعه
واعلم أن اختلاع الأجنبي كاختلاع المرأة في جميع صيغ الالتزام وأحكامه لأن الطلاق مما يستقل به الزوج وإنما يحتاج إلى قبولها لالتزام المال
وللأجنبي أن يلتزم المال على سبيل الافتداء ولكن الأجنبي إن كان وكيلا من جهتها فله أن يعقد لها ولنفسه وينظر إلى لفظه ونيته ومطلقه يقع من جهة الوكالة ولكن إن لم يصرح بالفسادة تعلقت به العهدة وطولب بالعوض كالوكيل في الشراء
وإن قال الأجنبي اختلعت بوكالتها ثم بأن أنه لم يكن وكيلا تبين أن الطلاق لم يقع لأن الخطاب كأنه معها ولم يجر قبولها ولا قبول نائبها
فرع أبوها إذا كان هو المختلع فهو كالأجنبي وإن كانت طفلة فاختلعها بمال نفسه فهو كالأجنبي وإن اختلعها بمالها فله أحوال
الأولى أن يكون اختلعت على سبيل الولاية بمالها أو بهذا العبد من مالها لم يقع الطلاق بل هو كالوكيل الكاذب
الثانية أن يكون اختلعت على سبيل الاستقلال لكن بهذا العبد من مالها فهو كالاختلاع بالمال المغصوب وقد سبق
الثالثة أن يكون اختلعت بهذا العبد الذي هو من مالها ولم يتعرض لما يزيد على هذا من نيابة أو استقلال وقع الطلاق رجعيا كاختلاع السفيهة وكأنه أهل للقبولومحجور عليه في مالها كالسفيهة محجور عليها في مال نفسها وهذا في غموض المختلع بالمغصوب لو أضاف المال إلى المالك وقع الطلاق بائنا
وقيل الفساد في العوض فخرج القاضي وجها هاهنا إنه كالمغصوب وخرج في المغصوب هاهنا وجها إن الطلاق يقع رجعيا
الرابع أن يكون اختلعت بهذا العبد ولم يذكر إنه من مالها فإن الزوج جاهلا به فهو كما لو خرج العوض مستحقا وإن كان عالما فوجهان
أحدهما أن يصير المعلوم كالمذكور لفظا فيقع الطلاق على المشهور رجعيا
والثاني أن يكون كما لو كان جاهلا نظرا إلى مجرد اللفظ
الخامسة أن يختلعها بالبراءة عن الصداق فإن جوزنا له العفو عن صدقها في الاختلاع صح الخلع كما لو اختلعت بنفسها وإن منعنا بذلك وهو الصحيح ففيه ثلاثة أوجه
أحدهما وهو ظاهر النص أن الطلاق يقع رجعيا كالسفيهة
والثاني أنه كالوكيل الكاذب حتى لا يقع الطلاق لأن إضافته إلى الصداق وهو أب يشعر بأنه كالنائب أما إضافته إلى العبد فهو المغصوب أشبه
والثالث أن يقع الطلاق بائنا ويجب مهر المثل كالعبد المغصوب
السادسة أن يقول خلعها وإن ضامن براءتك فالقياس أنه يقع الطلاق رجعيا ولا يلزمه شيء لأن ضمان عين البراءة محال فيلفوا الحال ويصح القبول وإن قال طلقها وإن طولبت بالصداق فأنا ضامن براءتك فتحصل البينونة ويجب مهر المثل لفساد صيغة الالتزام
وضابط النظر في هذه المسائل أن الخلع إنما يختل إما بسبب في نفس القبول فيوجب نفي أقبل الطلاق أو لخلل في نفس الالتزام فيوجب نفي البينونة لا نفي الطلاق أو لخلل في الملتزم إلا في الالتزام كالخمر المقصود فيوجب نفي المسمى لا نفي البينونة ويكون التردد في أصل الطلاق للتردد في صحة القبول والتردد في البينونة للتردد في صحة أصل الالتزام والتردد في المسمى للتردد في صحة الملتزم والله تعالى أعلم بالصواب
الباب الأول في النزاع في الخلع
وهو أنواع
الأول أن يقع في أصل عوض أو جنسه أو قدره
فإن وقع في الأصل فالقول قولها إن أنكرت العوض وإن خلفت وقعت البينونة مؤاخذة للرجل بقوله إني خالعت على عوض
وإن تنازعا في الجنس فقال خالعتك بدراهم وقالت بل بفلوس تحالفا والرجوع إلى مهر المثل كما في الصداق وكذلك في المقدار وإن توافقا على جريان الخلع بألف درهم ولكن قال الزوج أردنا به الدراهم وقالت بل أردنا الفلوس فهذا يستدعي مقدمة وهي أنه لو كانت النقود مختلفة ولا غالب فيها فقال بعت بألف درهم وقال اشتريت بألف درهم ولم يتعرضا للجنس ولكن توافقا على إرادة نوع واحد لم يصح البيع ولم يحتمل هذه الجهالة فيه والمشهور الظاهر في الخلع أنه يحتمل ذلك ويكفل فيه النية أو العلم بالعوض وإن كان شرطا لثبوت المسمى ولكن يحتمل فيه ما لم يحتمل في البيع ولذلك حصل الملك بمجرد الإعطاء من غير لفظ وهذا ليس يخلو عن أشكال
ثم لا خلاف إنه لو قال خالعتك على ألف وقبلت وتوافقا على إرادة نوع واحد لم يحتمل هذا لأن اللفظ صريح في الاحتمال والترديد بين الأنواع وإنما المذكور مجرد العدد وهو عرضي لا ينبئ عن ماهية جنسية ولا نوعية بخلاف ما إذا ذكر الدراهم فإنه لم يبق إلا التفصيل بالصفات فلا يبعد تخصيص عمومهبالنية وفي كلام القاضي دلالة على أن عموم الألف كعموم الدراهم مع أنه قطع بأنه لو قال ألف شيء لم تؤثر النية لأن لفظ الشيء آكد في حقيقة الاحتمال والنية لا تغيره وقال الشيخ أبو محمد النية في الدراهم أيضا إنما تؤثر إذا توافقا قبل العقد على ما يقصد أن به فإن لم يسبق التواطؤ فلا يؤثر توافق النية وكأنه يلتفت على معنى مسألة السر والعلانية ولا يخفى أن يعتبر هذا بالنية أقرب من إرادة الألف بالألفين فإن ذلك تغيير صريح فنعود إلى النزاع وله صور
الأولى أن يقول الزوج أردنا الدراهم جميعا وقالت بل أردنا الفلوس جميعا فهذا نزاع في الجنس فيتحالفان وفيه وجه بعيد أن التحالف لا يجري لأنه نزاع في النية وإنما اختلاف في الجنس يتولد منع تبعا وهو ضعيف
الثاني أن يتوافقا على جانب جانب الزوج وإرادته الدراهم قالت المرأة أردت الفلوس فالقول قولها وإذا حلفت انتفى عنها العوض ووقعت البينونة مؤاخذة له بقوله
الثالثة أن يتوافقا على جانبها وإرادتها الفلوس وإرادته ولكن قال الزوج أردت الدراهم فلا فرق لاختلاف الجواب فحكم هذا إن البينونة واقعة لأننا ننتظر إلى الملفوظ وقد قال خالعتك على ألف فقالت قبلت فلا مطلع على النية ويلزم من هذا أنهما لو توافقا أيضا على اختلاف القصد وقعت البينونة لظاهر اللفظ ولو تصور إطلاع كل واحد منهما على باطن صاحبه حتى تتحقق المخالفة فيالنية فينبغي أن لا يقع الطلاق باطنا ثم قال القاضي للزوج مهر المثل لأن البينونة وقعت ظاهرا ولغا أثر النية فبقي اللفظ مجهولا وكأن النية عنده إنما تؤثر إذا توافقا في واتفقا عليه فإذ لم يتفقا لغت النية ونظر إلى مجرد اللفظ وهو بعيد لأن موجب قول الزوج لأن لا بينونة ولا عوض فالحكم عليه بالبنيونة له وجه أما الحكم له بالعوض وهو لا يدعيه فبعيد
الرابعة توفقا على أنه أراد الدراهم فقالت أردت الدراهم أيضا وحصلت الفرقة وقال بل أردت الفلوس وقال ولا فرقة فالقول قولها في نيتها فإذا حلفت حصلت الفرقة وعند القاضي له مهر المثل وإن كان هو منكرا للفرقة وهو بعيد
الخامسة أن يقول أردت الدراهم وما ادعى عليها شيء وقالت أردت الفلوس وما ادعت عليه شيء فالفرقة أيضا حاصلة وقال القاضي يتحالفان وهذا لا وجه له لأنه ليس يدعي عليها مالا معينا فكيف يحلف
النوع الثاني الاختلاف في العوض
فإذا قالت سألتك ثلاث طلقات بألف فأجبتني فقال بل طلقة بألف فأجبتك فقد اتفقا على الألف وتنازعا في مقدرا المعوض فيتحالفان والرجوع إلى مهر المثل فأما عدد الطلاق فلا يعتبر فيه إلا قوله فلا نزيد على واحدة فإن قيل فإذا كان القول قوله في عدد الطلاق والألف متفق عليه فأي معنى للتحالف ولا فائدة له إلا إبدال الألف المتفق عليه بمهر المثل
قلنا مقتضى التحالف إبطال العوضين لكن الطلاق لا يقبل الإبطال فجرينا على قياس التحالف في تطرق الفسخ إلى ما يتطرق إليه خاصة
النوع الثالث النزاع في المستحق عليه
فإذا ادعى عليها الاختلاع فقالت إنما اختلعني أجنبي فالقول قولها في انكار الاختلاع ولا رجوع له على الأجنبي لاعترافه بأنه لم يختلع
أما إذا قالت أضفت الاختلاع إلى أجنبي وكنت سفيرة له ففيه وجهان
أحدهما أنهما يتحالفان لاتفاقهما على أصل الالتزام واختلافهما في صفة الإضافة
والثاني أن القول قولها لأنها أنكرت أصل الالتزام
كتاب الطلاق
والنظر في شطرين
أحدهما في عموم أحكامه
والثاني في التعليقات خاصة أما الشطر الأول ففيه ستة أبواب
الباب الأول في معنى السنة والبدعة
وفيه فصلان
الفصل الأول في مواقع السنة والبدعة
وقد اتفق العلماء على انقسام الطلاق إلى سني وبدعي فالبدعي هو الطلاق المحرم إيقاعه وإن كان نافذا والسني ما لا تحريم فيه
والبدعي هو الطلاق الواقع بعد المسيس في الحيض دون سؤالها والواقع في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فهذان أصلان
أما الأول وهو الحيض فيحرم في الطلاق بعد المسيس ولا بدعة في طلاق غير الممسوسة أصلا وأما الممسوسة فيحرم طلاقها في الحيض بغير سؤالها لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما طلق امرأة في الحيض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها فتلك العدةالتي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء وأراد به قوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } أي لقبل عدتهن حتى يشرعن عقيب الطلاق في العدة المحسوبة فإن بقيت الحيض لا تحسب فتطول العدة ثم أمر صلى الله عليه وسلم زوجة ثابت بالافتداء ولم يستفصل أهي حائض أم لا فدل على أن الخلع مستثنى ولا تحريم فيه
فمنهم من فهم ذلك لكونها راضية فكأنه جوز تطويل العدة برضاها وقال لا حرمة في الطلاق بسؤالها وإن لم يكن بمال ويحرم اختلاع الأجنبي لعدم رضاها ومنهم من جعل ذلك من خاصبة الابتداء لأنه لا يبذل إلا لضرورة فجوز اختلاع الأجنبي وحرم الطلاق وإن كان بسؤالها ويشهد بذلك جواز الطلاق للمؤلي إذا طولب به لأن ذلكواجب بنوع ضرورة فاتفقوا على جواز الخلع وطلاق المؤلي وترددوا في اختلاع الأجنبي والطلاق برضاها
وأما قوله إن دخلت الدار فأنت طالق فلا بدعة فيه وإن جرى في الحيض لكن ينظر إن اتفق الدخول في الحيض نفذ الطلاق بدعيا وفائدته أنه يؤمر بالرجعة على سبيل الاستحباب وإذا رجع فهل يجوز أن يطلقها في الطهر الأول بعده فيه وجهان
أحدهما نعم إذ لا معنى للمنع في الطهر وقد ورد في بعض الروايات مرة فليراجعها حتى تطهر
والثاني أنه يصبر على الطهر الثاني لأن ذلك يؤدي إلى أن تكون الرجعة لأجل الطلاق وذلك لا يليق بمحاسن الشرع ويشهد لذالك حديث ابن عمر
وعلى هذا ترددوا في أنه هل يستحب أن يجامعها حتى يظهر مقصود الرجعة
أما إذا طلقها طلاقا غير بدعي ثم راجعها فله أن يطلقها في الحال إذ لا بدعة حتى تستدرك
وأما الجمع بين الثلاث فلا بدعة فيه خلافا لأبي حنيفة رحمه الله نعم الأولى أنيفرق كيلا يلحقه ندم
فرع إذ قال أنت طالق مع آخر جزء من الحيض فهذا طلاق يصادف الحيض ولكن يستعقب العدة فمنهم من نظر إلى المعنى وقال هو سني ومنهم من نظر إلى المظنة وهو الحيض فقال هو بدعي وكذا الخلاف فيما إذا قال أنت طالق مع آخر جزء من الطهر ولعل النظر إلى المظنة أولى
الأصل الثاني في بدعة الطلاق في طهر جامعها فيه وهو بدعة إلا إن يكون عالما بكونها حاملا فيحل الطلاق لأن المحذور لحوق الندم بسبب الجهل بالولد
واستدخالها ماء الزوج في معنى الوطء لأنه يتوقع منه الولد والإتيان في غير المأتى فيه تردد فإنه وإن لم يتوقع منه الولد فالعدة تجب به وترددوا فيما لو وطئها في الحيض ثم طهرت أنه هل يحرم طلاقها لأن بقية الحيض قد تدل على عدم الولد دلالة دون دلالة ابتداء الحيض
والظاهر أنه لا بدعة في خلاعها أيضا كما في حالة الحيض ومنهم من قال السببهاهنا حذار الولد ورضاها لا يؤثر والمحذور ثم طول العدة فلا يبعد أن يؤثر رضاها في حقها
وقد خرج من هذا أن خمسا من النسوة لا بدعة في طلاقهن ولا سنة
غير الممسوسة
والحامل بيقين
والآيسة والصغيرة إذ لاحيض لهما ولا ولد
والمختلعة
الفصل الثاني في إضافة الطلاق إلى السنة والبدعة تنجيزا وتعليقا
وفيه مسائل
الأولى إذا قال للحائض أنت طالق للبدعة وقع في الحال وإذا قال للسنة من يقع حتى تطهر وكذا إن قال للتي طهرت قبل الجماع أنت طالق للسنة وقع الطلاق في الحال وإن قال للبدعة لم تطلق حتى تجامع أو تحيض
والمقصود أن اللام للتأقيت فيما يشبه الأوقات كالسنة والبدعة فهو كقوله أنت طالق لرمضان فإن تأقيت برمضان وأما لا يشبه الأوقات فاللام فيه للتعليل كقوله أنت طالق لرضي فلان فإنه يقع في الحال رضي فلان أو سخط وقوله أنت طالق لدخول الدار فهو تعليق يقع في الحال بخلاف قوله لقدوم زيد فإنه تأقيت بالقدوم لأن القدوم مما ينتظر كالحيض والطهر
وإنما صريح لفظ التعليق إن وإذا وأما اللام فهو للتعليل ظاهرا إلا فيما يشبه الأوقات وحيث حملنا على التعليل فلو قال أردت التأقيت فيدين في الباطن وهل يقبل ظاهرا في وجهان وهذا فيما إذا خاطب متعرضة للسنة والبدعة فإن خاطب صغيرة أو آيسة أو غير مدخول بها فهو للتعليل حتى يقع الطلاق في الحال سواء قال أنت طالق للسنة أو للبدعة وفيه وجه إنه لو قال للسنة وقع في الحال فإن معناه طلاق لا تحريم فيه ولو قال للبدعة لم يقع حتى تحيض الصغيرة وحتى يدخل بغير المدخول بها
أما إذا قال لمتعرضة للحالتين إذا قدم زيد فأنت طالق للسنة فإن قدم وهي حائض لم يقع حتى تطهر وإن قال للبدعة وقدم وهي في طهر لم يجامع فيه لم تطلق حتى تحيض أو يجامع
وإن علق بمجرد القدوم فقدم وهي حائض نفذ طلاقا بدعيا وإن لم تكن في حالة التعليق من أهل السنة والبدعة نظر إلى حالة الوقوع لا إلى التعليق
فرع لو قال في طهر لم يجامعها فيه أنت طالق للبدعة فإذا جامع وقع الطلاق كما غابت الحشفة وهل يلزمه بدوام الوطء إن لم ينزع في الحال مهر آخر من حيث يجب المهر بابتداء وطء الرجعية فيه قولان مأخذهما أن دوام الوطء هل هو كابتدائه والأظهر أنه لا يجب لأن مهر النكاح تناول أول هذا الوطء فلا يبعض حكمه وإن تغير الحل في أثنائه
الثانية إن قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة فإن قال أردت إيقاع طلقة ونصف في الحال قبل وكملت طلقتان وإن قال أردت وقوع ثنتين في الحال قبل ولو قال أردت إيقاع ثلاثة أنصاف في الحال وقع الثلاث في الحال وإن قال لم يكن لي نية حمل على التشطير ووقع في الحال طلقة ونصف ولكن تكمل طلقتان وهو كما لو قال هذه الدار بعضها لزيد وبعضها لعمرو حمل مطلقه على التشطير لأن الأكثر لا يسمى بعضا في الظاهر فلو قال أردت واحدة في الحال وثنتين في المستقبل فالظاهر أنه يقبل وفيه وجه أنه لا يقبل لأن تسمية الثنتين من الثلاث بعضا بعيد
وقال المزني قياس قول الشافعي رضي الله عنه أن لا يقع في الحال لا طلقة إذا لم ينوشيئا لأن البعض مجمل فينبغي أن ينزل على الأقل إذ يحتمل الواحد ويحتمل واحدا ونصفا وليجعل هذا تخريجا منه على مذهب الشافعي رضي الله عنه
الثالثة إذا قال أنت طالق أحسن الطلاق أو أفضله أو أجمله أو غير ذلك من صفات المدح فهو كما لو قال أنت طالق للسنة فلو كانت في حال البدعة لم يقع في الحال وإن كانت في حال سنة وقع في الحال
ولو كانت في حال بدعة فقال أردت بأحسن الطلاق أعجله وقع في الحال لأنه إظهار احتمال في جانب الوقوع
ولو قال أنت طالق أقبح الطلاق وأسمجه فهو كقوله أنت طالق للبدعة ولو قال أنت طالق طلقة حسنة قبيحة أو بدعية سنية وقع فيه الحال سواء كانت متعرضة للحالتين أو لم تكن لأنه وصف متناقض فيلغو ويبقى قوله أنت طالق وهو كقوله أنت طالق طلاقا لا يقع إنه يقع في الحال ولا نبالي بهذيانه
الرابعة إذا قال أنت طالق ثلاثا في كل قرء طلقة فلها أحوال خمس
إحداها أن لا تكون مدخولا بها فإن كانت في الحيض لم يقع شيء لأن القرء عند الشافعي رضي الله عنه طهر محتوش بحيضتين فإذا طهرت أو كانت في الطهر وقعت واحدة وبانت ولا تلحقها الأخرى فإن طهرت طهرين ثم جدد نكاحها فقد انحل اليمين فلا يعود وقوع الطلاق وإن رأينا عود الحنث لأنه معلق على الإقراء وقد انقضت وإن جدد نكاحها قبل الانقضاء ابتنى على عود العنث
الثانية أن تكون صغيرة فهل تقع في الحال واحدة فيه وجهان مأخذهما أن الانتقال من الطهر إلى الحيض هل هو قرء أو القرء طهر محتوش بحيضتين
الثالثة أن تكون آيسة فهل تقع في الحال واحدة فيه أيضا وجهان كما في الصغيرة
الرابعة أن تكون مدخولا بها من ذوات الإقراء وهي حائل فيقع في طهرها طلقة وتشرع في العدة وتلحقها الثانية والثالثة في الطهرين الآخرين وهل يستأنف العدة أو تبني على عدتها فيه خلاف
الخامسة أن تكون حاملا فإن كانت لا ترى الدم أو قلنا دم الحامل دم فاسد وقع في الحال واحدة وتبين بالولادة وإن كانت ترى الدم وقضينا بأنه حيض وقعت واحدة وهل يتكرر الطهر في مدة الحمل فيه وجهان
أحدهما نعم لأنه طهر بين حيضتين
والثاني لا لأن القرء ما يدل على البراءة وهذا لا دلالة له أصلا
المسألة الخامسة إذا قال أنت طالق ثلاثا للسنة ثم قال أردت التفريق على الإقراء لم يقبل ظاهرا لأنه لا سنة في تفريق الطلاق عندنا واللفظ لا ينبئ عنه وكذلك لو قال أنت طالق ثلاثا ولم يقل للسنة ثم فسرنا بالتفريق فهل يدين باطنا فيه وجهان كما لو قال أنت طالق ثم قال أردت به إن دخلت الدار ومأخذه أن مجرد النية لا تؤثر فإن لو طلق بالنية لم يقع خلافا لمالك رحمه الله وإن ذكر لفظا ونوى معه أمرا ولو صرح به لا نتظممع المذكور فهل يؤثر في الباطن فيه وجهان كقوله أنت طالق ثم قال نويت إن شاء الله تعالى أو نويت إن دخلت الدار والأقيس إنه لا يؤثر لأنه ليس يحتمله اللفظ ولا ذكر ما يدل عليه فهو مجرد نية وليس هذا كما إذ قال أنت طالق ونوى طلاقا عن وفاق فإنه يدين فإن اللفظ كالمجمل من حيث اللغة لولا تخصيص الشرع ولا كقوله نسائي طوالق وعزل بعضهن بالنية فإن يدين لأنه تخصيص عموم وهل يقبل ظاهرا فيه خلاف وما يقاضي إلى أنه يقبل
ولو عاتبت زوجها بنكاح جديدة فقال في جوابها كل امرأة لي فهي طالق فإن لم يعزلها بنيته طلقت وإن عزلها بنيته فقال الشافعي رضي الله عنه لا يقع لأن القرينة دلت على نيته وهذا ينبغي أن يقبل ظاهرا ومن الأصحاب من قال لا يقبل لأنه قوله كل امرأة صريح في الاستغراق وميل القاضي إلى قبول ذلك ظاهرا وكذلك فيقوله نسائي طوالق وإن لم تكن قرينة لأنه تخصيص عموم وكذلك إذا قال وهو يحل عنها وثاقا أنت طالق فقال أردت عن الوثاق فيه خلاف وميل القاضي إلى أنه يقبل ظاهرا وقد قال الشافعي رضي الله عنه لو قال إن كلمت زيدا فأنت طالق ثم قال أردت به شهرا وكلمته بعده لم يقع الطلاق باطنا لأن اللفظ كالعام في الأزمان كلها
ولا خلاف في أنه لو قال أنت طالق ثم قال أردت عن الوفاق لم يقبل ظاهرا ولكن يدين وكأن الموجب للقبول ظاهرا أما قصور في دلالة اللفظ مثل أن تكون دلالته بالعموم أو قرينة ظاهرة كما لو كان يحل الوثاق كان يحل عنها الوثاق أو كانت تنازعه في نكاح جديدة كما ذكرناه وأما الموجب للقبول باطنا فكل احتمال قرب أو بعد
الباب الثاني في بيان أركان الطلاق
ولا بد للطلاق من أهل ومحل ولفظ وقصد إلى اللفظ وولاية على المحل فهذه خمسة أركان
الركن الأول الأهل وهو المطلق وشرطه أن يكون مكلفا فلا يقع طلاق الصبي والمجنون
الركن الثاني اللفظ وما يسد مسده وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في بيان الصريح والكناية
وصرائح الألفاظ ثلاثة الطلاق والفراق والسراح أما الطلاق فلشيوعه وتكرره في القرآن العظيم وأما الفراق والسراح فلتكررهما في القرآن العظيم وقال أبو حنيفة رحمه الله لا صريح إلا الطلاق وقيل هو قول قديم للشافعي رضي الله عنه ولا بأس به
فإن قوله تعالى { أو تسريح بإحسان } لم يرد مورد بيان اللفظ وفي هذه القاعدة مسائل
الأولى إن كل ما يشتق من لفظ الطلاق كقوله أنت مطلقة وطلقتك فكل ذلك صريح وفي قوله أنت الطلاق وجهان والأظهر أنه كناية لأنه ليس بمستعمل على هذا الوجه
وأما قوله أطلقتك فهو كناية لأنه ظاهر في رفع الحبس وحل الوثاق
الثانية الفعل من السراح والفراق كقول سرحتك وفارقتك صريح
أما الاسم كقوله أنت مفارقة ومسرحة ففيه خلاف ومأخذه أن الوارد في القرآن العظيم منه صيغة الفعل فقط
الثالثة معنى هذه الألفاظ سائر اللغات فيه ثلاثة أوجه
أحدها أنها ليست صريحا وإليه ذهب الإصطخري تغليبا لمعنى التعبد
والثاني هو الأصح أنه صريح لأنه في معناه
ثم معنى قوله أنت طالق توهشته أي
ومعنى قوله طلقتك دشت بازداشتم ترا
ومعنى قوله فارقتك ازتو جدا كردم
ومعنى قوله سرحتك تراكسيل كردم
والثالث قال القاضي كل ذلك غير صريح إلا قوله توهشته أي لأنه لا يستعمل في العادة إلا في الطلاق وأما سائر الألفاظ فشائع الاستعمال في غير الطلاق
الرابعة إذا شاع لفظ في العرف للطلاق كقوله حلال الله علي حرام فهل يصير صريحا فيه وجهان
أحدهما نعم لأن المقصود تعين جهة التفاهم وقد حصل
والثاني لا بل مأخذه القرآن العظيم فقط
وقال القفال إن صدر ذلك من فقيه يعرف الكناية ولم ينو لم يقع طلاقه وإن صدر من عامي يقال له ما الذي يسبق إلى فهمه إذا سمعت هذه الكلمة من غيرك فإن كان يفهم الطلاق جعل منه طلاقا
وهذا إن عنى به القفال الاستدلال على نيته وأنه إذ كان يفهم ذلك فلا يخلو ضميره عن معناه وإن لم يشعر به فله وجه وإن عنى وقوع الطلاق مع خلو قلبه عن النية بينه وبين الله تعالى فلا وجه له إذ لم يجعل صريحا هذا حكم الصرائح
أما الكنايات فهي كل لفظة محتملة إما جلية كقوله أنت خلية وبرية وبتة وبتلة وإما خفية وهي التي لا تنتظم إلا بتقدير استعارة وأضمار كقوله اعتدي واستبرئي رحمه فإن معناه طلقتك فاعتدي وكذا قوله الحقي بأهلك وحبلك على غاربك ولا أنده سربكواعزبي واغربي واذهبي
وأخفى منها كقوله تجرعي أي كأس الفراق وذوقي وتزودي وترددوا في قوله اشربي أي كأس الفراق وألحق به بعضهم كلي وهو أبعد وترددوا في قوله أغناك الله أخذا من قوله تعالى { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }
وحد الكناية ما يحتمل الطلاق ولو على بعد لا الذي لا يحتمل كقوله اقعدي واغزلي وغيره وفيه مسائل
الأولى إذا قال لزوجته أنت حرة ونوى الطلاق وقع وكنايات الطلاق والعتاق متداخلة متناسبة في الأكثر نعم لو قال لعبده اعتد واستبرئ رحمك ونوى العتق لم ينفذ لأن ذلك غير متصور في حقه ولو قال ذلك لأمته ففيه وجهان ولو قال ذلك لزوجته قبل الدخول ففيه وجهان أيضا لأنها ليست بصدد العدة كالأمة
الثانية لفظ الظهار ليس كناية في الطلاق ولا الطلاق في الظهار مع الاحتمال لأن كل واحد منهما وجد نفاذا في موضوعه الصريح فلا يعدل إلى غير موضوعه بالنية ولا يمكن تنفيذهما جميعا لأن اللفظ لم يوضع لهما وضع العموم فصرف إلى ما هو صريح فيه
الثالثة إذا قال لزوجته أنت علي حرام فإن نوى الظهار كان ظهارا وإن نوى التحريمكان يمينا وتلزمه كفارة وإن نوى الطلاق نفذ وإن أطلق فيه ثلاثة أوجه
أظهرها أنه صريح في إيجاب الكفارة
والثاني أنه يلغو لأنه محتمل لوجوه
والثالث أنه في الأمة صريح في الكفارة لأن الآية إنما وردت فيه وفي المنكوحة كناية
قاعدتان
إحداهما إن القرينة عندنا لا تجعل الكناية صريحا وأبو حنيفة رحمه الله جعل الكناية في الغضب وعند التخاصم وسؤال الفراق صريحا وهو ضعيف لأن اللفظ محتمل وعدول الرجل عن لفظ الطلاق مشعر بإضمار غير الطلاق فكيف ينقلب صريحا
الثانية إن النية ينبغي أن تقرن بلفظ الكناية فلو تقدمت أو تأخرت لم تؤثر وإن نوى مع ابتداء اللفظ ولكن انقطعت قبل تمام اللفظ فالظاهر أنه يقع وإن خلا عن النية أول اللفظ ونوى في أثنائه ففيه وجهان مشهوران
الفصل الثاني في الأفعال
اعلم أن اللفظ إنما يراد للتفهيم وقد يحصل التفهيم بالإشارة والكتابة فلنذكرهما
أما الإشارة فهي معتبرة من الأخرس وتنقسم إلى صريح وكناية
فالصريح ما يتفق الكفة على فهمهه والكناية ما يفطن له بعض الناس وإذا أتى بالصريح لم يقبل بعد ذلك تأوليه كما في النطق والصحيح أنه إن أشار بالطلاق في الصلاة نفذ الطلاق ولم تبطل صلاته
وأما كتابة الأخرس فهو طلاق لأنها أظهر من الإشارة ومع ذلك فلا نكلف الأخرس القادر على الكتابة بأن يكتب الطلاق بل نقنع بالإشارة
وأما القادر فإشارته وإن بالغ فيها لا نجعلها صريحا لأن عدوله إليها مع القدرة موهم نعم هل تجعل كناية قال القفال هو فعل مترتب على الكتابة والإشارة أولى بالاحتياط لأن الكتابة معتادة والإشارة من الناطق غير معتادة أما الكتابة فليس بصريح وإن كتب اللفظ الصريح فهل هو كناية اضطربت فيه النصوص وحاصلة ثلاثة أقوال
أحدها أنه كناية لأن الكتابة معتادة والمقصود التفهيم
والثاني أنه لغو لأن الصيغ اللفظية هي الموضوعة للعقود في حق القادر
والثالث أنها تعتبر من الغائب دون الحاضر لأجل العادة
وفي شرح التلخيص وجه أن كتبه صريح الطلاق صريح من غير نية وهو بعيد
أما إذا كتب قوله كل زوجة لي فهي طالق وقرأ ونوى عند القراءة وقع وإن قرأ ولم ينو وقال قصدت القراءة فهل يقبل ظاهرا فيه تردد كما لو حل الوثاق عن زوجته وقال عند ذلك أنت طالق فإن فرعنا على اعتبار الكتابة فيتصدى النظر في أمور ثلاثة
الأول في التصرفات فتعتبر في كل ما يستقل به المتصرف كالعتق والعفو والإبراء أما ما يفتقر إلى القبول ففيه قولان وفي النكاح قولان مرتبان وأولى بألا ينعقد لما فيه من التعبد ولأنه كناية والشاهد لا يطلع على النية ولكن من جوز ذلك ربما احتمله لأجل الحاجة ثم إن كتب زوجت بنتي من فلان وأشهد عليه عدلين وشهدا هما بأعيانهما على قبول الزوج صح وإن شهد آخران فوجهان ثم إذا كتب بعت داري منك فبلغه الكتاب فينبغي أن يقول على الفور اشتريت أو يكتب على الفور لأن الاتصال بين الجواب والخطابشرط وهو الاتصال اللائق بالكتابة وإن تخلل بينهما شهور
الثاني في ألفاظ الكاتب وهو ثلاث
إحداهما أن يكتب أما بعد فأنت طالق ونوى فيحكم بوقوعه في الحال
الثانية أن يكتب إذا بلغك كتابي هذا فأنت طالق فلا يقع إلا بالبلوغ
الثالثة أن يقول إذا قرأت كتابي هذا فأنت طالق فلا يقع ما لم تقرأ
فإن كانت أمية فإذا قرئ عليها طلقت وقيل لا تطلق لأنها ما قرأت وكأنه علق على قراءتها وهو محال فلا يقع وهذا بعيد نعم لو كانت قارئة فقرأ عليها غيرها فالظاهر أنها لا تطلق وقيل إنها تطلق كما إذا قال إذا رأيت الهلال فأنت طالق فإنها تطلق برؤية غيرها وهو بعيد لأن الرؤية قد يراد بها العلم دون القراءة
الثالث في المكتوب عليه وكل ما يثبت عليه الخط من ثوب وحجر وعظم فهو كالبياض أما لو كتب على الماء أو على الهواء لم يكن ذلك كتابة بل هي إشارة من قادر وقد ذكرناه
ولو كتب على البياض ولكن علق الطلاق على البلوغ فبلغ وقد امحت الكتابة لم يقع لأنه بلغ الكاغد دون الكتاب وإن لم ينمح إلا السطر الذي فيه الطلاق أو سقطذلك القدر ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه لا يقع لأن الكتاب عبارة عن جميع الأجزاء
والثاني أنه يقع لأن الكتاب قد بلغ
والثالث أنه إن قال إن بلغك كتابي هذا لم يقع لأنه يتناول جميع الأجزاء وإن قال إن بلغك الكتاب وقع
أما إذا امحى الجميع إلا سطر الطلاق فالخلاف مرتب وأولى بالوقوع وإن لم ينجح إلا التسمية والصدر وبقيت المقاصد كلها فمرتب وأولى بالوقوع وإن لم يسقط إلا الحواشي فأولى بالوقوع ومنهم من قطع في هذه الصورة بالوقوع لأن الحاشية غير مقصودة ومن منع علل بأن الحاشية من الكتاب ولذلك لا يجوز للمحدث مسه في المصحف
فرع إذا قال إن بلغك نصف كتابي فبلغ الجميع ففيه وجهان
أحدهما يقع لأن في الكل نصفا
والثاني لا لأن مفهومه التخصيص بالنصف
الفصل الثالث في التفويض إلى الزوجة
والنظر في ثلاثة أطراف
الأول ألفاظه فإذا قال طلقي نفسك فقالت طلقت نفذ ولو قال أبيني نفسك فقالت أبنت ونويا وقع وإن لم ينو أحدهما لم يقع وقال أبو حنيفة رحمه الله لا تعتبر نيتهما بل تكفي نية الرجل وقولها يبنى على قوله
ولو قال طلقي نفسك فقالت أبنت ونوت فالظاهر الوقوع وفيه وجه أنه لا يقع لمخالفة اللفظ وقيل إن ذلك يجري أيضا في توكيل الأجنبي
ولو قال اختاري فقالت اخترت نفسي وقعت طلقة رجعية ولو قالت اخترت زوجي لم يقع شيء وهو مذهب عمر وعائشة وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم وقال علي وزيد رضي الله عنهما إن اختارت نفسها فطلقة بائنة وإن اختارت زوجها فرجعية واشتد إنكار عائشة رضي الله عنها فقالت خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترته أترى أن ذلك طلاق رجعي
فرع
إذا كان التفويض بالكناية وأنكر الزوج النية فالقول قوله وكذلك إذا إذا أنكرت نيتها فالقول قولها ولو قالت نويت أنا وأنكر الزوج فالقول قولها وفيه وجه بعيد أن القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح وهو ضعيف
الطرف الثاني في حقيقة التفويض وفيه قولان
أحدهما أنه تمليك وكأنه ملكها نفسها
والثاني أنه توكيل كتوكيل الأجنبي
ويبتنى عليه أنها لو طلقت نفسها في مجلس آخر لا على الاتصال لم يجز إن جعلناه تمليكا لأن اتصال القبول لا بد منه وقبولها هو قولها طلقت
وإن جعلناه توكيلا جاز وقال القاضي وإن جعلناه توكيلا يحتمل أن يشترط ذلك في المجلس لأن هذه الصيغة تتاقضى جوابا ناجزا كقوله أنت طالق إن شئت فإنه يختص بمشيئتها في المجلس وأجرى ذلك في قوله وكلتك وفوض إليك طلاقك بالوكالة وعبر المحققون عن هذا بأنا إن جعلنا مطلق التفويض تمليكا فهل للزوج سبيل إلى توكيلها أن ينزل توكيلها أيضا على التمليك فيه تردد
فرع لو رجع عن التفويض قبل قبولها جاز على القولين جميعا وقال ابن خيران لا يجوز على قول التمليك وكأنه يضمن التعليق وهو بعيد لأنه ليس بأبلغ من قوله أنت طالق على ألف وله الرجوع قبل قبولها
الطرف الثالث في حكم العدد فإذا قال طلقي نفسك ونوى الثلاث فإن طلقت ونوت الثلاث نفذ وإن لم تنو لم يقع الثلاث بل وقعت واحدة وفيه وجه أنه يقع لأنالبناء في العدد أقرب من البناء في أصل النية وهذا يقوي مذهب أبي حنيفة رحمه الله نعم لو قال طلقي نفسك ثلاثا فقالت طلقت ولم تذكر العدد ولم تنو فيظهر البناء هاهنا لأنه صرح به لا سيما إن جعلناه تمليكا فإن مجرد قول القائل قبلت يكفي وإن يعد تمام الكلام لأنه كالبناء على الإيجاب
وأما كلام الوكيل فلا يبنى على كلام الموكل نعم إن اشترطنا القبول في المجلس على قول التوكيل فلا يبعد أيضا أن يحتمل البناء
فرع لو قال طلقي نفسك ثلاثا فطلقت واحدة طلقت بالاتفاق واحدة ولو قال طلقي واحدة فطلقت ثلاثا وقعت عندنا واحدة وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يقع هاهنا شيء أصلا والفرق مشكل عليه بين الصورتين
الركن الثالث القصد إلى لفظ الطلاق ومعناه
ويتوهم اختلال القصد بخمسة أسباب سبق اللسان والهزل والجهل والإكراه واختلال العقل
السبب الأول سبق اللسان
فإذا بدرت منه كلمة الطلاق في محاورته أو في النوم لم يقع طلاقه ولكن يعسر قبول دعواه إذا لم يكن قرينة نعم يدين باطنا وإن شهدت قرينه قبل ظاهرا مثل إن كان اسم امرأته طارق فقال يا طالق وزعم أنه التف بلسانه الكلام من غير قصد قبل قطعا لا كشهادة حل الوثاق فإن فيه خلافا لأن كلمة الطلاق مستنكر في غير النكاح
وإن كان اسم امرأته طالق واسم عبده حر فقال يا طالق ويا حر وقصد النداء لم يقع وإن قصد الإيقاع وقع وإن أطلق من غير قصد فعلى أيهما يحمل فيه وجهان
وقد ظهر أن قصد حروف الطلاق لايكفي بل لابد من قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق
السبب الثاني الهزل فإذا قالت المرأة في ملاعبتها طلقني ثلاثا فقال نعم أنت طالق ثلاثا كاللاعب المستهزىء وقع الطلاق لوجود فصد لفظ الطلاق ولم يعدم إلا القصد إلى الحكم ولا يشترط بدليل أنه لو طلق بشرط الخيار لنفسه نفذ وإن كان ذلك يعدم الرضا بالحكم وقد قال صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق
ولم يحكم الشافعي رضي الله عنه بانعقاد نكاح الهازل وهو خلاف ظاهر الخبر أماالبيع وسائر التصرفات فتردد بعض الأصحاب في انعقادها من الهازل
السبب الثالث الجهل وهو أن يخاطب امرأة بالطلاق وهو يظن أنها زوجة غيره فإذا هي زوجته وقد رآها في ظلمة أو في جلباب أو كان أبوه زوجها منه في صغره وهو لا يدري فالمشهور أنه يقع طلاقها وهذا فيه احتمال ظاهر لأنه إذا لم يعرف الزوجية لم يقصد إلى قطعها وقد ذكرنا في كتاب الغصب وجها في نظيره من العتق أنه لا يقع وهو منقدح وبيانه أنه الأعجمي إذا لقن كلمة الطلاق وهو لا يفهم لم يقع طلاقه بالاتفاق وأما بيع الجاهل فظاهر صحته وهو إذا ما باع مال أبيه على ظن أنه حي وعلى هذا قالوا نفوذ الطلاق أولى والأقيس في البيع أنه أيضا لا ينعكس ولأن القصد إلى المعنى المجهول محال
السبب الرابع الإكراه وطلاق المكره لا يقع عندنا لأن قصده مختل إذ الإكراه بعث فيه القصد وكأنه فعل المكره وقال أبو حنيفة يقع
ثم نحن أيضا نوقعه مهما زعم المكره أنه كان راضيا أو ظهرت منه مخايل الاختيار وذلك كمخالفته للمكره بزيادة أو نقصان أو تغيير لفظ
مثال الزيادة أن يكرهه على طلاق واحد فطلق ثلاث أو على طلاق زوجة واحدة فطلق زوجتين
والنقصان أن يكلفه طلاق زوجتين فطلق واحدة أو على الثلاث فطلق طلقة أو اثنتين أو قال قل طلقتها فقال فارقتها أو قال طلق إحدى زوجتيك فعين واحدة وطلقها فإن التعليل دليل تبرمه بالمطلقة أما إذا ترك التورية وهو فقيه قادر ومعترف بأن الإكراه لم يدهشه عن ذكر التورية ففيه خلاف والظاهر أنه يقع ويجعل ذلك دليل الاختيار
والنظر بعد هذا في طرفين
أحدهما التصرفات المتأثرة بالإكراه والإكراه يسقط أثر التصرفات عندنا قطعا إلا في خمسة مواضع
الأول الإسلام فإنه يجوز إكراه الحربي عليه فيصح إسلامه وإلا فتبطل فائدة الإكراه وفي إسلام الذمي المكره خلاف والأصح أنه لا يصح
الثاني الإرضاع ولا يخرجه الإكراه عن كونه محرما لأنه منوط بوصول اللبن إلى الجوف لا بالقصد
الثالث القتل على أحد القولين فإنه يوجب القصاص على قول لأن الإكراه لم يرفع الإثم
الرابع المكره على الزنا على أحد القولين يحد لأن حصول الانتشار دلالة الاختيار فإنه لا يحصل بالإكراه ومأخذ القولين تردد في تصور الإكراه
الخامس إذا علق الطلاق على الدخول فأكره على الدخول ففيه قولان مأخذهما أن الصفة لا يشترط فيها القصد بل يكفي الاسم
أما البيع فيبطل بالإكره وقال أبو حنيفة رحمه الله ينعقد ولا يلزم
واعلم أن الاستثناء بالتحقيق يرجع إلا الإسلام فقط وإلى القتل على قول أما ما عداه فسببه عدم تصور الإكراه أو عدم اشتراط القصد
الطرف الثاني في حد الإكراه
وفيه مسلكان للأصحاب متباعدان
أحدهما أن يصير بحيث لا تبقى له طاقة في المخالفة بل يكون مضطرا إلى اختيار الموافقة شاء أم أبى كالذي يفر من أسد ضار فيتخطى النار والشوك ولا يبالي ومثل هذا لا يحصل إلا بسيف مسلول أو تخويف بالإلقاء في النار مثلا والشرط أن يصير كالمدهوش الذي لا تبقى له روية واستصواب
ثم الجبان قد يدهش ويسقط اختياره بما لا يسقط به اختيار الشجاع فالمعتبر سقوط خيرته في هذه الطريقة أما من يخوف بالحبس المخلد أو الجوع وما لا يأخذه في الحال منه أمر لا يطيقه فالطلاق به واقع بناء للأمر على الحزم والاستصواب وذلك عين الاختيار وهذه الطريقة أضم للنشر
المسلك الثاني أن ذلك لا يعتبر بل إذا خير بين الطلاق وبين أمر لا يحتمله العاقل لأجل الطلاق فطلق لم يقع الطلاق به كالحبس المخلد والتهديد بالضرب والجوع ممن يعلم أنه يحقق ذلك وكذلك صفع ذوي المروءة على ملأ من الناس وكذلك التخويف بإتلاف المال وقتل الولد وعند هذا ينشأ النظر في المكره به والمكره عليه
فإذا أكره على القتل بإتلاف المال أو الحبس فليحتمله وإن أكره على الطلاق بذلك فربما لا يحتمله وربما يقال يحتمل إتلاف المال في الطلاق فإن أكره بإتلاف مال على إتلاف مال فيتصدى النظر في القله والكثرة وضبط ذلك عسير ولا تخلو طريقه عن غموض ويحصل منه أن المتفق عليه الإكراه بالقتل أو الجرح الذي يخاف الموت منه كالقطع وما عدا ذلك فيخرج على الخلاف
السبب الخامس زوال العقل وذلك إن كان بإغماء أو جنون أو شرب دواء فيمنع نفوذ الطلاق والتصرفات وإن كان بمسكر تعدى بشربه ولم يصب قهرا في حلقه فنصوص الشافعي رضي الله عنه قديما وحديثا وقوع الطلاق ونص في الظهار قديما على قولين فقال بعض الأصحاب في المسألتين قولان ومعظم العلماء على وقوع طلاق السكران ومذهب عثمان وابن عباس وأبي يوسف وزفر والمزني وابن سريج رضوان الله عليهم أجمعين أنه لا يقع الطلاق وفي سائر تصرفاته طرق منهم من طرد القولين حتى في أفعاله ومنهم من قال أفعاله كأفعال الصاحي وإنما الخلاف في أقواله
ومنهم من قال ما عليه ينفذ والقول فيما له وأشهر الطرق طرد القولين في الكل
ومن شرب البنج متعديا فزال عقله منهم من ألحقه بالسكران لعدوانه ومنهم من ألحقه بالمجنون لأن ذلك لا يشتهى
فإن قيل ما حد السكر قلنا قال الشافعي رضي الله عنه إذا اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم والمقصود أن يصير مثل المجنون الذي لا تنتظم أموره أما ما دام في ابتداء نشاطه فهو كالعاقل وإن سقط كالمغشي عليه فهو كالنائم والمغمى عليه ويبعد طرد الخلاف به وقد قيل به وهو ضعيف لأن ذلك يعدم من أصل القصد
وطلاق المجنون والصبي كطلاق الهازل والجاهل وإنما لا يقع نظرا لهما والسكران لا يستوجب النظر ولذلك لا يسقط عنه انقضاء العبادات بخلاف المجنون والأقيس مذهب المزني وهو إلحاق السكران بالمجنون في التصرفات
الركن الرابع لنفوذ الطلاق المحل وهي المرأة
وفيه فصلان
أحدهما
أنه لو أضاف إلى بعضها نفذ وكمل ولو أضاف إلى عضو معين نفذ عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ثم له ثلاث درجات
إحداها أن يضيف إلى جزء متصل كاليد والرأس والكبد والظهر وسائر الأعضاء الباطنة ولا خلاف في وقوعه نعم الأذن المنفصلة إذا عادت ملتحمة أو الشعرة الساقطة إذا انغرست في موضع آخر ففي الإضافة إليه فيه خلاف
الثانية أن يضيف إلى فضلات بدنها كالبول واللبن والعرق والدمع والمني فالصحيح أنه لا يقع وفيه وجه بعيد أنه يقع ولم يطرد ذلك الوجه في الجنين لأنه كالمستقل نعم ترددوا في الدم والشحم أنه يلحق بالفضلات أو بالأجزاء من حيث إن الدمكالقوام للروح والشحم يشبه السمن ولو قال سمنك طالق نفذ
الثالثة الإضافة إلى الصفة كقوله حسنك أو لونك أو بياضك طالق وذلك لاغ لأن الصفة تابع لا تقبل الإضافة دون الموصوف نعم لو قال روحك أو حياتك طالق قالوا إنه يقع لأن الروح جوهر وأصل والحياة كذلك ولا يحتمل نظر الفقهاء الخوض في الفرق بين الروح والحياة
فرع لو قال إن دخلت الدار فيمينك طالق فقطع يمينها ثم دخلت ففي الطلاق وجهان مبينات على أن تنفيذ الطلاق المضاف إلى الجزء بطريق التسرية منه أو بطريق جعل ذكر البعض عبارة عن الكل وفيه خلاف فإن قيل بالتسرية فلم يصادف اليمين حتى تنفذ فيه فلا يقع وإن جعل عبارة عن الكل نفذ
أما إذا قال لمقطوعة اليمين يمينك طالق فالصحيح أنه لا يقع على الوجهين لأنه وإن جعل عبارة الجميع فحيث توجد
ولا خلاف أنه لو قال لها ذكرك أو لحيتك طالق لم يقع لأن المذكور مفقود
الفصل الثاني في إضافة الطلاق إلى الزوج
فإذا قال أنا منك طالق ونوى الطلاق نفذ عندنا خلافا لأبي حنيفة رضي رحمه الله عنه لا من حيث إن الرجل محل الطلاق لكن من حيث إنه قيد عليها والحل تارة يضاف إلى القيد وتارة إلى المقيد لأنه في حجر بسببها عن نكاح أختها وأربع سواها وفي قيد من لوازم النكاح فيصلح ذلك للكناية ومن الأصحاب من زعم أن الرجل محل الطلاق وأنه مقعود عليه كالزوجة وهو ضعيف إذ لو كان كذلك لما افتقر إلى النية ولحرم عليه أن ينكح غيرها نعم إذا نوى الطلاق فهل يشترط مع ذلك أن ينوى الإضافة إليها اختلفوا فيه قال القاضي لا يشترط ذلك لأن الطلاق يرد على العقد فإذا نواه لم يفتقر إلى الإضافة إليها
فرع إذا قال اعتد منك واستبرأ رحمي منك فهذا ليس بكناية لأنه ليس ينتظمإضافته إلى الرجل بخلاف سائر الكنايات كقوله أبنت نفسي منك وأنا خلي وبري عنك وكذلك لا ينتظم أن يقول السيد أنا منك حر إذ ليس عليه حجر قيد بسبب الرق وفيه وجه أن ذلك أيضا كناية
الركن الخامس الولاية على المحل
فإذا قال لأجنبية أنت طالق لم ينقص عدد طلاقه لو نكحها بعد ذلك ولو قال ذلك للرجعية نقص العدد لأن ولاية النكاح باقيه عليها
ولو قال للمختلعة لم يقع وقال أبو حنيفة رحمه الله يقع وينتقص العدد واكتفى ببقاء العدة عليه وولاية على المحل
ولو وقال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق فنكحها فدخلت الدار لم يقع اتفاقا لعدم الولاية حالة التلفظ ولو قال إن نكحتك فأنت طالق فنكحها لم تطلق لعدم الولاية وقال أبو حنيفة رحمه الله تطلق لأن الولاية تراد عند النفوذ وقد وجدت نعم اختلف أصحابنا في أصلين
أحدهما أنه لو قال العبد لزوجته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فعتق ودخلت الدار هل تقع الثلاث ولم يكن يملك الثالث عند التعليق فمنهم من قال لا يقع لعدم الملك ومنهم من قال يقع لوجود النكاح المنتج للطلاق الثلاث عند العتق وكأن ملك الأصل يقوم مقام ملك الفرع وكذلك الخلاف فيما لو قال لجاريته إذا ولدت فولدك حر لأنه ملك الأصل المنتج لملك الولد فأشبه التصرف فيه التصرف في منافع الدار عند ملك الدار
الأصل الثاني أن دوام الولاية بين التعليق والصفة هل يشترط بيانه أنه لو قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم أبانها ثم جدد نكاحها ودخلت ففيه قولان يعبر عنهما بعود الحنث
أحدهما أنه يقع لوجود الولاية عند التعليق والصفة
والثاني لا لأن الواقع في هذا النكاح طلاق يفيده هذا النكاح وذلك لم يملكه عند التعليقولو علق الثلاث على الدخول ثم نجز الثلاث ثم جدد النكاح فالمنصوص أنه لا يعود
وفي القديم قول ضعيف أنه يعود وهو مجرد نظر إلى وجود الولاية في الطرفين
أما إذا علق طلقة واحدة ثم قال نجزت تلك الطلقة المعلقة ثم جدد نكاحها ودخلت فمنهم من ألحق هذا بتنجيز الثلاث ومنهم من قال الطلاق لا يتعين بتعينه فيلتحق هذا بمحل القولين
هذا كله إذا لم توجد الصفة حالة البينونة فلو وجدت انحلت اليمين فلا يعود قولا واحدا
هذا تمام النظر في أركان الطلاق واختتام الباب بذكر أصلين في ملك الطلاق
أحدهما أن من طلق ثلاثا حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره فلو طلق واحدة أو اثنتين فنكحت زوجا آخر ثم عادت إليه لم تعد إلا ببقية الطلاق وقال أبو حنيفة رحمه الله وطء الزوج الثاني يهدم الطلقات الماضية فتعود إليه بثلاث
ثم التحليل إنما يحصل بوطء تام في نكاح صحيح غير مختل
أما الوطء فيدخل فيه تغييب الحشفة من الخصي وتغييب قدر الحشفة من المجبوب بعضه ونزول المرأة على الزوج واستدخالها بالأصبع من غير انتشار إلا في استدخال ذكر العنين ففيه خلاف والظاهر أنه محلل والصحيح أن وطء الصبي محلل والإيتيان فى غير المأتى غير محلل وكذا تغييب بعض الحشفة
وأما النكاح فيخرج منه الوطء في ملك اليمين فإنه لا يحلل وكذا الوطء في النكاح الفاسد على القول الصحيح وفيه قول وفي الوطء بالشبهة خلاف مرتب وأولى بأن لا يحصل ثم ذلك إذا ظن أنها منكوحته فإن ظن أنها مملوكته فلا يزيد ظن الملك على حقيقته
وأما غير المختل فاحترزنا به عن الوطء بعد طلاق رجعي ثبتت الرجعة فيه باستدخال الماء لا بالوطء فالنص أنه لا يحلل لأنه محرم ويحتمل التحليل إذا لم نوجب المهر به وإن فرعنا على أنه يحلل في النكاح الفاسد فهو أولى ولو وطئها بعد الارتداد فالنص أنه لا يحلل وليس كالنكاح الفاسد فإنه عالم بالتحريم أما في حال الحيض والصوم فمحل لأنه لم يختل النكاح وكذا في حال إحرامها خلافا لمالك رحمه الله
ثم مهما ادعت أن المحلل وطئها كان للزوج تصديقها بغير بينة لأن بناء العقود على قولالعاقد ولكن إن كان غلب على ظنه كذبها لم يحل له وطؤها
فرع لو طلق زوجته الرقيقة ثلاثا ثم اشتراها لم يحل له وطؤها إلى أن يجري التحليل
وفيه وجه أن التحريم يختص بالنكاح ولا يحرم الوطء بملك اليمين بالطلقات الثلاث
الأصل الثاني أن الرق يؤثر في نقصان عدد الطلاق فيملك الحر ثلاثا ويملك العبد طلقتين وقال أبو حنيفه رحمه الله ينظر إلى جانب النساء فيملك الحر والعبد ثلاثا ولكن على الحرة ويملكان ثنتين ولكن على الأمة وهذا يخالف قوله عليه السلام الطلاق بالرجال والعدة بالنساء يعني العبرة في الطلاق بالرجال ثم يتولد من الأصلين فروع ثلاثة
الأول لو طلق الذمي زوجته الذمية طلقتين ثم التحق بدار الحرب فاسترق قال ابن الحداد له أن ينحكها لأنها لم تحرم بالطلقتين فطرآن الرق بعده لا يؤثر وفيه وجه أنه لا ينكحها لأنه في الحال رقيق فكيف يطلقها طلقة ثالثة لو نكحها
ولا خلاف أنه لو طلق طلقة ثم طرأ الرق فنكحها فلا يملك إلا طلقة واحدة ويحسب ما مضى عليه
الثاني لو طلق في الرق طلقة ثم عتق فيملك طلقتين في الحرية لأنه لم يستوف عدد الرق ولو طلق في الرق طلقتين ثم عتق لم يكن له نكاحها لأنها حرمت عليه في الرق وفيه وجه غريب أنه ينكحها
الثالث إذا طلق العبد طلقتين وعتق ولم يذر السابق هو الطلاق أو العتق قال ابن الحداد يحرم نكاحها لأن الرق مستيقن وكذا الطلاق والشك في تقديم العتق على الطلاق وخالفه بعض الأصحاب وهو بعيد
الباب الثالث حكم طلاق المريض
اعلم أن طلاق المريض كطلاق الصحيح في النفوذ وإنما النظر في انقطاع الميراث به لما فيه من الفرار عن التوريث قصدا وفيه قولان
الجديد وهو القياس والمشهور أنه ينقطع الميراث بالطلاق البائن كما في حالة الصحة وعلى هذا ينقطع التفريع
والثاني وهو القديم أنه يجعل فارا فيعارض بقيض قصده ونورث زوجته ويدل عليه قصة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فنقول الفار على هذا القول من أنشأ تنجيز طلاق زوجته الوارثة بغير رضاها فقد أوردنا في الضابط خمسة قيود
الأول الإنشاء واحترزنا به عن اقرار المريض بطلاق أسنده إلى حال الصحة فهو غير فار لأن الإقرار حجة وكذلك إذا أسند إقرار العتق إلى الصحة لم يحسب من الثلث وكذلك يجوز الإقرار للوارث وإن لم يجز الإنشاء وقال القاضي لا يبعد أن يجعل فارا لأنه محجور على إنشاء القطع وليس محجورا في حق الوارث عن إنشاء استقراضوالتزام فكان له الإقرار
القيد الثاني التنجيز فلو علق طلاق زوجته على قدوم زيد فقدم وهو مريض ففيه قولان يعبر عنهما بأن العبرة بحالة التعليق أو بحالة وجود الصفة والصحيح أنه ليس فارا لأنه ليس يظهر منه قصد الفرار أما إذا علقه بما لا بد من وجوده في المرض كقوله أنت طالق إذا ترددت الروح في شراء سيفي أو قبل موتى بلحظة فالصحيح أن هذا فار ومنهم من طرد الخلاف نظرا إلى حالة التعليق وكذلك لو علق بفعل من أفعال نفسه ثم أتى به في المرض فالظاهر أنه فار وقيل بطرد القولين أما إذا قال أنت طالق قبل موتي بيوم ثم مات فجأة فقد نفذ الطلاق في الصحة ويظهر في ذلك قصد الفرار فقياس التهمة أن يجعل فارا ولكن يحتمل أن ينظر إلى الصحة ونقطع الميراث
القيد الثالث الطلاق فلو فسخ نكاحها بعيب في المرض فلا يكون فارا ولو قذفها في الصحة ولاعن في المرض فليس بفار لأن اللعان ضرورة لدفع الحد والنسب وإن أنشأ القذف واللعان في المرض ففيه تردد للأصحاب والظاهر أنه غير فار
ولو ارتد الزوج ثم عاد فالصحيح أنه ليس بفار لأنه ليس يقصد بالردة ذلك
وذكر العراقيون وجهين وطردوا ذلك في المرأة إذا ارتدت في المرض وجعلوها فارة عن ميراثه وهذا بعيد
القيد الرابع الزوجة الوارثة فلو طلق زوجته الذمية فأسلمت أو الرقيقة فعتقت فلا يكون فارا لأنها لم تكن وارثة عند الطلاق ولا يبعد تخيل خلاف من تبرع الرجل على أخيه في مرضه وهو محجوب بولده ثم مات ولده لأن فيه قولين
القيد الخامس قولنا بغير رضاها فلو خالعها أو طلقها بسؤالها أو علق الطلاق بفعلها الذي لا ضرورة لها فيه ولا حاجة ففعلت فليس فارا ومنهم من طرد القولين ولم يجعل لرضاها أثرا
أما إذا علق الطلاق بأكلها أو ما تحتاج إليه وتتضرر بتركه فهو فار قطعا فإن قيل فلو تمادى المرض بعد الطلاق فإلى متى يتمادى توريثها قلنا فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنه يتمادى أبدا والثاني أنه إلى انقضاء العدة
والثالث إلى أن تنكح زوجا آخر
الباب الرابع في تعديد الطلاق
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في نية العدد
فإذا قال أنت طالق أو طلقتك ونوى عددا وقع ما نوى عندنا لأن المصدر مضمر فيه وهو محتمل للجنس الشامل للعدد وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يقع إلا واحدة وسلم أنه لو قال أنت بائن ونوى ثلاثا نفذ وإن نوى اثنين لا ينفذ
فروع
الأول إذا قال أنت طالق واحدة ونوى الثلاث فيه ثلاثة أوجه
أحدها لا ينفذ لأن الواحدة تنافى العدد
والثاني أنه يقع وكأنه يصيرها واحدة بالطلاق الثلاث
والثالث وهو اختيار القفال أنه إن بسط النية على جميع اللفظ لم يقع
وإن نوى الثلاث بقوله أنت طالق وذكر الواحدة بعده وقع الثلاث ولم يؤثر ذكر الواحدة وهذا بناء على المذهب الصحيح الذى ادعى الفارسي الإجماع فيه وهو أنه إذا قال أنت طالق ولم يكن في عزمه أن يقول إن شاء الله ثم قال متصلا به أنه لا يؤثر ومن الأصحاب من خالف وقال إذا اتصل الاستثناء وقصده لم يقع الطلاق فعلى هذا لا يتجه قول القفال
الثاني إذا قال أنت واحدة ونوى به توحدها بالطلاق الثلاث وقع الثلاث وإن لم يخطر بباله معنى التوحد ولكن نوى الثلاث ففيه احتمال وتردد
الثالث إذا قال أنت طالق ثلاثا ولكن وقع قوله ثلاثا في حال موتها بأن ماتت مقترنا به ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه يقع الثلاث لأن الثلاث كالتفسير والمفسر وجد في الحياة
والثاني أنه يقع واحدة بقوله أنت طالق ويلغو العدد
والثالث أنه لا يقع شيئ لأنها ماتت قبل تمام الكلام
الفصل الثاني في تكرير الطلاق
وفيه مسائل
الأولى إذا قال لمدخول أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإن قصد التكرار نفذ الثلاث وإن قصد التأكيد لم يقع إلا واحدة وإن نوى بالثانية الإيقاع وبالثالثة التأكيد للثانية وقع ثنتان وإن نوى بالثالثة تأكيد الأولى لم يقبل ووقع الثلاث لأن تخلل الفصل يمنع قصد التأكيد وإن أطلق فقولان
أحدهما أنه يحمل على التأكيد لأنه معتاد في لسان العرب فلا تقع إلا واحدة
والثاني أنه يقع الثلاث لأنه تلفظ ثلاث مرات وإنما يصرف الطلاق بقصد صحيح عن جهته ولم يقصد صرفه إلى التأكيد
ولو قال أنت طالق طالق طالق فله أن يقصد التأكيد ولو قال أنت طالق وطالق لم يمكن قصد التأكيد لتخلل الواو الفاصلة إذ المؤكد ينبغي أن يساوي المؤكد
ولو قال أنت طالق وطالق وطالق وقصد بالثالثة تأكيد الثانية جاز ولو قصد تأكيد الأولى لم يجز لتخلل الفصل
ولو قال أنت طالق وطالق بل طالق وقع الثلاث وامتنع قصد التأكيد لتغاير الألفاظ وكذلك قوله أنت طالق وطالق فطالق
ولو قال أنت طالق طالق أنت طالق فيجوز أن تجعل الثالثة تأكيد للثانية وإن تخلل قوله أنت لأن إعادة أدوات الضمير تحتمل في التأكيد
الثانية إذا قال لها أنت طالق طلقة وطلقة نص على وقوع ثنتين في المدخول بها وجميع هذه المسائل في المدخول بها إذ لا يتصور تعاقب الطلاق قبل الدخول ولو قال لفلان علي درهم فدرهم نص على أنه يلزمه درهم واحد فقيل قولان بالنقل والتخريج وقيل الفرق أن التكرار يتطرق إلى الأخبار ولذلك لو كرر في المجلس لم يتكرر بخلاف الإنشاء وكذلك لو قال لفلان علي درهم بل درهمان لا يلزمه إلا درهمان
ولو قال أنت طالق طلقة بل طلقتين وقع الثلاث لأن الاستدراك لايتطرك إلى ماسبق إنشاؤه ويتطرق إلى الأخبار الثالة إذا قال أنت طالق طلقة مع طلقة أو معها طلقة أو تحت طلقة أو تحتها طلقة أو فوق طلقة أو فوقها طلقة فمقتضى الجميع الجمع بين طلقتين فيقع في المدخول بها طلقتان وفي غير المدخول بها وجهان
أحدهما أنه يقع ثنتان لأن الجمع ممكن كما لو قال أنت طالق طلقتين
والثاني أنه تقع واحدة لأن قوله طلقة كلام تام والباقي ليس تفسيرا له بخلاف قوله أنت طالق ثلاثا فإن الثلاث تفسير لطلاق
ولو قال لها أنت طالق فطالق بانت بالأولى ولغا قوله فطالق أعني قبل الدخول
ولو قال إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق فهل تقع ثنتان عند الدخول فيه وجهانووجه أن الدخول يجعل كالجامع للطلقتين المذكورتين
الرابعة إذا قال لها أنت طالق طلقة قبل طلقة أو قبلها طلقة أو بعد طلقة أو بعدها طلقة ينفذ طلقتان في الدخول بها ولكن الواقع أولا مضمون قوله طلقة أو مضمون قوله قبلها طلقة فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى اللفظ واللفظ الأول قوله طلقة وفي الثاني ينظر إلى المعنى وقوله قبلها طلقة وإن ذكره آخرا فقد قدمه بالمعنى والأصل اتباع المعنى فيقع أولا مضون قوله قبلها طلقة وكلاهما يقعان بعد فراغه من تمام لفظه
فعلى هذا إذا خاطب بذالك غير المدخول بها فإن قلنا إن الواقع أولا مضمون قوله طلقة وقعت واحدة ولم تعقبها الثانية وإن قلنا الواقع أولا مضمون قوله قبلها طلقة لم يتصور أن تقع تلك وحدها ولا أن يقع بعدها طلقة فيؤدي إلى الدور فقياس مذهب ابن الحداد أنه لا يقع شيئ وقياس مذهب أبي زيد أنه يلغو قوله قبلها طلقة للبعد ويبقى مضمون قوله أنت طالق طلقة فتنفذ واحدة
الفصل الثالث في الطلاق بالحساب
وهو ثلاثة أقسام
الأول حساب الضرب فإذا قال أنت طالق واحد في اثنتين أو اثنتين في اثنتين وأراد الحساب بطريق الضرب حمل عليه وإن أراد الجمع حمل عليه لأنه قد يراد بها مع والاحتمال البعيد مقبول في الإيقاع وإن لم يقبل في نفي الطلاق وإن أراد الظرف قبل ولم يقع ما جعله ظرفا وإن أطلق فقولان
أحدهما أنه يحمل على الحساب لظهور ذلك في اللسان
والثاني يحمل على الظرف لأنه يحتملها والتنزيل على الأقل المستيقن أولى
وحكي قول ثالث أنه يقع الثلاث لتلفظه به وهو بعيد
ومهما كان جاهلا لا يفهم معنى الحساب قطع المحققون بأنه لا يحمل سياقه على الحساب
فرع الجاهل بالحساب إذا قال أردت بذلك ما يريد الحساب ففيه وجهان
أحدهما أنه يحتمل لإرادته
والثاني لا لأن إرادة ما لا يفهم محال
ويجري هذا الخلاف فيما لو قال طلقت زوجتي مثلما طلق فلان زوجته وهو لا يدري ذلك ومهما احتمل في الإحرام أن يقول أهللت بأهلال كإهلال فلان وهو لا يدري فلا يبعد أن يحتمل في الطلاق
القسم الثاني تجزئة الطلاق وفيه مسائل
إحداها لو قال أنت طالق نصف طلقة أو ربع طلقة نقذ وكمل لا بطريق السراية بل بأن يجعل البعض عبارة عن الكل ولو قال أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة وجهان
أحدهما أنه لا تقع إلا واحدة لأن المضاف إليه واحدة
والثاني أنه تقع طلقتان فكأنه قال طلقة ونصف
وكذا الخلاف في قوله خمسة أرباع أو أربعة أثلاث وما يزيد أجزاؤه على الواحده
الثانية إذا قال أنت طالق نصفي طلقة فالصحيح أنه تقع واحدة ولو قال نصف طلقتين فالصحيح أنه أيضا تقع واحدة لا كما لو كان في يدها عبدان فقال لفلان نصف العبدين ثم فسر بأحدهما لم يقبل إذ نصف الاثنين المتناسبين المطلقين واحد أما المعين فإنه لا يتجه فيه ذلك وقد قيل تقع طلقتان
وإن فسر بواحدة يدين وهل يقبل ظاهرا قالوا فيه وجهان
الثالثة لو قال أنت طالق سدس وربع وثلث طلقة فهي طلقة واحدة ولو كرر الطلقةفقال سدس طلقة وربع طلقة وثلث طلقة فمنهم من أوقع ثلاث ومنهم من رد جميع ذلك إلى طلقة واحدة وجعل تكراره للتأكيد
القسم الثالث في اشتراك نسوة في الطلاق
وفيه مسائل
الأول لو قال لأربع نسوة أوقعت عليكن طلقة واحدة طلقت كل واحدة طلقة إذ يخص كل واحدة ربع طلقة ولو قال طلقتين أو ثلاثا أو أربعا فلا تزيد كل واحدة على طلقة ما لم يزاوج الأربع
فإن قال أوقعت عليكن خمس طلقات طلقت كل واحدة ثنتين ولا تزيد إلى ثمانية
فإذا قال تسع طلقات طلقت كل واحدة ثلاثا أما إذا قال أوقعت بينكن طلقة فهو كقوله أوقعت عليكن إن أطلق وإن أظهر تفسيرا يخالف ذلك فهل يقبل فيه أربعة أوجه
أحدهما أنه يقبل كل ما يبديه من تخصيص وإضمار للاحتمال
والثاني أنه لا يقبل أصلا ما يخالف الاشتراك لأنه يصير الكلام كالمستكره
الثالث يقبل بشرط أن لا تخرج واحدة منهن عن الطلاق حتى لو قال أوقعت بينكن ثلاث طلقات ثم أراد تخصيص زينب بطلقتين ويوزع واحدة على الباقيات صح ولو أراد إخراج واحدة لم يجز
الرابع أنه يقبل التخصيص والإخراج بشرط أن لا يعطل طلاقا حتى لو قال أوقعت بينكن أربع طلقات ثم خصص زينب حتى تتعطل الرابعة لم يجز نعم يقبل في اختصاص ثلاث بها وتبقى الرابعة فتتوزع على البواتي وتطلق كل واحدة طلقة
الثانية إذا قال أوقعت عليكن سدس طلقة وربع طلقة وثلث طلقة فإن قلنا أن هذا في الواحدة محمول على ثلاث طلقات قال العراقيون طلقت كل واحدة ثلاثا إذ يوزع كل جزء على الجميع ويحتمل أن يقال إن ذلك كثلاث طلقات
ولو أوقع بينهن ثلاثا لم تطلق كل واحدة إلا طلقة واحدة
الثالثة إذا قال لثلاث نسوة أوقعت بينكن طلقة ثم قال للرابعة أشركتك معهن فإن لم ينو لم يقع شيء لأنه كناية وإن نوى الطلاق ولكن لم يخطر بباله كيفية الاشتراك قال القفال تقع عليها طلقتان لأن الشركة أن يكون لها نصف ما لهن ولهن ثلاث فنصفه واحدة ونصف فتكمل طلقتين وقال الشيخ أبو علي تقع واحدة لأن مطلق الاشتراك لا ينبأ عن مساواة الشريكين
الباب الخامس في الاستثناء
وله شروط ثلاثة
أحدها أنه لا يستغرق المستثنى عنه
والثاني بأن يتصل بالمستثنى عنه فلو انفصل ولو بزمان يسير فلم يصح وقال ابن عباس يصح الاستثناء المنفصل وهو بعيد
والثالث أن يكون قصد الاستثناء مقرونا بأول الكلام فإن قال أنت طالق ثم بدا له متصلا بالفراغ أن يقول إن شاء الله قال أبو بكر الفارسي هو باطل بالإجماع وخالفه بعض الأصحاب وعزا ذلك إلى الأستاذ أبي إسحاق وقال شرطه اتصال اللفظ أما اقتران النية فليس بشرط وكلام الفارسي أصح وشرح هذه المسائل في فصلين
الفصل الأول في الاستثناء المستغرق
وفيه مسائل
الأولى إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع الثلاث وبطل الاستثناء ولاستغراقه وتناقضه ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين وواحدة ففيه وجهان
أحدهما أنه يجمع استثناؤه ويجعل مستغرقا فيبطل ووقع الثلاث
والثاني أن الاستغراق وقع بقوله واحدة فيلغى هذا القدر ويعتبر الباقي
وكذا الخلاف في قوله أنت طالق طلقتين وواحدة إلا واحدة فإن جمع المستثنى عنه صح الاستثناء وإن فرق بطل وكذلك لو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وكذلك لو قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة وواحدة ووواحدة ولو قال أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة وقع الثلاث على الوجهين لأن من جمع جمع من الجانبين ومن فرق فكذلك وهو مستغرق بكل حال
الثانية الاستثناء من الاستثناء صحيح ومعناه نقيض المستثنى عنه فهو من النفي إثبات ومن الإثبات نفي فلو قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة معناه إلا اثنتين لا تقع إلا واحدة من الاثنتين تقع فتقع اثنتان ولو قال أنت طالقا ثلاثا إلا ثلاثا إلا واحدة ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه تقع الثلاث لأن الأول مستغرق فلغا والأخير استثناء من لاغ
والثاني وهو الصحيح أنه يقع واحدة لأن الكلام بآخره وقد أخرجه عنالاستغراق بالاستدراك
والثالث أن الاستثناء الأول يلغو ويصير الأخير استثناء عن الأول وهذا تحكم فاسد
الثالثة قال ابن الحداد إذا قال أنت طالق خمسا إلا ثلاثا وقعت ثنتان وكأنه زاد له وسع الاستثناء ومنهم من قال الخمس كالثلاث والاستثناء مستغرق فيبطل ولا نظر إلى الزيادة
ولو قال أنت طالق أربع إلا اثنتين فعلى مذهب ابن الحداد تقع اثنتان وعلى الوجه الآخر تقع واحدة وكأنه قال ثلاثا إلا اثنتين
الرابعة إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا نصف طلقة وقعت ثلاث لأنه أبقى النصف فيكمل وفيه وجه أن استثناء النصف كاستثناء الكل كما أن إيقاع النصف كإيقاع الكل
الفصل الثاني في التعليق على بالمشيئة
وفيه مسائل
الأولى إذا قال أنت طالق إن شاء الله أو أنت حرة إن شاء الله لم يقع الطلاق والعتق لأن مشيئة الله غيب لا يدرى فصار الوصف المعلق به مجهولا وقال مالك رحمه الله لا يقع الطلاق ويقع العتق
ونص الشافعي رضي الله عنه أنه لو قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله أنه يكون مظاهرا فمن الأصحاب من طرد هذا في الطلاق وسائر العقود ومنهم من فرق بأن الظهار إخبار وتعليق الإخبار بالمشيئة لا يصح وكذلك لو قال لفلان علي عشرة إن شاء الله تلزمه العشرة والإنشاء يحتمل التعليق ومنهم من سوى بين العقود والإقرار وجوز الاستثناء بالمشيئة في الجميع وعليه التفريع
الثانية إن قال يا طالق إن شاء الله الظاهر أنه يقع لأن الاستثناء عن الاسم لا ينتظم إنما ينتظم الإنشاء وفيه نظر لأن هذا الاسم معناه الإنشاء فلذلك قال بعضهم إنه لا يقع شيء
أما إذا قال يا طالق أنت طالق ثلاثا إن شاء الله انصرف الاستثناء إلى الثلاث ووقعت واحدة بقوله يا طالق
الثالثة لو قال أنت طالق ثلاثا يا طالق إن شاء الله قال الأصحاب لا يقع شيء لأن قوله يا طالق لا يعمل الاستثناء فيه تفريعا على ظهره ويرجع الاستثناء إلى الثلاث وتخلل قوله يا طالق لا يدفع الاستثناء لأنه من جنس الكلام وهو كقوله أنت طالق ثلاثا يا حفصة إن شاء الله
الرابعة إذا قال أنت طالق إن لم يشأ الله أو إلا أن يشاء الله فموجب اللفظين واحد ومعناه التعليق بعدم المشيئة وكما لا تعرف المشيئة لا يعرف عدمها فقياس ذلك أن يقع الطلاق ونص عليه الشافعي رضي الله عنه بل هاهنا أولى لأنه علق على محال إذ يستحيل أن يقع الطلاق بخلاف مشيئة الله فهو كما لو قال أنت طالق إن صعدت السماء وقال صاحب التلخيص يحتمل أن يقال يقع بخلاف التعليق بالصعود لأن الصعود ممكن في نفسه والطلاق بخلاف المشيئة محال فكأنه قال أنت طالق طلاقا لا يقع وحكى عن القاضي أنه اختار وقوع الطلاق هاهنا وهو بعيد لأنه إن قال أنت طالق طلاقا إن اجتمع السواد والبياض لم يقع لأنه تعليق بمحال فكذلك قوله إن خالف طلاقك مشيئة الله فإنه أيضا محال ونعم يحتمل له مأخذ آخر وهو أنه لو قال إنت طالق إن لم يدخل زيد الدار فدخل لم يقع فإن مات زيد قبل الدخول تبين وقوعه وقت الطلاق فإن مات وأشكل الدخول ففيه وجهان
أحدهما أنه لا يقع لأن الأصل عدم الوقوع
والثاني أنه يقع لأنه نجز الطلاق واستثناه ولم يثبت الاستثناء وهذا الوجه أظهر في
قوله أنت طالق إلا أن يدخل زيد الدار فإن هذه صيغة الاستثناء والصحيح أنه لا فرق بين الصيغتين فعلى هذا لا يبعد أن يقال مشيئة الله مستثنية فيقع الطلاق لذلك فهذا وجهه المتكلف والصحيح أنه لا يقع إذ لو وقع لكان الله قد شاء وقوعه وهو إنما علق الطلاق بعدم المشيئة إلا أنه إذا لم يقع تبين أن الله لم يشأ فقد تحقق الوصف الذي علق عليه فينبغي أن يقع ثم بالوقوع ينتفي الوصف فالشرط والجزاء هاهنا متضادان لا يجتمعان ومنشأ بدو النظر أن التعليق على هذا الوجه هل يصح وليس كما إذا علق باجتماع السواد والبياض لان التضاد بين السواد والبياض لابين الاجتماع وة الطلاق فلا تضاد بين الجزاء والشرط ويستمد هذا من مسألة الدور فإن قوله لغير المدخول بها إن طلقتك فأنت طالق قبله فيه تضاد بين الشرط والجزاء فألغاه أبو زيد لذلك واعتبره ابن الحداد وهذه المسألة تلتفت إليه
فإن قيل إذا قال أنت طالق إن شاء الله ما معنى التردد في مشيئة ومشيئته قديمة لا يتردد فيها فإن أريد تعلقها فلا يخلو إما أن يراد تعلقها بلفظ الطلاق أو بحكمة فإن أريد باللفظ فقد شاء اللفظ لأنه قد جرى وإن أريد الحكم فالحكم قديم والإرادة لا تتعلق بالقديم لأن الحكم كلام الله تعالى
فنقول معناه مشيئة حكم الطلاق والمشيئة قديمة ولكن المراد أن يحدث لها عند الحدوث تعلق بالإرادة القديمة وإن كان لها قبل الحدوث نوع تعلق على وجه آخر وذلك التعلق المتجدد مشكوك فيه وأما قوله الحكم قديم فلا يراد فهو كذلك ولكن مصير المرأة محرمة وصف حادث يستدعي تعلقا جديدا للكلام القديم به فللخطاب القديم تعلقات متجددة كما للإرادة والأحكام تبنى على التعليقات المتجددة لا على الأصل القديم
الباب السادس في الشك وفي الطلاق وفي محله
أما الشك في الطلاق فصورته أن يتردد في أنه هل طلق أم لا فالأصل أن لا طلاق فنأخذ بالاستصحاب كما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث لأنه لا مجال للاجتهاد في الطلاق والحدث والاستصحاب يكفي وليس ذلك كطلاق يختلف فيه الفقهاء فإنه لا يجعل مشكوكا بل يجب الاعتماد على ما يقتضيه الاجتهاد وكذلك إذا طار طائر فقال إن كان هذا غرابا فامرأتي طالق وشك لم يقع الطلاق إلا إذا تبين أنه غراب فلو قال آخر وإن لم يكن غرابا فامرأتي طالق لم يقع طلاقه أيضا لأنه لو تفرد به لم يقع فتقدم غيره لا يفسر حكمه
أما إذا كان له زوجتان فقال إن كان هذا غرابا فعمرة طالق وإن لم يكن فزينب طالق حرمت واحدة وعليه أن يجتنبها لأنه اتحد الشخص فيحصل اليقين في حقه
فرع لو جرى ذلك في عبدين من رجلين فلكل واحد أن يتصرف في عبده فلو اشترى أحدهم العبد الآخر حتى اجتمعا في ملكه حجر عليه فيما إلى أن يتبين وفيه وجه أنه يختص الحجر بالمشتري لأن الأول كان يتصرف فيه فلا ينقلب حكمه بشراء الآخر والصحيح هو الأول
ولو باع الأول ثم اشترى الثاني فيحتمل أن يقال له التصرف في الثاني لأن تيك واقعة قد انقضت فهو كما لو صلى صلاة إلى جهة ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى صلى لجهة أخرى ولم يقض الأولى ويحتمل خلافه لأن الاستصحاب ضعيف بالاضافة إلىالاجتهاد
وأما إذا شك في محل الطلاق كما إذا طلق واحدة منهما ثم نسي فعليه التوقف إلى التذكر
ولو قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق ثم قال أردت الأجنبية فهل يقبل فيه وجهان
أحدهما لا لأنها ليست محلا لطلاقه
والثاني نعم وهو الأضهر لأن اللفظ مبهم فعلى هذا يراجع حتى يعين
ولو قال لزوجتين إحداكما طالق طولب بالتعيين فإن كان قد نوى واحدة معينة طولب بالكشف والصحيح أن عدتها من وقت الإبهام وإن لم ينو طولب بتعيين واحدة للوقوع فإذا عين فيقع الطلاق بالتعيين أو يتبين وقوعه بالإبهام فيه وجهان
أحدهما أنه يقع بالإبهام والتعيين أو يتبين وقوعه بالإبهام فيه وجهان
أحدهما أنه يقع بالإبهام والتعيين كالبيان له والتنصيص على محله فتحسب العدة من ذلك الوقت على الصحيح كما إذا نوى
الثاني أنه يقع بالتعيين لأنه لو وقع قبله لوقع على غير محل فإنه بين المحل الآن ولكن لما أوقع من غير بيان محل ألزمناه ببيان المحل
ثم في التعيين نظر في حالة الحياة وبعد الموت
النظر الأول في الحياة وفيه مسائل
الأولى أنه يلزمه التعيين ويطالب به ويجب على الفور كما لو أسلم على عشر نسوة ويعصى بالتأخير ولو أبهم طلقة رجعية ففي وجوب التعيين في الحال وجهان لأن التحريم قد حصل ولكن النجاح لم ينقطع
الثانية أنه يلزمه نقتهما قبل التعيين وإن طالت المدة وكذلك إن نوى واحدة ولكن لم يبين وكذلك في مسألة الغراب إلى أن يتبين لأن حجر النكاح مطرد فلا بد من النفقة
الثالثة إذا وطئ إحداهما فإن قلنا إن الطلاق يقع بالتعيين لم يكن ذلك تعينا وإن قلنا إنه كالبيان فلا يبعد أن يجعل ذلك بيانا للمنكوحة وكذلك الخلاف إذا وطئ إحدى أمتيه وقد أبهم العتق بينهما وحيث جعلنا الوطء تعيينا فلا مهر لها وإن لم نجعله تعيينا فعين الأخرى للنكاح ففي وجوب المهر وجهان يبتنيان على وقت وقوع الطلاق
الرابعة إذا ماتتا أو إحداهما لم تسقط المطالبة بالتعيين لأجل الميراث وهذا يؤيد قولنا إن الطلاق يقع بالإبهام وعلى الوجه الآخر اختلفوا ومنهم من قال هاهنا للضرورة يحمل التعيين على البيان لا على الإيقاع ومنهم من قال نتبين وقوع الطلاق على المعينة قبيل موتها وهذا كما نقول في المبيع إذا تلف فإننا نتبين الانفساخ قبيل التلف للضرورة
الخامسة في صيغ التعيين وفيه صورتان
إحداهما أن يقول نويتهما جميعا فلا يقع عليهما لأن اللفظ لا يحتمله ولكنه إقرار لهما بالطلاق فلكل واحدة مؤاخذته بذلك ولو قال أردت هذه ثم هذه قال القاضي تطلق الأولى دون الثانية لأن لفظه لا يحتمل الجمع وقال الإمام الوجه أن يكون إقرارا للثانية أيضا ويلغى قوله ثم كما إذا قال هذه الدار لزيد ثم لعمرو فإن لعمرو مؤاخذته
ولو قال أردت هذه بعد هذه فعند القاضي يقع على الثانية لأنها مقدمة في المعنى وإن تأخرت في الذكر وعلى مذهب الإمام يؤاخذ بهما
الصورة الثانية أن يبهم طلاقا بين ثلاث نسوة ثم يجلس اثنتين في جانب والثالثة في جانب ثم قال أردت هذه ووقف قليلا ثم قال أو هذه فنقول لم يرفع الإبهام فلو عين الثالثة تعينت الأخيرتان للنكاح ولو عين إحداهما شاركتها صاحبتها لأنه جمعهاإليه في الإقرار بقوله هذه أو هذه وإنما تعين للشركة صاحبتها لوقفته بالصيغة فلو قال على السرد هذه أو هذه وهذه احتمل أن تكون الثالثة شريكة الأولى وشريكة الثانية ويرجع إليه ويقبل في ذلك قوله
هذا كله إذا كان قد نوى أما إذا أبهم الطلاق من غير نية فطالبناه فقال عينت هذه أو هذه فبلغو قوله فلو قال عينت هذه وهذه تعينت الأولى ولغا قوله في الثانية لأنه ليس إقرارا حتى يؤاخذ به هل هو إنشاء ولا يستقل بنفسه إنشاء إذا لم يسبق لفظ صالح للجميع
المسألة السادسة في النزاع ولها ثلاث صور
إحداها لو كان قد نوى فادعت واحدة أنه أرادها وأنكر فالقول قوله فإن نكل حلفت وتعينت للطلاق بيمينها وتعينت الأخرى بإقرار الزوج لها حيث أنكر الثانية
والصورة الثانية أن يكون قد طلق واحدة معينة منهما لكنه نسي فقالت واحدة طلقتنى فلا يقبل قول الزوج نسيت بل عليه أن يحلف على البت أنه ما طلقها فإن نكل حلفت على البت وحكم لها ولو قبلنا يمين الرجل علي نفي العلم والنسيان للزم في الاستقراض وسائر الدعاوى
الصورة الثالثة في مسألة الغراب إذا قالت واحدة أنه إذا كان غرابا فأنا طالق فأنكر الزوج فعليه أن يحلف على البت أنه لم يكن غرابا أو ينكل حتى تحلف على البت أنه كان غرابا
ولو علق دخولها أو دخول غيرها فتنازعا اكتفى منه بيمين على نفي العلم بالدخول هكذا قاله إمامي وليس يتبين لي فرق بينهما أصلا بل ينبغي أن يقال علي يمين جازمة أم نكول في المسألتين جميعا
النظر الثاني فيما بعد الموت
وفيه ثلاث مسائل
إحداها إذا ماتا جميعا فعليه التعيين فإن كان قد نوى بقبله فبين للوارث تحليفه لأجل الميراث وإن لم يكن قد نوى فعين لم يكن لهم التحليف لأنه إنشاء منوط باختياره وقال أبو حنيفة رحمه الله ينحسم التعيين بالموت وللزوج نصف حقه من ميراث كل واحدة
الثانية أن يموت الزوج أيضا فهل للوارث التعيين نظر فإن كانتا في الحياة فيوقف ميراث كل واحدة بينهما حتى يصطلحا وليس لوارث الزوج التعيين
وإن ماتت إحداهما ثم مات الزوج ثم ماتت الأخرى فإن عين الوارث الأولى للطلاق فهو مقر على نفسه إذ حرم مورثه عن الميراث فيقبل وإن عين الأخيرة ليحرمها عن ميراث مورثه وليجوز ميراث الأولى فهذا محل غرضه ففي تعيينه ثلاثة أقوال
أحدث أنه يقبل لأنه خليفة المورث في خيار الشفعة وغيره فكذلك في هذه
والثاني أنه لا أثر له لأن حقوق النكاح لا تورث
والثالث أنه إن قال إن الزوج قد نوى هذه فله ذلك فلعله سمعه أو فهمه بقرينة وإن قال لم ينو ولكنه أراد إنشاء التعيين لم يجز لأن هذا إلى الزوج وكذا الخلاف في تعيين الوارث إذا أبهم العتق بين عبدين ومات لأن للوارث غرضا فيه والعراقيون أرسلوا ذكر قولين في أن الوارث هل يعين حيث يعين الزوج لو كان حيا ولم يفرقوا بين أن يكون له غرض أو لا غرض له وهذا التفصيل ذكره القفال وهو أحسن
الثالثة إذا قال إن كان هذا غرابا فزوجتي طالق وإن لم يكن غرابا فعبدي حر فيحجر عليه فيهما جميعا لأن المالك متحد وإن كان الجنس مختلفا فإن مات قبل التعيين فهل للوارث التعيين فيه طريقان
أحدهما طرد القولين
والثاني القطع بأن لا يعين لأن لللقرعة مدخلا للعتق فهو أولى من التعيين وإن لم يكن لها مدخل في الطلاق
وإذا وقع الإبهام في محض الإرقاق فلا خلاف في أن المحكم للقرعة فعلى هذا لو أقرعنا فخرج على الرقيق عتق وتعينت المرأة للنكاح وورثت وإن خرج على المرأة لم تطلق لأن القرعة لا تؤثر في الطلاق ولكن هل يتعين الرقيق للرق فيه وجهان
أحدهما نعم لأن القرعة إن قصرت عن حكم الطلاق فتستعمل في الرق والعتق
والثاني لا لأن تعيينه للرق فرع تعيين المرأة للطلاق بالقرعة فإذا لم تعمل القرعة في محلها كيف تعمل فيما يثبت ضمنا له فعل هذا يبقى الإبهام إذ كنا نتوقع بالقرعة بيانا فلم يحصل
الشطر االثاني من الكتاب في التعليقات
والنظر فيه في فصول مطولة وفي فروع متعددة موجزة فلنقدم الفصول وهي ستة
الفصل الأول في التعليق بالأوقات
وهي أربعة
النوع الأول في التعليق بمجيء وقت منتظر وصيغة التعليق إن وفي معناه إذا فلا فرق بين أن يقول إن طلعت الشمس أو إذا طلعت الشمس أو إن دخلت الدار أو إذا دخلت الدار فالكل تعليق وقال مالك رحمه الله إذا علق بما يستيقن وقوعه كطلوع الشمس وقع في الحال وهو ضعيف
فنقول لو قال أنت طالق في أول شهر رمضان طلقت كما أهل الهلال مقرونا بأول جزء منه ولا نقول إن في للظرف فيقضي وقتا محتوشا بوقتين من شهر رمضان بل لا يشعر بالانطباق عليه ولو قال أنت طالق في شهر رمضان فكمثل ولو قال أنت طالق في يوم السبت طلقت مع طلوع الفجر ولو قال أبو حنيفة رحمه الله يقع في آخر النهار وآخر الشهر التفاتا إلى أن الوجوب المعلقبوقت موسع يستقر في آخره
ولو قال أنت طالق في آخر شهر رمضان طلقت في آخر جزء منه وفيه وجه آخر أنها تطلق في أول جزء من ليلة السادس عشر لأن النصف الأخير كله آخر الشهر ولو قال أنت طالق في أول آخر الشهر طلقت في أول يوم الأخير على وجه وفي أول نصف الأخير على وجه ولو قال في آخر أول هذا الشهر ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه آخر النصف الأول
والثاني أنه آخر الليلة الأولى
والثالث أنه آخر يوم الأول
ولو قال في سلخ الشهر فثلاثة أوجه
أحدها أنه آخر جزء من الشهر إذ به الانسلاخ
والثاني أنه أول اليوم الأخير
والثالث أنه أول جزء من الشهر لأنه منه يأخذ في الانسلاخ وهذا ركيك
ولو قال عند انسلاخ الشهر لم يتجه إلا في آخر جزء من الشهر
النوع الثاني التعليق بمضي الأوقات فلو قال إذا مضى يوم فأنت طالق وهو با الليل فيقع مع الغروب من الغد وإن كان بالنهار فإلى أن يعود النهار إلى مثل وقته ولو قال إذا مضت السنة فتطلق مع استهلال المحرم وإن لم يكن قد بقي إلا يوم ولو قال إذا مضت سنة فلا بد من اثني عشر شهرا من وقت اليمين ويكفي الأشهر العربية لكن الشهر الذي هو فيه إذا كان في وسطه يكمل ثلاثين من آخر السنة وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا انكسر شهر انكسر جميع الشهور لأنه لا بد من التوالي
النوع الثالث التعليق بالزمان الماضي فإذا قال أنت طالق بالأمس قصدت الآن إيقاع الطلاق بالأمس قلنا هذا محال لأن حكم اللفظ لا يتقدم على اللفظ وهل يقع في الحال فيه وجهان
أحدهما نعم لأن حكم لفظه لو تحقق شمل الوقت الحاضر فينفذ في القدر الممكن
والثاني وهو الأقيس أن هذا لغو من الكلام فلا يقع به شيئ
ولو قال أوقعت الآن طلقة ينتشر حكمها إلى الأمس لأنه محال
والثاني هو اختيار الربيع أنه لا يقع لأنه أوقع ما يتصف بهذه الصفة وما وصفه به فهو محال فلا يقع شيئ
وترجع حقيقة الخلاف إلى أنه إذا وصف الطلاق بوصف جعل محالا يلغى أصل الطلاق أو الوصف واستدل الربيع بقوله أنت طالق إن أحييت ميتا أو صعدت السماء فإنه لا يقع فاختلف الأصحاب فيه على ثلاثة أوجه
منهم من وافقه
ومنهم من قال يقع في مسألة الصعود والإحياء وهو كقوله أنت طالق طلاقا لا يقع عليك
ومنهم من فرق بين الإحياء والصعود وقال الإحياء محال من المخلوق فهو كقوله طلاقا لا يقع عليك وأما الصعود فممكن في نفسه
والصحيح أن هذه التعليقات صحيحة والمقصود الإبعاد كقوله تعالى { حتى يلج الجمل في سم الخياط } وأما قوله طلاقا لا يقع فهو متناقض في ذاته وقوله طلاقا ينعكس حكمه على ما مضى ليس بمتناقض لكنه مخالف حكم الشرع فينقدح فيه التردد ولا بأس بما ذكره الربيع فيه
ولو قال إذا مات فلان فأنت طالق قبله بشهر صح فإن مات قبل مضي الشهر لم يقع الطلاق لأنه يؤدي إلى التقديم على اللفظ ولو مات بعد شهر تبينا وقوع الطلاق قبله بشهر وكذلك لو قال قبل قدوم زيد وقبل دخول الدار بشهر وقال أبو حنيفة رحمه الله يستند الطلاق في الموت دون القدوم والدخول وهو تحكم
ولو قال أنت طالق أمس غدا أو غدا أمس وقع في الحال لأن اليوم هو أمس غدا وغدا أمس ولو قال أنت طالق في السنة الماضية ولم يبين فالظاهر الحكم بالطلاق لأن ظاهره الإقرار بوقوع الطلاق ولو قال أردت أو زوجا آخر طلقك أو طلقتك أنا في نكاح آخر ثم جددت فإن أقام بينة قبل وإلا حكم بالطلاق في الوقت ولو قال أردت طلقة رجعية فيقبل لأنه تقرير للطلاق في هذا النكاح
النوع الرابع التعليق بتكرير الأوقات وفيه مسألتان
أحدهما إذا قال أنت طالق ثلاثا في كل سنة طلقة طلقت طلقة واحدة في الحال وواحدة في أول محرم السنة الثانية إن أراد السنين العربية والثالثة في أول محرم السنة الثالثة إن بقيت العدة وإن لم يرد السنة العربية فلا تقع الثانية ما لم تنقض سنة كاملة من الأولى
وإن أطلق فوجهان على حسب الاحتمالين
فلو أبانها ثم جدد النكاح في وسط الثانية وقلنا بعود الحنث طلقت كما نكحها وإن كان أول السنة قد ما فات لأن جميع السنة وقت وإنما عجلنا في أول السنة عند دوام النكاح لمصادفة الوقت
الثانية لو قال أنت طالق ثلاثا في كل يوم طلقة طلقت طلقة في الحال ووقعت الثانية صبيحة اليوم الثاني فلو قال لو أردت أن يتخلل بين كل طلاقين يوم كامل فيدين باطنا وهل يقبل ظاهرا فيه وجهان وهذا يخالف السنة لأن اليوم مقدر محصور لا يوجب الحساب تداخله كما يوجب تداخل السنين
الفصل الثاني في التعليق بالتطليق ونفيه
وفيه ثلاثة صيغ
الأولى أن يقول إن طلقتك فأنت طالق فإذا قال ذلك بعد الدخول فمهما طلقها واحدة طلقت طلقة أخرى بالتعليق ولا يختص ذلك بالمجلس كقوله متى ما و مهما وإذا فكل ذلك لا يقتضي فورا إلا إذا علق على مشيئتها أو بإعطائها مالا فيختص بالمجلس لاقتضاء القرينة لا للفظ
وأما قبل الدخول فلا تقع الطلقة المعلقة لأنها بانت بالأولى ولذلك نص الشافعي رضي الله عنه أنه لو خالعها لم يقع الطلاق المعلق لأنها بانت بالخلع فلا يلحقها طلاق
وقد ظن أكثر الأصحاب أن هذا يدل على أن الجزاء يترتب على الشرط ويقع بعده لأنه لوقع معه لوقع قبل الدخول ويكون كما لوقال أنت طالق طلقتين ويشهد لهذا أيضا أنه لو قال لغانم مهما أعتقتك فسالم حر ثم أعتق غانما في المرض والثلث لا يفي بهما لم يعتق من سالم شيء بخلاف ما لو أعتقهما جميعا فإنه يقرع بينهما والصحيح أن الجزاء مع الشرط لأن الشرط جعل علة بالوضع فهو كالعلة الحقيقية والمعلول مع العلة وإن كان بينهما ترتيب عقلي في السببية بل هو كحركة الخاتم فإنه مع حركة اليد وإن كان معلولا له وإنما لم يقع قبل الدخول لأن مقتضاه وقوع الطلاق مع أول حال البينونة وأول حال البينونة يضاد الطلاق كما في حال البينونة وكذلك لو قال لها أنت طالق طلقة معها طلقة لم يقع إلا واحدة على أدق الوجهين بخلاف ما لو قال أنت طالق طلقتين لأن البينونة معلول مجموع الطلقتين وقوله طلقتين كالتفسير لقوله طالق وكذا لا يعتق سالم لأن عتقه معلول عتق غانم وربما خرجت القرعة على سالم فيعتق دون عتق غانم فيكون المعلول قد ثبت دون العلة وذلك محال وهذا كلام دقيق عقلي ربما يقصر نظر الفقيه عنه
النظر الثاني في هذه المسألة أن التعليق هل يكون تطليقا فإذا قال إن طلقتك فأنت طالق ثم قال إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت وقعت طلقة بيمين الدخول وأخرى بيمين التعليق لأن التعليق مع الصفة تطليق نعم مجرد التعليق ليس بتطليق وكذلك لو تقدم التعليق ولم يوجد بعد يمينه إلا مجرد الصفة لم يكن تطليقا إلا إذا قال إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق وكأن التعليق بالدخول مقدم على هذا التعليق فإنه إذا وقع بمجرد الصفة وقعت طلقة أخرى لأنه وقوع وليس بإيقاع وعن العراقيين وجه أن التعليق مع الصفة ليس أيضا بتطليق وهو بعيد لأن سيما فيما إذا علق بفعل نفسه وأتى بالفعل
فرعان
الأول إذا قال إن طلقتك عمره فحفصة طالق ثم قال إن طلقتك حفصة فعمرة طالق ثم بدأ بحفصة فطلقها طلقت حفصة بالتنجيز طلقة وطلقة عمرة بالتعليق طلقة وعادت طلقة إلى حفصة من طلاق عمرة لأنه تعليق طلاق عمرة تراخى عن تعليق طلاق حفصة فكان تطليقا لها وقد علق طلاق حفصة على تعليقها
ولا بدأ بعمرة فطلقها فيرجع الطلاق على حفصة ولم يرجع طلاق إلى عمرة لأن تعليق طلاق حفصة سبق تعليق طلاق عمرة فكان بالنسبة إلى تعليق طلاق عمرة وقوعا محضا لا إيقاعا نعم لو أبدل لفظ الإيقاع بالوقوع وقع على المطلقة طلقة تنجيزا وطلقة أخرى تعليقا ولم يقع على الأخرى إلا طلقة واحدة لأنه إن حل اليمين لأن حرف إن ومهما لا يقتضي التقرار بخلاف كلما فينحل بوجود الصفة مرة واحدة
الفرع الثاني إذا قال وله نسوة وعبيد إذا طلقت واحدة فعبد من عبيدي حر وإذا طلقت اثنتين فعبدان حران وإذا طلقت ثلاثا فثلاثة وإذا طلقت أربعا فأربعة ثمطلق أربعة نسوة عتق عشرة أعبد لأنه حنث في الإيمان الأربعة لأن في الأربعة أربعة وثلاثة واثنتين وواحدة وذلك عشرة
ولو أبدل إذا بكلما عتق خمسة عشر فيعتق بيمين الواحد أربعة لأن فيها أربعة آحاد وبيمين الاثنين أربعة لأن فيها اثنين مرتين وبيمين الثلاثة ثلاثة وبيمين الأربع أربعة وذلك خمسة عشر وقال أبو حنيفة رحمه الله يعتق ستة عشر لأنه حسب الثلاثة مرة فبقي الواحد فحسبه في يمين الواحد مرة أخرى وهو خطأ لأنه قد حسب مرة في يمين الآحاد ومن الأصحاب من ذلك يعتق سبعة عشر وإنما زاد اثنين بيمين الاثنين لأنه زعم أنه في الأربعة اثنين ثلاث مرات لأنه حسب الثاني والثالث مرة وهذا خطأ لأنه لو جاز هذا لجاز أن يصير ثلاثة أيضا مرتين فإن الثاني والثالث والرابع ثلاثة أخر سوى الأول والثاني والثالث ولا قائل بهذا
الصيغة الثانية التعليق بنفي التطليق فإذا قال إن لم أطلقك فأنت طالق لم تطلق في الحال وكذلك إذا قال إن لم أضربك فإنه يتوقع ذلك في الاستقبال ولا يقتضي الفور ولو قال إذا لم أطلقك ومضى زمان يسير يسع التطليق ولم يطلق وقع الطلاق لأن إذا ظرف زمان ومعناه أي وقت أطلقك فيه فأنت طالق
وقوله متى ومتى ما كقوله إذا في اقتضاء الفور وفي الأصحاب من لم يتضح له الفرق فجعل المسألتين على قولين وهذا ضعيف إذ الفرق ظاهر نعم لو قال أردت بإذا ما يريده المريد بقوله إن يدين وهل يقبل ظاهرا فيه وجهان
التفريع إذا قلنا لا يقع في صيغة إن على الفور فإنما يقع عند حصول اليأس بخلو العمر عن الضرب والتطليق ولليأس ثلاث صور
إحداها موت أحد الزوجين فإذا مات قبل الطلاق والضرب تبينا وقوع الطلاق قبيل الموت وكان يحتمل أن نتبين وقوعه عند اللفظ ولكن اللفظ مطلق يحتمل الأمرين وتنزيله على إخلاء العمر محتمل والأصل نفي الطلاق من غير يقين ما يوقعه وإنما يتحقق عدم الضرب لانقضاء العمر ففيه يقع
الصورة الثانية طرآن الجنون على الزوج وذلك لا يوجب اليأس لأنه ربما يفيق فإن اتصل بالموت تبينا وقوع الطلاق قبيل الجنون وإن كان يمكن أن يوقع قبل الموت إذ به يتحقق اليأس ولكن قبل الجنون يثبت اليأس إلا بانتظار الإفاقة فإذا لم تقع الإفاقة فالجنون كالموت في اليأس وهذا في الطلاق أما في الضرب فلا يأس لأن ضرب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب العاقل على الصحيح
الصورة الثالثة انفساخ النكاح وذلك لا يوجب اليأس لأنه ربما ينكحها فيطلقها ولا يشترط النكاح الأول لتحقيق الصفة فإن نكحها وطلقها فقد تحققت الصفة وإن لم يطلقها وكانت في نكاحه عند الموت وقلنا بعود الحنث وقع الطلاق قبيل الموت وإن لم نقل بعود الحنث أو لم تكن في نكاحه تبينا وقوع الطلاق قبيل الفسخ ولتفرض في الطلاق الرجعي حتى لا نقع في الدور ونتصور الجمع بينه وبين الفسخ
الصيغة الثالثة أن يقول أن طلقتك فأنت طالق وأن لم أطلقك فأنت طالق وقع في الحال لأن أن للتعليل معناه أنت اطلقك لأن لم أطلق ويجوز في اللغة الفصيحة حذف اللام واستعمال أن فهو إذا كقوله أنت طالق لرضا فلان فإنه يقع في الحال ولو سخط وهذا في حق من يعرف اللغة ومن لا يعرف اللغة فلا فرق في حقه بين إن وأن
الفصل الثالث في التعليق بالحمل والولادة
وفيه مسائل
الأولى إذا قال لها إن كنت حاملا فأنت طالق فلا يقع في الحال لأن الحمل لا يعلم بيقين فلو أتت بولد لأقل من ستة أشهر تبينا الوقوع عند اليمين وإن كان لأكثر من أربع سنين تبينا أنه لم يقع وإن كان بين المدتين فإن كان يطؤها فلا يقع وإن امتنع عنها فقولان
أحدهما يقع لأن النسب قد ثبت فيدل على وجود الحمل
والثاني لا لأن لحوق النسب يكفي فيه الاحتمال ولا يقع الطلاق بالاحتمال
واختلفوا في أنه هل يحرم الوطء قبل تحقق الحال فقيل أنه لا يحرم بالشك كمسألة الغراب وقيل إنه يحرم لأن استكشافه ممكن على قرب وعلى هذا يجب الاستبراء بالحيض ويتفرع عنه ثلاثة فروع
أحدها أنه هل يكتفي في الحرة بقرء واحد فيه وجهان
أحدهما لا كالعدة
والثاني نعم لأن الغرض مجرد استدلال وقد حصل
الثاني إذا استبرئها ثم وقال مرة أخرى قبل الوطء إن كنت حاملا فأنت طالق فالظاهر أنه لا يجب إعادة الاستبراء وقيل إنه يجب لأن العدة الماضية لا تؤثر فكذلك هذا
الثالث إذا خاطب بذلك صغيرة وهي في سن الحيض فيستبرئها بشهر أو أشهر وإن خاطب آيسة فهل يكفي سن اليأس دلالة أو لا بد من الاستبراء فيه وجهان
المسألة الثانية إذا قال إن كنت حائلا فأنت طالق فهذه كتلك المسألة ولكن حيث يحكم ثم بالوقوع فهاهنا يحكم بخلافه لأن الشرط هو عدم الحمل ويزيد هاهنا أن تحريم الوطء هاهنا أقرب لأن الأصل الحيال وأيضا أثر الاستبراء ثم في نفي الطلاق وهاهنا في الوقوع وقد قطعوا بأنه إذا انقضى ثلاثة أقراء يقع الطلاق وفيه نظر لأنه لا يفيد يقين البراءة والشرط لا بد من استيفائة فإنه لو علق على الاستيقان لم يقع بالاستبراء والمطلق يقتضي الحمل على اليقين وقد مال إليه الشيخ أبو محمد ثم قال الأصحاب إذا أوقعنا بعد الإقراء فأتت بولد لدون ستة أشهر تبينا أنه لم يكن الطلاق واقعا ونقضنا ذلك الحكم قطعا وإن كان وطئها وطئا يمكن الإحالة عليه ففيه نقض ذلك الحكم وجهان
المسألة الثالثة في صيغ التعليق بالحمل فإذا قال فقال إن كنت حاملا بذكر فأنت طالق طلقة وإن كنا حاملا بأنثى فأنت طالق طلقتين فأتت بذكرين وقعت طلقة واحدة ولم نزدوإن أتت بذكر وأنثى وقعت ثلاث لأنه حنث باليمين وإن قال إن كان حملك ذكرا فطلقه وإن كان أنثى فطلقتين لم يقع شيء أصلا فإن لفظه يقتضي حصر الجنس ولو أتت بذكرين قال القاضي تقع طلقة لأن التنكير في لفظه لتنكير الجنس وقال الشيخ أبو محمد لا يقع شيء لأنه لتنكير الواحد فلا يسمى ذلك ذكرا
المسألة الرابعة إذا قال إن ولدت ولدا فأنت طالق فأتت بولدين طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني فإن قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق فهل يقع الطلاق بالولد الثاني وبه تنقضي العدة الجديد أنه لا يقع لأنه يصادق أول وقت البينونة وللشافعي رضي الله عنه نص في الإملاء أنه يلحق الثانية وليس له وجه وتكلف القفال توجيهه فقال لو قال للرجعية أنت طالق مع انقضاء العدة فيتجه قولان وزعم أنه يحتمل أن يقع مع الانقضاء لا في العدة ولا في البينونة وشبه ذلك بما لو قال أنت طالق بين الليل والنهار فلا يقع في الليل ولا في النهار بل يقع في الآن الفاصل بينهما والطلاق من جملة ما يقع دفعه في الآن ولا يقع في زمان وهذا له وجه في التحقيق إذ فرق بين الآن وبين الزمان الذي ينقسم ولكن في مسألة الولادة غير منقدح لأن مقتدى اللفظ أن يقع مع الولادة والولادة تقارنها البينونة والبينونة تضاد الطلاق فالصحيح هو القول الجديد
ولو قال إن ولدت ولدا فأنت طالق واحدة وإن ولدت ذكرا فاثنتين فولدت غلاما طلقت ثلاثا لوجود الصفتين ولو قال إن ولدت أنثى فواحدة وإن ولدت ذكرا فاثنتين فولدت خنثى لم يقع في الحال إلا واحدة لأنه المستيقن
فرع إذا قال وله أربعة نسوة حوامل كلما ولدت واحدة فصويحباتها طوالق فولدن على التعاقب والتقارب طلقن جميعا أما الرابعة فثلاث إذ ولدت قبلها ثلاثنسوة وأما الثالثة فثنتان إذ ولد قبلها اثنتان وانقضت عدتها بولادتها قبل ولادة الرابعة أما الثانية فواحدة إذ طلقت بولادة الأولى وانقضت عدتها بولادتها نفسها فلم يلحقها طلاق بعده وأما الأولى فثلاث طلقات لأنها بقيت في العدة حتى ولدن جميع صواحباتها بعدها
الفصل الرابع في التعليق بالحيض
وفيه صور
إحداها فلو قال إن حضت حيضة فأنت طالق فلا تطلق حتى ينقضي حيض تام
ولو قال إن حضت فأنت طالق فإذا انقضى يوم وليلة وقع الطلاق تبينا في أول الحيض إذ به نتحقق أنه ليس بدم فاسد وفيه وجه مشهور ظاهر إنه يقع في أول الحيض ولذلك يحرم الوطء في أول الحيض بناء على الظاهر ولكن القائل الأول قد يتوقف في التحريم وهو بعيد والفرق أظهر إذ الطلاق لا يقع إلا بيقين والتحريم يثبت بالظاهر ولو قال للحائض إن حضت فأنت طالق لم تطلق إلا بحيضة مستأنفة فإنه للإبتداء إذ لا ابتداء في دوام الحيض
ومهما قالت حضت فالقول قولها مع يمينها بخلاف ما إذا علق على الدخول فقال دخلت فإنها تحتاج إلى البينة لأن الحيض يعصر الاطلاع عليه من غيرها إذ غايت غيرها أن تشاهد الدم وذلك لا يعرف إذا لم تعرف عادتها وأدوارها فعله دم فساد وهو كقوله إن أضمرت بغضي فأنت طالق فقالت أضمرت فالقول قولها لعسر الاطلاع عليه والظاهر أنه تصدق في الزنا وفيه وجه وفي الولادة وجهان أماالمودع فإذا ادعى هلاكا فيصدق كان السبب خفيا أو جليا ولا يطالب بالبينة لأنه ائتمنه فلزمه تصديقه بخلاف الزوج
ولو قال إن حضت فضرتك طالق فلا تصدق في حق الضرة إذ لا تصدق إلا بيمين ولا يتوجه عليها يمين لضرتها ولو قال إن حضتما فأنتما طالقتان فقالتا حضنا فصدق إحداهما وكذب الأخرى طلقت المكذبة دون المصدقة لأن المكذبة ثبت حيضها بقولها في حقها وثبت حيض صاحبتها بتصديق الزوج والمصدقة لم يثبت حيض صاحبتها في حقها فإن صاحبتها مكذبة وطلاق كل واحدة معلق على حيضهما جميعا فلا يكفي حيض واحدة
ولو قال لأربع نسوة إن حضتن فأنتن طوالق ثم صدقهن طلقن وإن كذبهن فلا وإن صدق ثلاثا طلقت المكذبة دون المصدقات وإن كذب اثنتين لم تطلق واحدة لأن حيض الواحدة من المكذبتين لم يثبت في حق صاحبتها
ولو قال أيتكن حاضت فصواحباتها طوالق ثم قلن حضنا وصدقهن طلقت كل واحدة ثلاثا لأن لكل واحدة ثلاث صواحب وإن صدق واحدة طلقت كل واحدة من صواحباتها طلقة واحدة وإن صدق اثنتين طلقت كل واحدة من المصدقتين طلقة طلقة لأنه ليس لهما إلا صاحبة واحدة مصدقة
الفصل الخامس في التعليق بالمشيئة
فإذا قال أنت طالق إن شئت فقالت شئت في الحال وقع وإن تأخر عن المجلس لم يقع لأن الخطاب يقتضي جوابا في الحال ولأنه كالتملك للمرأة وينبني على العلتين تردد في انه لو قال لأجنبي زوجتي طالق إن شئت أنه هل يقتضي الفور أو قال إن شاءت زوجتي فهي طالق إذ لا خطاب ولو قال أنت طالق إن شئت وشاء أبوك اختص مشيئتها بالمجلس وهل تختص مشيئة أبيها للاقتران بمشيئتها فيه خلاف
ولو قال أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت فقال شئت لم يقع لأنها علقت بالمشيئة والمشيئة لا تقبل التعليق ولو قال أنت طالق ثلاثا إلا أن يشاء أبوك واحدة فشاء أبوها واحدة ففيه وجهان
أحدهما أنه لا يقع شيء وكأنه استثناء عن أصل الطلاق
والثاني أنه يقع واحدة ومعناه إلا أن يشاء أبوك واحدة فلا تطلق ثلاثا بل واحدة
وهذا في المطلق أما إذا أراد الاحتمال الذي فيه الإيقاع يقع وإن قال أردت الاحتمال الآخر يدين وهل يقبل ظاهرا على هذا الوجه فيه وجهان
ولو قال أنت طالق إن شئت فقالت شئت وهي كارهة باطنا نفذ الطلاق ظاهرا وهليقع باطنا قال القفال يقع لأن هذا تعليق بلفظ المشيئة ولو كان باطنا لكان إذا علق بمشيئة زيد لم يصدق زيد في حقها وقال أبو يعقوب الأبيوردي لا يقع كما لو علقت بالحيض وكذبت في الإخبار وإليه مال القاضي وهذا الخلاف يشير إلى تردد فيما لو أرادت باطنا ولم تنطق ظاهرا
ولو قال للصبية إن شئت فقال شئت ففيه وجهان من حيث إنه يوجد منها اللفظ ولكن لا اعتماد على إرادتها الباطنة
ولو قال ذلك لمجنونة لم يقع طلاقها بقولها شئت قولا واحدا فإنه وإن علق باللفظ فلا بد من إعراب عن ضمير صحيح والسكران يخرج على أنه كالصاحي أو المجنون
ولو رجع الزوج قبل مشيئتها لم يجز لأن ظاهره تعليق وإن توهمنا في ضمنه تمليكا
الفصل السادس في التعليق في مسائل الدور
فإذا قال لزوجته إن طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثا ثم طلقها لم يقع عند ابن الحداد لأنه لو وقع لوقع الثلاث قبله ولو وقع الثلاث قبله لما وقع هذا ولو لم يقع هذا لما وقع الثلاث قبله لأنه معلق به فيؤدي إثباته إلى نفيه وقال أبو زيد يقع المنجز ولا يقع المعلق أصلا لأنه علق تعليقا محالا ومن أصحابنا من قال يقع في المدخول بها الثلاث مهما نجز واحدة بالتنجيز واثنتان بالتعليق لأن التعليق إنما صار محالا بقوله قبله فيلغى قوله قبله ويبقى الباقي فكأنه قال إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثا والمسألة ذات غور وقد ذكرناه في كتاب غاية الغور في دراية الدور فليطلب منها
ومن صور الدور أن يقول إن طلقتك طلقة أملك بها الرجعة فأنت طالق قبلها طلقتين
وكذلك إن قال إن وطئتك وطئا مباحا فأنت طالق قبله ثلاثا فإذا وطئ لم يقع وأبو زيد لا يقدر على المخالفة في هذا إذ اليمين الدائرة هي الباطل عنده وهاهنا لم توجد اليمين الدائرة
وكذلك إن قال إن أبنتك أو فسخت نكاحك أو ظاهرت منك أو راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثا فعلى تصحيح الدور تنحسم هذه التصرفات بالكلية
القسم الثاني من التعليقات في فروع متفرقة نذكرها أرسالا
وهي ثلاثة وعشرون
الأول إذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق ثم قال إن دخلت فأنت طالق طلقت في الحال لأن التعليق بالدخول حلف في الحال ولو قال إذا طلعت الشمس لم يكن هذا حلفا لأن الحلف ما يتصور فيه منع واستحثاث أما إذا قال إن طلعت الشمس أو إذا دخلت الدار فهل يكون هذا حلفا فيه وجهان ينظر في أحدهما إلى صيغة التأقيت وفي الأخرى إلى المعنى واتباع المعنى أولى
الثاني إذا قال إن بدأتك بالكلام فأنت طالق ثم قالت إن بدأتك بالكلام فعبدي حر ثم كلمها وكلمته لم تطلق ولم يعتق العبد لأن الزوج خرج عن كونه مبتدئا بقولها إن بدأتك فعبدي حر وهي خرجت عن البداية بكلامه
الثالث إذا قال إن أكلت رمانة وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق فأكلت رمانة تامة طلقت طلقتين لأن النصف أيضا موجود في الواحدة ولو قال كلما أكلت نصفا فأنت طالق طلقت ثلاثا لأن فيها نصفين
الرابع إذا قال إن بشرتني بقدوم زيد فأنت طالق فأخبره أجنبي ثم أخبرته لم تطلق لأن البشارة هي الأولى وإن قال ان بشرتماني فأنتما طالقتان فبشرتاه على الترتيب طلقت الأولى وإن بشرتاه معا طلقتا وإن بشرت كاذبة لم تطلق وإنقال إن أخبرتني بأن زيدا قدم فأخبرت كاذبة طلقت لأن الكذب خبر ولو قال إن أخبرتني بقدومه فهل تطلق بالكذب فيه وجهان والأظهر التسوية
الخامس إذا قال يا عمرة فقالت حفصة لبيك فقال أنت طالق ثم قال حسبت بأن المجيبة عمرة قال ابن الحداد لا تطلق عمرة لأنه لم يوجد في حقها إلا النداء أما حفصة المخاطبة بالطلاق فهل تطلق ذكروا وجهين
أحدهما نعم لأنه قال أنت طالق
والثاني لا لأنه لم يقصد خطاب حفصة
قال الإمام لو قال حفصة تطلق ظاهرا وهل تطلق عمرة على وجهين لكان أقرب
السادس إذا قال العبد لزوجته إن مات سيدي فأنت طالق طلقتين فقال السيدللعبد إن مت فإنت حر فمات قال ابن الحداد تقع طلقتان وله الرجعة لأنه عتق قبل حصول التحريم بالطلقتين بل مع الطلقتين ومنهم من خالف لأنه لم يتقدم العتق على الطلقتين بل جرى معه
السابع إذا قال من نكح جارية أبيه إذا مات أبي فأنت طالق فمات لم تطلق لأن الملك ينتقل إليه بالموت وينفسخ النكاح فيقارن الطلاق أول وقت الانفساخ فيندفع ومن الأصحاب من قال يقع لأن الملك يترتب على الموت والانفساخ على الملك فيقارن الطلاق وقت الملك لأنه أيضا مرتب على الموت والأول أغوص لأن وقت الطلاق والملك والفسخ واحد إذ المختار أن من اشترى قريبه اندفع ملكه بالعتق لا أنه حصل ثم انقطع وهو اختيار أبي إسحاق المروزي
الثامن إذا قال أنت طالق يوم يقدم فلان فقدم ضحوة طلقت في الحال على وجه وقيل إنه يتبين وقوع الطلاق أول اليوم وينبني عليه حكم الميراث لو قدم وقت الظهر ومات الزوج ضحوة ولو قدم ليلا لم تطلق وقيل تطلق واليوم كناية عن الوقت
التاسع لو قال أنت طالق أكثر الطلاق وقع الثلاث ولو قال أعظم الطلاق لم يقع إلا واحدة لأنه لا ينبىء عن العدد ولو قال ملء العالم وملء الأرض لم تقع إلا واحدة ولو قال مثل البيوت الثلاثة أو ملء السموات وقع الثلاث
العاشر لو قال أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاث وقع الثلاث وصلح إشارة لتعريف العدد فإنه كتفسير ولو أشار بالأصبع ولم يقل هكذا لم تقع إلا واحدة
الحادي عشر إذا قال أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيدا ولم يدخل فيهواو العطف فهذا هو تعليق ومعناه إن كلمت زيدا صار طلاقك معلقا بالدخول
الثاني عشر إذا قال أربعكن طوالق إلا فلانة قال القاضي لا يصح هذا الاستثناء لأنه صرح بالأربع وأوقع عليهن ولو قال أربعكن إلا فلانة طوالق قال يصح الاستثناء والمسالة محتملة إذ ليس يلوح الفرق بين عدد المطلقات وبين عدد الطلقات ولا بين التقديم والتأخير ويلزمه أن يقول لو قال لفلان أربعة أعبد إلا واحدا يلزمه الثلاثة ولا شك في أنه لو قال لفلان هؤلاء الأعبد الأربع إلا هذا لم يصح الاستثناء لأن الاستناء في المعين لا يعتاد ويتأيد بذلك كلام القاضي
الثالث عشر إذا قال من يلتمس من غيره أن يطلق زوجته أطلقت زوجتك فقال نعم فإن نوى وقع الطلاق وإن لم ينو فقولان
أحدهما لا لأن قوله نعم ليس فيه لفظ الطلاق فكيف يصير صريحا
والثاني أن الخطاب كالمعاد في الجواب
إما إذا كان في معرض الاستخبار فقوله نعم في صريح الإقرار ولو قالت المرأة طلاق ده مرا فقال دادم قال الأصحاب لا يقع شيء لأن هذه اللفظة لا تصلح للإيقاع
وقال القاضي يقع لأن المبتدأ يصير معادا في الجواب وهو مذهب أبي يوسف
ولو قال الدلال لمالك المتاع أبعت فقال نعم لم يصلح هذا أن يكون إيجابا وقال بعت لم يصلح أيضا أن يكون خطابا للمشتري فإنه خطاب مع الدلال ولو قيل له ألك زوجة فقال لا قال المحققون هذا كناية في الإقرار وقال القاضي هو صريح في الإقرار
ثم إن كان كاذبا لم تطلق زوجته في الباطن
الرابع عشر لو قال إن لم تذكري عدد الجوزات التي في البيت فأنت طالق فطريقها أن تذكر كل عدد يحتمل أن يكون فلا يزال يجرى على لسانها الواحد بعد الآخر
ولو قال إن لم تعرفيني عدد الجوزات لا يكفيها ذلك فإن التعريف لا يحصل بذلك وقيل إنه يكفيها وهو بعيد ولو قال إن لم تميزي نوى ما أكلت عن نوى ما أكلت وقد اختلطت النوى فأنت طالق فسبيلها أن تبدد النوى بحيث لا يتماس اثنتان فيكون قد حصل التمييز هكذا قاله الأصحاب وفيه نظر لأنه لا يظهر إطلاق التمييز المفرق ولكن إذا لم يكن له نية اتبعوا مجرد وضع اللغة
ولو كان في فيها تمرة فقال أنت طالق إن بلعتيها أو قذفتيها أو أمسكتيها فطريقها أن تأكل النصف وتقذف النصف وهذا بين
ولو قال وهي على سلم أنت طالق إن مكثت أو صعدت أو نزلت فطريقها أن تطفر طفرة أو تحمل أو يوضع بجنبها سلم فتنتقل إليه ولو قال إن أكلت هذه الرمانة فأنت طالق فلتأكلها إلا حبة ولو حلف على رغيف فلتأكل إلا الفتات
والضابط في هذا الجنس أن ننظر إلى العرف واللغة جميعا فإن تطابقا فذاك وإن اختلفا فميل الأصحاب إلى اللفظ وميل الإمام رحمه الله إلى أن اتباع العرف أولى
الخامس عشر إذا شافهته بما يكره من شتيمة وسب فقال إن كنت كذلك فأنت طالق فإن قصد المكافأة أي إن كنت كذلك فأنت طالق طلقت في الحال كانت تلك الصفة موجودة أو لم تكن فإن قصد التعليق فطلب وجود تلك الصفة وعدمها بالرجوع إلى العرف فإن أطلق وقد ظهر في العرف ذكر ذلك للمكافأة احتمل وجهين لأن اللفظ بالوضع للتعليق وبالعرف للمكافأة ولعل اتباع اللفظ أولى فإنه الأصل الموضوعوالعرف يختلف ويضطرب وقد وقع في الفتاوى أن امرأة قالت لزوجها يا جهود روى فقال إن كنت كذلك فأنت طالق فطلب المفتون تحقيق هذه الصيغة
فقيل إنه يحمل على صفار الوجه وقيل هو ذلة وخساسة وقال الإمام هذه الصفة لا تتصور في المسلم فلا يقع الطلاق وهذا فيه نظر لأن الخيال قد يتصور وصفا لا محالة حتى يصف به المسلم فتارة يصدق وتارة يكذب ووقع أيضا أن قال رجل لزوج ابنته في مخاصمته كم تحرك لحيتك فقد رأيت مثل هذه اللحية كثيرا فقال إن رأيت مثل هذه اللحية كثيرا فابنتك طالق وقد قصد التعليق فقلت لا شك أن اللحية ليست من ذوات الأمثال إن نظر إلى شكلها ولونها وعدد شعورها وذلك هو المثل المحقق ولكن ذكر اللحية في مثل هذا الموضع كناية عن الرجولية والجاه وذلك مما يكثر أمثاله فالبحري أن نميل هاهنا إلى العرف ونوقع الطلاق وليس يبعد أيضا الميل إلى موجب اللفظ ونفي الطلاق
السادس عشر إذا قال إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم ولم يطلقها حتى انقضى اليوم قال ابن سريج لا يقع لأنه عند تحقق الصفة فات وقت الطلاق وهذا يرد على قوله إن لم أطلقك فأنت طالق فإنا نتبين عند موته وقوع الطلاق في آخر العمر والعمر في هذا المعنى كاليوم إذ فيه يتحقق الطلاق والصفة جميعا ولا فرق بين المسألتين
السابع عشر إذا قال أنت طالق بمكة وأراد التعليق بدخولها جاز وإن أطلق حمل على التعليق على وجه وحكم بالتنجيز على وجه إذ ليس فيه أداة التعليق
الثامن عشر لو قال إن خالفت أمري فأنت طالق ثم قال لا تكلمي زيدا فكلمتقالوا لا يقع لأنها خالفت النهى دون الأمر لو قال إن خالفت نهيي ثم قال قومي فقعدت قالوا وقع لأن الأمر بالشيء نهي عن أضداده فكأنه قال لا تقعدي فقعدت وهذا فاسد إذ ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضدده فيما نختاره وإن كان فاليمين لا يبنى عليه بل على اللغة أو العرف نعم في المسألة الأولى نظر من حيث العرف
التاسع عشر إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال نجزت تلك الطلقة المعلقة ثم دخلت الدار ففي الوقوع وجهان حاصله يرجع إلى أن المعلقة هل يمكن تعجيلها بعينها
العشرون إذا قال أنت طالق إلى حين أو زمان فإذا مضى لحظة طلقت فإن اللحظة حين وزمان ولو قال إذا مضى حقب فأنت طالق أو عصر قال الأصحاب يقع بمضي لحظة وهذا بعيد وتوقف أبو حنيفة رحمه الله في هذه المسألة وهو محل التوقف ولكن إيقاعه بلحظة لا وجه له
ولو قال أنت طالق اليوم إذا جاء الغد قال صاحب التقريب لا يقع غدا لتصرم اليوم ولا اليوم لعدم مجيء الغد قال الإمام يحتمل أن يقال إذا جاء الغد تبين وقوع الطلاق كما إذا قال إذا مات فلان فأنت طالق قبله
الحادي والعشرون قال الشافعي رضي الله عنه إذا قال إن قدم فلان فأنت طالق فقدم به ميتا لم تطلق وهذا يلتفت على أن الصفة إذا حصلت بالإكراه أو مع النسيان فهل يحصل الحنث فيه قولان واختار القفال أن اليمين بالله يؤثر فيه النسيان والإكراه دون الطلاق لأن ذلك تعليق بهتك حرمة وهذا يتعلق بوجود الصورة ولا خلاف في أنه لو قصد منعها عن المخالفة وعلق على فعلها فنسيت لا تطلق وإن أكرهت فيحتمل الخلاف لأنها مختارة وأما مسألة القدوم على كل حال فهو كما قال الشافعي رضي اللهعنه لأن الموت ينافي القدوم
ولو قال إن رأيت فلانا فأنت طالق فرأته ميتا وقع الطلاق ولو رأته في ماء يحكي لونه وقع وإن رأته في المرآة ففيه احتمال ولو قال ذلك لامرأته العمياء فالظاهر أنها لا تطلق بمجالسته ولو قال إن مسسته طلقت بمسه حيا وميتا ولا تطلق بالمس على حائل ولا بمس الشعر والظفر وإذا علق بالضرب لم يحنث بضربه ميتا ولا يحنث بضرب الحي بأنملته حيث لا إيلام فيه أصلا ولو قال إن قذفت فلانا حنث بقذفه ميتا ولو قال إن قذفت في المسجد معناه كون القاذف في المسجد ولو قال إن قتلت في المسجد فمعناه كون المقتول في المسجد
الثاني والعشرون إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق فكلمته ولكن لم يسمع لعارض لغط وذهول قال الأصحاب طلقت ولو كان المكلم أصم فلم يسمع ففيه وجهان ولا خلاف انه لو كلمته بهمس بحيث لا يسمع لا يكون كلاما نعم لو كان وجهها إلى المتكلم وعلم أنها تكلمه وكان بحيث لو فرضت الإصاحة لسمعها فينبغي أن يقع الطلاق
ولو كلمته على مسافة بعيدة لا يحصل الاستماع بمثله لم يحنث فلو حمل الريح الصوت فالظاهر أنه لا يحنث ولو كلمته في جنونها فذلك كالنسيان والإكراه
الثالث والعشرون إذا قال إذا رأيت الهلال فأنت طالق طلقت برؤية غيرها ولو فسر بالعيان فهل يقبل ظاهرا فيه وجهان قال القفال هذا في اللغة العربية إذ الرؤية يراد به العلم أما في الفارسية فلا وفيه نظر إذ يقال بالفارسية رأينا الهلال ببلدة كذا ولا يراد به العيان
ولنقتصر على هذه الفروع فإن هذا الجنس لا يتناهى إنما ذكرنا هذا القدر ليحصل التنبيه بحسن التصرف في تحقيق الصفات والله أعلمكتاب الرجعة وفيه بابان
كتاب الرجعة
الباب الأول في أركان الرجعة وأحكامها وفيه فصلان
الفصل الأول في الأركان
وهي ثلاثة
المرتجع والمرأة والصيغة
الأول المرتجع ولا يشترط فيه إلا أهلية الاستحلال والعقد كما في أهلية النكاح وقد سبق
الركن الثاني الصيغة فنقول كل منطلق زوجته طلاقا مستعقبا للعدة ولم يكن بعوض ولم يستوف عدد الطلاق ثبتت له الرجعة بنص قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } وبنص قول النبي صلى الله عليه وسلم مره فليراجعها في حديث ابن عمر وبإجماع الأمة
وصريح صيغة الرجعة بالاتفاق ثلاثة قوله رجعت وراجعت وارتجعت وترددوا في ثلاثة ألفاظ
أحدها قوله رددت أخذا من قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } فمنهم من قال هو صريح لورود القرآن به ومنهم من قال لا لأنه لا يتكرر
ثم إذا جعلناه صريحا فالظاهر أنه لا بد من صلة وهو أن يقول رددتها إلي أو إلى النكاح لأنه من غير صلة يشعر بالرد المضاد للقبول وأما قوله راجعت وارتجعت فلا يحتاج إلى الصلة وكذلك قوله رجعت لأنه يستعمل لازما ومتعديا
الثاني لفظ الإمساك وفيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه صريح لقوله تعالى { فأمسكوهن }
والثاني أنه كناية لأنه لا يتكرر
والثالث أنه ليس بكناية أيضا لأنه يشعر بالاستصحاب لا بالاستدراك
الثالث لفظ التزويج والإنكاح وفيه ثلاثة أوجه
والثاني لا لأنه لم يرد القرآن به في الرجعة وهو مأخذ الصريح فهو كناية
والثالث أنه ليس بكناية أيضا لأنه لا يشعر به
فإن قيل وهل تنحصر صرائح الرجعة بالتعبد كالطلاق والنكاح أم لا تنحصر حتى تحصل بما يدل على المقصود كقوله رفعت التحريم العارض بالطلاق وأعدت الحل الكامل وما يجري مجراه قلنا حكم العراقيون بالانحصار وزعموا أن الخلاف في لفظ الإمساك والرد كالخلاف في لفظ المفاداة في الطلاق والخلاف في لفظالتزويج من حيث الأولى وإلا فإذا كان الطلاق لا يقع بقوله قطعت النكاح ورفعته واستأصلته من غير نية الطلاق فلا تحصل الرجعة أيضا بقوله رفعت التحريم بل أولى لأن الرجعة اجتلاب حل فهو بالتعبد أحرى وميل الشيخ أبي علي إلى أنه لا تنحصر صرائحه بخلاف الطلاق ووجه أن الرجعة حكم ينبىء عنه لفظ من حيث اللسان فيقوم مقامه ما يؤدي معناه وأما النكاح والطلاق فأحكامهما غريبة ليس في اللغة ما يدل عليهما لأن للشرع فيه موضوعات غريبة فلا تؤخذ صرائحهما إلا من الشرع
فإن قيل هل تتطرق الكناية إلى الرجعة قلنا الصحيح الجديد أن الإشهاد لا يشترط في الرجعة وأن الزوج يستقل به فتتطرق إليه الكناية بخلاف النكاح وإن قلنا يشترط الإشهاد فالشاهد لا يطلع على النية فيحتمل أن يقال لا بد من الصريح ويحتمل خلافه أيضا لأن القرينة قد تفهم
فرع فإن قال مهما طلقتك فقد راجعتك فطلقها لم تحصل الرجعة
ولو قال مهما راجعتك فقد طلقتك فراجعها حصل الطلاق لأن الرجعة في حكم الخيار فلا تقبل التعليق وإن كان يستقل به
واعلم أن الفعل لا يقوم مقام اللفظ في الرجعة عند الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة رحمه الله تحصل الرجعة بالوطء وباللمس وبالنظر إلى الفرج بالشهوة وقالمالك رحمه الله إن قصد بالوطء الرجعة حصل وإلا فلا
الركن الثالث المحل وهي المرأة وشرطها أمران أن تكون معتدة وأن تكون محلا للاستحلال
الشرط الأول أن لا تحرم بردتها فإذا ارتدت فراجعها ثم عادت إلى الإسلام فقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا بد من استئناف الرجعة لأن المقصود الحل والمحل غير قابل وقال المزني رحمه الله نتبين بعودها صحة الرجعة إذ نتبين به بقاء النكاح ويشهد لمذهبه أن الظاهر أن إحرامها وإحرامه لا يمنع الرجعة بخلاف ابتداء النكاح إلا أن نقول الإحرام عارض منتظر الزوال كالصوم والحيض بخلاف الردة
الشرط الثاني بقاء العدة ومهما انقضت العدة قبل الرجعة انقطعت وإذا رأينا الخلوةموجبة للعدة على المذهب الضعيف ثبتت الرجعة في عدتها وفيه وجه ضعيف أنه لا تثبت نعم إذا أثبتنا العدة بالإتيان في غير المأتى ففي الرجعة وجهان لأن إيجاب العدة به نوع تغليظ
ثم انقضاء العدة يختلف باختلاف أنواع العدة وهي ثلاثة
الأول الحمل وتنقضي العدة بوضع الولد حيا وميتا وناقصا وكاملا إن كانت الصورة والتخطيط قد ظهر عليه فإن كان قطعة لحم ففي انقضاء العدة به قولان والقول قول المرأة إذا ادعت الوضع على أظهر الوجهين وقال أبو إسحاق المروزي يلزمها البينة لأن القوابل يشهدن الولادة وربما صدقها في إجهاض السقط الناقص إذ القوابل لا يشهدن
ثم نحن إذا صدقناها فإنما نصدق في مظنة الإمكان وإن كان الولد الكامل بعد ستة أشهر من وقت إمكان الوطء وإمكان الصورة بعد مائتة وعشرين يوما وإمكان قطعة لحم بعد ثمانين يوما وذلك لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بدأ خلق أحدكم في بطن أمه أربعون يوما نطفة وأربعون يوما علقة وأربعون يوما مضغة ثم يبعث إليه ملك فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه ويكتب أشقي هو أم سعيد
النوع الثاني العدة بالأشهر وذلك لا يتصور فيه نزاع فإن فرض النزاع فيرجع إلى وقت الطلاق ويكون القول فيه قول الرجل
النوع الثالث الحيض فإن طلقها في الطهر فأقل مدة تصدق فيها اثنان وثلاثون يوما وساعتان لأنا نقدر كأن لم يبق من الطهر إلا ساعة فيحصل قرء بتلك الساعة وإن قلنا مجرد الإنتقال قرء فلا تعتبر هذه الساعة ونقدر اقتران الطلاق بآخر جزء من الطهر وأما ثلاثون يوما فلطهرين آخرين لأن أقل مدة الطهر خمسة عشر يوما ويومان وليلتان بحيضتين والساعة الثانية للشروع في الحيض حتى نتبين تمام القرء لا من نفس العدة
وإن طلقها في الحيض لم تحسب بقية الحيض فلنقدر أنه وقع في آخر جزء فأقل ما تحتاج إليه ثلاثة أطهار وهي خمسة وأربعون يوما وحيضتان وهي في يومين وليلتين ولا بد من ساعتين كما سبق وجملته سبعة وأربعون يوما ولحظتان وإن طلقها وهي صبية لم تحض بعد وادعت الحيض فأقل مدتها اثنان وثلاثون يوما ولحظتان إلا إذا قلنا إن القرء هو طهر محتوحش بدمين فتكون أقل مدتها ثمانية وأربعون يوما ولحظتين إذ لا بد من ثلاث حيض وثلاثة أطهار
هذا كله في المضطربة العادة أو المستقيمة على الأقل فإن كانت لها عادة مستقيمة علىغير الأقل فهل تصدق فيما ينقص من عادتها فيه وجهان والظاهر أنه يقبل لأن تغير العادة ممكن وهي مؤتمنة على ما في رحمها
فرع
إذا وطئها قبل الرجعة لزمها استئناف عدة وتندرج بقية العدة تحته فإن كان قد بقي قرء واحد فله الرجعة إلى تمام ذلك القرء وإن أحبلها بالوطء ففي اندراج بقية العدة تحت عدة الحمل خلاف فإذا ادرجنا امتدت الرجعة إلى وضع الحمل وإن لم تندرج شرعت في عدة الحمل إذ لم يقبل ذلك تأخيرا فإذا وضعت الحمل شرعت في عدة الرجعة ببقية الأقراء وتثبت فيه الرجعة وهل تثبت في مدة الحمل فيه وجهان
الفصل الثاني في أحكام الرجعية
وهي مترددة بين المنكوحة والبائنة لأن الطلاق أوجب خللا في الملك ولم يوجب زواله فلاختلاله قلنا إنه يحرم وطؤها وقال الشافعي رضي الله عنه يلزما المهر بالوطء راجعها أو لم يراجعها ونص في المرتدة إذا وطئها ثم عادت إلى الإسلام أنه لا مهر
فقيل قولان بالنقل والتخريج والفرق مشكل وغايته أن الرجعة في حكم ابتداء أو استدراك وعودها إلى الإسلام يعيد الحل السابق وليس في حكم الابتداء
والصحيح أنه لا يجب الحد وإن وجب المهر لأن الملك بالكلية لم يزل وشبب بعض الأصحاب بخلاف في وعلى الجملة يحرم الوطء وقطع الشافعي رضي الله عنه بوجوب المهر يدل على اختلال أصل الملك إن لم يدل على زواله ويدل على بقاء أصل الملك صحة الطلاق وصحة الخلع والظهار والإيلاء واللعان وجريان الميراث ولزوم النفقة وفي الخلع قول قديم أنه لا يصح
ولو قال زوجاتي طوالق اندرجت الرجعية تحته وطلقت على الأصح لأنها زوجه في خمس آي من كتاب الله تعالى هذا لفظ الشافعي رضي الله عنه وأراد به آياة الإيلاء والظهار وغيرهما
ولا خلاف في لو أنه اشترى زوجته الرجعية لزمه الاستبراء لأنها كانت محرمة وإن استبرئها في صلب النكاح فلا استبراء على الأظهر وقيل إنه يجب لتبدل جهة الحل وقد قال بعض الأصحاب تردد قول الشافعي رضي الله عنه في الخلع يدل على اختلاف قول الشافعي رضي الله عنه في أن الملك زائل أم لا وقول بعض الأصحاب إنه إن راجع بعد الوطء فلا مهر وإن لم يراجع يجب المهر يدل على أن الملك موقوف فتحصل في زوال الملك ثلاثة أقوال
الباب الثاني في النزاع
وله صور خمس
الأولى أن يتفقا على انقضاء العدة يوم الجمعة لكن الزوج قال راجعت يوم الخميس وقالت بل يوم السبت ففيه ثلاثة أوجه
أحدها وهو الذي ذكره المراوزة من عند آخرهم وهو القياس أن القول قولها لأنهما إذا اتفقا على الطلاق وانقضاء العدة فالأصل انقطاع النكاح والزوج يريد دفعه بدعوى الرجعة فعليه الإثبات
والوجه الثاني ذكره العراقيون أن القول قوله لأن الأصل بقاء النكاح والرجعة إلى الزوج وليس لها قول إلا في انقضاء صورة الأقراء والزوج ينكر بقاء العدة بعد يوم الخميس إذ الرجعة تقطع العدة ويحققه أن الزوج لو ادعى الوطء في مدة العنة يصدق مع أن الأصل عدمه لتقرير النكاح فهذا أولى
والثالث ذكره صاحب التقريب أن المصدق هو السابق إلى الدعوى فإذا سبقت بدعوى الإنقضاء الانقضاء فقد حكم الشرع بقولها بالتحريم فلا يرتفع بدعواه من غير بينة وكذلك إذا سبق الزوج فعلى هذا إن تساوقا رجع الوجهين لأنه زال المرجح له
الصورة الثانية ألا يقع التعرض لوقت العدة والرجعة ولكن اتفقا على جريان الأمرين واختلفا في التقدم ففيه وجهان
أحدهما أنه المصدق لأن الأصل بقاء النكاح
والثاني أنها المصدقة لأنها مؤتمنة على ما في رحمها عاجزة عن الإشهاد والزوج على قادر على الإشهاد على الرجعة
الصورة الثالثة أن يقع الوفاق على أن الرجعة جرت يوم الجمعة ولكن قالت كانت العدة قد انقضت يوم الخميس وقال الزوج بل يوم السبت فهذا كصورة الأولى فترجع الوجوه الثلاثة
الصورة الرابعة أن يقع الوفاق من وقت انقضاء العدة ويدعى الزوج رجعة قبلها وأنكرت أصل الرجعة قال صاحب التقريب هي المصدقة بلا خلاف والأظهر جريان الأوجه إذ لم تفارق هذه الصورة ما قبلها إلا أنها أنكرت لفظ الرجعة وهناك إنما أقرت بلفظ الرجعة لا بحقيقة الرجعة
الصورة الخامسة النزاع مع قيام العدة فإذا قال راجعتك أمس فأنكرت فالقول قوله لأنه قادر على الإنشاء فيقبل قوله كقول الوكيل قبل العزل وقيل الأصل عدم الرجعة فالقول قولها فإن أراد الإنشاء فلينشأ والصحيح أن إخباره لا يجعل إنشاء وحكي عن القفال إنه إنشاء وهو بعيد لأن الشافعي رضي الله عنه قال إن من أقر بالطلاق كاذبا لم يكن إن شاء
فرع إذا أنكرت الرجعة ثم أقرت قال الشافعي رضي الله عنه لم تمنع عنه فهو كمن أقر بحق بعد الجحود وهذا فيه إشكال لأنها أقرت بالتحريم على نفسها ثم رجعت
ولو أقرت بتحريم رضاع أو نسب لم تمكن من الرجوع ولكن الفرق أن الرجعة تصح دونهافلعلها أنكرت إذ لم تعرف ولا تقر بالرضاع والنسب وهو إثبات إلا على بصيرة نعم من قال ما أتلف فلان مالي ثم رجع إلى الدعوى لم يمكن لأنه أقر على نفسه وهاهنا جحدت حق الزوج فإذا توافقا لم يبطل حق الزوج ولو قالت ما رضيت في النكاح ثم رجعت فهذا محتمل لأنها تحقق رضا نفسها ولذلك تحلف على البت ولكنها جحدت حق الزوج فالأظهر أنه يغلب جانب الزوج وتمكن المرأة من الرجوع
كتاب الإيلاء
وفيه بابان
أحدهما في أركانه
والثاني في أحكامه
الباب الأول في أركانه
وصورته أن يقول لزوجته والله لا أجامعك ولقد كان هذا طلاقا في الجاهلية ثم غير الشرع حكمه وقضى بأن الزوج بعد مضي أربعة أشهر يجبر على الوطء أو الطلاق
والإيلاء في اللغة مشتق من الألية وهي الحلف ولكن عرف الشرع خصصه باليمين المعقود على الإمتناع من وطء المنكوحة
وأركانه أربعة الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه والمدة المحلوف فيها
الركن الأول الحالف
وهو كل زوج يتصور منه الجماع فقولنا زوج يشمل أصناف الأزواج من المسلم والكافر والحر والعبد وأبو حنيفة رحمه الله وإن خالف في ظهار الذمي فقد وافق في صحة إيلاء الذمي
ثم إذا رفع الذمي إلينا حكمنا عليه بحكم الإسلام حتى في إيجاب الكفارة
ويخرج عن الضابط قول الرجل لأجنبية والله لا أجامعك أبدا فإنه إذا نكحها لم يكنمؤليا وإن كان الضرار حاصلا ولكن الإيلاء كان طلاقا وتصرفا في النكاح فغير حكمه دون أصله فلا يصح من الأجنبي وليس كل ضرر يدفع وإنما المدفوع إضرار من الزوج في حالة الزوجية وقد ذكر صاحب التقريب وجها غريبا أن هذا إيلاء ولا يتجه إلا على قول غريب حكاه أيضا في تعليق الطلاق بالملك على موافقة أبي حنيفة رحمه الله وهو غير صحيح
وأما الإيلاء عن الرجعية فصحيح وإنما يفيد إذا راجعها لأن العائد هو حل النكاح الأول فهي في حكم الزوجات
وأما قولنا يتصور منه الجماع فيدخل فيه المريض المدنف والخصي والمجبوب بعض ذكره فيصح إيلاء جميعهم لإمكان الوطء منهم على حال فأما الذي جب تمام ذكره فقد اختلف فيه النصوص وللأصحاب فيه طرق ومنهم من قال قولان ووجه صحته أنه إضرار باللسان فيمكنه الفيئة باللسان والإعتذار بالعجز كما في المريض ومنهم من قطع بالبطلان وقال القولان فيه إذا حلف ثم جب
ومنهم من قطع القول بأنه وإن جب بعد الحلف أنه يبطل الإيلاء لأنه أيضا حصل اليأس من الحنث فهو كما لو قال إن وطئتك فعبدي حر فمات العبد فإنه يبطل الإيلاء لحصول اليأس
ثم إيلاء الرتقاء والقرناء كإيلاء المجبوب فيخرج على الخلاف
الركن الثاني المحلوف به
والنظر فيه في ستة أقسام
القسم الأول الحلف بالله أو بصفة من صفاته وهي الأصل وفيه مسألتان
إحداهما أنه لو وطىء هل يلزمه كفارة اليمين الجديد وهو القياس أنه يلزمه لانه حنث في يمين بالله تعالى وفي القديم قولان ووجهه أن الإيلاء كان طلاق الجاهلية فغيره الشرع وجعله موجبا للطلاق بعد مدة فكان حكمه بضرب المدة وإيجاب الطلاق بدل عن الكفارة ويشهد له قوله تعالى { أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم } فإن هذا لا يشعر بلزوم الكفارة بل يشعر بأنه يوجب المغفرة والرحمة نعم لو حلف على أن لا يطأها ثلاثة أشهر تلزمه كفارة اليمين إذا حنث لأن هذا ليس بإيلاء وقيل بطرد القول القديم فيه أيضا وهو بعيد
المسألة الثانية أن صحة الإيلاء هل تختص باليمين بالله تعالى أم يصح بالتزام العبادات وتعليق الطلاق وغيره الجديد أنه لا يختص لأنه منوط بالإضرار والإضرار لانقطاع رجاء المرأة ورجاؤها ينقطع إذا ظهر مانع للزوج وكما أن خوف الكفارة يمنع فكذلك خوف هذه اللوازم وتوجيه القديم أن الإيلاء مأخوذ من عادةالعرب وهي اليمين بالله تعالى عندهم فلا ينبغي أن يتصرف فيه بالمعنى ولا تفريع بعد هذا على هذا القول أصلا
فرع لو كرر الإيلاء بعد تخلل فصل وقال أردت التأكيد قبل على أحد الوجهين لأنه إخبار فأشبه الإقرار دون الإنشاء وكذا في تعليق الطلاق خلاف مرتب وأولى بأن لا يقبل لأنه بالإنشاء أشبه
القسم الثاني في الحلف بالتزام العبادات فإذا قال إذا جامعتك فلله علي صوم أو صلاة أو عتق رقبة أو تصدق بمال فهو مؤل فإذا حنث ففيما يلزمه الأقوال المعروفة في يمين الغضب واللحجاج نعم لو قال إن وطئتك فلله علي صوم هذا الشهر لم يصح الإيلاء لأن المطالبة تتوجه بعد انقضاء الشهر وانحلال اليمين
القسم الثالث الحلف بالعتق وفيه مسائل
الأولى إذا قال إن جامعتك فعبدي حر فمات العبد أو باعه أو أعتقه انحل الإيلاء بعد انعقاده لأنه خرج عن التعرض لالتزام شيء بالوطء ولو قال إن جامعتك فعبدي حر قبله بشهر صار مؤليا ولكن تحسب مدة الإيلاء بعد مضي شهر فتكون المطالبة في الشهر السادس إذ لو وطىء في الشهر الأول لم يلزمه شيء فإن العتق لا يمكن تقديمه على اللفظ فبعد تمام الشهر يتعرض للالتزام فلو باع العبد في منتصف الخامس طولب فيالسادس لأنه لو وطىء لتبين بطلان البيع وتقدم العتق عليه ولو تركت المطالبة حتى انقضى من وقت البيع شهر كامل سقطت المطالبة إذ سقط التعرض التزام
الثانية إذا قال إن وطئتك فعبد حر عن ظهاري وكان قد ظاهر صار مؤليا وعند الوطء يعتق العبد عن الظهار ويكون الإلتزام الجديد في الإيلاء تعيين العبد وتعجيل العتق فإن ذلك لم يوجبه الظهار وفيه وجه أنه يعتق ولا ينصرف إلى الظهار لأنه يتأدى به حق الحنث فلا يتأدى به حق الظهار وطردوا هذا فيما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر عن ظهاري وهو بعيد فإن التعليق ليس فيه إلا إضافة العتق إلى الزمان فهو كالتنجييز
أما إذا لم يكن قد ظاهر فلا يكون مؤليا بينه وبين الله تعالى ولو وطىء لم يعتق عبده لأنه قال أنت حر عن ظهاري ولا ظهار ولكن في الظاهر يجعل مقرا بالظهار ويعتق عبده عند الوطء ويجعل مؤليا لذلك
الثالثة إذا قال إن جامعتك فعبدي حر عن ظهاري إن تظهرت فهذا تعليق لعتق العبد بصفتين بالوطء والظهار وحكمه أنه لو وطىء أولا لم يعتق ولكن يتعرض للزوم لو ظاهر فيعتق العبد لا على جهة الظهار لأنه قدم تعليقه على الظهار فلا ينصرف إليه ثم قالوا لا يصير مؤليا في الحال ولكن لو ظاهر أولا صار مؤليا لأنه صار العتق متعلقا بالوطء ثم قالوا إنه يعتق لا من جهة الظهار وهذا فيه نظر لأنه إذا لم ينصرف إلى الظهار فينبغي أن لا يعتق كما إذا قال أنت حر عن ظهاري ولم يكن قد ظاهر فإنه لا يعتق باطنا كما ذكرناه ثم إذا لم يعتق لا يصير مؤليا لأنه لا التزام إلا أن يقال يلغى قوله عن ظهاري لأنه جعل العتق محالا وبقي قوله أنت حر فهذا له احتمال ولكن فيالمسألتين جميعا أعني في التعليق وفي قوله أنت حر عن ظهاري إذا لم يكن قد ظاهر
الرابعة إذا قال إن جامعتك فلله علي أن أعتق هذا العبد عن ظهاري فكونه مؤليا يبني على أن العبد هل يتعين بالنذر ويعتق بعتق سبق لزومه فيه خلاف سيأتي في النذور
القسم الرابع في الحلف بالطلاق وفيه مسائل
إحداها أنه لو قال إن وطئتك فأنت طالق ثلاثا فهو مؤل على الجديد ثم يطالب بالفيئة أو تنجيز الطلاق ويقال له في الفيئة عليك تغييب الحشفة والنزع في الحال متصلا بالتغييب من غير مكث فإنه يقع به الثلاث وتحرم ويقع النزع في حال التحريم ولكنه كالخروج من المعصية فلا بأس به وقال ابن خيران يحرم الوطء إذ وصل النزع غير ممكن ويتجه مذهبه أيضا فإن النزع أيضا نوع مماسة والخروج عن الملك المغصوب جائز للضرورة ولكن تعريض النفس لمثل ذلك بالاختيار غير جائز
فرع لو قال لغير المدخول بها إن وطئتك فأنت طالق فهو مؤل فإن وطئها وقع الطلاق رجعيا وإن كان الطلاق مقارنا للوطء غير متأخر عنه لأن الوطء مقرر والطلاق مبين فقد اجتمعا فغلب جانب تقرير النكاح
الثاينة إذا قال إن وطئتك فضرتك طالق فهو مؤل فإن أبان الضرة انقطع الإيلاء لزوال الإلتزام فإن جدد نكاحها وقلنا بعود الحنث عاد الإيلاء فتبنى المدة على ما مضى من المدة قبل الطلاق وما تخلل في مدة الإبانة لا يحسب ولا تستأنف المدة بخلاف الردة والرجعة إذا طرءا كما سيأتي
الثالثة إذا قال إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق فهو مؤل قال ابن الحداد إذا مضت المدة وجاءتا إلى القاضي طالبتين طلق القاضي إحداهما على الإبهام ثم إن كانالزوج قد نوى إحداهما نزل على المنوية وعلى الزوج البيان وإن كان قد أبهم بقي مبهما ووجب على الزوج التعيين فلو قال قبل التعيين راجعت التي صادفها الطلاق ففي صحة الرجعة مع الإبهام وجهان والأصح أنها إذا لم تقبل التعليق فلا تقبل الإبهام قال القفال غلط ابن الحداد لأن الدعوى لا تصح مبهما وهما معترفتان بالإشكال وهما كرجلين قالا عند القاضي لأحدنا على فلان ألف فإنه لا يسمع لكن يتجه لابن الحداد أن الضرار قد تحقق بهما ولا بد من الرفع عنهما
القسم الخامس في اليمين التي تقرب الوطء من الإلتزام وفيه صيغ
الأولى إذا آلى عن نسوة فقال والله لا أجامعكن فإنما تلزمه الكفارة إذا جامع جميعهن فلا تتعلق كفارة بوطء واحدة ولكن يتعلق به القرب من الحنث بوطء الباقيات فالجديد أنه لا يصير مؤليا حتى يطأ ثلاثا منهن فيصير مؤليا في حق الرابعة إذ تتوقف الكفارة على وطئها والقول القديم أنه مؤل لأن القرب من اللزوم محذور كأصل اللزوم فعلى هذا لو وطىء واحدة سقط إيلاؤها دون البواقي وكذلك لو طلق واحدة أما إذا ماتت واحدة سقط إيلاء الكل إذ حصل اليأس عن جماع جميعهن وبه يقع الحنث
الصيغة الثاينة أن يقول والله لا أجامع كل واحدة منكن فهذا إيلاء إذ يتعلق الحنث بكل واحدة ولو قال لا أجامع واحدة منكن فله ثلاثة أحوال
إحداها أن يريد به لزوم الكفارة بواحدة أي واحدة كانت على العموم فهو مؤل إذ ما من واحدة يطؤها إلا وتلزمه الكفارة ولكن إذا وطىء واحدة انقطع إيلاء الباقيات إذاليمين لا يتناول إلا واحدة
الثانية أن يقول أردت واحدة معينة مبهمة وعلي تعيينها او قال نويت واحدة بعينها وعلي بيانها انعقد الإيلاء كذلك ويطالب بالبيان أو التعيين وقال الشيخ أبو علي لا إيلاء لأن كل واحدة ترجو أن لا تكون هي المرادة أو المعينة بالإيلاء فكيف يساوي هذا اليأس المحقق في معينة وهذا متجه إن اعترفت بالإشكال فإن ادعت أنه عناها وجب عليه الجواب لا محالة
ثم إذا لم يكن قد عين فعين فتحسب المدة من وقت التعيين أو من وقت اليمين فيه خلاف ينبني على أن الطلاق المبهم متى وقع كما ذكرناه في الطلاق
الحالة الثالثة أن يطلق هذه الصيغة فعلى أي المعنيين يحمل فيه وجهان لتعارض الإحتمالين
الصيغة الثالثة إذا قال والله لا أجامعك في السنة إلا مرة واحدة فالوطء يقربه من الحنث فيكون مؤليا على القديم دون الجديد وعلى الجديد إذا وطئها صار مؤليا فينظر إلى بقية المدة من السنة فإن كانت دون أربعة أشهر فليس بمؤل وإن زاد صار مؤليا من وقت الوطء ولو قال والله لا أجامعك في السنة إلا مائة مرة أو ألف مرة فحكمه حكم المرة الواحدة لا تختلف بالكثرة والقلة
الصيغة الرابعة إذا قال إن جامعتك مرة فوالله لا أجامعك بعدها فهذا تعليق يمين بالوطء فمنهم من قطع بأنه ليس مؤليا لأنه ليس بحالف 7 في الحال حتى يطأها مرة ومنهم من خرج على القولين لأن الوطء يعرضه لأن يصير حالفا
ولو قال إن وطئتك فأنت طالق إن دخلت الدار قال القاضي هو مؤل قطعا لأن الوطء يصير مانعا لها عن الدخول ومنهم من خرج على القولين إذ لا فرق بين المسألتين
فرع إذا قال إن وطئتك فوالله لا أطؤك فغيب الحشفة ثم عاد إلى الإيلاج ثانيا ففي لزوم الكفارة خلاف والاوجه أن الوطء يتناول جميع الإيلاجات فلا يحنث بالوطأة الأولى ويلتفت إلى خلاف في وجوب المهر إذا كان المعلق به ثلاث طلقات
القسم السادس في شروط لفظ الإيلاء وفيه مسائل
الأولى أن الكناية لا تتطرق إلى لفظ اليمين من الإيلاء فلو آلى عن امرأة ثم قال لأخرى أشركتك معها لم يصر مؤليا لأن عماد الإيلاء ذكر اسم الله تعالى وفي مثله من الظهار خلاف مبني على أن المغلب فيه اليمين أو الطلاق ولا خلاف في جواز الإشراك في نفس الطلاق وأما إذا قال إن دخلت الدار فانت طالق ثم قال لغيرها أشركتك معها وأراد تعليق طلاق الثانية بدخولها في نفسها لا بدخول الأولى ففي ذلك خلاف
ولو قال أنت علي حرام ونوى الإيلاء فالظاهر أنه لا ينعقد كلفظ الإشراك والثانية أنه ينعقد لأن هذا اللفظ ورد في القرآن لإيجاب الكفارة
الثانية في تعليق الإيلاء وهو صحيح كقوله إن دخلت الدار فوالله لا أطؤك ولوقال والله لا أجامعك إن شئت فقالت شئت صار مؤليا وهل تختص المشيئة بالمجلس فيه وجهان
أحدهما نعم كما في الطلاق
والثاني لا كما في التعليق بالدخول
وقال مالك رحمه الله إذا علق بمشيئتها لم يكن مؤليا لأنها التي أضرت بنفسها إلا أن الشافعي رضي الله عنه ليس يعتبر ذلك فإنها لو تركت المطالبة بعد انقضاء المدة فلها العود إلى المطالبة لأنها تترك علي توقع فلذلك تشاء على توقع أن الزوج يخالف مشيئتها ويطؤها
الثالثة أنه لا يتشرط اقتران الغضب بالإيلاء عندنا وقال مالك رحمه الله لا يكون مؤليا إلا في حالة الغضب وهو بعيد إذ الضرار حاصل بكل حال
الركن الثالث في المدة المحلوف عليها
والمطلق منه قوله لا اجامعك والمقيد قوله لا أجامعك سنة فإن حلف على أربعة أشهر فما دونه لا يكون مؤليا لأنه قاصر عن المدة الشرعية ولو حلف على خمسة أشهر فهو مؤل ويطالب في الشهر الخامس ولو حلف على أربعة أشهر ولحظة فهو مؤل على معنى أنه يأثم ولكن لا تظهر فائدته في المطالبة ولو حلف على أربعة أشهر فلما كان في الشهر الرابع حلف على أربعة أخرى ولم يزل كذلك يفعل أبدا فليس مؤليا وإن كان الضرار حاصلا
ولو قال دفعة لا أجامعك أربعة أشهر فإذا انقضت فوالله لا أجامعك أربعة أشهر وهكذا حتى استوفى مدة طويلة فالصحيح أنه ليس بمؤل لأنه إذا انقضى أربعة أشهر فكيف يطالب بحكم اليمين الأولى وقد انحلت أو بحكم اليمين الثانية ولم ينقضي منها إلا لحظة وفيه وجه أنه إذا فعل ذلك مرة واحدة فهو مؤل لأنه يصير ذريعة إلى الإضرار ويلزم عليه ما لو فعل ذلك آخر كل أربعة أشهر وهو بعيد
ولو قال إذا مضت خمسة أشهر فوالله لا أطؤك لا يصير مؤليا حتى تنقضي خمسة أشهر فبعده تستفتح المدة ولو قال والله لا اطؤك خمسة أشهر وإذا انقضت فوالله لا أطؤك سنة فإذا انقضى أربعة أشهر طولب بالفيئة في الشهر الخامس فإن فاء انقطعت الطلبة في الشهر الخامس فإذا انقضى الشهر الخامس استفتحنا مدة أربعة أشهر لليمين الثانيةولو قال لا أطؤك حتى تصعدي السماء أو ينزل عيسى عليه السلام أو يخرج الدجال أو يقدم فلان وهو على مسافة يعلم أنه لا يقدم في أربعة أشهر فهو مؤل قطعا
ولو أقت بدخول دار أو قدوم زيد لم يكن مؤليا في الحال فإذا انقضى أربعة أشهر فهل نطالبه بالفيئة فيه وجهان
أحدهما نعم لأن الوطء في هذه الحال موجب للكفارة
والثاني أنه لا يطالب لأن القدوم والدخول منتظر في كل
حال ولو أقت بموت زيد فمنهم من قال هو كقدوم زيد ومنهم من قطع بأنه مطالب لأنه كالمستبعد في الإعتقادات ولو أقت بموت الزوجين فهو إيلاء لا محالة لأنه حصل اليأس في العمر وصيغته أن يقول لا أطؤك ما عشت أو عشت
الركن الرابع في ألفاظ المحلوف عليه
وهي ثلاثة أقسام الأول ما هو صريح لا يقبل التأويل ولا يدين كلفظ النيك وإيلاج الذكر في الفرج وتغييب الحشفة في الفرج وكذلك قوله للبكر لا افتضتك فلو فسر بالضم والأعناق لم يدين على الأصح
القسم الثاني ما هو صريح في الظاهر ويتطرق إليه التديين وهو الوطء وكذلك الجماع لكثرة الإستعمال وأما الإصابة فألحقه الشيخ أبو علي بالجماع وهو بعيد أما المباشرة والملامسة والمباضعة وما يجري مجراه ففيه قولان
أحدهما أنها صريحة كالجماع لأن العادة في الجماع التحاشي عن الصريح
والثاني أنها كنايات لأنها بالوضع غير صريح وعادة الإستعمال ليس يتضح فيه كما في الجماع
القسم الثالث الكنايات قولا واحدا وهو كقوله لأبعدن عنك ولا يجمع رأسي ورأسك وسادة ولا شئونك وفي لفظ القربان والغشيان وجهان
أحدهما أنهما كنايتان والثاني أنهما في معنى المباشرة والمباضعة
فأما إذا قال ووالله لا أجامعك في دبرك أو في الحيض والنفاس فهو محسن وليس بمؤل
الباب الثاني في حكم الإيلاء الصحيح
ومجموع ما يترتب عليه أحكام
أولها ضرب المدة
والثاني المطالبة بالفيئة
والثالث دفع المطالبة بفيأة أو طلاق
والرابع ما تقع به الفيئة فنشرحها في فصول
الفصل الأول في المدة
وفيه مسائل
الأولى أن المدة تحسب من وقت الإيلاء من غير حاجة إلى القاضي بخلاف مدة العنة فإنها تحسب من وقت ضرب القاضي المدة لأنها متعلقة بالإجتهاد وهذا منصوص في الكتاب وسببه أن النسوة في غالب الأمر لا يصبرن عن الرجال مع اليأس عن الوقاع في أكثر من أربعة أشهر وإنما يشترط زيادة على الأربعة لوقوع المطالبة بعد المدة وأن المدة مهلة للخيرة وأبو حنيفة رحمه الله رأى الطلاق واقعا بمضي المدة فلم يشترط زيادة على أربعة أشهر
الثانية لا تختلف هذه المدة عندنا بالرق والحرية فإنه أمر يتعلق بالشهوة والطبع فهو كمدة العنة وقال أبو حنيفة رحمه الله الحرة تتربص أربعة أشهر والامة شهرين وقالمالك رحمه الله تختلف برق الزوج وحريته
الثالثة في قواطع المدة فإن طلقها طلاقا رجعيا قبل مضي المدة انقطعت فإن راجعها استأنفنا المدة لأنها قد حرمت بالطلاق ولا بد من إصرار على التوالي في المدة
والردة بعد الدخول كالطلاق الرجعي والطلاق الرجعي بعد المدة يقطع المدة فإن جرت رجعة فاستئناف المدة أولى فإن الطلاق إجابة إلى المطالبة فقد اجاب مرة فلا يطالب حتى يمتنع أربعة أشهر أخر وألحقوا الردة أيضا بالطلاق وهو أبعد لأنه ليس إجابة لمطالبته
أما الذي لا يقطع المدة كالصوم والإحرام من جهته فلا يؤثر لا طارئة ولا مقارنة وكذلك الأعذار الطبيعية كمرضه وكونه محبوسا وكما لو طرأ الجنون عليه فلا تمنع تيك الأعذار انعقاد المدة ولا دوامها أما الموانع فيما يمنع احتساب المدة فكإحرامها وصغرها ونشوزها أو كونها محبوسة أو مجنونة أو مريضة لا تحتمل الجماع
ثم هذه الأحوال إذا طرأت قطعت المدة فإن زالت تستأنف المدة أو تبنى على ما مضى فيه وجهان
أحدهما الإستئناف كالطلاق والردة من الزوج والثاني أنه تبنى لأن هذا لم يقطع النكاح حتى تنقطع المدة المبنية عليه وإنما هذه أعذار تمنع المطالبة فإذا زالت عادت المطالبة والمذهب القطع بأنها إذا طرأت بعد المدة لم توجب الإستئناف وقيل بطرد الوجهين وهو ضعيف
وأما صومها فلا يمنع الإحتساب لأن التمكين حاصل بالليل وفي التطوع بالنهار فليس ذلك عذرا مانعا
الرابعة إذا تنازعا في انقضاء المدة فيرجع حاصله إلى النزاع في وقت الإيلاء والقول فيه قوله مع يمينه
الفصل الثاني في المطالبة
وفيه مسائل
إحداها أن لها رفع الامر إلى القاضي فإن تركت المطالبة أو رضيت فلها العود مهما تشاء بخلاف ما إذا رضيت بعيب الزوج أو رضيت بعد مدة العنة لأن ذلك عجز وعيب في حكم خصلة واحدة فرضاؤها به يسقط حقها وأما هذا فيحمل الرضا فيه على توقع الحنث كما يحمل رضاها عند الإعسار بالنفقة على توقع اليسار
الثانية لا مطالبة لغير الزوجة فإذا رضيت لم يكن للولي ولا لسيد الأمة المطالبة ولا لولي المجنونة والصغيرة لأن هذا لا يقبل النيابة
الثالثة لا مطالبة لها إذا كان فيها مانع طبعا كالمرض العظيم والرتق والقرن أو شرعا كالحيض والعجب أن الحيض يمنع المطالبة ولا يقطع المدة لأن ذلك يتكرر في الأشهر مرارا نعم إذا فرعنا على قول بعيد في صحة الإيلاء عن الرتقاء كان لها المطالبة بالفيئة باللسان
الرابعة إذا كان المانع فيه
إن كان طبعا فلها مطالبته ليفيء باللسان ويعتذر ويعد الوطء وذلك يدفع الضرار
فإن كان شرعا كالظهار والصوم والإحرام قطع المراوزة بأنه لا يكفيه الفيئة باللسان وللمرأة المطالبة وعليه أن يطلق فإن وطيء اندفعت المطالبة مع كونه حراما ونقول انت مخير بين أن تعصي بالوطء أو تطلق وأنت قد ورطت نفسك فيه وقالمالك رحمه الله الوطء في الإحرام لا يسقط المطالبة
أما العراقيون فبنوا على جواز التمكين وقالوا إذا كانت محرمة أو حائضا فطالبها بالتمكين لم يحل لها
وإن كان الزوج محرما أو صائما عن فرض فطالبها فهل يحل التمكين فيه وجهان أحدهما لا لأن هذا الوطء معصية فكيف يمكن منه
والثاني نعم لأن المعصية تختص بالزوج والوطء حقه فعليها التوفية وإن كان المستوفي عاصيا
ولا خلاف في أن للرجعية الإمتناع لأن الطلاق متعلق بها واختلفوا في أن الظهار كالإحرام أو كالطلاق ثم قالوا إن قلنا عليها التمكين فلها المطالبة فإن قصد الزوج الوطء وامتنعت سقط طلبها وإن حرمنا التمكين فعليها الإمتناع وهل لها الإرهاق إلى الطلاق فيه وجهان
أحدهما لها ذلك والزوج هو الذي ورط نفسه فيه والثاني لا بل يكتفي بوعد كالمانع الطبعي
الفصل الثالث في دفع المطالبة
ولا يندفع إلا بالطلاق أو الوطء من القادر والفيئة باللسان من العاجز كما سبق فإن رفع إلى القاضي فامتنع من الأمرين طلق القاضي عليه في أصح القولين وفي القول الثاني يلجئه بالحبس والتعزير إلى الطلاق وهو بعيد لأنه إكراه على الطلاق وأنكر المزني هذا وقال لم يصر إليه أحد من العلماء نعم لو استمهل الزوج من القاضي ثلاثة أيام في الفيئة باللسان لم يمهل وفي الوطء وجهان أحدهما لا لأن مدة المهلة أربعة أشهر وقد تم
والثاني نعم لأنه ربما لا يجد قوة ونشطة في الحال فعلى هذا لو بادر القاضي قبل مضي المدة لم تطلق لا كقتل المرتد قبل تمام المهلة فإنه مهدر لأن الطلاق يقبل الرد وفيه وجه بعيد أنه يفنذ
والمهلة ثلاثة أيام تجري في سبعة مواضع المرتد وتارك الصلاة والفسخ بالإعسار وبالعنة وخيار العتق والشفعة والإيلاء أما الرد بالعيب فهو على الفور
ثم إذا استمهل فأمهلناه فادعى العنة فيستأنف مدة العنة ولا يطلق لأن الطلاق كان تغليظا عليه لظننا به القدرة وذكر العراقيون وجها أنه يطلق
فرع إذا غاب الزوج إلى مسافة أربعة أشهر فلوكيلها في الخصومة أن يطالبه بالطلاق أو الإنصراف إلى وطئها وخروجه إلى السفر في الرجوع ابتداء الفيئة فلو صبر حتى انقضت مدة الإمكان ثم قال الآن أبتدىء السفر فلحاكم تلك البلدة أن يطلق
الفصل الرابع فيما به الفيئة وهو الوطء
ويكفي تغييب الحشفة ولو نزلت على زوجها لم تحصل الفيئة إذ لا تنحل به اليمين وليس هذا فيئة منه أما إذا أكره وقلنا يتصور على الوطء إكراه يدرأ الحد ففي لزوم الكفارة به خلاف فإن قلنا يلزم فقد انحل الإيلاء وإن قلنا لا فهل تنحل اليمين فيه خلاف
فإن قلنا تنحل فلا طلبة وإن قلنا لا ينحل فالصحيح أن الطلبة تبقى لبقاء الإيلاء وفيه وجه أنه لا طلبة لاندفاع الضرار بحصول الوطء أما إذا آلى ثم جن فوطىء فالمنصوص فيه أنه تنحل اليمين بفعله ولا كفارة وخرج من الناسي قول في وجوب الكفارة فيلتحق تفصيله بالمكره
فرع لو تنازعا في الوطء في المدة فالأصل عدم الوطء ولكن القول قوله على خلاف قياس الخصومات وقد ذكرنا نظير ذلك في العنة ثم قال ابن الحداد لو طلقها وأراد أن يراجعها وقال صدقتموني في الوطء فلي الرجعة قلنا لا بل نرجع إلى القياس والأصل عدم الوطء والعدة والقول قولها في ذلك وإنما كان كذلك لنوع ضرورة والله أعلم
كتاب الظهار
وفيه بابان الباب الأول في أركانه وموجب ألفاظه
وفيه فصلان
الفصل الأول في أركانه
وهو المظاهر والمظاهر عنها واللفظ والمشبه به
الركن الأول المظاهر وكل من يصح طلاقه يصح ظهاره وقد ذكرناه وذلك لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فجعله الشرع محرما للزوجة وموجبا للكفارة عند العود إليها فيصح ظهار المجبوب والخصي والذمي ثم على الذمي الكفارة ويصح منه الإعتاق مهما أسلم في ملكه عبد كافر وكذلك لو قال لمسلم أعتق عبدك المسلم عن كفارتي جاز على وجه فإن عجز فالصوم غير ممكن في حقه فيعدل إلى الإطعام وقال القاضي لا يعدل فإنه قادر فليسلم وليصم وهو بعيد لأنه مقرر على دينه فلا يكلف تركه وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح ظهار الذمي لأنه ليس من أهل الكفارة
الركن الثاني المظاهر عنها وهي كل من يلحقها الطلاق فإن ظاهر عن الرجعية وتركها لم يكن عائدا فإن راجعها تعرض للزوم الكفارة كما سيأتي وإن ارتدت وظاهر عنها فإن رجعت إلى الإسلام انعقد الظهار فالإيلاء والظهار والطلاق متساوية إلا في المجبوب والرتقاء فإن الصحيح أن الإيلاء فيهما لا يصح
الركن الثالث اللفظ وصريحه أن يقول أنت علي كظهر أمي أو مثل ظهر أمي ولا مناقشة في الصلات فلو قال أنت مني أو معي أو عندي مثل ظهر أمي فكل ذلك صريح وكذا لو ترك الصلة وقال أنت كظهر أمي فلو قال أردت الإضافة إلى غيري لم يقبل كما لو قال أنت طالق وقال أردت من غيري لأن الشيوع يمنع هذا التأويل
ثم يتصدى النظر في أجزاء الأم وأجزاء الأم قسمان
أحدهما ما لا يذكر في معرض الكرامة كقوله كبطن أمي وشعرها ورجلها ويدها وفيه قولان
القديم أنه ليس بظهار اتباعا لعادة الجاهلية
والثاني أنه ظهار اتباعا للمعنى لأنه كلمة زور تشعر بالتحريم كالظهر وكذا لو أضاف إلى بعض الزوجة فقال يدك أو رجلك علي كظهر أمي يخرجعلى القولين ومأخذه الإتباع أو النظر إلى المعنى فقد ظهر أن التصرفات القابلة للتعليق كالطلاق والظهار والعتاق تصح إضافتها إلى البعض أما النكاح والرجعة فلا وأما الإيلاء فإذا قال لا أجامع فرجك أو نصفك الأسفل فهو صريح ولو اضاف إلى النصف الشائع فيه احتمال لأن ترك الجماع في النصف من ضرورته تركه في الكل
القسم الثاني ما يذكر في معرض الكرامة كقوله أنت مثل أمي أو كأمي أو كروح أمي فإن أراد الكرامة فليس بظهار وإن قصد الظهار فهو ظهار وإن أطلق فوجهان لتعارض الإحتمالين ولو قال كعين أمي التفت إلى الجديد والقديم لأنه إضافة إلى البعض واختلفوا أن الرأس كالبطن والعين والروح لأنه قد يذكر للكرامة
الركن الرابع في المشبه به فلو شبهها بمحللة أو محرمة تحريما مؤقتا كالأجنبيةأو تحريما لا محرمية فيها كالكملاعن عنها لم يكن ظهارا أما المحرمة على التأييد بقرابة أو مصاهرة أو رضاع ففيه أقوال
أحدها الإقتصار على الأم اتباعا لعادة الجاهلية وهو مأخذ القديم
والثاني أن كل ذلك ظهار اتباعا للمعنى لأن التحريم شامل
والثالث الإقتصار على الأم وإلحاق الجدة بها لأنها في معناها غير دونها
والرابع إلحاق كل محرمة بالنسب بالأم وكذا كل محرمة بالرضاع لم نعهد تحليلها من أول وجودها دون من طرأ التحريم عليها ودون المحرمة بالمصاهرة فإنها كانت محللة ولأن الرضاع يشبه النسب دون المصاهرة
أما إذا قال أنت علي كظهر أبي لم يكن ظهارا لأنه ليس في محل الإستحلال
الفصل الثاني في موجب الألفاظ
وفيه مسائل
الأولى أنه لو قال مهما ظاهرت عن ضرتك فأنت علي كظهر أمي كان كما قال لأن الظهار يقبل التعليق ولو أشار إلى أجنبية وقال مهما ظاهرت عنها فأنت علي كظهر أمي صح وتناول ظهارا عنها بعد نكاحها تنزيلا لموجب اللفظ على الصحيح شرعا فلو أجرى مع الأجنبية لفظ ظهار لم يحنث ولو صرح وقال إن ظاهرت عن فلانة وهي أجنبية فهذا لغو عند الشافعي رضي الله عنه وتعليق بمحال وقال المزني رحمه الله ينزل ذلك على اللفظ وكذا الخلاف فيما لو قال إن بعت الخمر فأنت علي كظهر أمي ثم باع لم يحنث عند الشافعي رضي الله عنه لأنه ليس ببيع وعند المزني يحمل على المسمى بيعا بالعادة أما إذا قال إن ظاهرت عن فلانة الأجنبية فيحتمل التعريف ويحتمل اشتراط كونها أجنبية فعلى أيهما يحمل فيه وجهان
الثانية أن يظاهر عن امرأة ويقل للأخرى أشركتك معها ونوى ففيه خلاف مبني على أن الظهار يغلب فيه مشابه الأيمان أو الطلاق
الثالثة إذا قال أنت طالق كظهر أمي وقع الطلاق بقوله أنت طالق ثم نراجعه فإن أراد بالبقية التأكيد قبل وإن أراد الظهار لغا إن كان بائنا ونفذ إن كان رجعيا
الرابعة أن يقول أنت علي حرام كظهر أمي فله أحوال
إحداها أن ينوي الطلاق دون الظهار وقصد التأكيد فهو كما نوى وكقوله أنت طالق كظهر أمي وفيه وجه أن الظهار هو الحاصل لأنه أتى بصريحه دون صريح الطلاق فهو أولى من الكناية ولا يخفى أنه لو عنى الظهار دون غيره فلا يحصل إلا الظهار
الحالة الثانية أن يقول نويت الطلاق والظهار جميعا مقرونا بقولي أنت علي حرام ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أن الجمع غير ممكن في لفظ واحد والطلاق أقوى فهو الواقع
والثاني أن الظهار أولى إذ أتى بصريحهوالثالث وهو اختيار ابن الحداد أن الرجل يخير حتى يختار أحدهما إذ ليس أحدهما أولى من الآخر
الحالة الثالثة أن يقول أردت بقولي علي حرام طلاقا وبقولى ظهر أمي ظهارا وقع الطلاق ونفذ الظهار إن كان رجعيا وفيه وجه أن الظهار لا يصح لأن قوله كظهر أمي غير مستقل وقد انصرف أول الكلام إلى الطلاق
أما لو عكس وقال أردت الظهار بالأول والطلاق بالآخر نفذ الظهار دون الطلاق لأنه نواه بلفظ الظهار وقال الشيخ أبو محمد ينفذ الطلاق لأن قوله كظهر أمي ليس مستقلا ولم يحصل به ظهار فيحصل به طلاق
الحالة الرابعة أن يقول لم أقصد بالمجموع إلا تحريم عينها فتحرم عليه ولتزمه الكفارة
المسألة الخامسة لو قال أنت علي حرام وقال نويت الطلاق والظهار جميعا مع اللفظة قال ابن الحداد إن نوى الظهار أولا يصح ويقع الطلاق ولم يكن عائدا وإن نوى الطلاق أولا وكان رجعيا صح الظهار
قال الشيخ أبو علي هذا غلط لأن اللفظ واحد فينبغي أن يجعل كما لو نواهما معا فيخرج على الخلاف في أن الأولى أيهما وهذا يلتفت على أن نية الكناية إذا اقترنت ببعض اللفظ ما حكمه وقد ذكرناه في الطلاق
الباب الثاني في حكم الظهار الصحيح
وله حكمان
أحدهما تحريم الجماع على الإقتران به إلى أن يكفر إما بالعتق أو الصيام أو الإطعام وجوز أبو حنيفة رحمه الله الوطء للمكفر بالإطعام لأن الآية مطلقة في حقه
لكن الشافعي رضي الله عنه ينزل المطلق على المقيد في مثل ذلك
ثم اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن التحريم هل يقتصر على الجماع فقال في المختصر أحببت أن يمنع القبلة وقال في موضع آخر رأيت أن تمنع القبلة فقيل قولان
أحدهما التريم لقوله تعالى { من قبل أن يتماسا } والقائل الثاني يحمله على الوقاع لقوله { من قبل أن تمسوهن } نعم
مسالك الأشباه متعارضة فنقول كل ما يحرم الوطء لخلل في الملك كالطلاق والردة والإستبراء عن الغير كعدة الوطء بالشبهة أو لإباحة الغير كتزويج السيد أمته فكل ذلك يحرم اللمس وأما الصوم والحيض فلا وقياس الإحرام أن يكون كالصوم ولكنه يحرم اللمس تعبدا وأما الإستبراء في المسبية فيحرم الوطء وفيما دونه خلاف وإن كان من جهة شراء أو تملك فيحرم الإستمتاع مطلقا لأنه لو ظهر الحمل لحرم على الإطلاق بخلاف جهة السبي والظهار مردد بين هذه الأصول فإن لم نحرم إلا الوطء ففي الإستمتاع بما دون السرة والركبة خلاف مبني على أنا إن حرمنا ذلك في الحائض عللنا بانتشار الأذى أو تخوف الوقوع في الوقاع ويظهر تشبيه الظهار بالحيض لأنه يحرم مع دوام النكاح لكن من حيث إنه كان طلاقا فأقت تحريمه بالكفارة فيحتمل أن يشبه بتحريم الرجعية
الحكم الثاني وجوب الكفارة وهو منوط بالعود قال الله تعالى { ثم يعودون لما قالوا } فاختلف العلماء فيه على خمسة مذاهب
قال الثوري هو بنفس الظهار عائد وهو فاسد لقوله تعالى { ثم يعودون } وقال داود أراد تكرار لفظ الظهار والعود إليه وقال الزهري
ومالك في إحدى الروايتين إنه الوقاع إذ به يعود لنقض كلامه وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله في رواية إنه العزم على الإمساك وقال الشافعي رضي الله عنه هو نفس الإمساك
ومهما لم يطلق عقيب الظهار على الإتصال فهو ممسك ولا يكفيه العزم على الطلاق دون تحقيقه لأن إمساكه عود لنقض كلامه فسبيله أن يقول أنت علي كظهر أمي أنت طالق متصلا حتى لا يلزمه كفارة ويتفرع على هذا الأصل مسائل
الأولى إذا مات عقيب الظهار فلا كفارة إذ لم يتحقق الإمساك فإنه يفتقر إلى زمان القدرة على الطلاق ولو طلقها طلاقا رجعيا فلا عود فإن راجع فنص الشافعي رضي الله عنه أن نفس الرجعة عود ونص أنه لو ارتد وعاد لم يكن نفس الإسلام عودا وكذا لو أبانها وجدد النكاح وقلنا بعود الظهار والحنث لم يكن بمجرده عائدا لأن الإسلام يقصد به تبديل الدين والنكاح يقصد به تجديد الملك والرجعة لا معنى لها إلا إمساك الزوجة ومن أصحابنا من خرج وجها إلىالرجعة من النكاح وإلى النكاح والردة من الرجعة وطرد القولين لكن الفرق وتقرير النص أظهر فإن قيل إذا آلى ثم أبان وجدد النكاح لزمته الكفارة بالوطء وإن لم نقل بعود الحنث فلم لا تعود كفترة الظهار قلنا لأن اليمين يستقل بنفسه دون النكاح والظهار لا يتصور إلا في النكاح والكفارة هاهنا كالمطالبة بالفيئة عن الإيلاء فإنها من الخواص فلا تعود في نكاح ثان
نعم لو ظاهر وعاد حتى حرمت عليه استقرت الكفارة فلو طلق وجدد استمر التحريم إلى الكفارة وأما لو كانت رقيقة فاشتراها ففيه خلاف مبني على أن تحريم الطلاق واللعان هل يتعدى إلى ملك اليمين كما ذكرناه
المسألة الثانية إذا ظاهر عن زوجته الرقيقة ثم اشتراها على الفور ففيه وجهان
أحدهما أن الشراء ينفي العود كالطلاق لأنه قاطع
والثاني لا لأنه نقله من حل إلى حل فهو عائد وهذا يتجه إذا قلنا إنه يتعدى تحريم الظهار إلى ملك اليمين
ثم قال ابن الحداد لا بد وأن يتصل قوله اشتريت بالظهار فلو تشاغل بأسبابه حصل العود وقال الأصحاب إن كانت أسبابه متعذرة فهو كما قال وإن كانت متيسرة على القرب لم يكن عائدا أما إذا علق طلاقها بعد الظهار على الدخول فهو عائد وإن كان الدخول متيسرا إذ لا فائدة في التعليق وهو قادر على التنجيز ولو كان قد علق من قبل فدخل على الإتصال فلا عود إن كان الدخول متيسرا
ولو لاعن عقيب الظهار فظاهر النص أنه يمنع العود ثم اختلف في تصويره فمنهم من قال لو قذف بعد الظهار ولم يقصر في البدار إلى الرفع إلى القاضي على العادة فلا عود ومنهم من قال ينبغي أن تتصل كلمات اللعان بالظهار ويكون القذف والرفع سابقا وقال ابن الحداد ينبغي أن تتصل الكلمة الأخيرة بالظهار فإنه القاطع وألزم عليه كما لو قال عقيب الظهار يا زينب أنت طالق وقيل قوله يا زينب لا يوجب العود لأنه من جملة الكلام فكذا كلمات اللعان
المسألة الثالثة لو علق الظهار بفعل غيره فوجد ولم يعرف فليس بعائد فكما يعرف فينبغي أن يبادر الطلاق ولو علق بفعل نفسه ففعل ونسي الظهار فهو عائد لأنه في نسيان فعل نفسه غير معذور
المسألة الرابعة إذا قال أنت علي كظهر أمي خمسة أشهر لم يصح على القديم لخروجه عن المعتاد وعلى الجديد يصح إن غلبنا مشابه الأيمان وإن غلبنا مشابه الطلاق فلا لأن الطلاق المؤقت أبد لغلبة الطلاق ولم يظهر ذلك للظهار وقد قيل يصح مؤبدا تشبيها بالطلاق
التفريع إن شبهناه بالأيمان صح مؤقتا ويكون العود بالجماع نص الشافعي رضي الله عنه عليه لأنه ينتظر تحليلا بعد الأشهر وإنما يمسك لذلك فلا يكون مجرد إمساكه مناقضا واعترض المزني رحمه الله على هذا وقال لا فرق بينه وبين المطلق فمن الأصحاب من قال للشافعي رضي الله عنه قول قديم أن العود هو الجماع فيطرد في المطلق والمقيد وهو فساد لأنه نص عليه في الجديد والفرق ما ذكرناه
فعلى النص إذا جامع حرم الجماع فعليه النزع متصلا بتغييب الحشفة وعلى مذهب ابن خيران يحرم الجماع الأول أيضا كذلك قال الصيدلاني إذا جامع نتبين أنه كان عائدا عقيب اللفظ وعليه يحمل إمساكه وفيه فقه يوافق النص ويدفع اعتراض المزني رحمه الله فعلى هذا لا نبيح الوطء الأول إذ هو مبين للتحريم قبله فهو كما لو قال أنت طالق قبل الوطء فإنه يحرم الوطء
المسألة الخامسة إذا قال لأربع نسوة أنتن علي كظهر أمي صار مظاهرا عن جميعهن ولكن في تعدد الكفارة واتحادها خلاف لاتحاد اللفظ وهو كالخلاف فيما لو قذف جماعة بكلمة واحدة أن الحد هل هو متعدد ومشابه الأيمان تقتضي الإتحاد لأن الكلمة واحدة ومشابه الطلاق التعدد لتعدد المحل فإن قلنا يتعدد فلا يخفى وإن قلنا يتحد فلو أمسكهن فعليه كفارة ولو طلق ثلاثا وأمسك واحدة لزمه كفارة لأن مناقضة الظهار بالعود تتحقق بإمساك واحدة وليس كما لو قال والله لا أجامعكن فإنه لا كفارة بجماع واحدة لأن مخالفته تتحقق بجماع الجميع وتحقيقه أن الظهار هاهنا يتعلق بطلاق الجميع
فأما إذا ظاهر عنهن بأربع كلمات على التوالي فتجب أربع كفارات ويكون بالظهار الثاني عائدا إلى الأول وبالثالث عائدا إلى الثاني وبالرابع عائدا إلى الثالث فإن قال عقيب الرابع أنت طالق فعليه ثلاث كفارات فإن لم يقل فأربع كفارات
المسألة السادسة إذا كرر لفظ الظهار على الإتصال وقال قصدت بالثاني تأكيد الأول قبل ولكن هل يكون عائدا فيه وجهان
أحدهما نعم لأن اشتغاله بالتأكيد ترك للطلاق
والثاني لا لأنه لا يكون به ممسكا لأن التأكيد في حكم تمام الكلام
وإن قصد ظهارا آخر ففي تعدد الظهار مع اتحاد المرأة طريقان
أحدهما طرد القولين في تعدد الكفارة
والثاني القطع بالتعدد وتغليبا لجانب اللفظ
ولا خلاف أنه لو قذف شخصا واحدا مرتين فالحد واحد ثم إن طلق عقيب الثاني لم يكن عائدا في الثاني وهل يكون عائدا في الأول لاشتغاله بالثاني فيه وجهان مرتبان على صورة إرادة التأكيد وها هنا أولى بأن يكون عائدا لأنه كلام مستقل بنفسه أما إذا تخلل زمان فهو عائد في الأول والظهار الثاني منعقد إن قلنا بتعدد الكفارة وإلا فلا فائدة فيه
أما إذا قلنا تتعدد فقال أردت التأكيد مع تخلل الفصل هل يقبل ها هنا تردد فيه جواب القفال كما ذكرناه في الإيلاء لأن فيه مشابه الإخبار
المسألة السابعة إذا جن عقيب الظهار فليس بعائد فلو أفاق لم تكن مجرد الإفاقة عودا ولكن إن لم يطلق عقيب الإفاقة صار عائدا ولو قال إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر أمي فلا ظهار في الحال فإن مات قبل التزويج حصل اليأس وصار مظاهرا عائدا قبيل الموت هكذا قاله ابن الحداد وقال بعض الأصحاب الظهار حاصل ولا عود لانه مات عقيب انعقاد الظهار وإنما كان يستقيم ما قاله لو استند انعقاد الظهار إلى الأول وما ذكره ابن الحداد أغوص فليتأمل
فإن قيل الوطء يحرم بنفس الظهار أو بالعود قلنا بالعود إذا لو كان بمجرد الظهار لكان تستقر الكفارة وإن طلق عقيبه حتى لو أراد وطأها بنكاح جديد أو ملك يمين لم يجز إلا بكفارة وليس كذلك لكنه إذا عاد حرم ووجبت الكفارة واستقرت لا لاجل استحلال الوطء فإنه لو أبانها بعد العود لم تسقط الكفارة لأنها استقرت بالعود المناقض للظهار كما يستقر بالحنث في اليمين فالكفارة تجب بالظهار والعود جميعا والظهار أحد سببيها كاليمين ولذلك قال ابن الحداد لو قال إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي ثم أعتق عن الظهار ثم دخلت وقع العتق لتأخره عن أحد السببين وخالفه بعض الأصحاب وقالوا وزانه ما لو قال إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك ثم أعتق قبل الدخول لا يجزىء لأنه إنما يصير حالفا عند الدخول ولكن يحتمل أن يقال السبب صيرورته حالفا ومظاهرا وقد وجد فيكفي ذلك والله أعلم
كتاب الكفارات
وخصالها ثلاثة العتق والصوم والإطعام والعتق لا يدخل في فدية الحج والإطعام لا يدخل في كفارة القتل على أحد القولين وكفارة الجماع والظهار متساويتان في الترتيب العتق ثم الصيام ثم الإطعام وكذا كفارة القتل إن قلنا يدخلها الإطعام وكفارة الأيمان على الخيرة بين العتق والكسوة والإطعام فإن عجز فالصيام ثلاثة أيام وسيأتي في موضعه والمقصود كفارة الظهار ثم يندرج فيه جمل من أحكام الكفارات
الخصلة الأولى العتق
ولا يجزىء في الكفارات إلا رقبة مسلمة سليمة كاملة الرق تعتق بنية جازمة عتقا خاليا عن شوب العوض فهذه خمسة شروط فلنفصلها
الشرط الأول الإسلام والمسلم كل من ولده مسلم أو مسلمة أو أسلم أحد أبويه في صغره أو التقط في دار الإسلام أو سباه مسلم في صغره وليس معه أبواه أو نطق بكلمتي الشهادة بعد البلوغ فلو نطق وهو صبي مميز ففيه قولان ولو نطق مرها فهو مسلم إلا أن يكون ذميا فلا يحكم بإسلامه على أحد القولين وفيه مسألتان
إحداهما أنه لو نطق بكلمتي الشهادة فالصحيح أنه إسلام وإن لم يصرح بالبراءة عن سائر الملل ومنهم من شرط ذلك نعم لو اقتصر على قوله لا إله إلا الله وكان ذلك على وفق ملته لا يحكم بإسلامه وإن كان على خلافه كالثنوي والنصراني القائل بالتثليث فمنهم من حكم بإسلامه ثم قال يطالب بالشهادة الثانية فإن أبى جعل مرتدا ومنهم من لم يحكم بإسلامه ما لم يأت بكلمتي الشهادة
المسألة الثانية لو أقر بصلاة أو ركن من أركان الإسلام يخالف ملته هل يجعل به مسلما فيه وجهان وضابطه عند من يجعله مسلما أن كل ما يكفر المسلم بإنكاره فيصير الكافر بالإقرار به مسلما لأن التصديق والتكذيب لا يتجزأ ولعلنا قد استقصينا هذه الأحكام في كتاب اللقيط فلا نعيده
وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يشترط الإيمان في رقبة كفارة الظهار فإن الوارد في القرآن رقبة مطلقة ولكن عندنا يحمل المطلق على المقيد
الشرط الثاني السلامة من العيوب وعليه تنزل الرقبة المطلقة في القرآن ثم قال أبو حنيفة رحمه الله الأقطع يجزىء والأصم والأبكم لا يجزىء وجعل الضابط فيه زوال جنس من المنفعة لأن العيب المعتبر في البياعات لا يعتبر فاعتبر كمال أجناس الأعضاء والمنافع والشافعي رضي الله عنه اعتبر ما يؤثر في العمل أثرا بينا إذ غرض الإعتاق أن يستقل ويسعى لنفسه
والزمن لا يجزىء في العتق ويجزىء الأصم والأعور إذ يقدر على العمل والكسب وكذلك الأقرع والأعرج والعنين والخصي والأقطع لا يجزىء وقطع الإبهام أو المسبحة أو الوسطى مانع وقطع الخنصر أو البنصر لا يمنع وقطعهما جميعا مانع إن كان من يد واحدة ومن يدين لا يؤثر وقطع أنملة لا يؤثر إلا من الإبهام وفقد أصابع الرجل لا يؤثر
والمجنون لا يجزىء إذا كان جنونه مطبقا والمريض الذي لا يرجى زواله لايجزىء فإن زال على الندور فهل يتبين إجزاؤه فيه خلاف والذي يرجى زواله يجزىء فإن مات فهل نتيقن أنه لم يقع موقعه فيه خلاف وإن كان يجن ويفيق فيجزىء إن كان أيام الإفاقة أكثر وإلا ففيه تردد والهرم العاجز لا يجزىء والصغير وهو ابن يوم يجزىء لأن مصيره إلى الكبر والظاهر أن الجنين لا يجزىء وفيه وجه
وأما الأخرس فالقياس أنه يجزىء وقد اختلف فيه نص الشافعي رضي الله عنه ومنهم من قال قولان وأجراهما في الأصم الأصلخ ومنهم من قطع بالجواز وحمل النص على الذي لا يفهم الإشارة
الشرط الثالث كمال الرق فلا يجزىء عتق المستولدة لأنه يمتنع بيعها ولا عتق المكاتب كتابة صحيحة لنقصان الرق ولوقوع العتق عن جهة الكتابة بدليل استتباع الإكساب والأولاد والمكاتب كتابة فاسدة يبتنى على العلتين إن عللنا بنقصان الرق نفذ وإن عللنا بالاستتباع وقلنا إنه يستتبع لم ينفذ
ولو اشترى عبدا بشرط العتق وأعتقه عن الكفارة ففيه تفصيل ذكرناه في البيع أما عتق العبد المرهون والجاني إن نفذناه فهو يجزىء عن الكفارة لأنه يفك الرهن بخلاف الكتابة
فروع
الأول العبد الغائب الذي تتواصل أخباره يجزىء إعتاقه والمنقطع الخبر نصعلى أنه لا يجزىء ونص أنه يخرج عنه زكاة الفطر فقيل هو ميل إلى الإحتياط في المسألتين وقيل فيهما قولان لأن الأصل بقاؤه والأصل اشتغال الذمة
الثاني العبد المغصوب في يد متغلب يجزىء إعتاقه وفيه وجه أنه لا يجزىء لأنه لا يستفيد استقلالا كاملا كالأطقع وهو أميل
الثالث إذا اشترى قريبه بنية الكفارة لم يجزئه لأن عتقه يستحق من جهة القرابة وقال الأودني إذا اشتراه الخيار وأعتقه عن كفارته جاز
الرابع إذا أعتق نصفين من عبد في دفعتين أجزأه ولو أعتق نصفي عبدين ففيه وجهان
أحدهما يجزىء لأن الأشقاص تجمع أشخاصا في الزكاة كذلك هذا
والثاني لا لأن المقصود إفادة الإستقلال فلا تحصل بالتجزئة نعم لو ملك عبدين وعليه كفارتان فقال أعتقهما عن كفارتي نصف كل واحدمنهما عن كفارة فقد حكي عن نص الشافعي رضي الله عنه أنه يجزىء فمنهم من قال عتق العبدان عن الكفارتين ولا معنى لتجزئته وإضافته
الخامس إذا ملك المعسر نصف عبد فأعتق نصفه عن كفارته ثم اشترى النصف الثاني وأعتق جاز لأنه كمل الخلاص وإن كان موسرا ففي كيفية نفوذ العتق ثلاثة أقوال
فإن فرعنا على تنجز العتق نظر فإن وجه العتق على جملة العبد وقال أعتقك عن الكفارة نفذ وأجزأ وقال القفال لا ينصرف النصف الثاني إليها لأنه عتق بتسرية الشرع لا بإعتاقه إلا أنا نقول حصل بتسببه فصار كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي فدخل العبد عتق وأجزأه إن وجه على النصف لم ينصرف النصف الباقي إلى الكفارة وهل يجزىء ذلك النصف يبتنى على عتق الأشقاص
وإن فرعنا على أن العتق يتوقف على أداء القيمة فنوى عند اللفظ صرف النصف وعند الأداء صرف النصف الثاني جاز وإن نوى الكل عند اللفظ ففيه وجهان
أحدهما الجواز لأنه السبب المعتق عند الأداء
والثاني أنه لا بد عند العتق من النية
وقال الشيخ أبو حامد يجب أن ينوي الكل عند اللفظ ولا يعتد بالنية عندالأداء
الشرط الرابع أن يكون خاليا عن العوض فلو أعتق على أن يرد العبد إليه دينارا لم يقع عن الكفارة ولو قال لغيره أعتق عبدك عن كفارتك ولك ألف علي فأعتق نفذ لا عن الكفارة وهل يستحق الألف فيه وجهان جاريان في الإلتماس من غير ذكر الكفارة
أحدهما لا لأن العتق وقع منه فكيف يستحق العوض
والثاني يستحق كما لو قال أعتق مستولدتك ولك علي ألف وكأن الخلاف يرجع إلى أن الفداء هل يجوز مع إمكان هذا الشراء
وعند هذا جرت العادة بذكر النظر في التماس العتق وفيه مسائل
الأولى إذا قال أعتق مستولدتك ولك علي ألف نفذ ولزم الألف وهو افتداء ومقابلة للمال بإسقاط الملك كما في اختلاع الأجنبي
ولو قال أعتق مستولدتك عني على ألف فقال أعتقت عنك عتقت ولغا قوله عنك والظاهر أنه لا يستحق العوض لأنه رضي به بشرط الوقوع عنه ولم يقع وفيه وجه أنه يستحق ويلغي قوله عني كما لو قال طلق زوجتك عني فإنه يحمل على أنه أراد طلقها لأجلي فيستحق الزوج العوض
واعلم أن حكم الشافعي رضي الله عنه بنفوذ العتق في المستولدة مع قوله أعتقت عنك يدل على أنه إذا وصف العتق أو الطلاق بوصف محال يلغي الوصف دون الأصل
الثانية إذا قال أعتق عبدك عني فقال أعتقت وقع عن المستدعي ثم إن ذكرعوضا استحقه وإن لم يذكر فهل يستحق فيه وجهان
أحدهما لا يستحق بل يحمل على الهبة
والثاني أنه يستحق كما لو قال اقض ديني فإنه يرجع على رأي ولكن هذا التوجيه إنما يستقيم إذا قال أعتق عن كفارتي فإنه أداء حق مستحق
ولو صرح وقال أعتقه عني مجانا فقال أعتقت نفذ ولا عوض وقال أبو حنيفة رحمه الله لا ينفذ لأن الملك لا يحصل في الهبة دون القبض ولكن قال بعض الأصحاب إعتاقه تسليط تام أقوى من الإقباض وبنوا عليه أنه لو وهب ثم قال للمتهب أعتقه عن نفسك فأعتق نفذ عتقه من غير قبض
أما إذا أطلق وقال أعتق عبدك ولم يقل عني أو عنك فأعتق فعلى ماذا ينزل فيه وجهان
أحدهما أنه عن المستدعي بقرينة الإستدعاء
والثاني أنه كقوله أعتق عن نفسك حتى يخرج النظر في العوض على ما ذكرناه
الثالثة إذا قال إذا جاء الغد فعبدي حر عنك بألف فقال قبلت فهذا كتعليق الخلع وقد ذكرناه ولو قال أعتق عبدك عني غدا بألف فصبر حتى جاء الغد وقال أعتقت قال صاحب التقريب ها هنا يستحق المسمى لأنه ليس تعليقا وفيه نظر أيضا ذكرناه في الخلع ولو قال أعتقه عني على خمر أو مغصوب فهو كالخلع على المغصوب ويحتمل ها هنا الفساد في العوض وإن كان الملكيحصل للمستدعي لأنه ملك ضمني فلا تعتبر شروطه وينظر إلى صورة الإعتاق ولذلك لم يشترط القبض في الإعتاق مجانا
فإن قيل العتق يحصل متصلا بآخر قوله أعتقت فالملك كيف يحصل قبله فيكون قد حصل قبل اللفظ أو كيف يحصل بعده فيكون متأخرا عن العتق أو معه فيكون مع العتق والكل محال قلنا ذكر فيه خمسة أوجه
أحدها أنا نتبين حصوله بعد الإلتماس وقبل الإجابة
والثاني أنه يتبين حصوله عند الشروع في اللفظ وهما بعيدان لأنه تقديم المسبب على السبب
والثالث أنه يحصل الملك مع آخر أجزاء اللفظ والعتق مرتبا عليه
والرابع أنه يحصل مرتبا على اللفظ والعتق يتأخر لحظة
والخامس وهو اختيار أبي إسحاق رحمه الله أن الملك والعتق يترتب
على اللفظ معا واستبعد ذلك منه ونسب إلى الجمع بين المتضادين ولعله يعني أنه جرى سبب الملك والعتق في حالة واحدة فيندفع الملك في وقت جريان سببه ويكون ذلك في معنى الإنقطاع ولهذا غور ذكرناه من قبل
وبالجملة فقد اختلفوا في أن كل حكم يترتب على لفظ فيكون مع آخر جزء من اللفظ أو متأخرا مترتبا عليه ترتب الضد على زوال الضد والأصح أنه مع آخر جزء من اللفظ لأن المعلول ينبغي أن يكون مع العلة كما ذكرناه
الشرط الخامس النية ولا بد منها لأن الكفارة فيها مشابه العبادات نعمتصح من الذمي والمرتد إذا قلنا لا يزول ملكه أو يستثنى قدر الكفارة عن ملكه الزائل كما نستثني قدر الدين ولا تصح النية منهما ولكن يستقل بمشابه الغرامات فإن فيها شبه الغرامات أما صوم الكفارة فلا يصح منهما لأنه عبادة محضة كالزكاة فلذلك لا يتصور من كافر
فرع لا يشترط تعيين النية في الكفارات عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
فلو كان عليه الكفارات فيكفيه أن ينوي الإعتاق عن الكفارة لأن تعيين النية عندنا يجب قصدا إلى التقرب بالصفات المقصودة في العبادات المختلفة المراتب ومرتبة الظهر تغاير مرتبة الصبح وكذلك صوم رمضان يغاير صوم النذر ولا تفاوت في الكفارات كما لا تفاوت في زكاة أعيان الأموال فالأموال أسباب الزكاة والجنايات أسباب الكفارات وهي متفاوتة وقد طردوا هذا في العتق الملتزم بالنذر معالكفارة وإن كان النذر قربة والكفارة سببها جريمة ولكن لم يلتفت إلى هذا نعم إذا أعتق في الكفارة وأخطأ لم يجزئه فإذا كان عليه كفارة قتل فنوى الظهار لم يقع عن القتل وقد صرفه عنه وعليه الإعادة وهو كتعيين الإمامة في القدوة ولا تشترط ولكن لو أخطأ فسدت القدوة
الخصلة الثانية الصيام
وفيه نظران
الأول فيما يجوز العدول إليه ولا يعتبر عندنا عجز محقق عن الإعتاق بل يكفي أن يعسر ذلك عليه لغرض معتبر معتد به والذي لا يملك شيئا لا يخفى أمره أما إن ملك عبدا أو مسكنا أو مالا ففيه نظر فنقول إن كان زمنا وهو محتاج إلى العبد لخدمته أو كان منصبه يقتضي أن يخدم ولا يباشر الأعمال بنفسه فيجوز له الصوم عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
وإن كان عبده نفيسا يمكن إبداله بعبدين يلزمه ذلك إلا إذا كان قد ألف العبد وارتضاه من زمان فإنه يعسر عليه الإبدال فلا يلزمه وفيه وجه أنه يلزمه ذلك ولا يعتبر الإلف
أما المسكن فلا يباع إلا إذا كان فضلا عن مقدار حاجته لاتساع خطته وأمكنهبيع بعضه فإن كان بيتا نفيسا وأمكن إبداله بمثليه فهو كالعبد النفيس المألوف لأن الجلاء عن المسكن أيضا شديد ففيه وجهان
أما المال إذا ملكه زائدا عن المسكن واللباس والأثاث المحتاج إليه فيصرف إلى العتق إلا إذا كان رأس ماله أو ضيعة لو باعها لصار مسكينا يحل له سهم المساكين فالإنتقال إلى حال المسكنة أشد من الإنتقال من دار أو عبد فقياس قول الأصحاب أنه لا يكلف ذلك ويكاد يخالف هذا قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام } ولكن توسع الأصحاب في هذا لأن صوم شهرين يكاد يكون أشق من إعتاق عبد وليس بينهما كبير تفاوت وليس كذلك زكاة الفطر فإنه يصرف إليه كل ما فضل عن قوت اليوم لأنه أصل وتركه إبطال لا إبدال
أما إذا كان له مال غائب فلا يجوز له الصوم لأن الكفارة على التراخي ويمكن أداؤها عنه بعد موته بخلاف قضاء الصلاة فإنه تجوز بالتيمم مع توقع الماء في ثاني الحال لأن الموت متوقع في كل حال فإن قيل فيعتبر إعساره عند الوجوب أو الأداء قلنا فيه ثلاثة أقوال
أحدها أنه يعتبر حالة الوجوب تغليبا لمشابه العقوبات فعلى هذا لو كان معسرا ثم أيسر وأعتق جاز بطريق الأولى وذكر صاحب التقريب وجها أنه لا يجوز لأن هذا الترتيب بعيد وإلا فالصوم أشق وهو بعيد إذ المعسر لو تكلف الإعتاق فلا ينبغي أن يمنع نعم ذكر وجهان في العبد إذا أعتق قبل الصوم وأيسر أنه هل يعتق لأنه لم يكن أهلا لوجوب العتق في الإبتداء وهذا منقدح
القول الثاني أنه يعتبر حالة الأداء تشبيها بالعبادات إذ يعتبر في القعود في الصلاة وفي التيمم حالة الأداء وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله
وعلى هذا لو شرع في الصوم ثم أيسر لا يقطع عليه لأنه إذا شرع في البدل فقد استقر الأمر كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الشروع في الصلاة وقال أبو حنيفة رحمه الله والمزني لا مبالاة بالشروع بل يستقر الأمر بالفراغ لأن وزان الشروع في الصوم الشروع في التيمم دون الصلاة وعندهما تنتقض الصلاة برؤية الماء
ومن اصحابنا من وافق المزني ها هنا فعلى هذا القول نقول الواجب الصوم بشرط أن يستمر الإعسار إلى الفراغ
القول الثالث أنه يعتبر أغلظ الحالتين فإذا أيسر عند الأداء أو عند الوجوب لزم العتق احتياطا وعلى هذا لو كان معسرا في الطرفين وتخلل اليسار لم يؤثر فكأن ما اقتضاه حالة الوجوب لا يغيره إلا حالة الأداء
وأما العبد فمعسر وكفارته بالصوم وأما الإطعام والعتق فيبنى على أنه هل يملك بالتمليك والعتق أولى بأن يمتنع عليه والصحيح أنه لا يملك بالتمليك
ثم إن العبد لا يصوم إلا بإذن السيد إلا إذا حلف وحنث بإذنه فإن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه لم يصم وإن حلف بغير إذنه وحنث بإذنه فوجهان وإنما يعتبر إذنه لأن حق السيد على الفور والصوم على التراخي بخلاف شهر رمضان وأما من نصفه حر ونصفه عبد فهو كالأحرار في الكفارة وكالعبيد في الجمعة والشهادة والولاية وصدقة فطره تتوزع على الرق والحرية
النظر الثاني في حكم الصوم
وفيه مسائل
إحداها أنه يجب عليه تبييت النية ولا يجب تعيين جهة الكفارة نعم ينوي صوم الكفارة وهل ينوي التتابع فيه وجهان فإن قلنا ينوي يكفيه ذلك في الليلة الأولى أو يجددها كل ليلة فيه وجهان وإذا مات لم يصمعنه وليه على الصحيح
الثانية يصوم شهرين بالأهلة فإن ابتدأ في أثناء شهر صام الشهر الثاني بالهلال وكمل الشهر الأول ثلاثين من الشهر الثالث خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
الثالثة لا بد من التتابع في كفارة الظهار والوقاع والقتل فلو أفسد اليوم الأخير أو نسي النية فيه وجب استئناف الكل وهل يفسد ما مضى أو ينقلب نفلا فيه وفي نظائره قولان
أما إذا وطىء المظاهر ليلا لم يفسد تتابعه ولكنه يعصي إذ التتابع قائم والتقديم على الوطء قد فات وقال أبو حنيفة رحمه الله يستأنف
الرابعة الحيض لا يقطع التتابع والمرض الذي يبيح مثله الإفطار فيه قولان مشهوران
أحدهما أنه لا يقطع التتابع لأنه لا يزيد وصف التتابع على وصف شهر رمضان
والثاني أنه يقطع لأن تدارك التتابع ها هنا ممكن بخلاف وصف رمضان
وفي السفر قولان مرتبان وأولى بأن يقطع لأنه منوط بالإختيار ولو قيل إنه لا يقطع على بعد فلا يبعد أن يجزىء فيما إذا نسي النية ولا قائل به لأنه مقصر بالنسيان ولذلك يلزمه الإمساك دون الحائض والمسافر إذا زال عذرهما
فرع
لو أرادت الحائض أن تفطر ثم بعد الطهر تستأنف شهرين ففيه إحباط لوصف الفرضية من الصوم السابق فهذا فيه احتمال والأظهر جوازه لأنه على التراخي وما مضى لا يفسد وكانت الفرضية موقوفة على الفراغ
الخصلة الثالثة الإطعام
ويعدل إليه العاجز عن الصوم بالهرم والمرض الذي يدوم شهرين وليس توقع الصحة بعده كتوقع رجوع المال الغائب بعد شهرين لأن من له مال غائب يسمى واجدا وهذا يسمى عاجزا في الحال وفي انتقال المسافر إلى الإطعام تردد
وأما الشبق المفرط فالظاهر أنه لا يرخص في العدول إلى الإطعام وهو القياس وفيه وجه يستند إلى حديث الأعرابي وقد ذكرنا إشكاله في الصوم
والنظر بعد هذا في قدر المخرج وجنسه والمخرج إليه والإخراج
أما جنس المخرج فهو كزكاة الفطر وأما قدره فستون مدا
وأما المخرج إليه فالمسكين الذي يجوز صرف الزكاة إليه ولا يجوز عندنا أن يصرف إلى مسكين واحد ستين مدا في ستين يوما خلافا لأبي حنيفةرحمه الله فلا بد من رعاية عدد المساكين لظاهر الآية وأما الإخراج فهو التمليك والتسليط التام فلا يكفي التغدية والتعشية بتقديم التمر إلى المساكين
كتاب اللعان
واللعان عبارة عن أيمان يذكر اللعن فيها من نسب زوجته إلى الزنا فيدرأ الحد والنسب عن نفسه بمجرد يمينه وذلك رخصة لمسيس الحاجة إلى صيانة الأنساب وعسر إقامة البينة على زنا المرأة
وردت أولا في عويمر بن مالك العجلاني قذف زوجته بشريك بن السحماءفقال صلى الله عليه وسلم
لتأتين بأربعة شهداء أو لأجلدن ظهرك فاغتم وقال أرجو أن ينزل الله قرآنا يبرىء ظهري فنزل قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم } الآية
ونظر الكتاب في قسمين القذف واللعان
القسم الأول في القذف
وفيه بابان
الباب الأول فيما يكون قذفا من كافة الخلق وفي موجبه
وفيه فصلان
الفصل الأول في ألفاظ القذف
وفيه ثلاثة أقسام صريح وكناية وتعريض
أما الصريح فهو كقوله يا زاني أو زنيت أو زنى فرجك وكذلك ذكر النيك وإيلاج الفرج مع الوصف بالتحريم فهذا لا يقبل فيها تأويل
أما الكناية فكقوله للنبطي يا عربي أو للعربي با نبطي فإن أراد الزنا فهو قذف وإلا فلا ثم إذا أنكر إراد الزنا توجهت اليمين عليه وإنما يتم القذف باعترافه بالنية إذ به يحصل الإيذاء التام ويجب الحد بينه وبين الله تعالى إذا نوى
وإن أنكر النية كاذبا فهل يلزمه إظهار النية فيه نظر من حيث إن فيه إيذاء فيبعد إيجابه وستر ذلك لكف الأذى أولى إلا أن يرهق إليه باليمين فلا يباح له اليمين الغموس فيلزمه الإعتراف وقد قال الأصحاب يجب عليه الإظهار بكل حال كما لو قال في خفية فيلزمه الإظهار وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا قذف بالكناية لأن الإيذاء لا يتم به
وأما التعريض فكقوله يا ابن الحلال وكقوله أما أنا فلست بزان فهذا ليس بقذف وإن نوى لأن اللفظ ليس يشعر به ولقد جاء رجل من فزارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن امرأتي ولدت غلاما أسود معرضا بزناها فلم يجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قاذفا ولكن قال
هل لك إبل فقال نعم قال
ما ألوانها قال حمر قال
فهل فيها أسود قال نعم قال
فلم ذلك قال لعل عرقا نزع فقال النبي صلى الله عليه وسلم
لعل عرقا نزع وقال مالك رحمه الله التعريض قذف والحديث حجة عليه
ويتم النظر في الألفاظ برسم مسائل
إحداها إذا قال لامرأة زنيت بك فهذا إقرار بالزنا وقذف للمرأة فعليه حدان وكان يحتمل أن لا يجعل قاذفا لاحتمال أن يفسر بأنها كانت مستكرهة ولم تكن مختارة ولكن جعل قاذفا اعتمادا على ما يقتضيه الظاهر
ولو قال لامرأته أنت زانية فقالت زنيت بك فراجعناها فإن أرادت الزنا قبل النكاح سقط حد القذف عن الزوج ووجب عليها حدان حد الزنا وحد القذف للزوج فإن رجعت سقط عنها حد الزنا ولا يسقط حد القذف إذ الرجوع لا يسقط حق الآدمي إنما يسقط حدود الله تعالى ولو قالت أردت نفي الزنا كما يقول القائل سرقت فيقول المخاطب سرقت سرقت معك فيقبل قولها مع اليمين ويكون لها طلب حد القذف من الزوج لأن ذلك معتاد في الجواب وقد اختلف أصحابنا فيما لو قال لي عليك دينار فقال زنه أنه هل يكون إقرارا
الثانية لو قال يا زانية فقالت أنت أزنى مني فهو قاذف وليست هي مقرة ولا قاذفة للزوج لأنها لم تنسب لنفسها زنا حتى يكون هو زانيا بكونه أزنى منها ولا نقول إن الترجيح يوجب المشاركة في الأصل فإن عادة المشاتمة لا تنزل على وضع اللسان نعم لو قال فلان زان وأنت أزنى منه فهو قذف للشخصين جميعا ولو قال أنت أزنى من فلان فليس بقذف
وكذا لو قال أنت أزنى من الناس أو أزنى الناس ولو قال في الناس زناة وأنت أزنى منهم كان قذفا ولا نقول إنه يعلم أن في الناس زناة وإن لم يذكر بل ينظر إلى لفظه ولو قال أنت أزنى من فلان وكان قد ثبت زنا فلان بالبينة وكان القائل جاهلا لم يكن قذفا وإن كان عالما كان قذفا
ولو قالت أردت أنك زان ولست أنا زانية فهي قاذفة فلكل واحد على صاحبه حد ولا يتقاصان لأن المقاصة في العقوبات مع تفاوت موقعها في النفوس لا وجه له وقال أبو حنيفة رحمه الله يتقاصان
الثالثة إذا قال للرجل يا زانية أو للمرأة يا زاني فهو قاذف عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله في الصورة الأولى والسبب فيه أن الإشارة تقدم على النحو والتذكير والتأنيث ولا خلاف أنه لو قال للرجل زنيت وللمرأة زنيت أنه قاذف ولو قال زنأت فيالجبل وقال أردت الترقي فيه فليس بقاذف ولو قال زنيت في الجبل وقال أردت الترقي فهل يقبل وجهان ووجه القبول أن حذف الهمزة قد يغلب على اللسان وقرينة ذكر الجبل تشهد له ونص الشافعي رضي الله عنه أنه لو قال يا زانية في الجبل أنه قذف وقيل يفرق بين البصير في العربية والجاهل فلا يقبل حذف الهمزة من البصير
الرابعة إذا قال زنى فرجك فهو قذف ولو قال زنى عينك أو يدك أو رجلك ففيه وجهان وظاهر ما نقله المزني رحمه الله أنه قذف وهو فاسد إذ قال صلى الله عليه وسلم
العينان تزنيان واليد تزنيان
ومن جعله قاذقا قال ذكر صريح الزنا وأضافه إلى البعض ومن ضرورة الإضافة إلى البعض الإضافة إلى الكل ولو خرج ذلك عن كونه صريحا لكان قوله يا زاني غير صريح إذ له أن يفسر فيقول أردت بالزاني العين
الخامسة إذا قال لولده لست مني أو لست ولدي ثم قال أردت أنك لست تشبهني خلقا وخلقا لم يكن قاذفا نص عليه ونص أن الأجنبي إذا قال لست ولد فلان أن ذلك لا يقبل منه ويكون قاذفا فمنهم من قال قولان بالنقل والتخريج وإليه ميل المزني رحمه الله
أحدهما أنه يقبل منه لعرو اللفظ عن ذكر الزنا واحتمال ما قاله
والثاني أن ذلك لا يفهم منه في العادة
ومنهم من فرق بأن الأب يحتمل منه ذلك في معرض التأديب دون الأجنبي والأقيس أنه كناية في الموضعين جميعا إذ ربما ينسبه إلى الوطء بالشبهة أو ينكر ولادته على فراشه ثم إذا فسر بشيء من ذلك فلا يخفى كيفية فصل الخصومة في نفي الولد ولحوقه
السادسة إذا قال للولد المنفي باللعان لست من الملاعن فإن أراد به النفي الشرعيفليس بقاذف وإن كان أراد تصديق الملاعن في نسبة الولد إلى الزنا فهو قاذف
ولو قال لقرشي لست من قريش فإن قال أردت أن واحدة من أمهاته في الجاهلية زنت فليس بقاذف لأنها غير معينة ومن قال واحد من أهل البلد زنى أو الناس زناة فلا يكون قاذفا ما لم يعين
الفصل الثاني في موجب القذف
والقذف يوجب التعزير إلا إذا صادف محصنا فيوجب الحد ثمانين جلدة
وخصال الإحصان التكليف والإسلام والحرية والعفة عن الزنا الموجب للحد فإن من ثبت منه الزنا فكيف يصان عرضه مع أن القاذف صادق نعم يعزر وأما الوطء الحرام الذي لا يوجب الحد لقيام ملك أو شبهة ملك فهل يبطل الإحصان فيه خلاف وله درجات فإذا وطىء مملكوته المحرمة برضاع أو نسب ففيه وجهان وفي الجارية المشتركة أو جارية الإبن وجهان مرتبان وأولى بأن لا يبطل الإحصان وفي مذهب الشافعي رضي الله عنه إذا وطىء في النكاح بلا ولي وجهان مرتبان وأولى بأن لا يبطل وفي الوطء بالشبهة وظن الزوجية وجهان مرتبان وأولى بأن لا يبطل ووجه إبطاله أن ذلك يدل على قلة التحفظ ولو كان قد جرى صورة الفاحشة في الصبي فوجهان مرتبان على الوطء بالشبهة وأولى بأن لا يبطل
أما الوطء في الحيض والصوم والإحرام فلا يبطل وفيه وجه بعيد أنه يبطل أما مقدمات الوقاع من اللمس والقبلة فلا تسقط الإحصان
فروع
الأول لو زنى المقذوف بعد القذف وقبل الحد نص أن الحد يسقط ونص فيالردة أنه لا يسقط وعلل ذلك بأن الزنا لا يقع هجوما بل يتقدمه في الغالب مراودات تقدح في المروءة وهذا ضعيف لأن المراودات السابقة لا تبطل الإحصان ولا يمكن أن يقال الزنا لا يقع هجوما فإنه لا بد وأن يكون له أول والردة أيضا لا تخلو عن تقدم ترددات بل السبب أن من ثبت زناه في الحال يبعد أن يجلد ظهر غيره لصيانة عرضه وهو قد هتك عرضه بخلاف المرتد إذا عاد فإن العرض قائم وقد كان الإسلام موجودا عند القذف وقال المزني رحمه الله لا يسقط بطرآن الزنا كما لا يسقط بطرآن الردة وقيل هو قول قديم للشافعي رضي الله عنه
الثاني من زنى مرة في عمره ثم عاد وحسنت حاله قال القاضي لا حد على قاذفه لبطلان إحصانه فإن اسم الزاني لا يسقط عنه وهذا بعيد فيما إذا صرح بقذفه بزنا جديد ولكن كأن العرض إذا انخرم بالزنا فلا يزايله الخلل بالعفة بعده
الثالث لو أقام القاذف بينة على زنا المقذوف سقط عنه الحد ويكفيه لذلك شاهدان ولو عجز فطلب يمين المقذوف على أنه ما زنى ففيه قولان
أحدهما لا يجب لأن ظاهره الإحصان ولا عهد باليمين على نفي الكبائر
والثاني نعم لأنه لو أقر به لسقط عنه الحد فليحلف أو لينكل حتى يحلف القاذف
الرابع لو مات المقذوف قبل استيفاء حد القذف ثبت الحد والتعزير لوارثه لأن الغالب عندنا في حد القذف حق الآدميين وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يورث
واعترف بأنه لو قذف ميتا فلوارثه طلب الحد ابتداء
ولو قذف مورثه فمات المورث سقط الحد لأنه صار شريكا في استحقاق الحد على نفسه ثم فيمن يرث ثلاثة أوجه
أحدها أنه يوزع على فرائض الله تعالى
والثاني أنه يختص بالنسب إذ لا مدخل للزوج في حماية العرض ودفع العار
والثالث أنه يختص بالعصبات من النسب الذين لهم ولاية التزويج لدفع العار وعلى هذا لا يستحق الإبن ومنهم من قال يستحق لأنه أقوى العصبات في الميراث
ولو عفا أحد الورثة سقط الكل على وجه لأنه لا يتجزأ ولم يسقط على وجه لأنه يستحيل أن يبطل حق الباقين من غير بدل بخلاف القصاص الذي له بدل والثالث أنه يوزعفيسقط نصيبه
الخامس إذا قذف المجنون بزنا قبل الجنون فالحد يجب ونصبر إلى إفاقته وليس للولي الإستيفاء لأنه متعلق بتشفي الغيظ فلو مات ثبت لوارثه
ولو قذف مملوك فحق طلب التعزير له لا لسيده لأنه من خواص حقوقه بل لو قذفه سيده استحق العبد تعزيره على المذهب الظاهر ومنهم من قال يقال له لا تعد فإن عاد يعزر كما يعزر لو زاد في استخدامه على الحد الواجب
ولو مات العبد بعد استحقاق التعزير على أجنبي فهو يستوفيه السيد فيه وجهان ووجهه أنه أولى الناس به إلا أنه لا قرابة
الباب الثاني في قذف الأزواج خاصة
وفيه فصول
الفصل الأول فيما يبيح القذف واللعان أو يوجبه
واعلم أن قذف الزوج في إيجاب الحد والتعزير كقذف الأجانب ولكن يفارق الأجانب في ثلاثة أمور
أحدها في أنه قد يباح له القذف ويجب عليه لضرورة نفي النسب
والثاني أن العقوبة التي تتوجه عليه من حد وتعزير تندفع باللعان
والثالث أن المرأة تتعرض لحد الزنا بلعانه إلا إذا دفعت عن نفسها باللعان لقوله تعالى { ويدرأ عنها العذاب أن تشهد } الآية
وإنما يباح له القذف إذا استيقن أنها زنت أو غلبت على ظنه ذلك ولكن إذا لم يكن ولد فالأولى أن يطلقها ولا يقذف ولا يلاعن ولكن لو فعل لم يأثم وهذا فيه غموض ولكن كأن القذف واللعان كالإنتقام منها حيث لطخت فراشه
ثم تحصل الغلبة على الظن بقول عدل حكى مشاهدته الزنا وتحصل مهمااستفاض بين الناس أن فلانا يزني بها إذا رأى مع ذلك مخيلة بأن رآها معه في خلوة فإن تجرد أحد المعنيين لم يحل له ذلك لأن الخلوة مرة لا تدل على الزنا نعم لو رآها معه تحت شعار على نعت مكروه حل له القذف وإن كان لا تحل الشهادة بهذا القدر وإن رآها في الخلوة مرارا متكررة فهذا قريب من المرة الواحدة إذا انضمت إليه الشيوع فإن مستند أهل الإستفاضة هو مشاهدة ذلك مرارا
أما نفي الولد باللعان فإنما يجوز بينه وبين الله تعالى إذا تيقن أن الولد ليس منه بأن لم يكن وطئها أو كان يعزل قطعا أو أتت بولد قبل ستة أشهر من وقت الوطء وقال مالك رحمه الله لا مبالاة بالعزل وليس له اللعان إذا اعترف بالوطء وأمكن إحالة الولد عليه
أما إذا استبرأها بحيضة بعد الوطء ثم أتت بولد فهذا هل يبيح النفي فيه ثلاثة أوجه
أحدها نعم لأن ذلك أمارة شرعية على النفي ولذلك يندفع النسب عن التابع
والثاني أنه إن ظهر مع ذلك أمارة الزنا جاز وإلا فلا يجوز لأن الحيض ليس بقاطع والحامل قد تحيض
والثالث أنه يجوز ولكن حيث يجوز النفي يجب لأن السكوت عن إلحاق الباطل حرام إذ النسب يتعلق بأحكام كثيرة ولكن هاهنا وإن جاز فلا يجبوقال الإمام لا يبعد أن لا يوجب اللعان لأنه إفضاح وقدح في المروءة فنقول إنما يحرم الإستلحاق كاذبا أما إذا ألحق الفراش به وهو ساكت فلا يبعد أن لا يحرم السكوت وهذا غير منقدح في صورة اليقين لأن أمر النسب عظيم فلا يقضي عليه بالرسوم والمروءات
ولا خلاف في أنه لا يحل النفي بمجرد مشابهة الولد لغيره في الخلق والخلق ولمخالفته للولد في الحسن والقبح نعم لو كان الأب في غاية البياض والولد في غاية السواد أو العكس ذكر العراقيون وجهين وهذا ينقدح إن كان مع ذلك تظهر مخيلة الزنا فأما مجرد ذلك فلا فلعل عرقا قد نزع وأبو حنيفة رحمه الله حيث يلحق ولد المشرقي بالمغربي فلا شك في أنه يبيح القذف ويحرمه عند إمكان العلوق بالوطء ونحن لا نلحق النسب إلا بعد ستة أشهر من وقت إمكان الوطء
فرع إذا أتت بولد لمدة الإمكان ولكن الزوج رآها تزني واحتمل أن يكون من الزنا فلو قذف ولاعن انتفى في الظاهر بدليل قصة العجلاني ولكن لا يباح له ذلك مع تعارض الإحتمال ثم قال الأصحاب ليس له القذف واللعان إن ترك نفي النسب وقد صرحوا بجوازالقذف إذا لم يكن ولد لمجرد الإنتقام من الزنا فهذا محتمل وغاية تعليله أنه إذا كان ثم ولد لم يجز نفيه فنسبتها إلى الزنا بغير الولد وتطلق الألسنة في نسبه فلا يقاوم هذا الغرض غرض التشفي فليقتصر على طلاقها إن أراد نظرا لولده والذي لحقه
الفصل الثاني في أركان اللعان ومجاريه
وللعان سبب وهو القذف وثمرة وأهل أعني الملاعن فهذه ثلاثة أركان سوى ألفاظه
الركن الأول الثمرة وثمرته أربعة نفي النسب أو قطع النكاح أو دفع عقوبة القذف أو دفع عار الكذب في القذف
أما نفي النسب في النكاح إن تجرد جاز اللعان لأجله وإن لم تكن عقوبة بعفوها مثلا وكذلك إن لم يكن قطع نكاح بأن كان قد أبانها ولو تجرد غرض الدفع للعقوبة ولم يكن ولد ولا قطع نكاح جاز اللعان كما لو قذفها وأبانها ولم يكن ولد ولا فرق بين أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا بأن تكون الزوجة أمة أو ذمية أو غير محصنة على الجملة وفيه وجه بعيد أن اللعان لدفع التعزير غير جائز وهو ضعيف فإن عقوبة محذورة وقد تنتهي إلى قريب من الحد وهذا إذا كان التعزير لتكذيبه فيكون له غرض في تصديق نفسه وفي دفع العقوبة فيجتمع الغرضان
فإن كان تعزير تأديب لا تعزير تكذيب مثل أن ينسبها إلى زنا قد قامت البينة عليه من قبل أو اعترفت به فيؤدب لإيذائه بتجديد ذكر الفاحشة عليها وقد نقل المزني رحمه الله ها هنا أنها إن طلبت ذلك غزر ولم يلتعن
ونقل الربيع رحمه الله عزر إن لم يلتعن فمنهم من قطع بأنه يلاعن وغلط المزني رحمه الله ومنهم من قطع بأنه لا يلاعن وغلط الربيع ومنهم من قال قولان والأصح أنه لا يلتعن لأن اللعان حجة تصديق فكيف يقام على ما ثبت صدقه وإنما اندفاع العقوبة تابع لظهور صدقه باللعان وهذا معترف به فلا يزيده اللعان وضوحا
فرعان
أحدهما أن طلب العقوبة إليها لا إلى السلطان فإن عفت فهل يلاعن إذا لم يكن غرض آخر من نسب يدفع فيه وجهان
أحدهما نعم لأن دفع عار الكذب مقصود أيضا وإفضاحها أيضا للإنتقام منها مقصود باللعان المؤبد للحرمة فله إقامة الحجة وإنما يندفع هذا باعترافها لا بعفوها
والثاني أنه لا يلاعن لأن هذا غرض ضعيف واللعان حجة ضرورة فلا بد من غرض مهم كدفع النسب أو العقوبة أما قطع النكاح فممكن بالطلاق
أما إذا سكتت عن الطلب فوجهان مرتبان وأولى بجواز اللعان لأن غرضه الطلب وهذا الخلاف يرجع إلى أن طلب العقوبة هل هو شرط اللعان إذا لم يكن ثمة غرض من دفع نسب وقطع نكاح وإن كانت مجنونة فوجهان مرتبان على العفو وأولى بالجواز
الثاني لو قال زنى بك ممسوح أو قال للرتقاء زينب فهو كلام محال وليس فيه إلا التعزير للإيداء ولا سبيل إلى اللعان إذ كيف يمكن من أن يحلف على ما يعلم أنه كاذب فيه وذكر العراقيون فيه وجهين كما في تعزير التأديب وهو بعيد
الركن الثاني الملاعن وشرطه أهلية اليمين مع الزوجية
أما أهلية اليمين فنعني به أنه لا يشترط أهلية الشهادة فيصح لعان العبد والذمي والمحدود في القذف خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
ثم الذمي لا يجبر على اللعان إلا إذا رضي بحكمنا فإن طلبت المرأة اللعان وامتنع الزوج فهل يجبر فيه قولان يجريان في كل خصومة تجري بين أهل الذمة إن رضي بحكمنا أحد الخصمين أما إذا لاعن وامتنعت ولم ترض بحكمنا لم نجبرها على اللعان ولا على الحد فإن الحد حق الله تعالى لا حق الزوج فلا غرض للزوج في لعانها وهكذالو قذف المسلم زوجته الذمية فامتنعت فلا نجبرها وإنما عليها حد الزنا وهو حق الله تعالى لا حق الزروج نعم المسلمة إذا امتنعت من اللعان ولم يطلب الزوج لعانها عرضناها لحد الزنا حتى تلاعن إن شاءت الدفع ومن أصحابنا من أجرى القولين في إجبار المرأة الذمية وهو بعيد
الشرط الثاني الزوجية فلو قذف الأجنبي فلا يلاعن والنظر في نكاح ضعيف بالطلاق أو الردة وفي النكاح الفاسد
أما الرجعية فيلاعن عنها ولا يتوقف على الرجعة بخلاف الإيلاء والظهار لأن مقصود اللعان نفي النسب والتحريم المؤبد ودفع الحد وكل ذلك لا ينافيه حال الرجعة
أما إذا ارتد بعد المسيس فقذف أو كان قذفه بزنا قبل الردة فإن لاعن في الردة ثم عاد إلى الإسلام صح لعانه كما صح لعان الذمي فإن أصر تبين فساد لعانه وعند ذلك هل يقضي بوجوب الحد مع جريان لعان فاسد فيه وجهان سنذكر مأخذهما
أما إذا نكح نكاحا فاسدا أو وطىء بالشبهة ثم قذف فإن كان ثم نسب تعرض للحوق وأراد نفيه فيلاعن ويندفع الحد لأن اللعان عندنا يستقل بمقصود نفي النسب خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
وإن لم يكن ثم نسب فهو كالأجنبي لا يلاعن وعليه الحد
فإن ظن صحة النكاح فلاعن عند القاضي ثم بان فساده فهل تندفع العقوبة فيه وجهان كما في المرتد المصر
أحدهما لا لأن اللعان فاسد
والثاني نعم لأن الحد يندفع بالشبهة وهذه حجة قامت على ظن الصحة في مجلس القاضي
ثم مهما جرى اللعان في النكاح الفاسد ففي تعلق الحرمة المؤبدة به خلاف مأخذه أنه لم يفد تحريما فكأن التأبيد تابع للحرمة وقد كانت هي محرمة وكذلك في لعانهاخلاف يرجع حاصله إلى أنها هل تتعرض للحد بسبب لعانه فمنهم من قال نعم لقيام حجة صحيحة على زناها ومنهم من قال لا لأن إيجاب الحد عليها بعيد عن القياس فيختص بمقصود الإنتقام من تلطيخ الفراش فلا يجري إلا في نكاح صحيح
أما إذا قذف في نكاح صحيح ثم أبانها فله أن يلاعن لدرء النسب إن كان أو لدفع العقوبة لأنه جرى القذف حيث كان معذورا فكان يجوز له اللعان فلا يتغير بما يطرأ بعد ذلك
أما إذا قذفها في النكاح بزنا قبل النكاح فإن لم يكن نسب ينفيه باللعان لم يلاعن وإن كان فوجهان ووجه المنع أنه قصر إذ ذكر التاريخ فكان ينبغي أن يقتصر على القذف واللعان
أما إذا قذف بعد البينونة فإن كان ثم ولد فله اللعان وإلا فلا لأنه قذف أجنبية وفيه وجه أنه إن أضاف الزنا إلى حالة النكاح لاعن وهذا لا وجه له
فروع
الأول إذا قذفها فلاعن ثم أبانها ثم قذفها فلا لعان لأنه قذف بعد البينونة وأما الحد فينظر فإن قذفها بذلك الزنا الذي لاعن عنه فلا حد ولكن يلزمه التعزير للإيذاء ولو قذفها بزنية أخرى فقولانأحدهما وجوب الحد كما إذا لم يتقدم لعان
والثاني لا لأنه سقطت حصانتها في حقه بحجة اللعان
ومن أصحابنا من قطع بالوجوب وقال اللعان حجة ضرورة وهو حجة قاصرة كيف وقد عارضه لعانها فتساقطا فلا وجه لإسقاط الحصانة نعم إذا حدت ولم تلاعن ففيه وجهان مشهوران
أما إذا قذفها بزنا منسوب إلى ما قبل اللعان سوى الزنا الذي لاعن عنه فقد صادف حالة الحصانة فالظاهر أنه يحد وفيه وجه أن انخرام الحصانة ينعطف حكمه على ما سبق فلا يحد في الحال وهي غير محصنة في حقه
أما إذا كان القذف من أجنبي فهو أولى بالتزام الحد لأن تسرية حكم اللعان إلى غير الزوجين أبعد
الثاني إذا قذف أجنبية ثم نكحها ثم قذفها ففي تعدد الحد مع اتحاد المقذوف قولان فإن قلنا يتعدد فإن لم يلاعن استوفى الحدان وإن لاعن استوفى أحدهما وإن قلنا الحد متحد فيستوفى حد واحد وإن لاعن فإن الحد الأول لا يؤثر فيه اللعان وإنما يندرج تحت الحد الثاني إذا استوفى
الثالث المذهب الصحيح أن النسب في ملك اليمين لا ينفى باللعان لأن اللعان ورد في النكاح فلو اشترى زوجته الرقيقة فأتت بولد لزمان لا يحتمل أن يكون من ملك اليمين فله النفي باللعان كما بعد البينونة بالطلاق وإن احتمل أن يكون من النكاح وملك اليمين جميعا لم يلاعن لأن الفراش الأخير يقطع الفراش الأول وينسخه ولذلك إذا نكحت زوجا آخر وأتت بولد لزمان يحتمل العلوق من الأول والثاني ألحق بالثاني قطعا حتى فرع ابنالحداد على هذا وقال لو ادعى المشتري الإستبراء بعد الوطء لم يلحقه الولد بملك اليمين للإستبراء ولا بملك النكاح لانقطاع ذلك الفراش بفراش ملك يمين وطابقه عليه جماهير الأصحاب وفيه وجه أنه يلحقه وأن ملك اليمين لا يقطع حكم فراش النكاح من كل وجه
الركن الثالث القذف المسلط على اللعان نسبتها إلى الوطء الحرام كالزنا ولو نسبها إلى زنا هي مستكرهة فيه والواطىء زان فوجهان
أحدهما أنه يجري اللعان لنفي النسب
والثاني لا لأن القذف مخصوص في كتاب الله تعالى بالرمي الذي يحتاج فيه إلى الشهادة وهو الزنا لأن اللعان انتقام منها وإفضاح والمستكرهة لا تستحق ذلك
ولو نسبها إلى وطء شبهة تشتمل الشهبة الجانبين فوجهان مرتبان وأولى بان لا يجري وقطع العراقيون بأنه لا يجري لأن الولد يمكن أن يلتحق بالواطىء بالشبهة فيدور بينهما ويعرض على القائف فلعله يلحقه به وإنما اللعان لنفي ولد لا يكون له نسب وهذا إنما يتجه إذا اعترف الواطىء بالشبهة بالوطء فإن لم يعترف فلا بد من تجويز اللعان لأجل النسب
أما إذا قال ليس الولد مني ولم يضف إلى جهة ففيه تردد لأنه دائر بين المستكرهة وبين الشبهة وبين الزنا
ولا يشترط في القذف أن يقول رأيتها تزني ولا أن يدعي الاستبراء خلافا لمالك رحمة الله عليه
الفصل الثالث في فروع متفرقة
وهي خمسة
الأول إذا قذفها بأجنبي تعرض لحد الأجنبي فإن لاعن سقط عنه الحد عند الشافعي رضي الله عنه لأنه أقام حجة على عين تلك الزنية فصدق من وجه والحد يسقط بالشبهة وقال أبو حنيفة رحمه الله أثر اللعان مقصور على الزوجين فلا يتعدى إلى الأجنبي
وهذا إذا ذكره في اللعان فإن لم يذكره في اللعان فقولان
أحدهما السقوط للشبهة ولقصة العجلاني فإنه لم يذكر شريك بن السحماء في اللعان وذكره في القذف
والثاني يجب وهو القياس لأنه لم يقم عليه حجة
وأما ابن السحماء فلعله لم يطلب ونشأ من هذا نظر وهو أنه عليه السلام لم ينبه ابن السحماء على ثبوت حد القذف له فذكر صاحب التقريب وجهين في أن من قذف عند القاضي فهل على القاضي أن ينبه المقذوف
أحدهما لا لقصة شريك بن السحماء
والثاني نعم لقصة العسيف إذ قال صلى الله عليه وسلم
واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها إذ لم يكن الغرض إقرارها للرجم بل إنكارها ليثبت حد القذف
الثاني إذا قذف نسوة بكلمة واحدة ففي تعدد الحد قولان فإن قذف امرأته وأجنبية بكلمة واحدة فقولان مرتبان وأولى بالتعدد لانقسام حكمهما في اللعان ولو قال لزوجته يا زانية بنت الزانية فقد قذفها وأمها بكلمتين فعليه حدان وهل يقدم حد المقذوف أولا فيه وجهان
أحدهما نعم كما لو قتل شخصين
والثاني لا كما لو أتلف مال شخصين
فإن قلنا يقدم ففي مسألتنا المقدم البنت فيقدم الحد أو اللعان وقيل إن الأم ها هنا تقدم لأن حق البنت يعرض للسقوط باللعان دون الأم ثم مهما حددناه بواحدأمهلناه حتى يبرأ جلده ولا نوالي بين الحدود ولو قذف أربع نسوة بكلمة واحدة وقلنا يتحد الحد ففي تعدد اللعان وجهان ينظر في أحدهما إلى اتحاد الصيغة والملاعن وفي الثاني إلى تعدد النسوة مع أن هذه حجة تبعد عن التداخل
فإن قلنا يتحد اللعان فذلك ينفع إذا توافقن في الطلب أو قلنا لا يشترط طلبهن اللعان فإن طلبت واحدة وقلنا يشترط طلبها فلا بد من اللعان عنه ثم يستأنف لعانا للباقيات وحيث قلنا يتعدد فلو رضين بلعان واحد فلا أثر لرضاهن وكذلك لو رضي جماعة من المدعين بيمين واحدة لم يؤثر ذلك في تغيير وصف الحجج
أما إذا قذف امرأة واحدة مرتين بزنيتين ففي تعدد الحد واللعان أيضا خلاف لاتحاد المقذوف وتعدد الصيغة
الثالث إذا ادعت عليه القذف فأنكر فأقامت البينة فأراد اللعان فإن كان قد أنكر بالسكوت أو قال أردت بالإنكار أنه لم يكن قذفا بل كان حقا فله اللعان وإن لم يؤول إنكاره فوجهان
أحدهما لا لأنه أنكر القذف ولا لعان إلا بقذف لينشيء قذفا إن أراد ويستفيد به درء حد القذف الذي ثبت بالبينة أيضا
والثاني أنه يلاعن وإنكاره يحمل على المعتاد في الخصومات كما لو ادعى عليه ملك فقال اشتريته من زيد وكان يملكه فانتزع من يده بالبينة فرجع على زيد بالثمن ولا يؤخذ بإقراره له بالملك
أما إذا قال ما قذفتك وما زنيت فلا يلاعن إلا إذا أنشأ قذفا بالزنا يحتمل أن يكون قدطرأ بعد شهادته لها بالبراءة فإن لم يحتمل فلا يلاعن وأطلق القاضي القول بجواز اللعان
الرابع إذا امتنع الزوج عن اللعان او الزوجة فعرضناهما للحد فرجعا إلى اللعان مكناهما من ذلك وليس هذا كاليمين لا يجوز الرجوع إليها بعد النكول بل يلحق اللعان بالبينة في هذا المعنى ولو قال بعد أن حد ألاعن قال الأصحاب لم يمكن لأنه لا فائدة قال القفال إن كان ثم ولد يمكن منه وإلا فلا
الخامس إذا قال زنيت وأنت مجنونة او أمة أو مشركة وعهد لها تلك الحال فلا يجب إلا التعزير وكان كما لو أضاف إلى الصغر وإن لم يعهد ولم يقم الزوج عليه بينة سقطت الإضافة وعليه الحد وفيه وجه أنه لا حد لأنه إذا انتفى تلك الحال انتفى المضاف إليه
ولو قال زنيت مستكرهة ففي وجوب التعزير خلاف لأن ذلك يعيرها وإن لم يسنبها إلى معصية ثم الصحيح أنه يلاعن لدفع التعزير كما يلاعن لدفع الحد
الركن الرابع في صيغة اللعان
والنظر في أصله وتغليظاته وسننه
النظر الأول في أصل كلماته وهو أن يقول الزوج أربع مرات أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وإن الولد من الزنا وليس مني إن كان ثم ولد ويقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به وتقابله المرأة فتشهد أربع مرات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا وتقول في الخامسة غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به ويجب على الزوج إعادة نفي الولد في كل شهادة فإن تركها مرة لم تحسب
ولا يجب على المرأة إعادة أمر الولد إذ لا يتعلق إثباته بلعانها ولا تقوم عندنا معظم الكلمات مقام الكل خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
والصحيح أنه يتعين لفظ الشهادة فلا يجوز إبدالها بالحلف وأنه يتعين لفظ اللعن والغضب من الجانبين ويجب رعاية الترتيب بتأخير اللعن والغضب وتجب الموالاة بينالكلمات وكل ذلك ميل إلى التعبد لخروج الأمر عن القياس وفيه وجه أنه يجوز إبدال الشهادة بالقسم وإبدال اللعن بالغضب وكذا عكسه وأن الترتيب والموالاة لا تشترط وكل ذلك تشوف إلى اتباع المعنى
فروع ثلاثة
الأول يصح عند الشافعي رضي الله عنه لعان الأخرس وقذفه خلافا لأبي حنيفة رحمه الله مع أن الأصح أنه لا تقبل شهادته ولكن يغلب مشابه اليمين في اللعان ولكن لا يمكن فهم اللعن والغضب منه وهو تعبد لفظي فالطريق أن يكلف الكتبة مع الإشارة إن قدر أو يقول له ناطق لعنة الله عليك إن كان كذا فيقول نعم
أما إذا اعتقل لسانه بعد القذف وقال أهل الصناعة إنه سينطلق لسانه على قرب أمهلناه كذلك قال الشافعي رضي الله عنه ومن الأصحاب من قال لا مزيد في مهلته على ثلاثة أيام إذ تأخير حد القذف إضرار بالمقذوف
ومهما لاعن بالإشارة ثم انطلق لسانه فقال لم أرد قذفا ولا لعانا لم يقبل
الثاني الأعجمي العاجز عن العربية يلقن معنى اللعن والغضب بلسانه كما في كلمة التكبير والنكاح
ثم القاضي ينصب ترجمانا ولا بد من العدد لأنه في حكم شهادة وهل يكتفي باثنين أم لا بد من أربع لما فيه من إثبات زناها فيه خلاف
الثالث لو مات الزوج في أثناء كلمات اللعان لم ينقطع النكاح ولحق النسب ولم تقم الورثة مقامه في اللعان أصلا
وإن ماتت المرأة في خلال لعانه استكمل الزوج إن كان ثم ولد فإن لم يكن فلا حاجة إلى لعانه إن قلنا إن الزوج يرث حد القذف ويتضمن سقوط بعضه سقوط الكل
النظر الثاني في التغليطات
وهي بالزمان والمكان والجمع
أما الزمان فبأن يؤخر إلى بعد العصر فإنه وقت شريف وإن لم يكن طلب حثيث فإلى العصر من يوم الجمعة
أما المكان فبأن يلاعن في أشرف المواضع فإن لاعن وهو بمكة فبين الركن والمقام وبالمدينة فبين المنبر والقبر وبالقدس عند الصخرة وفي سائر البلاد في مقصورة الجامع ويلاعن الذمي في أفضل موضع عندهم من بيعة وكنيسة سوى بيوت الأصنام فلا يأتيها أصلا وفي بيوت النيران للمجوس خلاف والظاهر أن الزنديق يغلظ عليه بهذه الجهات ليناله شؤمه وإن لم يعتقده والحائض تلاعن على باب المسجد واعترض المزني رحمه الله وقال جوز للمشركة اللعان في المسجد وربما تكون حائضا
واختلفوا في المشرك الجنب فمنهم من قال لا يؤاخذون بتفصيل شرعنا في الأحكام وإن كانوا يؤاخذون عند الله تعالى
أما الجمع فلا بد من حضور جماعة لقوله تعالى { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } ولا ينبغي أن ينقصوا عن عدد شهادة الزناوالتغليظ بالمكان مستحب أو مستحق فيه قولان وفي التغليظ بالزمان والجمع طريقان منهم من قطع بالإستحباب ومنهم من قال قولان
أما جريان ذلك في مجلس الحكم فشرط قطعا فلو تلاعنا في البيت لم يصح إلا عند المحكم على قول جواز التحكيم في العقوبات
النظر الثالث في السنن
وهي ثلاثة
الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وزوجته على المنبر فقيل كان العجلاني على المنبر ولعله الأليق للشهرة
وقيل كان الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر فعلى هذا يسن للقاضي صعود المنبر
الثاني أن يهدد كل واحد من الزوجين ويخوفهما بالله فلعلهما يتصادقان فيقول للرجل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه وفضحه على رءوس الأولين والآخرين ويروي للمرأة قوله عليه السلام
أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته وحديثالمعراج أنه صلى الله عليه وسلم مر بنسوة معلقات بثديهن فقال لجبريل عليه السلام من هؤلاء فقال جبريل عليه السلام هن اللاتي ألحقن بأزواجهن من ليس منهم يأكل حرائبهم وينظر إلى عوراتهم
الثالث أن يأتي الرجل عند الخامسة رجل من ورائه فيضع يده على فيه ويقول صاحب المجلس للملاعن اتق الله فإنها موجبة والمرأة تأتيها امرأة من ورائها ويقال لها كذلك والله أعلم
الباب الثالث في جوامع أحكام اللعان وحكم الولد خاصة
أما أحكام اللعان فخمسة وقوع التفرقة وتأبد الحرمة وسقوط حد القذف وانتفاء النسب ووجوب حد الزنا عليها وجملة ذلك تتعلق بلعان الزوج ولا يتعلق بلعانها إلا سقوط الحد عنها وقال أبو حنيفة رحمه الله الفرقة تتعلق بلعانهما وقضاء القاضي وقال مالك رحمه الله تتعلق بلعانهما
ولا يجب الحد عليها بلعانه عند أبي حنيفة رحمه الله ولا تتأبد الحرمة عنده بل يحل له نكاحها مهما كذب نفسه أو خرج عن أهلية الشهادة بأن يخرس أو يحد فيالقذف نعم اختلف أصحابنا في أن هذه الحرمة هل تشتمل ملك اليمين وهل تتعلق باللعان في النكاح الفاسد وبعد البينونة
أما حكم الولد وانتفائه ولحوقه ففيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيمن يلحقه النسب
وهو كل من يمكن أن يولد له والنظر في الصبي والمجبوب والخصي
أما الصبي فإمكان العلوق منه بعد كمال السنة العاشرة فيلحقه ولد أتت به زوجته لستة أشهر بعد السنة العاشرة وقيل يمكن العلوق في أثناء العاشرة ويلحقه الولد بعد العاشرة
ومهما أتت به قبل الإمكان لم يفتقر إلى اللعان إذ لا يلحقه ومهما لحقه فقال ألاعن وأنا بالغ يمكن منه فلو قال أنا صبي وألاعن لم يمكن ولو قال كذبت وأنا بالغ فألاعن قبل منه لأن الصبي لا يعرف بلوغه إلا بقوله
أما المجبوب الذكر الباقي الأنثيين فالولد يلحقه لبقاء أوعية المني فيحمل انزلاق المني ويحتمل استدخال مائه
أما المنزوع الأنثيين الباقي ذكره فقطع المحققون بلحوق الولد لبقاء اللآلة وقال الفوراني يرجع فيه إلى الأطباء
وأما الممسوح ذكره وأنثياه ففيه وجهان أظهرهما أنه لا يلحقه الولد إذ التجربة تدل على استحالة الإعلاق منه
وحيث قضينا بأنه لا إمكان فلا حاجة إلى اللعان
الفصل الثاني في أحوال الولد
وله ثلاثة أحوال
الحالة الأولى أن يكون حملا وهل يجوز نفيه باللعان قبل الإنفصال فيه قولان
أحدهما لا لأن الحمل لا يتيقن فلعله ريح ينفش
والثاني نعم لأنه يظن ظنا غالبا وفي التأخير خطر موت الزوج ولحوق النسب وهذا بعد البينونة أما في صلب النكاح فالصحيح أنه يلاعن لأن العجلاني لاعن عن الحمل ولأن اللعان دون الولد لمجرد قطع النكاح جائز وقيل بطرد القولين ولا وجه له وقد بنى الأصحاب القولين على أن الحمل هل يعرف بقينا وهو ضعيف بل الصحيح أنه لا يعرف يقينا ولكن الأحكام منها ما يثبت بالنظر ومنها ما لا يثبت ومنها ما يتردد فيه فلأجل ذلك اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في بعض المسائل لا لتردده في أن الحمل لا يتيقن
الحالة الثانية أن يكونا توأمين من بطن واحد فلا يتبعض نفيهما فإن اقتصر على نفي أحدهما لم ينتف مع لحوق الثاني ولو نفاهما واستلحق أحدهما لحقه الثاني ولو نفى الحمل فأتت بتوأمين انتفيا ولو أتت بواحد في النكاح فلاعن فأتت بثان لأكثر من ستة أشهر لحقه الثاني دون الأول لأنه من بطن أخرى ويحتمل العلوق بعد انفصال الأول وقبل اللعان ولو نفى الحمل فأتت بولد ثم أتت بآخر لأكثر من ستة أشهر انتفى من غير لعان لأنه لا يحتمل العلوق به في صلب النكاح
فرعان
أحدهما أنه مهما أراد أن ينفي أولادا عدة يكفيه لعان واحد ولا يحتاج كل واحد إلى لعان
الثاني أن التوأمين المنفيين باللعان أخوان من الأم وهل يتوارثان بأخوة الأب فيه وجهان
أحدهما لا لأن اللعان أبطل الأبوة
والثاني نعم لأن اللعان أثره قاصر عن الملاعن
الحالة الثالثة أن يموت الولد فله أن يلاعن لأن الموت لا يقطع النسب وقال أبو حنيفة رحمه الله ليس له ذلك إلا إذا كان للولد ولد حي
ثم عندنا مهما استلحقه بعد اللعان لحقه فلو نفاه فلما مات استلحقه ليحوز ميراثه لحقه وورث مع التهمة لأن الأصل هو النسب ويلحق بمجرد قوله والميراث تابع وكذلك لو نفاه بعد الموت فلما قسم ميراثه عاد واستلحقه فالظاهر أنه يلحقه ويسترد نصيبه من الميراث نظرا إلى ثبوت النسب وفيه وجه أنه إذا سقط الميراث لم يرجع إليه
ج8888888888888888888888======
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : الوسيط في المذهب
المؤلف : محمد بن محمد بن محمد الغزالي أبو حامد
الفصل الثالث فيما يسقط حق النفي
والصحيح أنه على الفور لأنه في حكم ضرار يدفع بعد معرفته فلا وجه للتأخير وفيه قول آخر لا بأس به أنه يمهل ريثما يتروى فإن الأمر فيه خطر ولعله يتقدر بثلاثة أيام وحكي قول ثالث أنه لا يسقط إلا بالاستلحاق وهذا بعيد
والتفريع على أنه على الفور فعلى هذا لا يعذر إلا إذا لم تحصل له حقيقة المعرفة فلو صبر حتى ينفصل الحمل جاز لأنه لا يتيقن فربما يكون ريحا فينفش فلو قال عرفت الحمل ولكن قلت ربما تجهض فهل يبطل حقه فيه وجهان
ولو أخبره فاجر بالولادة فقال لم أصدقه جاز وإن أخبره عدلان فلا وإن أخبره عدل واحد فوجهان لقبول روايته ورد شهادته ولو قال كنت لا أدري أن لي حق النفي فيعذر إن لم يكن من جملة الفقهاء
فرع لو هناه مهن بالولد وقال متعك الله به فقال آمين فهو إقرار بالنسب فلا لعان بعده ولو قال جزاك الله خيرا أو أسمعك الله ما يسرك لم يكن إقرارا
كتاب العدد
وفيه ثلاثة أقسام
عدة الطلاق وعدة الوفاة وعدة الإستبراء في ملك اليمين
أما عدة الطلاق ففيها بابان
الباب الأول في عدة الحرائر والإماء وأصناف المعتدات وأنواع عدتهن
وهي ثلاثة أنواع الأقراء والأشهر والحمل
فالحرة تعتد بثلاثة أقراء إذا طلقت بعد المسيس ومقصود هذه العدة براءة الرحم ولكن يكتفي بسبب الشغل ولا يشترط عينه لأن ذلك خفي لا يطلع عليه ولذلك تجب العدة بوطء الصبي وبمجرد تغييبه الحشفة وحيث علق طلاقها بيقين براءة الرحم
ومن دأب الشرع في مظان التباس المعاني المقصودة ربط الأحكام بالأسباب الظاهرة كما علق البلوغ بالاحتلام والسن لخفاء العقل وعلق الإسلام بكلمتي الشهادة مع الإكراه لخفاء العقيدة
واعلم أن الحرة تعتد بثلاثة أقراء والأمة تعتد بقرأين لأن القرء الواحد لاينتصف فيكمل ولو عتقت قبيل الطلاق فهي كالحرة وإن عتقت في القرأين ففيه ثلاثة أقوال
أحدها أنها تستكمل إذ عتقت قبل الفراغ
والثاني لا بل ينظر إلى حالة الوجوب فيكفيها قرءان والثالث أنها إن كانت رجعية عدلت إلى عدة الحرائر وإن كانت بائنة قنعت بقرأين
فرع إذا وطىء أمة على ظن أنها حليلته الحرة اعتدت بثلاثة أقراء على وجه لأن للظن أثرا في العدة وعلى وجه يكفيها قرءان نظرا إلى حقيقة الحال
ولو وطىء حرة على ظن أنها امة فلا خلاف أنها تعتد بثلاثة أقراء لأن الظن يؤثر في الإحتياط
واعلم أن النسوة أصناف المعتادة والمستحاضة والتي تباعدت حيضتها في أوان الحيض والصغيرة والآيسة
الصنف الأول المعتادة وعدتها ثلاثة أقراء على العادة والأقراء هي الأطهار عند الشافعي رضي الله عنه وقال أبو حنيفة رحمه الله هي الحيض
واختلف العلماء فيه واستشهد كل فريق بدلالة والذي صح عند المحققين أن الشواهد متعارضة وأن القرء في اللغة مشترك بين الطهر والحيض كالجون مشترك بين الضوء والظلمة وقد قال الشاعر ** ** لما ضاع فيها من قروء نسائكا **
وإنما يضيع الطهر وقد قال صلى الله عليه وسلم
دعي الصلاة أيام أقرائك وهي أيام الحيض لو كن تعلق الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى { فطلقوهن لعدتهن } فقال الأمر يتناول الطلاق السني وهو الذي في الطهر فينبغي أن يستعقب الإحتساب بالعدة وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا طلقت في الطهر لم تحتسب بقية الطهر كما أنها لو طلقت في الحيض لم تحتسب عندنا مدة الحيض ويشهد له أن مقصود العدة العزلة عن الزوج ولقد كانت في مدة الحيض معتزلة في صلب النكاح فجدير أن يكون الطهر هو ركن العدة
فنقول لو قال أنت طالق قبيل آخر جزء من الطهر فالجزء الأخير يحسب قرءا وللشافعي رضي الله عنه قول آخر أن القرء هو الإنتقال من الطهر إلى الحيض فكأنه أراد أن يجمع لكون الإسم مطلقا عليهما جميعا ولانه يقال قرأالنجم إذا طلع وقرأ إذا عزب وهو مشعر بالإنتقال والجديد هو الأول وتظهر فائدة القولين فيما لو قال أنت طالق في آخر جزء من الطهر حصل بالإنتقال قرء على هذا القول ولم يحصل على الجديد بل لا بد من ثلاثة أطهار بعد الطلاق وهذا في طهر محتوش بدمين أما طهر الصغيرة هل هو قرء فيه خلاف من حيث إنه طهر ولكن لم يتقدمه حيض فعلى هذا لو طلق الصغيرة فحاضت قبل الأشهر فعليها ثلاثة أطهار بعد الحيض ولو قال للصغيرة أنت طالق ثلاثا في كل قرء طلقة وقعت في الحال واحدة إن قلنا إنه قرء وإلا فلا يقع حتى تطهر بعد الحيض وكذلك يظهر أثر الخلاف في دعواها انقضاء العدة ومدة الإمكان فيه
ومما لا بد من التنبه له أن الطهر الأخير إنما يتبين كماله بالشروع في الحيض الذي بعده والظاهر أنه يكتفي بلحظة واحدة ونقل البويطي رحمه الله عن الشافعي رضي الله عنه أنه لا بد من يوم وليلة حتى يتبين أنه ليس بدم فساد ومن الأصحاب من حمل ذلك على الإحتياط وقطع النظر باللحظة ومنهم من قال في المسألة قولان ومنهم من قال إن رأت على العادة فاللحظة تكفي وإن رأت قبل ذلك فلا بد من يوم وليلة
ثم لا خلاف أنه ليس من العدة وإنما هو للتبيين
الصنف الثاني المستحاضاتولها ثلاثة أحوال
الحالة الأولى أن كون مميزة أو حافظة للعادة والوقت فترد إلى التمييز أو العادة ولا يخفى أمرها فإن كانت مبتدأة أو ناسية للعادة والوقت فيكتفي منها بثلاثة أشهر إذ الشهر الواحد يدور فيه الحيض والطهر غالبا ثم إن طلقت في آخر الشهر يكفيها ثلاثة أشهر بالأهلة وإن كان في وسط الشهر فكان الباقي أكثر من خمسة عشر يوما يكفيها بقية الشهر وشهران بالأهلة وإن كان أقل ففيه خلاف لأجل اضطراب النص ومن لا يحتسب به يقول يحتمل أن يكون جميع بقية الشهر حيضا ومن يحتسب يقول أن الطهر يقع آخر الشهر والحيض مع أول الشهر حتى قالوا يحسب بقية الشهر قرءا وإن لم يبق إلا يوم وليلة وهذا تحكم يخالف الوجود فإن قيل على قول الإحتياط في المستحاضة لم يكتف بثلاثة أشهر ويحتمل أن يزيد الطهر على ثلاثة أشهر فلم لا يحتاط في العدة قلنا ذكر صاحب التقريب وجها أنها تؤمر بالإحتياط والتربص إلى سن اليأس أو أربع سنين أو تسعة أشهر كما ذكرناه في الحيض وهو متجه إذ الاحتياط للنكاح أهم ولكن ربما يفرق بأن حكم العبادات مقصور عليها والعدة تقتضي السكنى والرجعة فيبعد أن تتمادى ويمكن أن يقال لا رجعة ولا سكنى إلا في ثلاثة أشهر ويبقى تحريم النكاح تعبدا عليها ولكن الضرار يعظم فيه فلذلك يبعد قول الإحتياط ها هنا من وجه
الصنف الثالث الصغيرة وعدتها بالأشهر إلى أن تحيض ولا مبالاة برؤيتهاالدم قبل تمام تسع سنين فإن ذلك ليس بحيض ولو طلقت فرأت الدم بعد مضي ثلاثة أشهر فليس عليها الإستئناف وإن كان قبل تمام الشهر استأنفت العدة بالأقراء فإنها الأصل وما مضى من الطهر هل يحسب قرءا فعلى الخلاف المذكور
فأما الآيسة إذا حاضت فيحسب لها بقية الطهر قرءا لأن طهرها محتوش بدمين وإن طال بها العهد ومهما انكسر الشهر الأول يتمم بثلاثين من الشهر الأخير ويكفي شهران آخران بالأهلة وفيه وجه مثل مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا انكسر شهر فقد انكسر الجميع فلا بد من تسعين يوما
والعدة بالأشهر لا تكون إلا في الصغيرة والأيسة وهو أحد نوعي العدة وهذا كله في الحرة
فأما الأمة المنكوحة فإنها تعتد بقرأين عند الشافعي رضي الله عنه لأن القرء لا ينتصف كما يملك العبد طلقتين والعدة بالنساء فإن كانت من ذوات الأشهر فقولان
أحدهما أنه تعتد بشهر ونصف لأنه يقبل التجزئة
والثاني أنها تعتد بشهرين بدلا عن القرأين فإنهما قد تأصلا فلا ينظر إلى السبب
وقد نص في أم والولد إذا أعتقت على قولين
أحدهما أنه يكفيها شهر واحد بدلا عن قرء واحد في الإستبراء
والثاني أنها تعتد بثلاثة أشهر لأن ما يتعلق بالطبع من علامة البراءة لا يختلف بالرق فيخرج من هذا قول ثالث في المنكوحة أنها تعتد بثلاثة أشهر
الصنف الرابع التي تباعدت حيضتها نظر
فإن تأخرت حيضتها من الصغر فلم تحض أصلا فعدتها بالأشهر لعموم قوله تعالى { واللائي لم يحضن } وإن حاضت ثم تأخر إن كان بمرض ظاهر أو رضاع فليس لها إلا تربص الحيض أو سن اليأس فعند سن اليأس تعتد بالأشهر
أما إذا لم يكن الإنقطاع لعلة ففيه ثلاثة أقوال
الجديد أنها تصبر إلى سن اليأس كما إذا كان لعلة لأن الأشهر ورد في القرآن في اللائي لم يحضن واللائن يئسن من المحيض وليست من القسمين ولأن الحيض لا ينقطع إلا لعلة وإن خفيت وفي العلة تربص قطعا فإن فيه مذهب عثمان وزيد وعلي رضي الله عنهم في زوجة حبان بن منقذ في مثل هذه الحالة وفيهأيضا مذهب ابن مسعود رضي الله عنه
والقول الثاني أنها تستضر بالصبر إلى سن اليأس فتتربص تسعة أشهر لتتبين عدم الحمل ثم تعتد بعده بثلاثة أشهر للتعبد وهو قول قديم قلد الشافعي رضي الله عنه فيه مذهب عمر رضوان الله عليه
والقول الثالث أنها تتربص لنفي الحمل أربع سنين ثم تعتد بثلاثة أشهر والقولان الأخيران قديمان ويلتقيان على المصلحة
التفريع إن قلنا تتربص تسعة أشهر ثم ثلاثة فلو فعلت ونكحت ثم حاضت فالنكاح مستمر لاتصاله بالمقصود ولو حاضت قبل تمام التسعة بطل التربص وانتقلت إلى الأقراء وإن لم يعاودها وجب عليها اسئتناف التسعة لأن ما سبق كان للإنتظار وقد بطل فلا يقنع حصول البراءة فإن التعبد أغلب على العدة أما إذا حاضت بعد الشروع في الأشهر الثلاثة وراء التسعة ثم لم يعاودها الدم فعليها استئناف التربص بالتسعة ولكن ما سبق من مدة العدة في الأشهر الثلاثة هل تحسب حتىتبني عليه الباقي أو تستأنف كما تستأنف التسعة فيه وجهان ووجه البناء أن الإنتظار هو الذي يبطل بطرآن الحيض أما ما وقع الاعتداد به من صلب العدة فلا
التفريع إن أمرنا باستئناف الكل فلا كلام وإن قضينا بالبناء ففي كيفيته وجهان
أحدهما أنه يتم بثلاثة أشهر بالحساب
والثاني أن ما مضى يحسب قرءا لأنه طرأ الحيض عليه ويكفيه شهران وإن لم يمض من الأشهر قبل الحيض إلا يوم واحد وهذا بعيد لأنه جمع بين البدل والمبدل في عدة واحدة وهذا لا نظير له في الأبدال
أما إذا رأت الدم بعد مضي المرتين وقبل النكاح فالمنصوص أنها مردودة إلى الأقراء لأن البدل لم يتصل بالمقصود وكذا تتربص في انتظار الدم وقد وجد ومن أصحابنا من قال الحيض بعد الفراغ كالحيض بعد النكاح فلا أثر له
وكل هذه التفريعات جارية أيضا على قولنا إنه تتربص أربع سنين وإنما يختلف المقدار
أما إذا فرعنا على الجديد وهو التربص إلى سن اليأس ففي سن اليأس قولان
أحدهما أنه أقصى مدة يأس امرأة في دهرها مما يعرف في الصرود والجروم الذي يبلغ حده فإن سائر العالم لا يمكن طوفه
والثاني تعتبر نساء عشرتها من جانب الأم والأب ومن أصحابنا من ذكر وجهين ضعيفين
أحدهما النظر إلى نساء العصبات دون جانب الأم كما في مهر المثل
والثاني النظر إلى نساء البلدة لأن للهواء تأثيرا فيه
فرع
على هذا القول لو رأت الدم بعد الوصول إلى سن اليأس لا يخلو
إما أن ترى قبل مضي الأشهر أو بعدها فإن كان قبله انتقلت إلى الأقراء لأن ذلك حيض بالإتفاق فإن لم يعاودها فترجع إلى الأشهر وفيه وجهان أحدهما أنها تعتد بتسعة أشهر ثم بثلاثة أشهر لأن اليأس قد بطل بطرآن الحيض والثاني وهو الأصح أنه يكفيها ثلاثة أشهر فإنها الآن آيسة إذ لم يعاودها الدم لكن نقطع على هذا القول بوجوب استئناف تمام الأشهر الثلاث دون البناءلأنا في هذا القول نتشوف إلى اليقين ولا يبقى ذلك مع طرآن الحيض بخلاف التفريع على القول القديم
أما إذا رأت بعد الأشهر ففيه ثلاثة أقوال
أحدها أن العدة بطلت سواء رأت بعد النكاح أو قبله لأن مطلق بناء اليقين على هذا القول وقد فات بالحيض
والثاني أنه إن كان قبل النكاح استأنفت الأشهر وإن كان بعد النكاح فلا ينقص الحكم
والثالث أنه لا يجب الإستئناف في الحالتين لأن الأشهر قد تمت وحصل الحل فلا ينظر إلى ما بعده ويلتفت هذا على الخلاف في المعضوب إذا حج عنه ثم زال العضب نادرا أنه هل يجب الإستئناف
النوع الثاني المعتدة بالأشهر
وذلك في الصبية والآيسة وقد ذكرناه
النوع الثالث عدة الحامل
وفيه فصلان
الأول في شروطه
ولا تنقضي العدة إلا بوضع حمل تام من الزوج فهما شرطان
الأول أن يكون من الزوج أو ممن منه العدة فلو مات الصبي أو فسخ نكاحه فولدت زوجته من الزنا لم تنقض به العدة عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وكذلك زوجة الممسوح وكل ولد منفي عن الزوج قطعا
أما الحمل المنفي باللعان فتنقضي العدة بوضعه لأن القول في العدة قولها وهي تقول إنه من الزوج
فرعان
أحدهما لو قال إذا ولدت فأنت طالق فولدت وشرعت في العدة فأتت بولد آخر بعد ستة أشهر من الولادة الأولى ففي انقضاء العدة به ثلاثة أوجه
أحدها لا تنقضي لأنه منفي عن الزوج
والثاني تنقضي لأنه يحتمل أن يكون من وطء شبهة من الزوج بعد الولادة الأولى فهو كالمنتفي باللعان
والثالث أنها إن ادعت وطئا محترما على الزوج بعد الولادة انقضت العدة وإن كان القول قوله في نفي الولد ولكن الإحتمال لا ينقطع به وإن لم تدع لم تنقض
الثاني إذا نكح حاملا من الزنا ثم طلقها وهي ترى الأدوار وقلنا إن دم الحامل دم فساد فلا أثر له وإن قلنا إنه حيض فهل تنقضي العدة به فيه وجهان
أحدهما نعم لأن حمل الزنا لا يؤثر في العدة فينظر إلى الأقراء والثاني لا لأن الأقراء تؤثر حيث تدل على البراءة وهذا لا يدل عليه فعليها استئناف الأقراء بعد وضع الحمل
الشرط الثاني وضع الحمل التام ويخرج عليه ثلاث مسائل
إحداها أنها لو كانت حاملا بتوأمين لا تنقضي العدة بوضع الأول حتى تضع الثاني وأقصى مدة بين التوأمين ستة أشهر فما جاوز ذلك فهو حمل آخر
الثانية لو انفصل بعض الولد لم تنقض العدة حتى ينفصل بكماله وحكم المنفصل بعضه حكم الجنين في الغرة ونفي الإرث وتسرية العتق إليه من الأم وبقاء الرجعة والعدة والتبعية في الهبة والبيع وغيرهما وعزي إلى القفال أنه إذا صرخ واستهل فقد تيقنا وجوده فله حكم المنفصل إلا في العدة فإن براءة الرحم تحصل بانفصاله
الثالثة لو أجهضت جنينا ظهر عليه التخطيط والصورة فهو تام وتنقضي به العدة وإن كانت الصورة بحيث لا يدركها إلا القوابل فإن كانت علقة فلا حكم لها إذ لا نتيقن أنه أصل الولد
وإن كان لحما ولم يظهر عليه تخطيط للقوابل فقد نص الشافعي رضي الله عنه على انقضاء العدة ونص على أن الإستيلاد لا يحصل به ولا غرة فيه فمنهم من قال قولان بالنقل والتخريج ومنهم من فرق بينهما بأن العدة في الكتاب تتعلق بوضع الحمل وهذا حمل والإستيلاد يتعلق بالولد وهذا ليس بولد والغرة بدل مولود وهذا ليس بمولود
الفصل الثاني في ظهور أثر الحمل وحقيقته بعد الإعتداد بالأقراء
وفيه مسائل
الأولى المعتدة بالأقراء إذا ارتابت وتوهمت حملا بعد تمام الأقراء فإن كانت بحيث يحكم في الظاهر بأنها حامل فيحرم عليها النكاح ولو استشعرت ثقلا وتوهمت فهي المرتابة فلو نكحت قبل زوال الريبة نص الشافعي رضي الله عنه في المختصر أن النكاح موقوف ونص في موضع آخر أنه باطل فمن أصحابنا من قطع بالصحة إذ بان الحيال لأنه بني على سبب ظاهر وهوالعدة فلا أثر للتحريم بريبة ولا أصل لها ومنهم من قال قولان واختلفوا في أصله فقيل إن أصله قولا وقف العقود كما لو باع مال أبيه على ظن أنه حي فإذا هو ميت وقيل هذا فاسد لأنه غير مبني على أصل بل مأخذه القولان في أن من شك في عدد الركعات بعد الفراغ هل يلزمه التدارك وهذا القائل يفرق بين إن شك قبل تمام الأقراء أو بعده والقائل الأول لا يفرق
الثانية إذا اعتدت بالأقراء ولم تنكح فأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من الزوج ألحق به وأقصى مدة الحمل عند الشافعي رضي الله عنه أربع سنين وعند أبي حنيفة رحمه الله سنتان
والأربع تحسب من وقت الطلاق إن كان بائنا وإن كان رجعيا فقولان
أحدهما من وقت الطلاق
والثاني من وقت انقضاء العدة لأن الرجعية في حكم زوجة فعلى هذا لو أتت بولد لعشر سنين مثلا من وقت الطلاق لحق به لأن العدة يتصور أن تطول بتباعد المدة ونحن نكتفي بالإحتمال ومنهم من استعظم هذا فقال لا نزيد في العدة على ثلاثة أشهر نضيفها إلى أربع سنين فإنه الغالب إلا أن ما قاله لا ينفيالإحتمال فلا وجه له
الثالثة إذا نكحت ثم أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون من الأول ومن الثاني جميعا ألحق بالثاني لأن فراش الثاني ناسخ للأول فلا سبيل إلى إبطال نكاح جرى على الصحة أما إذا كان النكاح فاسدا بأن جرى في أثناء العدة بأن ظن انقضاءها فيعرض الولد على القائف فإن ذلك كوطء شبهة ولا يؤدي إلى إبطال نكاح صحيح
ثم الفراش الذي يبنى عليه احتمال الولد في النكاح الفاسد هو الوطء أو مجرد العقد فيه خلاف والظاهر أنه بالوطء ولا يلحقه بمجرد العقد وكذلك الخلاف في انقطاع هذا الفراش بالتفريق أو بآخر وطأة ويلتفت هذا على أن العدة هل تنقضي مع مجالسة الزوج زوجته وعليه يخرج أن لحوق الولد في النكاح الفاسد هل يقف على الإقرار بالوطء فإن أحوجناه إلى الإقرار بالوطء فالظاهر أنه لا ينتفي بدعوى الإستبراء بل باللعان وفيه وجه أنه كملك اليمن
الرابعة في النزاع فلو قال طلقت بعد الولادة فلي الرجعة فإنك معتدة فقالت بل طلقت قبل الولادة فالقول قوله في وقت الطلاق سواء كان وقت الولادة معينا بالإتفاق أو مبهما
ولو اتفقا على وقت الطلاق واختلفا في وقت الولادة فالقول قولها لأنها مؤتمنة على ما في رحمها
لو اتفقا على الإشكال فالأصل بقاء سلطان الرجعة واستمرار النكاح
وإن جزمت الدعوى فقال لا أدري فعليه أن يحلف جزما أو تنكل حتى ترد اليمين عليها ولو جزم الدعوى وقالت لا أدري فالزوج على الإرتجاع وهي مدعية فلا تسمع الدعوى مع الشك
الباب الثاني في تداخل العدتين عند تعدد سببه
والسبب إما الوطء وإما الطلاق
أما الوطء فتعدده إما من شخصين وإما من شخص واحد أما من شخص واحد فهو أن يطلقها ثم يطؤها بالشبهة فتتداخل العدتان إذا اتفقتا بأن لم يكن إحبال وكانت من ذوات الأشهر أو الأقراء فتعتد بثلاثة أشهر أو ثلاثة أقراء فتنقضي العدتان ولو كان قد انقضى قرءان فوطئها استأنفت ثلاثة أقراء واندرج القرء الثالث في القرء الأول حتى تتمادى الرجعة إلى انقضاء هذا القرء ثم لا رجعة في القرأين الباقيين لانهما من الوطء بالشبهة ومعنى التداخل أن القرء الأول المشترك تأدت به عدتان
أما إذا اختلفت العدتان بأن كان إحداهما بالحمل ففي تداخلهما وجهان مشهوران
أحدهما أن التداخل كالمتفقتين
والثاني لا لأن الإندراج والتداخل يليق بالمتجانسات
فإن قلنا بالتداخل فسواء طرأ الحمل على الوطء أو طرأ الوطء على الحمل فتتمادىالرجعة والعدة إلى وضع الحمل وتنقضي العدة به
وإن قلنا لا تتداخل نظر فإن طرأ الوطء على الحمل انقضت عدة الطلاق بالوضع وانقطعت الرجعة واستأنفت الأقراء بعده للوطء وعلى هذا لو كانت ترى الدم أيام الحمل قال القاضي والشيخ أبو حامد تنقضي بها عدة الوطء إذا قلنا إنه حيض ويؤدي إلى انقضاء عدتين مختلفتين في زمان واحد لجريان الصورتين وعللوا بأن سبب لزوم الأقراء مجرد التعبد ولا تشترط البراءة وقال الشيخ أبو محمد كونها في مظنة الدلالة على البراءة لا بد منه إذ به يحصل التعبد فلا بد من استئناف الأقراء بعد الوضع
أما إذا كانت حائلا في عدة الطلاق فأحبلها بالوطء انقطع عدة الطلاق لأن الحبل أقوى فإذا وضعت رجعت إلى بقية عدة الطلاق وثبتت الرجعة وسائر أحكامها من الميراث وغيره في تلك البقية وهل تثبت قبل الوضع فيه وجهان
أحدهما لا لأنها ليست في عدة الطلاق
والثاني نعم لأنها تعرض للرجعة وملتزمة لها في المستقبل فيبعد الإبانة في الحال ثم العود إلى الرجعة
فعلى هذا لم يتغير بما طرأ إلا طول المدة وإلا فهي رجعية على الدوام إلى انقضاء العدتين
ثم مهما راجعها أو جدد النكاح عليها انقطعت العدتان جميعا
أما إذا كان من شخصين بأن طلقها فوطئها بالشبهة غيره لم تتداخل العدتان عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله لأن التعبد في حق الزوج بالعدة يتعدد عند تعددهما
ثم ينظر فإن كانتا متفقتين ينظر فإن سبق الطلاق الوطء استمرت عدة الزوج والرجعة إلى تمام ثلاثة أقراء ثم بانت واستفتحت عدة الوطء ولم يكن له تجديد النكاح بعد شروعها في عدة الشبهة وهل له قبل ذلك إن كانت بائنة فيه وجهان
أحدهما نعم لأنها ليست إلا في عدته
والثاني لا لأن لزوم العدة عن الشبهة كوجودها لأنه لو نكحها لم يحل لهوطؤها والرجعة تحتمل ذلك ولا يحتمله النكاح كما في المحرمة
وأما إذا وطئت فشرعت في العدة وطلقها ففي الإنتقال إلى عدة الطلاق وجهان
أحدهما أنها تنتقل لأن عدة الطلاق أقوى
والثاني تستمر لأن السابق أولى
فإن قلنا بالإنتقال رجعت إلى بقية عدة الشبهة عند تمام عدة النكاح وإن قلنا تستمر استأنفت عدة النكاح بعد عدة الشبهة وثبتت الرجعة فيها وفي ثبوتها قبل ذلك الخلاف السابق
أما إذا كانتا مختلفتين بأن كان إحداهما بالحمل فعند هذا يبطل النظر إلى السبق وتقدم عدة الحمل
ثم النظر في كيفية الرجعة وانقطاع العدة والإنتقال منهما ذكرناه في العدتين المختلفتين من شخص واحد حيث قلنا إنهما لا يتداخلان نعم هذا يفارقه في ثلاثة أمور
الأول أنه لو راجعها وكانت حاملا من الأجنبي لم يحل الوطء فإن كانتحاملا منه وقد بقيت عليها عدة الوطء بالشبهة ففي جواز الوطء وجهان جاريان في وطء الحامل من النكاح بعد أن وطئت بالشبهة
أحدهما الجواز إذ ليست في عدة الشبهة ما لم تضع حمل الزوج
والثاني لا لوجوب العدة
الأمر الثاني أنها لو كانت ترى صورة الأقراء مع الحمل فالمصير إلى انقضاء العدة بها مع تعدد الشخص بعيد وقيل يطرد ذلك ها هنا كما في شخص واحد
الأمر الثالث أنه لو أراد أحدهما نكاحها وهي ملابسة عدة غيره لم يجز وإن كانت حاملا من الزوج فنكحها وهي متعرضة لعدة الشبهة لكن بعد الوضع فصحة النكاح تبنى على حل الوطء في مثل هذه الحالة ومنهم من قال وإن قلنا بالحل فذلك في دوام النكاح أما ابتداء النكاح فلا يحل مع لزوم عدة الشبهة
هذا كله في عدة المسلمين أما الحربيون فقد نص الشافعي رضي الله عنه أن الحربي إذا طلق زوجته فوطئها حربي في نكاح وطلقها فلا يجمع عليها بين العدتين فمن أصحابنا من قال قولان ووجه الفرق أن التعبد في حق الحربي لا يتأكد فكأن أهل الحرب كلهم شخص واحد فتتداخل ومنهم من قطع بالفرق وفرق بأن حق الحربي يتعرض للإنقطاع بالالستيلاد فاستيلاد الثاني يقطع حق الحربي الأول
فإن قيل ما ذكرتموه في عدة الحمل إنما يستقيم إذا علم أن الحمل من أحدهما فإن احتمل أن يكون منهما فكيف السبيل قلنا إذا وضع عرضعلى القائف فإذا ألحق بأحدهما حكم بانقطاع عدته دون الثاني وإن لم يكن قائف أو شكل عليه يقضي بأن إحدى العدتين انقضت على الإبهام
ويتصدى النظر في ثلاثة أمور
الأول أن الرجعة إن جوزناها في حال ملابسة عدة الغير فله الرجعة وإن لم نجوزها فعليه أن يراجع مرتين مرة قبل وضع الحمل ومرة بعده فلو اقتصر على إحداهما لم يستفد به شيئا لتعارض الإحتمالين إلا أن يقتصر على رجعة فيوافقها إلحاق القائف فنتبين صحته وذكر العراقيون وجها أن الرجعة لا تحتمل هذا الوقف كالنكاح
الثاني تجديد النكاح ولا فائدة في نكاح واحد فإنه لا يفيد حلا مع الإحتمال ولكن لو عقد قبل الوضع وبعده ففيه وجهان ووجه المنع أن النكاح لا يحتمل مثل هذا الوقف وإن احتملته الرجعة
الثالث النفقة إذا كانت بائنة فإنها تستحق على الزوج إما للحمل وإما للحامل فإن كان من الواطىء بالشبهة فتستحق عليه إن قلنا إنها للحمل وإن قلنا للحامل فلا ولكن لا يطلب واحد منهما في الحال للإشكال فإن وضعت وألحق القائف بالزوج فلها طلب النفقة الماضية وإن ألحق بالواطىء لميطالب لأن نفقة القريب تسقط بمضي الزمان فليس عليه إلا نفقة الحمل
فروع ستة
الأول قال الأصحاب لا تنقضي عدة الزوج إذا كان يعاشرها معاشرة الازواج وقال المحققون هذا خارج عن القياس فإن العدة لا تستدعي إلا انقضاء المدة مع عدم الوطء ولذلك تنقضي عدتها وإن لم تعرف الطلاق والموت ولم تأت بالحداد وملازمة المسكن وقال القاضي لا نص للشافعي رضي الله عنه على هذا وأنا أقول مخالطة البائن لا تمنع فإنه في حكم الزاني ومخالطة الرجعية تمنع لأن اعتدادها في صلب النكاح فلا أقل من أن تعتضد بالإعتزال وترك المخالطة فعلا وهذا وإن كان فيه فقه فلا يخلو عن إشكال ثم على هذا لا يشترط الوطء ولا دوام المجالسة ولكن المعتاد بين الأزواج
فإن طالت المفارقة ثم جرت مجالسات في أوقات مختلفة فيحتمل أن تحسب أوقات المفارقة دون أوقات المخالطة ويحتمل أن يقال ينقطع ما مضى وهو خبط وحيرة ولا تفريع على مشكل
الثاني عدة نكاح الشبهة تحسب من وقت التفريق أو الوطء فيه قولان فإن قلنا من الوطء فلو اتفق أنه لم يطأها بعد ذلك مدة العدة تبين انقضاء العدة وإذا وطئها انقطعت وإن قلنا بالتفريق فلا مبالاة بمخالطته بعد ذلك لأنه في حكم الزاني ولا أثر لمخالطة الزناة في العدة وهذا يدل على أن مخالطة الزوج البائنة معالعلم لا يؤثر ومع الجهل يؤثر عند الأصحاب ثم يحتمل أن يقال المراد بالتفريق انجلاء الشبهة ويحتمل أن يقال إنه المفارقة بالجسد والظاهر أنه انجلاء الشبهة فالمخالطة بعده في حكم الزنا
الثالث إذا نكح معتدة على ظن الصحة ووطئها انقطع عدة النكاح بما طرأ وفي وقت انقطاعه قولان
أحدهما أنه من وقت العقد
والآخر من وقت الوطء لأن العقد فاسد
فإن قلنا تنقطع بالعقد فلو لم تزف إلى الثاني فالصحيح أنا نتبين أن العدة لم تنقطع لأنه مجرد لفظ وإنما ينقدح ذلك على قول إذا أفضى إلى الزفاف أما إذا أفضى إلى مخالطة وزفاف ولكن انجلت الشبهة قبل الوطء فهذا محتمل
الرابع من نكح معتدة بالشبهة لم تحرم عليه على التأبيد وفيه قول قديم تقليدا لمذهب عمر رضي الله عنه أنها تحرم للزجر عن استعجال الحل وخلط النسب ثم لا يجري هذا القول في الزاني لأنه لا يبغي الحل
الخامس إذا طلق الرجعية طلقة أخرى بعد المراجعة فتستأنف العدة أو تبنى فيه قولان مشهوران
أحدهما البناء كما إذا طلقها طلقة بائنة ثم جدد نكاحها بعد قرء ثم طلقها قبل المسيس فإنه يكفيها قرءان ولا تستحق إلا نصف المهر خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
والثاني الإستئناف فإنها مردودة إلى نكاح جرى فيه وطء بخلاف تجديد النكاح
أما إذا طلقها قبل الرجعة فقد قال الشافعي رضي الله عنه من قال تستأنف في تلك الصورة يلزمه أن تستأنف ها هنا فمنهم من قال هو تفريع فيخرج هذا أيضا على قولين ومنهم من قطع بأنه لا تستأنف لأن الطلاق الثاني تأكيد للأول فلا يقطع العدة
فإن قلنا بالإستئناف فإن كانت حاملا فيكفيها وضع الحمل لأن هذه بقية تصلح لأن تكون عدة مستقبلة
ولو راجعها فوضعت ثم طلقها استأنفت ثلاثة أقراء على قول الإستئناف وعلى قول البناء وجهان
أحدهما أنه لا عدة عليها إذ لا وجه بعد الطلاق للإستئناف ولا للبناء
والثاني أنا نرجع إلى قول الإستئناف إذ لا سبيل إلى إسقاط حقهم عند تعذر البناء
أما إذا راجع الحائل في الطهر الثالث ثم طلقها قال القفال هذا كالمراجعة بعد تمام العدة لأن بعض الطهر الثالث قرء كامل وقال الشيخ أبو محمد القرء هو البعض الأخير المتصل بالحيض وهذا جرى في النكاح والنصف الأول لا يعتد به
السادس لو خالع زوجته بعد المسيس ثم جدد نكاحها وطلق بعد المسيس لم يكن عليها إلا عدة واحدة وتندرج بقية الأولى تحت هذه
ولو مات فهل تندرج تلك البقية تحت عدة الوفاة مع اختلاف نوع العدة فيه وجهان
القسم الثاني من الكتاب في عدة الوفاة وحكم السكنى
وفيه بابان
الباب الأول في موجب العدة وقدرها وكيفيتها وفيه فصول
الفصل الأول في الموجب والقدر
فنقول المتوفى عنها زوجها عليها عدة الوفاة ممسوسة كانت أو لم تكن وإن كانت حاملا فمهما وضعت حلت ولو في الساعة ويحل لها غسل الزوج عندنا بعد العدة وبعد نكاح زوج آخر وإن كانت حائلا فتعتد أربعة أشهر وعشرا والأمة تعتد بشهرين وخمسة أيام وتنقضي العدة وإن لم تحض في هذه المدة خلافا لمالك رحمه الله لأن الله تعالى لم يتعرض للحيض مع تعرض النساء له ومالك رحمه الله يقول لا أقل من حيضة واحدة أو وقوع الحيض المعتاد مرة أو مرات
فرع
لو طلق إحدى امرأتيه على الإبهام ومات قبل البيان فعلى كل واحدة أربعة أشهر وعشر للإحتياط إن كانتا حائلتين غير مدخول بهما وإن كانتا حاملتين فعليهما التربص إلى حين الوضع وإن كانتا حائلتين من ذوات الأشهر فعليهما أربعة أشهر وعشر إذ تنقضي الأشهر الثلاث أيضا وإن كانتا من ذوات الأقراء فعلى كل واحدة التربص بأقصى الأجلين ويكفي غير المدخول بها تربص أربعة أشهر وعشر
الفصل الثاني في المفقود زوجها
فإن وصل خبر موته ببينة فعدتها من وقت الموت عندنا وقال علي رضي الله عنه من وقت بلوغ الخبر وإن اندرس خبره وأثره وغلب على الظنون موته فقولان
أحدهما أنها زوجته إلى أن تقوم البينة بموته وهو القياس لأن النكاح ثابت بيقين فكيف يقطع بالشك
والثاني أنها تتربص أربع سنين ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة وقد قلد الشافعي فيه عمر رضي الله عنهما في القديم ورجع عنه في الجديد وقال لو قضى به قاض نقضت قضاءه إذ بان له أن تقليد الصحابة لا يجوز للمجتهد
وقد طول الأصحاب في التفريع عليه وقد ذكرناه في المذهب البسيط فلا معنى له مع صحة الرجوع عنه
ثم على الجديد فلها طلب النفقة من مال الزوج أبدا فإن تعذر كان لها طلب الفسخ بعذر النفقة على أصح القولين
الفصل الثالث في الإحداد
وذلك واجب في عدة الوفاة وغير واجب في عدة الرجعية وفي عدة البائنة قولان وفي المفسوخ نكاحها طريقان منهم من قطع بأنها لا تجب كالمعتدة من شبهة وكأم الولد إذا مات عنها سيدها ووجه حداد المطلقة البائنة القياس على عدة الوفاة ووجه الفرق أنها مجفوة بالطلاق وإنما يليق الإحداد بالمتفجعة بالموت
والأصل في وجه الإحداد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا فأفاد هذا جواز الحداد ثلاثة أيام على الجملة وتحريمه بعد الثلاث وبعد العدة
ومعناه ترك الزينة والطيب على قصد الحداد وإلا فلا منع عن ترك الزينة فإن قيل وما كيفية الحداد قلنا معناه ترك التزين والتطيب والحداد من الحد وهو المنع والتزين إنما يكون بالتنظيف والثياب والحلي
أما التنظف بالقلم والإستحداد والغسل وإزالة الوسخ فلا يحرم وأما الثياب فالنظر في جنسها ولونها أما الجنس فتحل كلها سوى الإبريسم فيحل الخز الدبيقي والكتان وغيره مما يحل للرجال وإنما الإبريسم فإنما أحل لها لأجل التزين للرجال وقال العراقيون الإبريسم في حقها كالقطن في حق الرجال وإنما عليها ترك المصبوغات من الثياب والأول أصح
وأما الحلي فيحرم ما هو من الذهب لأنها خاصية النساء والظاهر أنه أيضا يحرم التحلي باللآلىء المجردة لأنها للزينة وأما التختم بخاتم يحل مثله للرجال فلا يحرم
وأما المصبوغ للتزين كالأحمر والأصفر والاخضر فهو حرام من القطن والكتان وغيره
وإنما الأسود والأكهب الكدر وما لا يتزين به فهو جائز ولا فرق بين أن يصبغ بعد النسج أو قبله وخصص أبو إسحاق المروزي رحمه الله التحريم بالمصبوغ بعد النسج أما الثوب الخشن إذا صبغ على خلاف العادة صبغ الزينة حكى صاحب التقريب فيه قولين ووجه المنع أنه من البعد تظهر به الزينة
وأما الزينة في أثاث البيت والفرش فلا تحرم وإنما الحداد في بدنها وأما الطيب فيحرم عليها ما يحرم على المحرم ويحرم عليها أن تدهن رأسها ولحيتها إن كانت لها لحية كالمحرم ولا يحرم عليها أن تدهن بدنها إن لم يكن فيه طيب وإنما يمنع في الشعر
وأما تصفيف الشعر وتجعيده بغير دهن ففيه تردد وأما الإكتحال فقد قال الشافعي رضي الله عنه لا بأس بالإثمد فاتفقوا على أنه أراد به العربيات فإنهن إلى السواد أميل فلا يزينهن الإثمد أما البيضاء فلا يجوز ذلك لها إلا لعلة الرمد وعليها أن تكتحل ليلا وتمسح نهارا هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها إلا أن تحتاج إلى ذلك نهارا أيضا فيجوز وعليها ملازمة المسكن إلا لحاجة
ولو تركت جميع ذلك عصت ربها وانقضت عدتها
الباب الثاني في السكنى
وفيه أربعة فصول
الفصل الأول فيمن تستحق السكنى
وتستحق المطلقة المعتدة بائنة كانت أو رجعية لقوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن } ولا تستحق المعتدة عن وطء الشبهة ونكاح فاسد ولا المستولدة إذا عتقت لأن الآية وردت في النكاح نعم هل تجب في عدة الوفاة قولان وفي عدة بعد انفساخ النكاح طريقان منهم من قال قولان ومنهم من قطع بأنها لا تستحق إن كان الفسخ منها بعيبه او عتقها او كان منه ولكن بعيبها أو ما يكون بسبب منها أما ما ينفرد به الزوج كردته وإسلامه ففيه قولان ومأخذ التردد أن الآية وردت في فراق الطلاق وهذا تردد في أن فراق الموت والفسخ هل هو في معناه لأن إيجاب السكنى بعد البينونة كالخارج عن القياس
وأما الصغيرة التي لا تحتمل الجماع ففي سكناها من الخلاف ما في نفقتها في صلب النكاح وكذلك الأمة إذا طلقت فإن قلنا الزوج يستحق تعيين المسكن في صلب النكاح فعليها ملازمة المسكن بعد النكاح وإن قلنا إن السيد يبوئها
بيتا وطلقت في ذلك البيت فالظاهر أنها لا يلزمها ملازمة المسكن لأن العدة تلتفت على النكاح وقيل إنه يجب ذلك
ثم إذا أوجبنا ملازمة المسكن ففي وجوب لزوم السكنى على الزوج خلاف يلتفت على النفقة في صلب النكاح فحيث كان يجب النفقة تجب السكنى بعد الطلاق
أما الناشزة إذا طلقت في دوام النشوز قال القاضي لا سكنى لها إذ لم يكن لها نفقة وهذا فيه نظر لأنها إن طلقها في مسكن النكاح فيجب عليها شرعا لزوم المسكن فإن أطاعت في ذلك فبالحري أن تستحق السكنى
الفصل الثاني في أحوال المعتدة وهل يباح لها مفارقة المسكن
فنقول يجب عليها لزوم المسكن حقا لله تعالى فلا يسقط برضا الزوج وإنما يباح الخروج بعذر ظاهر والأعذار على ثلاث مراتب
الأولى ما يرجع إلى طلب الزيادة كزيارة وعمارة واستنماء مال وتعجيل حج الإسلام ولا يجوز الخروج لمثل ذلك
الثانية ما ينتهي إلى حد الضرورة كوجوب الهجرة والتمكين من إقامة الحد أو خافت على زوجها أو مالها لأن الموضع غير حصين أو كانت تتأذى بأحمائها أو تؤذيهن وكل ذلك تسليط على الإنتقال لأن هذه المهمات أقوى في الشرع من لزوم المسكن في العدة
الثالثة ما ينتهي إلى حد الحاجة كالخروج للطعام والشراب أو تدارك مال أخبرت بأنه أشرف على الضياع فذلك أيضا رخصة في الخروج في حق من لا كافل لها ونحو ذلك وإن كان هذا العذر نادرا وكذلك حكم ملازمة المنزل في السفر إذا كانوا ينتجعون ويسافرون اعتيادا فلها المسافرة معهم ومهما خرجت لحاجة فينبغي أن تخرج بالنهار لأن الليل مظنة الآفات
الفصل الثالث فيما يجب على الزوج
وفيه مسائل
الأولى إذا كانت الدار مملوكة للزوج لم يجز له إزعاجها ولا يجوز له مداخلتها لتحريم الخلوة إلا في موضعين
أحدهما أن تكون هي في حجرة مفردة بالمرافق وعليها باب فإن لم يكن عليها باب أو كان مرافقها واحدا كالمطبخ والمستراح في الدار لم تجز المداخلة لأن التوارد على المرافق يفضي إلى الخلوة وكذلك تحرم المداخلة وإن كانت الدار فيحاء مهما لم تنفصل المرافق ولم يحجب الباب
الثاني أن يكون معها في الدار محرم لها فلا خلوة وكذلك إن كان مع الرجل زوجة أخرى أو جارية أو محرم له ولو كان معها أجنبية أو معتدة أخرى فهل يمنع ذلك الخلوة فيه تردد مأخذه أن النسوة المنفردات هل لهن السفر عند الامن بغير محرم ولو استخلى رجلان بامرأة فهو محرم وليس ذلك كاستخلاء رجل بامرأتين والوجه أن يقال إن كان ممن يحتشم أو يخاف من جانبه حكاية ما يجري من فجور إن كان فهو مانع للخلوة وإلا فلا
فرع لو أراد الزوج بيع الدار وعدتها بالحمل أو الأقراء لم ينعقد لأن المنفعة مستحقة لها وآخر المدة غير معلوم ولو كانت من ذوات الأشهر فهو كبيع الدار المستأجرة إلا إذا كان يتوقع طرآن الحيض في الأشهر ففيه طريقان منهم من لم يلتفت إلى ذلك بناء على الحال ومنهم من منع البيع لتوقع ذلك
فإن صححنا وطرأ الحيض كان كما لو اختلطت الثمار بالمبيع وقد ذكرناه في البيع
المسألة الثانية إذ كانت الدار مستعارة فعليها الملازمة إلى أن يرجع المعير فإن رجع فعلى الزوج أن يسلم إليها دارا يليق بها ويبذل الأجرة إن لم يجد بعارية وكذلك إذا انتهت مدة الإجارة فإن مست الحاجة إلى الأجرة وأفلس الزوج ضاربت الغرماء بأجرة ثلاثة أشهر إن كانت من ذوات الأشهر وإن كانت من ذوات الأقراء وعادتها مختلفة ضاربت بالأقل وإن كانت مستقيمة فمقدار العادة على الأصح وفيه وجه أنها بالأقل وهو ضعيف لأن حصتها لا تسلم إليها وما يخص الغرماء يسلم إليهم فالإحتياط لجانبها أولى وكذلك الحامل تضارب لتمام تسعة أشهر فإن الزيادة على ذلك نادر لا يعتبر هذا إذا كان الزوج حاضرا فإن كان غائبا استقرض القاضي عليه فإن استأجرت من مالها بغير إذن القاضي ففي رجوعها على الزوج خلاف ولا خلاف في أنها لو كانت في دار مملوكة فلا تباع لحق الغرماء لأنها كالمرهونة فلا تخرج منها بحال
المسألة الثالثة إذا أسكنها في النكاح ضيقا لا يليق بها ورضيت وطلقها فلها أن لا ترضى في العدة وتطلب مسكنا لائقا بها وكذلك لو أسكنها دارا فيحاء فله أن ينقلهابعد الطلاق إلى موضع لائق بها لكن قال القاضي ينبغي أن يطلب لها أقرب مسكن يمكن إلى مسكن النكاح حتى لا يطول ترددها في الخروج وما ذكره لا يبعد أن يستحب ولا شك في أنه لا يخرجها عن البلدة
المسألة الرابع إن ألزمنا السكنى في عدة الوفاة فهي من التركة فإن لم يكن وتبرع به الوارث وأراد إسكانها كان لها ذلك وإن قلنا لا تستحق فلو رضي الوارث بملازمة مسكن النكاح فالظاهر أنه يجب عليها ذلك مطلقا وقيل إن كانت مشغولة الرحم أو متوهمة الشغل فله ذلك مطلقا لأجل صيانة الماء وإن لم تكن ممسوسة فلا يلزمها ذلك بل يجب عليها ملازمة أي مسكن شاءت ثم هذا التعيين للوارث وليس للسلطان ذلك
الفصل الرابع في بيان مسكن النكاح
وفيه مسائل
الأولى إذا أذن لها في الإنتقال إلى دار أخرى ثم طلقها قبل الإنتقال لازمت المسكن الأول وإن طلق بعد الإنتقال لازمت المسكن الثاني والعبرة في الإنتقال بدنها وقال أبو حنيفة رحمه الله العبرة بنقل الأمتعة
وإن صادفها الطلاق في الطريق فثلاثة أوجه
أحدها ترجيح الأول استصحابا
والثاني ترجيح الثاني لأنها انتقلت عن الأول
والثالث أنها تتخير بينهما للتعارض وكذا الكلام فيما إذا أذن لها في الإنتقال إلى بلدة أخرى ففي جواز الإنصراف خلاف
الثانية لو خرجت إلى سفر بإذنه فطلقها بعد مفارقة عمارة البلد فليس عليها الإنصراف لأن إبطال أهبة سفرها إضرار فإن فارقت المنزل دون البلد فوجهان
أحدهما يجب الإنصراف لأنها بعد لم تنقطع عن الوطن
والثاني لا لأن ذلك إضرار بإبطال الأهبة
ولا خلاف في أن لها الإنصراف
ثم إذا مضت لوجهها فلها التوقف إلى إنجاز حاجتها وعليها الرجوع لملازمة المسكن بقية مدة تنقضي في الطريق ففي وجوب الإنصراف خلاف والظاهر أنه لا يجب ولا فائدة فيه ولا يكلفها التقدم على الرفقة لأجل ذلك وإن انقضت حاجتها قبل ثلاثة أيام جاز لها استكمال الثلاث لأنها مدة مكث المسافر شرعا
الثالثة ما ذكرناه في سفر تجارة أو مهم فإن كان سفر نزهة أو ما لا مهم فيه وقد أذن لها عشرة أيام مثلا فطلقها في أثناء المدة ففي جواز استيفاء المدة قولان ويجري القولان في وجوب الإنصراف إن طلقها في الطريق وهكذا في المدة الزائدة على حاجة التجارة في سفر التجارة لأنه ليس فيه مهم ولكن انضم الإذن في أهبة السفر فاحتمل أن يقال في المنع إضرار
ولو أذن لها في الإعتكاف عشرة أيام فطلقها قبل المدة فإن قلنا لو خرجت بمثل هنا العذر جاز البناء على الإعتكاف المنذور فعليها الخروج وإن كان الإعتكاف منذورا لأنه لا ضرر وإنما هو مجرد إذن فهو كما لو أذن لها في المقام في دار أخرى عشرة أيام فطلاقها يبطل ذلك الإذن وإن قلنا إن الإعتكاف يبطل فيكون فيهضرار كما في أهبة السفر
ولا خلاف في أنها لو خرجت مع الزوج فطلقها في الطريق لزمها الإنصراف لأنها خرجت بأهبة الزوج فلا تبطل عليها أهبتها والخروج لغرض التجارة غير جائز لأنه طلب زيادة وإنما جاز ذلك في الدوام للضرار في فوات الأهبة
الرابعة إذا أذن لها في الإحرام وطلقها قبل الإحرام لم تحرم وإن كان بعد الإحرام وكان بعمرة يمكن تأخيرها ففي وجوب التأخير وجهان ولعل الأصح جواز الخروج لأن في مصابرة الإحرام ضرارا
الخامسة منزل البدوية كمسكن البلدية لكن إن رحلوا بجملتهم فلها الرحيل وإن رحل غير أهلها فعليها المقام فإن رحل أهلها وهي آمنة في المقام ففيه وجهان وهو راجع إلى أن ضرر مفارقة الأهل هل يعتبر
ولو كانوا يرجعون على قرب فعليها المقام إذ لا ضرر ولو ارتحلت معهم فأرادت المقام بقرية في الطريق جاز فإن ذلك أحسن من السفر بخلاف المأذونة في السفر فإن رجوعها إلى الوطن أولى من الإقامة في قرية
السادسة إذا صادفها الطلاق في دار أخرى أو بلدة أخرى فقال ارجعي فقالت طلقت بعد الإذن في النقلة فأنكر الزوج الإذن نقل عن الشافعي رضي الله عنه أن القول قوله وهو القياس ولكن نقل أنه إن كان النزاع مع الورثةفالقول قولها وإلى الفرق ذهب أبو حنيفة رحمه الله وابن سريج وكأن كونها في غير مسكن النكاح يشهد لها على الورثة لا على الزوج ومن أصحابنا من جعل المسألتين على قول ومنهم من جعلها على حالين فنقول إنما جعل القول قوله إذا كان النزاع في اصل اللفظ وإن كان في معنى اللفظ بأن قالت أردت بالإذن النقلة وقال بل النزهة فالظاهر تصديقها فيقبل قولها
القسم الثالث من الكتاب في الإستبراء بسبب ملك اليمين
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في قدر الإستبراء وشرطه وحكمه
أما قدره فهو قرء واحد لأنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سبي أوطاس
ألا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض
وللمستبرأة ثلاثة أحوال
أحدها أن تكون من ذوات الأقراء واستبراؤها بقرء واحد وهو الحيض لقوله عليه السلام
حتى تحيض ولأنه إذا لم يعتبر إلا قرء واحد فليعتبر الحيض فإنه دليل على البراءة هذا هو الجديد
وفيه وجه آخر أنه الطهر قياسا على العدة لأن التعبد غالب عليه ولذلك يجب مع يقين البراءة إذا استبرأها من امرأة أو صبي
التفريع
إذا قضينا بأنه حيض فلا بد من حيض كامل فلا يكفي بقبة حيض وإن قلنا إنه طهر فهل يكفي بقية الطهر فيه خلاف لأن العدة تشتمل على عدد فجاز أن يعبر عن شيئين وبعض الثالث بثلاثة ولأنه يجري فيه الحيض مرات ولو صادف الملك آخر الحيض فانقضى طهر كامل بعده كفى على هذا القول وقيل إنه لا بد من حيض كامل بعده لتحصل دلالة على البراءة في ملكه وهذا رجوع إلى القول الأول وشهادة تضعيف هذا القول
الحالة الثانية أن تكون من ذوات الأشهر وفيه قولان
أحدهما أنه يكفي شهر واحد
والثاني أنه لا أقل من ثلاثة أشهر لأنه أقل مدة ضربت شرعا للدلالة على البراءة والأمور الطبيعية لا تختلف بالرق
وأبو حنيفة رحمه الله يوجب على المستولدة إذا عتقت ثلاثة أقراء أو ثلاثة أشهر نظرا إلى حريتها في الحال ونحن نكتفي بقرء واحد نظرا إلى جهة الملك
الحالة الثالثة أن تكون حاملا فعدتها بوضع الحمل وإن كان من الزنا لإطلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله
حتى تضع ومنهم من قال لا تنقضي بالزنا كما في العدة وقيل هذا يلتفت على أن المعتبر حيض أم طهر فإن اعتبرنا الحيض من حيث إنه دليل البراءة فكذلك حمل الزنا دليل البراءة وإلا فلا
أما حكمه فهو تحريم لوجوه الإستمتاع قبل تمامه إلا في المسبية ولأنه لا يحرم فيها إلا الوطء لأن المانع في الشراء توقع ولد من البائع يمنع صحة الشراء وولد الحربي لا يمنع جريان الرق وإنما استبراؤها لصيانة ماء المالك عن الإمتزاج بالحمل فيقتصر التحريم على الوطء ومنهم من سوى وحرم استمتاع المسبية أيضا تبعا
أما شرطه فإنه يقع بعد القبض ولزوم الملك في مظنة الإستحلال فلو جرت حيضة قبل قبض الجارية المشتراة ففيه خلاف لضعف الملك والظاهر أنه يجزىء للزوم الملك نعم لم يعتد بها في الموهوبة قبل القبض وفي الموصى بها قبل القبول فلا أثر للقبض في الوصية وفي مدة الخيار لا يجزىء إذا قلنا الملك للبائع وإن قلنا للمشتري فهو كما قبل القبض لضعفه
ولو كانت مجوسية أو مرتدة فأسلمت بعد انقضاء الحيض فقد انقضى في الملك ولكن لا في مظنة الإستحلال ففيه وجهان
ومن خاصية الإستبراء أنه ليس من شرطه الإمتناع عن الوطء بل لو وطئها انقضى الإستبراء وعصى بالوطء فإن أحبلها وهي حائض حلت في الحال إذ ما مضى كان حيضا كاملا وانقطع بالحيض فإن كانت طاهرا لم ينقض الإستبراء إلى وضع الحمل
الفصل الثاني في سبب الإستبراء
وهو جلب ملك أو زواله
الأول الجلب فمن تجدد له ملك على الجارية هي محل استحلاله توقف حلها على الإستبراء بعد لزوم ملكه بقرء سواء كان الملك عن هبة أو بيع وصية أو إرث أو فسخ أو إقالة وسواء كانت صغيرة أو كبيرة أو حاملا أو حائلا وسواء كان المالك ممن يتصور منه شغل أو لا يتصور كامرأة أو مجبوب أو صبي وسواء كانت قد استبرأت قبل البيع أو لم تكن وقال داود لا يجب استبراء البكر وقال مالك رحمه الله الصغيرة التي لا توطأ لا تستبرأ وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يجب إذا عادت بخيار رؤية أو رد بعيب أو رجوع في هبة أو إقالة قبل القبض وأوجب في الإقالة بعد القبض
وألحق أصحابنا بزوال الملك المكاتبة إذا عجزت وعادت إلى الحل لأنها صائرة إلى حالة تستحق المهر على السيد ولذلك تحل أخت المكاتبة
ولا خلاف في أن التحريم بالصوم والرهن لا يؤثر أما زوال إحرامهاوإسلامها بعد الردة وطلاق زوجها إياها ففيه خلاف لتأكيد هذه الأسباب وإيجاب ذلك في المزدوجة اولى لأن الزوج قد استحق منافعها ثم يرجع الإستحقاق إليه أما إذا اشترى منكوحته الرقيقة ففيه وجهان
أحدهما أنه لا يجب لأن الحل دائم من شخص واحد
والثاني يجب لتبدل جهة الحل
ولو باع جاريته بشرط الخيار ثم رجعت إليه في مدة الخيار فإن قلنا لم يزل ملكه فلا استبراء وإن قلنا زال الملك وحرم الوطء لزم الإستبراء وإن قلنا زال الملك ولكن الوطء جائز لأنه فسخ فها هنا يحتمل أن يقال الحل مطرد والجهة متحدة بخلاف شراء الزوجة فلا استبراء ويحتمل أن ينظر إلى تجدد الملك وبه يعلل استبراء المنكوحة المشتراة
فرع لو اشترى محرمة أو معتدة أو مزوجة ففي وجوب استبرائها بعد انقضاء العدة أو بعد طلاق الزوج من غير دخول نصوص مضطربة للشافعي رضي الله عنه فقيل فيه قولان
أحدهما أنه يجب وهو القياس ولا يبعد أن يتأخر الإستبراء عن الملك إلى وقت الطلاق ونزوال العدة
والثاني أنه لا يجب لأن الموجب جلب الملك ولم تكن إذ ذاك في مظنة الإستحلال فهو كشراء الأخت من الرضاع لا يوجب الإستبراء ولما حصل الحل لم يتجدد ملك حتى يجب به
السبب الثاني زوال الملك فنقول الجارية الموطوءة مستولدة كانت أو لم تكن فهي في حكم مستفرشة فإذا اعتقت بعد موت السيد أو بالإعتاق فعليها التربص بقرء واحد وقال أبو حنيفة رحمه الله أما المستولدة فتتربص عند العتق ولكن بثلاثة أقراء نظرا إلى كمالها في الحال وأما الأمة فلا تربص عليها وزاد فقال لو وطئها السيد وأراد في الحال تزويجها جاز من غير استبراء وهذا هجوم عظيم على خلط المياه وعندنا أن كل جارية موطوءة لا يحل تزويجها إلا بعد الاستبراء وكأن هذا الإستبراء من نتيجة حصول ملك الزوج فإن ملك السيد لم يزل إلا أنه يجب تقديمه على الملك لأن النكاح يقصد لحل الوطء فلا يمكن عقده إلا بحيث يستعقب الحل وأما المشتري فيستبرىء بعد الملك لأن الشراء بقصد الأغراض المالية فلا يقبل الحجر بسبب الوطء نعم إن عزم على الشراء قدم الإستبراء عليه
فروع
الأول لو اشترى المستفرشة المستبرأة تسلط على التزويج وأعتق قبل التزويج أو باع وأراد المشتري التزويج أو أعتق المشتري قبل الوطء فأراد التزويج ففي جواز ذلك ثلاثة أوجه
أحدها وهو الظاهر أنه يجوز إذ كان يجوز قبل زوال الملك فطرآن العتق أو الشراء لم يحرم تزويجا كان ذلك جائزا
والثاني أنه لا يجوز لأن زوال ملك الفراش سبب يوجب عدة الإستبراء وقد طرأ فامتنع بهذا الطارىء حتى يزول
والثالث أن ذلك يمنع في المستولدة دون الرقيقة لأنها بالمستفرشة أشبه
والثاني المستولدة المزوجة إذا طلقها زوجها واعتدت فأعتقها السيد وأراد تزويجها قبل الوطء فهل له ذلك فيه قولان
أحدهما نعم إذ كان يجوز قبل العتق
والثاني لا لأن عتقها هو زوال ملك الفراش وقد صارت مستفرشة له بانقضاء عدتها وإن لم يطأها إذ عادت إلى فراشه
أما إذا قال أنت حرة مع آخر العدة فها هنا لم ترجع إلى فراشه فمنهم من قطع بجواز التزويج ومنهم من طرد القولين وجعل مجرد زوال الملك عن المستولدة سببا للعدة
الثالث إذا أعتق المستولدة المزوجة وهي في صلب النكاح أو عدته فالظاهرأن الإستبراء لا يجب لأنه ليس الزائل فراشا له بل هي فراش للزوج وفيه قول آخر أنه يجب لزوال ملك السيد وقد كانت مستفرشة من قبل فإن أوجبنا في العدة فلا يخفى أنهما لا يتداخلان ويبقى النظر في التقديم والتأخير كما سبق
الرابع إذا أعتق مستولدته وأراد أن ينكحها في مدة الإستبراء ففي جوازه خلاف والأظهر جوازه كما لو وطئها بالشبهة وأراد أن ينكحها والثاني المنع لأن زوال الملك أوجب تعبدا بالإستبراء ولذلك منع من التزويج من الغير على وجه مع أنه كان جائزا قبل العتق
الخامس المستولدة المزوجة إذا مات زوجها وسيدها جميعا فإن مات السيد أولا فعليها عدة الوفاة أربعة أشهر وعشر فإن مات الزوج أولا فعليها نصف ذلك وإن استبهم فعليها الأخذ بالأحوط وذلك ظاهر إذا فرعنا على الصحيح في أنه ليس عليها استبراء للسيد وإن أوجبنا فبعد مضي عدة الوفاة لا بد من شهر آخر إلا إذا كانت من ذوات الأقراء فتكفيها حيضة وإن جرت في مدة العدة لأن المقصود وجود صورة الحيض بعد موت السيد وقد حصل وإن لم تجر فلا بد منها بعد العدة
وإن ماتا معا فلا استبراء لأنها ما عادت إلى فراشه والظاهر أن عدتها شهران وشيء بخلاف ما لو تقدم موت السيد بلحظة على موت الزوج وفيه وجه أنها لو عتقت في أثناء العدة استكملت عدة الحرائر فإذا أعتقت مع موته فهو أولى بذلك
قاعدة
يجوز اعتماد قولها إني حضت فلا سبيل إلى تحليفها إذ لا يرتبط بنكولها حكم فإن السيد لا يقرر على الحلف ولا اطلاع له على حيضها
ولو امتنعت عن غشيانه ورفعت إلى القاضي فقال قد أخبرتني بالحيض فالأوجه تصديق السيد وتسليطه إذ لولا ذلك لوجبت الحيلولة بينهما كما في وطء الشبهة فالإستبراء باب من التقوى فيفوض إلى السيد وذكر القاضي أنه لا يبعد أن يكون لها المخاصمة والدعوى حتى إن الجارية الموروثة لو ادعت أن المورث وطئها وطئا محرما على الوارث فللوارث أن لا يصدقها وهل لها تحليفه فيه خلاف فكذلك هذا ويتأيد بوجه ذكر أن لها الإمتناع عن وقاع السيد الأبرص فيشعر بأنها صاحبة حق على الجملة
الفصل الثالث فيما تصير به الأمة فراشا
فنقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش فإذا استبرأ جارية فأتت بولد قبل أن يطأها فلا يلحق به إذ لا فراش وتصير فراشا بالوطء وإنما يلحقه الولد إذا استلحقه أو أتت به لزمان يحتمل أن يكون منه بعد الوطء ويثبت الفراش بأن يقر بوطء عري عن دعوى الإستبراء والعزل
والصحيح أن دعوى العزل لا تنفي الولد لأن الماء سباق لا يدخل تحت الإختيار والصحيح أن اعترافه بالوطء في غير المأتى لا يلحق الولد به أما إذا قال وطئت واستبرأتها بعده بحيض فالمذهب أنه ينتفي عنه الولد بغير لعان لأن فراش الأمةضعيف ومنهم من قال لا ينتفي إلا باللعان
فإن فرعنا على المذهب فأنكرت فالقول قوله فكأنا نقول لم يقر إقرارا ملحقا وإن كانت هي المؤتمنة في رحمها
ولو ادعت أمية الولد فلها تحليفه ثم فيه وجهان
أحدهما يحلف أنها حاضت بعد الوطء وما وطئها بعد الحيض
والثاني أنه يضيف إلى ذلك أن الولد ليس مني حتى ينتفي
ولو أتت بعد الوطء لأكثر من أربع سنين فمقتضى قولنا إنها صارت فراشا أنه يلحقه فإن قلنا إنه ينتفي بدعوى الإستبراء فهذا أظهر وإن قلنا لا ينتفي فهذا فيه تردد وعلى الجملة هذا بالنفي أولى من الإستبراء ويقرب من هذا أنها لو أتت بولد ثم أتت بولد آخر لأكثر من ستة أشهر من الولد الأول فإنه ولد بعد الإستبراء بالولد الأول فمنهم من قال يلحق إذ صارت فراشا ومنهم من قال لا إذ ليس يثبت لها عند الشافعي رضي الله عنه حكم المستفرشة وعلى هذا يلتفت أن المستفرشة إذا طلقها زوجها هل تعود فراشا بمجرد الطلاق حتى يجب الإستبراء بعتقها قبل الوطء فإن قلنا تعود فراشا لحقه الولد من غير إقرار جديد بالوطء لكن الأصح أنها لا تعود فراشا
فرع
إذا اشترى زوجته وأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون في النكاح وفي ملكاليمين فيلحقه الولد إذ الأمة لا تنحط عن البائنة ولكن لا تصير أم ولد له إذا لم يعترف بوطء في الملك وفيه وجه أنها تصير أم ولد له لأنها ولدت منه في ملكه وهو بعيد نعم لو أقر بالوطء واحتمل أن يكون من النكاح وملك اليمين فيحتمل ترددا في أمية الولد ووجه إثباته أن يقال ملك اليمين مع الإقرار بالوطء يثبت فراشا ناسخا لفراش النكاح فيحال الولد على الناسخ ويمكن أن يقال ملك اليمين لا يقوى على نسخ فراش النكاح ويبتني عليه تردد في أن زوج الأمة إذا طلقها قبل المسيس وأقر السيد بوطئها وأتت بولد لزمان يحتمل أن يكون منهما فيحتمل أن يلحق بالسيد لأن فراشه ناسخ ويحتمل أن يعرض على القائف
كتاب الرضاع
والأصل فيه قوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة } وقال النبي صلى الله عليه وسلم
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
وفي الكتاب أربعة أبواب
الباب الأول في أركان الرضاع وشرائطه
أما الأركان فثلاثة المرضع واللبن والمرتضع
أما المرضع فهو كل امرأة حية تحتمل الولادة فاحترزنا بالمرأة عن البهيمة والرجل فلو ارتضع صغيران من بهيمة فلا أخوة بينهما لأن الأخوة تتبع الأمومة وقال عطاء تثبت الأخوة ولو در لبن من ثدي الرجل فلا أثر له وفيه وجه أنه كلبن المرأة والصبية بنت ثمان إن در لبنها فلا حكم له بل هو كلبن الرجل وفي لبن البكر وجهان
أحدهما يحرم لأنها في محل الولادة وإن لم تلد قطعا
والثاني أنها كالرجل إذ اللبن فرع للولد ولا ولد
أما لو أجهضت جنينا فلبنها مؤثر وإذا در لبن لصبية بنت سنين وقلنا يعتبر لبن البكر اعتبر ذلك لاحتمال البلوغ ثم لا يحكم ببلوغها بمجرد اللبن ولكن كما يلحق الولد بابن تسع سنين ولا يحكم ببلوغه
وأما المرأة الميتة إذا بقي في ضرعها لبن فلا يؤثر لبنها لأنها جثة منفكة عن الحل والحرمة كالبهيمة نعم لو حلب في حياتها وارتضع بعد الموت كان محرما على المذاهب وفيه وجه أنه لا يحرم لأن الميت لا يحتمل ابتداء الأمومة
الركن الثاني اللبن والمعتبر عندنا وصول عينه إلى الجوف وإن لم يبق اسمه حتى لو اتخذ منه جبن أو أقط أو مخض منه زبد فأكله الصبي حرم فلم يتبع الشافعي رضي الله عنه اسم اللبن وإن اتبع اسم الإرضاع وعول على الخبر فيه
ولو اختلط بمائع وهو غالب حرم وإن كان مغلوبا بحيث لا يظهر له لون وطعم فإناختلط بما دون القلتين وشرب الصبي جميعه ففيه قولان
أحدهما أنه لا يحرم لأنه قد انمحق
والثاني نعم لأن العين باق فيه وقد وصل إلى الجوف فعلى هذا لو شرب بعضه فوجهان
أحدهما يحرم لانه مثبت في الجميع
والثاني لا فلعله في الباقي والوجه القطع بأنه يعتبر يقين الإثبات فإن شك فالأصل عدم التحريم
أما إذا اختلط بقلتين فالترتيب على العكس وهو أنه إن شرب بعضه لم يحرم وإن شرب كله فقولان مرتبان على ما دون القلتين وأولى بأن لا يؤثر
ثم لم نعتبر القلتين في سائر المائعات بل في الماء خاصة واعتباره بعيد
وقال الشيخ أبو حامد المغلوب يعني به الذي لا يؤثر في التغذية لا الذي لا يؤثر في اللون
الركن الثالث المحل وهو جوف الصبي الحي فلا يؤثر الإيصال إلى جوف الميت ولا إلى جوف الكبير ونعني بالجوف المعدة ومحل التغذية لأن الرضاع ما انبت اللحم وأنشر العظم فلو وصل إلى جوف لا يغذي كالمثانة والإحليل فحيث لا يفطر لا يؤثر وحيثيحصل الإفطار ففي تحريم الرضاع قولان وفي السعوط طريقان منهم من طرد القولين ومنهم من قطع بالحصول لأن الدماغ له مجرى إلى المعدة فينتهي إليها بخلاف الحقنة
أما الشرط فهو اثنان
الأول الوقت فلا أثر للرضاع بعد الحولين عند الشافعي رضي الله عنه لقوله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا في الحولين ولقوله تعالى { حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } ولا حكم لما بعد التمام وقال أبو حنيفة رحمه الله ثلاثون شهرا وقال ابن أبي ليلىثلاث سنين وقالا داود أبدا وبه قالت عائشة رضي الله عنها واستدلت بأن سهلة بنت سهيل قالت كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم
أرضعيه خمس رضعات ففعلت وكان كبيرا وأبى سائر الصحابة ذلك وقالوا كان ذلك رخصة لسالم
فرع
لو شككنا في وقوع الرضاع في الحولين فيقرب من تقابل الأصلين إذ الأصل بقاء الحولين والأصل عدم التحريم والأظهر أنه لا يحرم فإنه الأصل كالماسح إذا شك في انقضاء مدة المسح قلنا الأصل وجوب الغسل لا بقاء المدة
الشرط الثاني العدد فلا يحرم إلا خمس رضعات لقول عائشة رضي الله عنها أنزلت عشر رضعات محرمات فنسخن بخمس رضعات وقال أبو حنيفة رحمه الله يحرم برضعة وقال أبو ثور وابن أبي ليلى يحصل بثلاث رضعات
ثم النظر في أمرين
أحدهما في التعدد وإنما يتعدد بتخلل فصل بين الرضعتين ويتبع فيه العرف كموجب اليمين ولا ينقطع التواصل بأن يلفظ الصبي الثدي ويلهو لحظة ولا بأن يتحول من ثدي إلى ثدي لأن ذلك إتمام رضعة واحدة وإنما ينقطع بالإضراب ساعة والعرف هو المحكم وعند الشك الأصل نفي التحريم
أما إذا حلبت اللبن دفعة واحدة وشربه الصبي في خمس رضعات فقولان الأصح حصول العدد نظرا إلى تقطع الوصول والثاني أنه ينظر إلى اتحاد الحصول والإنفصال
وإن حلب خمس دفعات وتناوله الصبي من إناء واحد دفعة واحدة فهو رضعة فإن تناوله بدفعات فطريقان
منهم من قطع بالعدد لتعدد الطرفين
ومنهم من قال اللبن في حكم المتحد لما اختلط
الأمر الثاني أن يتعدد المرضع ويتحد الفحل كالرجل له خمسة مستولدات أو أربع نسوة ومستولدة أرضعن بلبانه صغيرة كل واحدة مرة لا تحصل الأمومة وهل تحصل الأبوة للفحل فيه وجهان مشهوران
أحدهما أنه لا تحصل لأن الأمومة أصل والأبوة تبع
والثاني تحصل لأن الأبوة أيضا أصل وقد حصل العدد في حقه
ولو كان بدلهن خمس بنات فوجهان مرتبان وأولى بأن لا تحصل لأن اللبن ليس منه حتى نقول كأنه المرضع وهن كالظروف للبنه لأن البنات كبنت واحدة من وجه والأخوات كالبنات وإذا ثبتت الحرمة مع ابنتيه انجرت إليه
ولو كن مختلفات كأم وأخت وبنت وجدة وزوجة فالظاهر أنه لا يحرم لأن هذا المجموع لا يحصل منه قرابة واحدة يعبر عنها بعبارة وقيل يحرم إذ لو استتمت كل واحدة خمسا لحرمت
فرع يعتبر تخلل فصل بين رضعات الزوجات فلو أرضعن دفعة واحدة على التواصل فوجهان
أحدهما أنه يتعدد لتعدد المرضع
والثاني أنه يتحد كتعدد الثدي من واحدة لأن الصبي ارتضع دفعة واحدة فعلى هذا لو عادت واحدة وأرضعت أربعا حرم عليها لأنها كملت الخمس وفيه وجه أنه لا يحرم لأن الرضعة الأولى لم تحسب رضعة تامة ولو حسبت لحصل التحريم بالمجموع وهذا ضعيف
الباب الثاني فيمن يحرم بالرضاع
ويحرم بالرضاع أصول وفروع والأصول ثلاثة
المرضعة وهي الأم وزوجها وهو الأب
والمرتضع وهو الولد ومنهم تنتشر الحرمة إلى الأطراف حتى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
بيانه أنه إذا حرم على المرتضع المرضعة حرم عليها أمهاتها نسبا ورضاعا فإنهن جدات وحرم عليه أخواتها نسبا ورضاعا فإنهن خالات ولم تحرم عليه بنات أخواتها وإخوتها فإنهن بنات الخالات والأخوال وحرمت بناتها عليه نسبا ورضاعا فإنهن أخوات المرتضع وحرمت أولاد بنات المرضعة قربن أو بعدن من النسب والرضاع فإنه خالهن وكما حرمت المرضعة على المرتضع حرمت على أولاده من النسب والرضاع فإنهم حوافدها ولم تحرم على أب المرتضع فلو تزوج بها أبوه فكأنه تزوج بأم الابن ولا منع منه ولو تزوج أخوه بها فلا منع وكأنه تزوج بأم الأخ وهو جائز وإنما لا يجوز في النسب لأنها زوجة الأب وذلك حرام بحكم المصاهرة
وهذا القياس بعينه جار بين المرتضع والفحل فإذا كان هو للمرتضع أبا فأبوه جد وأخوه عم وابنه أخ وعلى هذا القياس
والأصل في الفحل أن عائشة رضي الله عنها احتجبت من أفلح فقال صلى الله عليه وسلم
ليلج عليك فإنه عمك وكانت قد ارتضعت من زوجة أخيه ولا يخالف الرضاع النسب إلا في أم الأخ من الرضاع وأم الإبن من الرضاع فإنهما لا يحرمان من الرضاع وإنما يحرمان من النسب للمصاهرة والزوجية
فصل في مسائل تتعلق بالفحل خاصة
فنقول إنما تثبت الحرمة من الفحل إذا أرضعت بلبانه ونسب اللبن ينسب الولد إليه وكل ولد منفي عنه فاللبن الحاصل بسببه منفي عنه كولد الزنا والولد المنفي باللعان
وأما لبن المولود من وطء الشبهة فالصحيح أنه منسوب إليه كالولد وقد نقل فيه قول ووجهه أن النسب يثبت للضرورة ولا ضرورة في الرضاع وكذا طردوا هذا القول في الصهر
فرعان
أحدهما أنه لو وطئت المنكوحة بالشبهة وأتت بولد بحيث يعرض على القائف وفرعنا على الصحيح في ثبوت الرضاع بوطء الشبهة فالرضاع تبع للنسب فإذا أرضعت صغيرا فهو ولد من ألحق القائف به المولود فإن لم يكن قائف وبلغ المولود وانتسب إلى أحدهما تبعه المرتضع في الرضاع فإن مات قبل الإنتساب ففي الرضيع ثلاثة أقوال أحدها أنه ينتسب بنفسه كالولد لأنه تابع والآن مات المتبوع فقام مقامه ولكن هو ينتسب عند عدم الولد
والثاني أنه لا ينتسب لأن الولد يبني على ميل في الطبع تقتضيه الخلقة وذلك لا يتحقق في الرضاع فعلى هذا نسبه في الرضاع مبهم بينهما فيحرم عليه مواصلتهما جميعا وهذا هو الأصح
والثالث أن الأمر موقوف والحرمة قائمة وعليه أن لا يواصلهما جميعا ولكن له مواصلة أحدهما وإذا فعل تعين ولم يجز له بعد ذلك مواصلة الثاني وإن طلثق الأول وفيه وجه أن له مواصلة الثاني مهما طلق الأول وإنما يحرم عليه الجمع لأن يتيقن التحريم عند الجمع لا عند الإفراد وفي المسألة قول آخر أنه يثبت نسبه في الرضاع منهما لأنه يحمل أبوان من الرضاع ولا يحمل من النسب وهذا ضعيف إلا أن يراد به شمول التحريم وذلك صحيح
الفرع الثاني إذا طلق زوجته ولبنها دار فهو منسوب إليه أبدا وكذلك لو انقطع وعاد ما لم تضع حملا من واطىء آخر وقيل إنه يتقدر بأربع سنين وهو أقصى مدة الحمل وهو فاسد لأن اللبن لا تتقدر مدته ومهما وضعت حملا من واطىء لخر شبهة أو نكاح انقطع نسبة اللبن عنه اما في مدة الحمل في النكاح الثاني فهو منسوب إلى الأول إن قال أهل البصر لم يدخل وقت درور اللبن من الثاني فإن قالوا دخل ففيه نظر
فإن كان اللبن لا ينقطع ففيه ثلاثة أقوال
أحدهما أنه للأول استصجابا
والثاني أنه لهما
والثالث أنه إن زاد اللبن فلهما وإلا فهو للأول
وأما إذا كان قد انقطع وعاد بالحمل فثلاثة أقوال
أحدهما أنه للأول إذ لم يطرأ قاطع معلوم فلا نبالي بقول أهل البصر إن ذلك جائز ولا بانقطاع اللبن
والثاني أنه للثاني لأن الحمل ناسخ
والثالث أنه لهما جميعا والله أعلم
الباب الثالث في بيان الرضاع القاطع للنكاح وحكم الغرم فيه
ويشتمل هذا الباب على غوامض الكتاب ولا بد من تقديم أصلين
أحدهما في الغرم
والثاني في التفاف المصاهرة بالرضاع
الأول في الغرم فإذا كان تحته صغيرة فأرضعتها أمه أو امرأته بلبانه حرمت زوجته الصغيرة وانقطع النكاح وعلى الزوج نصف المسمى قبل المسيس وجميعه حيث ينقطع النكاح بمثله بعد المسيس وأما المرضعة فقد فوتت ملك النكاح عليه فلا بد وأن تغرم وقد نص الشافعي رضي الله عنه أن عليها قبل المسيس نصف مهر المثل ونص في شهود الطلاق إذا رجعوا أنهم يغرمون جميع مهر المثل فقيل قولان في المسألتين بالنقل والتخريج ينظر في أحدهما إلى أن المستقر هو النصف توفي الثاني وهو الأصح أن الملك بكماله مستقر وإنما يسقط الشطر بالطلاق فيجب جميع المهر ومنهم من فرق بأن الشهود لم يقطعوا باطنا ملكه وإنما أوقعوا حيلولة والإرضاع قطع النكاح والقطع قبل المسيس لا يوجب إلا النصف ومنهم من أقر النص في الشهود وخرج منه قولا إلى الرضاع أنه يجب التمام وهو متجه في القياس وذكر بعض أصحابنا قولين آخرين
أحدهما أنه يغرم نصف المسمى لأنه الذي فات على الزوج متقوما أما البضع فلايتقوم وهو مذهب أببي حنيفة رحمه الله
والثاني كمال المسمى لأنه الذي بذل الزوج إذ التشطير خاصية الزوج
وفي الشهود قول خامس أن الزوج إن كان بذل كمال المسمى وجب كمال المسمى لأن الزوج منكر للطلاق فلا يمكنه استرداد شطر المسمى
أما إذا جرى بعد المسيس بأن كان تحته كبيرة وصغيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة حتى صارتا أختين فحرم جميعهما اندفعا على الصحيح وفيما تغرم لأجل الكبيرة الممسوسة قولان
الصحيح المقطوع به أنها تغرم كمال مهر المثل
والثاني أنها لا تغرم شيئا لأن الزوج بالوطء استوفى ما يقابل المهر وكذلك إذا ارتدت بعد المسيس لم تغرم شيئا
وهذا كله إذا كان الرضاع منها قصدا فلو كانت المرضعة نائمة فدبت الصغيرة إليها وامتصت فالفسخ محال على الصغيرة حتى يسقط كمال المسمى ولا تغرم المرضعة لعدم القصد
ولا خلاف في أن فعلها في الإرتضاع لا يعتبر مهما كانت المرضعة قاصدة بل يحال على جانب المرضعة وذكر الشيخ أبو علي في النائمة وجهين آخرين
أحدهما أنه يحال على المرضعة لأنها صاحبة اللبن فتنسب إليه وهذا ضعيف
والثاني أنها لا تغرم لأنها لم تقصد وتستحق الصغيرة نصف المسمى إذ لا عبرة بفعلها
أما إذا قطرت قطرة من اللبن فطيرها الريح إلى فم الصغيرة فلا غرم على صاحبة اللبن والصغيرة تستحق شطر المهر إذ لا فعل لها ويرجع وجه في النظر إلى صاحبة اللبن
الأصل الثاني في التفاف المصاهرة بالرضاع
فنقول إذا أرضعت امرأة صبية فنكح الصبية رجل حرم عليه المرضعة لأنها أم زوجته والأمومة سابقة على الزوجية فلو نكح صبية وأبانها فأرضعتها كبيرة حرمت الكبيرة على المطلق لأنها صارت أم صغيرة كانت زوجته إذ لا ينظر إلى التاريخ والتقديم والتأخير وهذا متفق عليه والمطلقة أو المستولدة إذا نكحت صغيرا ثم أرضعته بلبان الزوج أو السيد حرما على المطلق والسيد لأن الرضيع صار ابنا وهي كانت زوجته قبل أن صار ابنا فصارتا أم الزوجة
وكذلك لو نكح زيد كبيرة وعمرو صغيرة ثم طلقاهما ونكح كل واحد زوجة صاحبه فأرضعت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة عليهما لأنها صارت أم صغيرة هي زوجتهما وأما الصغيرة فإن لم يكن زيد قد دخل بالكبيرة لما كانت تحته فنكاح الصغيرة باق لأنها صارت ربيبة امرأة لم يدخل بها فإن كان قد دخل بالكبيرة حرمت الصغيرة وانفسخ النكاح لأنها ربيبة مدخول بها
فإن تمهد هذان الأصلان انشعب منهما صور
الصورة الأولى إذا كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة بلبان الزوج حرمتا عليه على التأييد لأن الكبيرة صارت أم الزوجة والصغيرة صارت ولد الزوج فإن أرضعتها بلبان غيره وكان بعد الدخول بالكبيرة حرمتا على التأييد لأن الكبيرة صارت أم الزوجة والصغيرة ربيبة مدخول بها وإن كان قبل الدخول حرمت الكبيرة مؤبدة لما سبق وانفسخ نكاح الصغيرة لأنها اجتمعت مع الأم في النكاح ولا يحرم تجديد نكاحها لأنها ربيبة غير مدخول بها أما الغرم فإن ظهر فعلها يسقط مهرها قبل الدخول وغرم مهر الصغيرة كما سبق
الصورة الثانية لو كان تحته كبيرة وثلاث صغار فأرضعتهن دفعة بأن حلبت اللبن فأوجرتهن دفعة حرمت هي على التأييد لأنها أم زوجاته وانفسخ نكاح الصغار لمعنيين
أحدهما ثبوت الاخوة بينهن
والثاني اجتماعهن مع الأم في النكاح
ولم يحرمن مؤبدا لأن تحريمهن بسبب الإجتماع ولكن بشرط أن لا يكون الإرتضاع بلبان الزوج وأن يكون قبل دخوله بالكبيرة حتى لا يصرن ربائب مدخول بها
وإن أرضعت الأوليين ثم الثالثة انفسخ نكاحها مع الأوليين ولم ينفسخ نكاح الثالثة إذ لم يبق في نكاحه امرأة حتى يمتنع الإجتماع فلو أرضعت واحدة فواحدة على الترتيب انفسخ نكاح الكبرى مع الأولى ولم ينفسخ نكاح الثانية في الحال وهل ينفسخ مع نكاح الثالثة وقد أرضعتها وتحته الصغيرة الثانية فيه قولان
أحدهما نعم وهو القياس لأنهما أختان فليست إحداهما بالإندفاع أولى من الأخرى
والثاني أنه تختص الثالثة باندفاع نكاحها لأن سبب الجمع وجد بإرضاعها
وكذلك لو أرضعت أجنبية صغيرتين تحت زوج واحد على التوالي اندفع نكاح الثانية وفي الأولى قولان
وكذلك لو أرضعت أم إحدى الصغيرتين الأخرى انفسخ نكاح المرتضعة وفي الأخرى القولان والأصح في الكل التدافع وهو اختيار المزني رحمه الله
ولو كان تحته أربع صغار فجاء ثلاث خالات للزوج من جهة الأب والأم وأرضعت كل واحدة واحدة لم ينفسخ نكاحهن لأنهن صرن بنات الخالات فلو جاءت بعد ذلك أم أم الزوج أو امرأة أب لأم الزوج وارتضعت الرابعة حرمت هي مؤبدا لأنها صارت خالة للزوج وصارت خالة للصغائر الثلاث إذ صارت اختا للخالة التي أرضعتهن وأخت الخالة خالة فينفسخ نكاحها وفي انفساخ نكاح الثلاث وهي بنات أختها وقد اجتمعن في النكاح معها قولان لأن سبب الجمع محقق منها
المسألة بحالها لو كانت الخالات متفرقات إحداهن للأب والأخرى للأم والأخرى للأبي والأم وجاءت أم أم الزوج وارتضعت الرابعة انفسخ نكاحها وأما الصغائر الثلاث فالتي أرضعتها الخالة للأب لا ينفسخ نكاحها لأن الخؤولة للرابعة حصلت من جهة أم أم الزوج والخالة للأب لا تتصل بها
المسألة بحالها لو جاءت امرأة أب أم الزوج وأرضعت الرابعة بلبان أب أم الزوج ينفسخنكاحها لأنها صارت خالة الزوج للأب وهل ينفسخ نكاح الثلاث أما التي أرضعتها الخالة للأب أو للأب والأم ففي انفساخ نكاحها قولان ولا ينفسخ نكاح التي أرضعتها الخالة للأم لأنها أجنبية منها لأن الخؤولة ثبتت لها من جهة أب أم الزوج وهي خالة من جهة أم أم الزوج ويخرج على هذه القاعدة ثلاث عمات مجتمعات أو متفرقات وفرض إرضاع الرابعة من أم أب الزوج أو امرأة أب أب الزوج
الصورة الثالثة تحته كبيرة وثلاث صغائر وللكبيرة ثلاث بنات كبار فأرضعت كل بنت كبيرة للكبيرة صغيرة فإن كان بعد الدخول حرمت الكبيرة مؤبدا لأنها صارت جدة للصغائر وحرمت الصغائر مؤبدا لأنهن ربائب مدخول بها وإن كان قبل الدخول انفسخ نكاحهن ولم يحرم على التأبيد إلا الكبيرة فإنها أم الزوجات وإنما ينفسخ إذا جرى الإرضاع دفعة من غير توال وإن جرى على التوالي انفسخ نكاح الأولى مع الأم ولا ينفسخ نكاح الثانية والثالثة
فإن حلبن اللبن في ظرف واحد وأرضعن دفعة اندفع نكاح الكل والمرضعات يشتركن في غرامة مهور الصغائر في هذه الصورة لامتزاج اللبن وإن انفردت كل واحدة بالإرضاع معا انفردت كل واحدة بغرامة مهرها واشتركن في غرامة مهر الكبيرة إذ كل واحدة أتت بعلة كاملة في دفع نكاحها
الصورة الرابعة نكح كبيرتين وصغيرتين فأرضعت كبيرة بلبانه الصغيرتين على الترتيب وكذلك فعلت الكبيرة الثانية حرمت الكبيراتان والصغيرتان على الأبد غير أن الكبيرة لما أرضعت الصغيرة الأولى أفسدت نكاح نفسها ونكاح تلك الصغيرة لأنها صارت أم الزوجة وصارت الصغيرة بنتا ولما أرضعت الثانية فسد نكاح الثانية لأنها أيضا صارت بنتا فسقط مهر الكبيرة إن كان قبل الدخول وتغرم مهر الصغيرتين كما سبق وأما الكبيرةالثانية فلم تفسد إلا نكاح نفسها فلا مهر لها ولا شيء عليها
أما إذا لم يكن بلبان الزوج فلا تصير الصغيرة بنتا بل ربيبة فلا يخفى حكمها قبل الدخول وبعده وحكم الآية قائم بالإجماع قبل الدخول
الباب الرابع في النزاع
والنظر في الدعوى والحلف والشهادة
أما الدعوى فإن توافقا على الرضاع حكم باندفاع النكاح ولا يجب إلا مهر المثل إن جرى مسيس وإن ادعى أحدهما قضي بموجب قوله فيما عليه وطولب بالبينة فيما له فإن ادعى الزوج اندفع النكاح ولم يسقط مهرها بقوله وإن ادعت المرأة سقط مهرها إن لم تكن قبضت وإن جرى القبض فلا يقدر الزوج على الإسترداد لأنه منكر للرضاع
أما التحليف فالمنكر يحلف على نفي العلم بجريان الرضاع لأن الرضاع فعل الغير ولا نظر إلى فعلها في الإرضاع لأنها كانت صغيرة فإن نكلت حلف الزوج على البت بجريان الرضاع وقال القفال يحلف على العلم بجريان الرضاع لتطابق اليمين المردودة يمينها على الضد والصحيح أن ذلك ذكره على سبيل الإستحباب وإلا فإذا حلف على الرضاع جزما كفى
أما الشهادة فلها طرفان
الأول عدد الشهود وصفتهم فلا بد من أربع نسوة وقال مالك رحمه الله يكفي اثنتان وتقبل شهادة النسوة وحدهن وقال أبو حنيفة رحمه الله لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين
ولو شهدت أم المرأة وابنتها لم تقبل إن كانت هي المدعية وإن كانت منكرة قبل عليها
ولو ابتدأ الشهادة من غير دعوى على سبيل الحسبة قبل إذ ربما تكون عليها وربما تكون لها وشهادة الحسبة تقبل في الرضاع كما في الطلاق وتقبل شهادة المرضعة وإن شهدت على فعلها إذ ليس تقصد إثبات الفعل بل وصول اللبن إلا إذا كان غرضها الأجرة فلا تقبل وقال الفوراني لو شهدت على أنها ارتضعت مني قبل ولو قالت أشهد أني أرضعتها فلا تقبل لفساد الصيغة
الطرف الثاني في التحمل ويحصل ذلك بأن يشاهد الصغير قد التقم الثدي وهو يتجرع وتتحرك حنجرته مستجرا حركة يحصل له بها علم بوصول اللبن إلى جوفه من قرينة الحال والظن الغالب كالعلم كما في الشهادة على الملك ولكن عند أداء الشهادة ينبغي أن يجزم القول بأن بينهما رضاعا محرما فإن شهد على الإرضاع فليذكر شرائطه من الوقت والعدد وهل يجب ذكر وصول اللبن إلى الجوف فيه خلاف
ولا شك في أن القاضي لو استفضل فعليه ذلك ولكن لو مات الشاهد قبل التفصيل فهل للقاضي التوقف فيه وجهان ومن اكتفى بدون ذلك علل بأن الوصول إلى الجوف لا يرى بخلاف ولوج الآلة في الزنا فإنه يرى ولا خلاف في أنه لو حكى القرائن التي شاهدها في الرضاع لم يقبل إن كان ذلك مستند علمه
كتاب النفقات
والأسباب الموجبة للنفقات ثلاثة
الزوجية
والقرابة
وملك اليمين
السبب الأول الزوجية
ويجب على الزوج النفقة بالاتفاق وهي خمسة أشياء الطعام والإدام والكسوة والسكنى وآلة التنظيف كالمشط والدهن والخادم إن كانت ممن تخدم
ثم الخادم تستحق الطعام والأدم والسكنى والكسوة وتستحق الخف لترددها في الخروج والمرأة لا تستحق الخف بل المكعب للتردد في المسكن
ولا تستحق الخادمة آلة التنظيف ولا تستحق الزوجة المعالجة بالداء والفضد والحجامة
وشرح هذه الأمور مع مسقطات النفقة في ثلاثة أبواب
الباب الأول في قدر النفقة وكيفية الإنفاق
وشرحه في فصلين
الفصل الأول في المقدار
والكلام في هذه الاشياء المذكورة وهي ستة أشياء
الواجب الأول هو الطعام وهو مد على المعسر ومدان على الموسر ومد ونصف على المتوسط وقال أبو حنيفة رحمه الله إنه لا يقدر بل الواجب قدر الكفاية كنفقة القريب ونقل الشيخ أبو محمد قولا غريبا على موافقته ونقل صاحب التقريب قولا أن الزيادة على المد لا مرد له فهو إلى فرض القاضي والمذهب هو الأول ومستنده أن اعتبار الكفاية لا يصح مع أنها تستحق في يوم مرضها وشبعها فإذا بطلتالكفاية فأقل طعام أوجبه الشرع المد في الكفارات وهو القدر الذي يجتزىء به الزهيد ويتبلغ به الرغيب وأقصاه مدان إذ أوجبهما الشرع في الفدية والوسط ما بينهما وقد ثبت أن ذلك يختلف لقوله تعالى { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فتقدير الله تعالى أولى من تقدير القاضي وأحسن مستند لتقدير القاضي تقدير الشرع وإنما ينظر إلى حال الزوج عندنا في العجز والقدرة لا إلى حالها
والمعسر هو الذي لا يملك شيئا أصلا فعليه مد ولا يزيد فإن كان قادرا على كسب الزيادة فإن خرج عن حد استحقاق سهم المساكين بملك مال نظر فإن كثر فهو موسر وإن كان بحيث لو ألزمناه المدين أوشك أن يرجع إلى حد المساكين فهو متوسط فعليه مد ونصف
وليس على المكاتب والعبد إلا نفقة المعسرين وكذلك من نصفه عبد ونصفه حر وقال المزني رحمه الله عليه نصف نفقة المعسرين ونصف نفقة الموسرين هذا حكم المقدار
أما جنس الطعام فغالب قوت البلد فإن اختلف فما يليق بالزوج وإن كان حالالزوج يخالف الغالب فهو في محل التردد
الواجب الثاني الأدم وقد قال الشافعي رضي الله عنه مكيلة زيت أو سمن وهذا تقريب إذ لا تقدير في الشرع فيه وإنما الواجب ما يكفي مع المد أو المدين والرجوع في الجنس إلى الغالب في البلد أو إلى اللائق بحال الزوج
وأما اللحم فقد قال الشافعي رضي الله عنه رطل من اللحم في الأسبوع إن كان الواجب مدا ورطلان للمدين قال العراقيون بنى الشافعي رضي الله عنه هذا على عادة بلدة ألفها فإن اقتضت عادة بلدة أخرى زيادة على ذلك فينبغي أن يزاد وقال القفال رحمه الله لا زيادة عليه لأنا نقتصر على الأقل كما في الطعام
فرعان
أحدهما لو كانت تزجى الوقت بالخبز القفار فلا يسقط حقها من الأدم كما إذا لم تأكل أصل الطعام فإنها تستحق الطعام
الثاني لو تبرمت بجنس واحد من الأدم فيجب على الزوج إبداله على وجه ولا يجب في وجه بل عليها الإبدال إن شاءت
الواجب الثالث الخادمة وتجب نفقة خادمتها إذا كان منصبها يقتضي أن تخدم وإن كان لا يليق بمنصبها وإنما تخدم لمرض فلا يجب إذ لا تجب أسباب المعالجة وإن كان بهازمانة ومرض دائم فهي كذلك تحتاج إلى الخادمة فهذا يحتمل لأن هذا العذر الدائم لا ينقص عن مراعاة الحشمة
ثم على المعسر للخادمة مد وعلى الموسر مد وثلث كذلك قاله الشافعي رضي الله عنه وهو تقريب لا تقدير إذ لا تقدير للشرع فيه نعم هو رطلان وهو لائق بالعادة في حق الخادمة
والصحيح أنه ينظر إلى كفايتها إلا أن هذا القدر قدر الكفاية في الغالب وفي استحقاق الأدم وجهان
أحدهما نعم كالمخدومة ولكن يجوز أن يكون أدمها في الجنس أخسر وفي المقدار ما يليق بقدر طعامها
والثاني أنه لا تستحق بل تكتفي بما تفضله المخدومة في بعض الأحوال
فروع
الأول إذا لم تملك الخادمة فعلى الزوج أن يخدمها جارية أو حرة بأجرة تقدر عليه وعند ذلك لم يكن لها دخل في مقدار نفقة الخادمة وإنما يكون ذلك إذا كانت الخادمة لها وليس عليه أن يشتري لها جارية بل لو قال أنا اخدم بنفسي في الطبخ والكنس فله ذلك لكنها تستحيي في الحمام وفي بيت الماء وفي بعض المواضع فلها الإمتناع صيانة للمروءة فيفيد ذلك جواز نقصان نفقة الخادم لنقصان الخدمة وعند ذلك يحتمل التشطير أو النظر إلى مقادير الأفعال
أما إذا قالت أنا أخدم بنفسي فأعطني نفقة الخادمة فالظاهر أنه لا يلزم لأنها أسقطت مرتبتها وإنما تجب النفقة لضرورة بقاء المرتبة
الثاني لو كانت لها خادمة وأراد الزوج إبدالها بسبب ريبة فله ذلك ولا يجوز بغير عذر لأن قطع الإلف إضرار ولو كان معها خدام فله إخراج الجميع إلا واحدة ولا نبالي بقطع الإلف لأن الدار ملكه وليس عليه سكناهن بل له أن يمنع أباها وأمها عن الدخول عليها ويمنعها عن الخروج لزيارتهما ولكن الأولى أن لا يفعل ذلك
الثالث لو نكح رقيقة وهي تخدم لجمالها ذكر العراقيون وجهين
أحدهما أنه لا تجب نفقة الخادمة لأن الرق ينافي هذا المنصب
والثاني أنه تجب لأن العادة قد تقتضيه
الواجب الرابع الكسوة والأثاث ولا تقدير للشرع فيه فإن العادة تختلف فيه اختلافا بينا فلا بد من الكفاية وهو خمار وقميص وسراويل ومكعب في الصيف ومثل ذلك في الشتاء مع زيادة جبة
أما جنسه فقد قال الشافعي رضي الله عنه على الموسر لين البصرة وعلى المعسر غليظ البصرة وعلى المتوسط ما بينهما وأراد الكرباس قال العراقيون إن كان من عادتها الكتان والحرير لزم ذلك عليه وتتبع العادة قال الشيخ أبو محمد هي لبسة أهل الدين والزيادة عليه رعونة فلا مزيد عليه
ولا بد مع ذلك من ملحفة وشعار ومضربة وثيرة ومخدة ولبد تحت المضربة أو حصير وهل لها طلب زلية تفرشها بالنهار فيه وجهان واقتصروا في الفراش على هذا القدر ولم يردوه إلى العادة وهذا يدل على أن الكسوة لا تزاد على ما ذكره الشافعي رضي الله عنه
ولا بد من ماعون الدار كجرة وكوز وقدر ومغرفة ويكتفي في جميع ذلك بالخزف والخشب والحجر وأما النحاسية فطلبتها ترفه وقد يليق بالشريفة فهو كالزيادة على لين الكرباس
أما الخادمة فتستحق الكسوة أيضا ولكن تخالف جنسية المخدومة وطعامها لا يخالف في الجنس وفي إدامها تردد
الواجب الخامس آلة التنظيف وهو المشط والدهن وإن طلبت مزيدا كالكحلوالطيب لم يجب ويجب المرتك لقطع الصنان إن كان بحيث لا ينقطع بالماء والتراب وإن قال الزوج الدهن للتجمل وإزالة الوسخ ولا أريد التجمل وإزالة الوسخ بغيره ممكن فهذا فيه احتمال
ولا شك في أن للزوج منعها من تعاطي أكل الثوم وما يتأذى برائحته الكريهة وله منعها من تناول السموم المهلكة وهل له منعها من الأطعمة الممرضة فيه وجهان
أحدهما نعم لأن المرض يفضي إلى الموت كالسم
والثاني لا لأن ذلك غيب لا يعلم وتتبع ذلك يطول
وأما الخادمة فلا تستحق آلة التنظيف ولكن إن تلبد شعرها بحيث تتأذى به فلا بد من السعي في الإزالة
وأما الدواء في المعالجات فلا تستحقه الخادمة والمخدومة جميعا
الواجب السادس السكنى ويجب عليه أن يسكنها دارا تليق بها عارية أو إجارة أو شراء ولم يعتبر في القوت والكسوة ما يليق بها بل ما يليق به بخلاف المسكن وكأن ما لا بد فيه من التمليك فيعتبر جانبه وما يراد به الإنتفاع فيعتبر ما يليق بها والله أعلم
الفصل الثاني في كيفية الإنفاق
أما الطعام فلا بد فيه من تمليك الحب مع مئونة الطحن والخبز وإصلاح اللحم من الحطب والملح وأجرة الطباخ ولها الإمتناع من قبول الخبر وليس له أن يكلفها الأكل معه فإنها لا تتسلط على التصرف ونفقتها عوض كالمهر
فروع
الأول لو أخذت الحب واستعملته بذرا فالظاهر وجوب مئونة الإصلاح ويحتمل أن يقال الإصلاح تابع وليس بركن مقصود فلا يستقل
الثاني لو كانت تأكل مع الزوج على العادة ففي سقوط نفقتها وجهان القياس أنه لا تسقط لأنه لم يجر إسقاط ولااعتياض صحيح لكن الأحسن الإسقاط إذ لو جرى من امرأة في عصر الصحابة رضي الله عنهم طلب النفقة للزمان الماضي لاستنكر
الثالث لو اعتاضت عن النفقة دراهم ففيه وجهان
أحدهما المنع كالإعتياض عن المسلم فيه فإنه عوض
والثاني أنه يجوز كقيم المتلفات لأنه لا يتحقق عوضا
ولو أخذت الخبز بدلا عن الحب فوجهان مرتبان وأولى بالمنع لأنه ربا ووجه التجويز أنها كالقابضة لحقها لأنها تركت مئونة الإصلاح
الرابع لها طلب النفقة صبيحة كل يوم وليس عليها الصبر إلى آخر اليوم ثم لو ماتت فيأثناء النهار لا تسترد بل هي تركة لورثتها ولو نشزت في أثناء اليوم استردت فلو قدم إليها نفقة أيام فهل تملكها فيه وجهان
أحدهما نعم كتعجيل الدين المؤجل
والثاني لا لأن السبب غير مستيقن فربما تموت
ثم إذا ماتت وقلنا إنها ملكت ففي الإسترداد وجهان أظهرهما أنه يسترد ولا خلاف أنه يسترد بالنشوز
أما الكسوة فهل يجب التمليك فيها فيه وجهان لترددها بين النفقة والمسكن
فروع
الأول لو سلم إليها كسوة الصيف فتلفت في يدها يجب الإبدال إن قلنا إنه إمتاع وإن قلنا إنه تمليك فوجهان الظاهر أنه لا يجب
الثاني لو أتلفت بنفسها وقلنا إنه تمليك فلا تجب الإعادة عليه وإن قلنا إنه إمتاع فالظاهر أنه يجب ولكن يجب عليها قيمة المتلف
الثالث لو ماتت في أثناء المدة فيسترد ثيابها إن قلنا إنه إمتاع وإن قلنا إنه تمليك فالصنف بالنسبة إلى الثوب كاليوم بالنسبة إلى الطعام فهو تركة ولا شك في أنه يسترد بالنشوز
أما الخادمة فلا يجب شراؤها والتمليك في رقبتها أما التمليك في نفقتها فكالتمليك في نفقة المخدومة ولا يتصور هذا في الرقيقة فإنها لا تملك ولا في المتسأجرة بأجرة فإنها لا تستحق سوى الأجرة بل في التي وعدت الخدمة بالنفقة فتستحق التمليك وإن لم يكن عقد لازم ويحتمل هذا لأجل الحاجة في هذا الموضع
الباب الثاني في مسقطات النفقة
ومسقط النفقة ما يمنع عليه الإستحقاق وفيما تجب به النفقة قولان مستنبطان من معاني كلام الشافعي رضي الله عنه
أحدهما أنه تجب بمجرد العقد بشرط عدم النشوز ولا تجب بالتمكين بدليل وجوبها للرتقاء والمريضة فكأن العقد موجب والنشوز مسقط
والثاني أنها تجب بالتمكين على حسب الإمكان لأن العقد قد أوجب المهر فتكون النفقة عوضا عن التمكين والإحتباس في حبالته
وفائدة القولين تظهر في النزاع فإذا تنازعا في النشوز فإن قلنا تجب بالعقد فالقول قولها لأن الأصل عدم النشوز وإن قلنا تجب بالتمكين فالقول قوله وعليها إثبات التمكين وكذلك إذا لم يطالب بالزفاف والمرأة ساكتة إن قلنا تجب بالتمكين فلا نفقة لها وإن قلنا تجب بالعقد فتجب إذ لا نشوز منها
ولا خلاف أنه تسقط النفقة بامتناع الإستمتاع بسبب من جهتها لا تكون معذورة فيه بخلاف المرض والرتق
والموانع أربعة
الأول النشوز فإذا نشزت يوما لم تستحق نفقة ذلك اليوم والنشوز في بعض اليوم هل يسقط جملة النفقة فيه وجهان
أحدهما نعم لأن حكم اليوم الواحد لا يتبعض
والثاني أنه يوزع على مقدار الزمان إلا إذا كانت تنشز بالنهار دون الليل أو على العكس فإنه يتشطر ولا ينظر إلى مقدار الأزمنة
فروع
الأول لو خرجت بغير إذنه فهي ناشزة ولو خرجت في حاجته بإذنه فلا ولو خرجت في حاجة نفسها بإذنه ففي نفقتها قولان إن قلنا تستحق بالعقد وتسقط بالنشوز فلها النفقة وإن قلنا بالتمكين فلا
الثاني مهما طلب الزفاف فامتنعت بغير عذر فهي ناشزة وإن كانت مريضة يضر بها الوطء فهي معذورة ولها النفقة ولا تسقط بالمرض لأنه دائم ولا تقصير من جهتها فإن قال الزوج سلموها إلي ولا أطؤها فلا يؤمن في ذلك وإن أنكر الزوج كون الوطء مضرا فشهد أربع من النسوة ثبت وإن شهدت واحدة فوجهان مأخذه أنه يجعل إخبارا أم شهادة فإن لم تكن بينة فلها أن تحلف الزوج على نفي العلم بذلك
الثالث إذا نشزت فغاب الزوج فعادت إلى المسكن فهل تعود النفقة فيه وجهان
أحدهما أنه تعود بمجرد رجوعها لزوال المسقط
والثاني أنها لا تعود إلى أن ترفع إلى القاضي فيحكم بطاعتها ويخبر الزوج حتى يرجع أو تنقضي مدة الرجوع فإن لم يرجع بعد ذلك وجبت نفقتها
أما إذا ارتدت فلا نفقة لها فإن عادت قال العراقيون تعود النفقة لأن السبب خفي لا يجب فيه الرفع وقال المراوزة هو كالنشوز الجلي
والمجنونة إذا نشزت شقطت نفقتها وإن لم تأثم لتعذر الإستمتاع بسببها
المانع الثاني الصفر وفيه ثلاث صور
أحدها أن تزوج صغيرة من بالغ ففي وجوب النفقة قولان
أحدهما أنه تجب كالمريضة والرتقاء والمستحاضة وهذا ينطبق على قولنا النفقة بالعقد
والثاني أنها لا تستحق لأن الصغر نوبة معلومة من العمر تنقضي وليس هذا كالرتق الذي لا آخر له ولا كالمرض الذي هو تارات تضطرب
الثانية أن تزوج بالغة من صغير فقولان مرتبان وأولى بالوجوب لأن المنع من جانبه وفيه قول أنها إن كانت جاهلة بصغره استحقت وإلا فلا
الثالثة إذا زوج صيغرة من صغير فقولان مرتبان وأولى بأن لا تجب ونعني بالصغير أن لا يتأتى منه الجماع دون المراهق الذي ليس ببالغ
ثم إذا أوجبنا للصغيرة لم تختلف بالإجابة إلى الزفاف أو السكوت إذ لا فائدة في الوعد نعم إذا انتهت إلى التهيؤ للاستمتاع يخرج من النفقة عند السكوت على القولين
المانع الثالث التلبس بالعبادات كالإحرام والصوم
أما الإحرام فإذا أحرمت بإذنه فقد سافرت في غرض نفسها بإذنه وقد ذكرنا فيه خلافافإن قلنا إنها لا تستحق ففي استحقاقها قبل الخروج وجهان
أحدهما لا لأن الإستمتاع قد امتنع
والثاني نعم لأنها تحت يده وقد أحرمت بإذنه
والصحيح أنه لا فرق بين أن ينهاها الزوج عن الخروج أو يرضى به وحكي عن القفال رحمه الله أنه إذا نهاها عن الخروج فخرجت سقطت النفقة قطعا
أما إذا احرمت بغير إذنه ففي جواز تحليلها خلاف فإن قلنا لا يحللها فهي ناشزة من وقت الإحرام وفيه وجه أنه لا تسقط نفقتها قبل الخروج وهو بعيد وإن قلنا يحللها فما دامت مقيمة فلها النفقة لأنه قادر عليها وفيه وجه أنها لا تستحق لأن الزوج وإن قدر على قهر الناشزة فلا يلزمه وربما ترتاع نفسه من قطع الإحرام
أما الصيام فلا تسقط نفقتها بصوم رمضان لأن الليالي عتيدة وهذه العبادات تشتمل الزوجين لا كالإحرام بحجة الإسلام فإنه على التراخي
أما صوم النوافل فللزوج المنع والتحليل فإن لم يحلل ففي النفقة وجهان مرتبان على الإحرام وأولى بالوجوب لأن الإستمتاع مباح سوى الوطء
وله تحليل صوم نذرته بعد النكاح وليس له منعها من الصلوات المفروضة
أما منعها من رواتب السنن والبدار إلى الفرض في أول الوقت ففيه خلاف والصحيح أنه لا تمنع ثم صوم عاشوراء وعرفة يجري مجرى الرواتب أما صوم الإثنين والخميس فله منعها وجها واحدا
المانع الرابع العدة والمعتدات خمس
الأولى المنكوحة إذا وطئت بالشبهة فلو حبلت وقلنا تستحق نفقة على الواطىء فلا تستحق على الزوج وحيث لا تستحق على الواطىء ففي سقوط نفقة الزوجية خلاف من حيث إن تعذر الإستمتاع بسببها ولكنها معذورة والوجه أن يقال إن كانت نائمة أو مكرهة فلها النفقة وإن مكنت على ظن أنه زوجها فلا نفقة لأن الظن لا يؤثر في الغرامات
الثانية المعتدة عن طلاق رجعي فتستحق النفقة حاملة كانت أو حائلا لأن سلطنة الزوج في الرجعية دائمة فلو أحبلها الواطىء بالشبهة وتأخرت عدة الزوج فإن قلنا له الرجعة في الحال فعليه النفقة وإن قلنا لا رجعة فوجهان ومنهم من قال إن قلنا لا رجعة فلا نفقة وإن قلنا ترتجع فوجهان وهذا أفقه لأنها صارت محبوسة لغيره
فرع لو قال طلقتك قبل وضع الحمل فأنت الآن بائنة فلا نفقة لك فقالت بل بعد الوضع ولي النفقة فالقول قولها لأن الأصل بقاء النفقة وهو يدعي السقوط فعليه الإثبات ولا رجعة لأنها بائنة بزعمه
الثالثة المطلقة البائنة لها السكنى في العدة ولا نفقة لها إلا إذا كانت حاملا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
والنفقة للحمل أو للحامل فيه قولان
أحدهما للحمل لأنه المتجدد فهي كالحاضنة
والثاني للحامل بدليل أنه تجب مقدرا ولا تسقط على الصحيح بمضي الزمان ولا تختلف بزهادتها ورغبتها
فرع
الحر إذا طلق زوجته الحامل المملوكة فيه قولان ينبنيان على أن النفقة للحمل أو للحامل لأن الحمل المملوك لو انفصل فنفقته على السيد لا على الأب وكذا الخلاف فيما لو طلق الرقيق زوجته الحامل
الرابعة المعتدة عن فراق الفسخ الذي لا يستند إليها كردته مثلا فهي كالمطلقة أما إذا كان الفسخ باختيارها أو بسبب عيبها فهذا الفسخ لا يشطر المهر بل يسقطه جميعه ففي نفقتها قولان بناء على أنها للحمل أو للحامل
أما الفراق عن جهة اللعان فهل يضاف إليها فيه تردد لأنها منكرة بسبب اللعان ولكن لها مدخل في البين وإنما تستحق النفقة إذا لم ينف الحمل وكذلك الخلاف جار في أن المهر هل يتشطر به
فرع
لو أنفقت على الولد المنفي باللعان ثم أكذب نفسه رجعت عليه لأنها بذلت علىظن الوجوب ولها ولاية الإستدانة على الزوج لقصة هند وفيه وجه أنها لا ترجع وليس لها ولاية الإستدانة على الزوج وقصة هند محمولة على قضائه صلى الله عليه وسلم وإذنه لها
الخامسة المعتدة الحامل عن وطء الشبهة إذا كانت خلية عن النكاح فهل تستحق نفقة على الواطىء إن قلنا للحمل فتستحق وإن قلنا للحامل فلا تستحق لأنا إذا قلنا إنه للحامل جعلنا بقاء علقة الحمل كبقاء علقة الرجعة في إيجاب نفقة النكاح واستمرارها وكذلك لا توجب بحمل اللعان قطعا لأن الزوج ينكر احتباسها بحمله
التفريع
يتفرع على القولين مسائل
إحداها أنها لو كانت لا تكتفي بالقدر في مدة الحمل أعني المطلقة فهل تزاد منهم من قال إن قلنا للحمل فتزاد لأنه على الكفاية كالحاضنة وإن قلنا للحامل فوجهان ووجه الزيادة الحذر من الإضرار وأن الحمل لا بد وأن يلتفت إليه ومنهم من عكس وقال إن قلنا للحامل فلا تزاد وإن قلنا للحمل فوجهان لأنا لا بد وأن نلتفت في كل قول على المعنى الآخر إذ الحق أنه كالمرتبط بهما جميعا
الثانية أنه إن أنفق عليهما ثم بان أنه لا حمل فهذا ينبني على أن التعجيل هل كان واجبا عليه وفيه قولان مبنيان على أن الحمل هل يعرف والمصير إلى أنه لا يجب التعجيل لا أعرف له وجها مع قوله تعالى { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } بل الصحيح أن الحمل يعرف بالظن الغالب وينبني عليه تسليم الحلفات لورود الخبر وكذلك تسليم النفقة للآية فعلى هذا له الإسترداد فإنه ظن أنه واجب ومن قال لا يجب التعجيل فيقول إن عجل بشرط الرجوع رجع وإلا فوجهان كنظيره في تعجيل الزكاة
أما إذا أنفق ثم بان فساد النكاح فلا يسترد النفقة وإن كانت حائلا لأنها كانت محبوسة على ظن النكاح والنفقة في مقابلة حبس عن نكاح والظن في هذا كالحقيقة
الثالثة إذا طلقها وهي حامل ثم مات لم تنتقل إلى عدة الوفاة وإن كان بائنا بل عدتها بالحمل ولا يخرج نفقة بعد ذلك من التركة فإن قلنا النفقة للحمل فلاتجب النفقة للقريب بعد الموت وإن قلنا للحامل فهي كالحاضنة فلا نفقة لها قال الشيخ أبو علي إذا قلنا للحامل تجب فكأن الطلاق أوجب ذلك دفعة ولذلك تستحق هذه المرأة السكنى مع أن عدة الوفاة لا توجب السكنى على أحد القولين ويعتضد هذا بأن علقة الحمل جعلناها كعلقة النكاح وهي باقية بعد الموت
الباب الثالث في الإعسار بالنفقة
وفي ثبوت حق الفسخ به قولان
أحدهما نعم كما يثبت بفوات الإستمتاع بالجب والعنة بل أولى لأن لها طلب النفقة دون الوقاع ولأن الحياة لا تبقى بغير القوت وتبقى دون الوقاع
والثاني لا لأن النفقة تابعة ومقصود النكاح الإستمتاع ولا يتعين الزوج للنفقة إذ يحل لها مالها ولا وجه للإستمتاع إلا من جهته
فإن قضينا بثبوت الفسخ وجب النظر في أطراف
الطرف الأول في العجز وهو أن لا يملك مالا ولا يقدر على الكسب فإن ملك ولكن منع وعجزت المرأة والقاضي عن أخذ ماله فطريقان منهم من طرد القولين لأن الضرار حاصل ومنهم من قال لا لأن هذا ظلم وليس بعيب فكأن منشأ الخلاف أن هذا الفسخ لنقص الزوج وعيبه أو لتضررها بالنفقة
وإن لم يملك شيئا ولكن قدر على الكسب وقلنا يجب عليه الكسب لأجل الزوجةعلى رأي فهو كالغني الممتنع
الطرف الثاني في المعجوز عنه وهو القوت بجملته فأما الأدم فالعجز عنه لا يسلط على الفسخ في الظاهر وفي الكسوة والمسكن وجهان لأن النفس تبقى دونهما ولكنهما مقصودان لا كالأدم فإنه تابع وكذلك في الإعسار بنفقة الخادم الوجهان والإعسار بالمهر لا يوجب الفسخ لكن لها منع نفسها إن لم تمكن مرة فإن مكنت سقط حق حبسها وقيل بطرد القولين في المهر وهو بعيد أما الإعسار بنفقة ما مضى فلا يوجب الفسخ بل هو دين مستقر في ذمته فرضه القاضي أو لم يفرض أعني به ما يجب فيه التمليك فإن الإمتاع لا يمكن تدارك فائته وقال أبو حنيفة رحمه الله النفقة لا تستقر في الذمة إلا بفرض القاضي كنفقة الأقارب
فرع لو قدر كل يوم على مد فلا فسخ لأنه قوام ولو قدر على ثلث مد ثبت الفسخ ولو قدر على نصف مد فوجهان ووجه المنع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
طعام الواحد يكفيالإثنين وكأن الإجتزاء بنصف المد ممكن وبثلثه لا
الطرف الثالث في حقيقة هذا الدفع ولا شك في أن الدفع بالجب والعنة فسخ والدفع في الإيلاء طلاق وهذا دائر بينهما فاختلفوا فيه فإن قلنا إنه طلاق فلا بد من الرفع إلى القاضي حتى يحبسه ليطلق أو ينفق فإن لم يطلق طلق القاضي طلقة رجعية ولا بد من العدة وإن لم تكن النفقة حقا لله تعالى فإن راجعها طلق القاضي ثانيا إلى أن تتم الثلاث
فإن قلنا إنه فسخ فلا بد من الرفع لإثبات الإعسار فإنه متعلق بالإجتهاد ثم إذا ثبت فلها تعاطي الفسخ
فإن فسخت دون الرفع لعلمها بإعساره لم ينفذ ظاهرا وهل ينفذ باطنا حتى لو اعترف الزوج او قامت البينة تبين نفوذه واحتساب العدة من ذلك الوقت هذا فيه تردد ولا خلاف أنه ينفذ ظاهرا إذا لم يكن في الناحية حاكم أو عجزت عن الدفع
الطرف الرابع في وقت الفسخ والطلبة بالنفقة تتوجه صبيحة اليوم ولكن لو استمهل المعسر ففيه قولان
أحدهما أنه يمهل ثلاثة أيام حتى يتحقق عجزه
والثاني أنه لا يمهل
وعلى هذا فلا خلاف أنها لا تبادر الفسخ صبيحة اليوم فإن أكثر الناس يكسبون قوت اليوم في اليوم ولكن إلى متى التأخير يحتمل أن يقال إلى وسط النهار فإن تأخير الطعام عنه غير معتاد ويحتمل أن يقال إلى الليل وبياض النهار فيتسع للكسب ويحتمل أن يقال حتى ينقضي يوم وليلة إذ به يستقر الحق فإن النفقة لليوم والليلة فيرجع هذا إلى أنه يمهل يوما واحدا نعم لو أقر صبيحة اليوم بأني عاجز ولست أتوقع اليوم شيئا فيحتمل أن يقال لها المبادرة بالفسخ ويحتمل أن يقال يمهل إلى تحقق العجز بانقضاء اليوم
فرع لو كان يعتاد الإتيان بالطعام ليلا فلها الفسخ لأن هذا صيام الدهر نعم لا يثبت بوقوع ذلك مرة أو مرتين وليس ما يحتمل نادرا يحتمل دائما
ويتفرع على قول الإمهال مسائل
إحداها أنه لو جاء النفقة صبيحة اليوم الرابع لليوم الرابع فلا فسخ وما مضى دين في الذمة وليس لها أن تقول أقبض هذا عن الماضي وأفسخ في الحال لأن التعويل على قصد المؤدي فلو عجز في اليوم الخامس فلها الفسخ ولا تستأنف المدة على الظاهر إلا أن يكون قد استغنى بمال يدوم في الغالب ولكن تلف بعارض فيجعل كأن الإعسار الماضي لم يكن ولوقدر في اليوم الثالث وعجز في الرابع فيكمل الثالث باليوم الرابع ولا تستأنف وقيل إنه تستأنف لأن القدرة الطارئة قطعت المهلة وهو ضعيف لأن الزوج يتخذ ذلك عادة فينفق يوما ويترك يومين
الثانية المبادرة صبيحة الرابع جائز ولا يمهل إلى بياض النهار نعم اليوم الخامس يجعل كاليوم الأول على قول من ترك الإمهال حتى يمهل إلى بياض النهار ثم يفسخ حيث يقول لا تستأنف المدة
الثالثة إذا رضيت بعد انقضاء المدة فلها العود إلى الطلب قال الصيدلاني تستأنف المدة بخلاف امرأة المؤلي لأن مدة الإيلاء مضروب شرعا وهذه تضرب بطلبها فتسقط برضاها وإنما جاز لها الرجوع بخلاف زوجة العنين فإن هذا صبر على ضرار يتوقع زواله والعنة عيب وهي في حكم خصلة واحدة والإعسار في كل يوم متجدد ولو قالت رضيت به أبدا فلها الرجوع إلى الطلب كما لو نكحته وهي عالمة بإعساره فلها ذلك لأن هذا وعد بالصبر على ضرار والضرار متجدد فالحق متجدد
الطرف الخامس فيمن له حق الفسخ وهي الزوجة خاصة فلا يثبت لولي المجنونة والصغيرة الفسخ بالإعسار وإن كانت صانعة لأن الفسخ رفع للنكاح وهو متعلق بالطبع كالطلاق فلا تجري فيه النيابة
أما الأمة فإن كانت صغيرة أو مجنونة فهل لسيد فسخ نكاحها بالإعسار فيه وجهان ووجه الجواز أن السيد ذو حق في النفقة فإنه الذي دخل في ملكه وله وإبداله بغيره وإن كانت مستقلة فهي صاحبة الحق ولها الفسخ دون رضا السيد فإن ضمن السيد النفقة لم يسقط حقها كما لو تبرع أجنبي بالنفقة وفي ضمان السيد احتمال
أما إذا رضيت بإعساره فليس للسيد الفسخ لكن يقول للجارية افسخي أو اصبري على الجوع وليس عليه النفقة وذكر الشيخ أبو علي وجهين مرتبين على الصغيرة وأولى بأن لايفسخ ها هنا لاستقلالها
ثم اعلم أن الملك في النفقة للسيد ولكن لها حق التوثيق بها حتى لا يجوز للسيد النفقة إلا بعد تسليم البدل ولا يجوز له الإبراء عن النفقة وكأنه مرهون بحقها ككسب عبد التجارة فإنه كالمرهون بنفقته لاقتضاء العرف ذلك وللأمة طلبها من الزوج فإذا أخذت دخل في ملك السيد لأنها كالمأذونة عرفا وشرعا بالتزويج
هذا كله تفريع على قولنا إن الإعسار يثبت الفسخ فإن قلنا لا يثبت فهل يرتفع عنها حبس المسكن فيه خلاف للأصحاب والقياس أن لا يرتفع إلا إذا عجزت عن نفقة نفسها إلا بالخروج ولكن الخبر يدل على الجواز إذ نقل في الخبر أنه فرق بين المرأة وزوجها المعسر فإن لم يحمل على التفريق في العقد فلا بد من حمله على التفريق في المنزل
ولها المنع من الوطء إن لم تكن قد مكنته من قبل وعلى قول ثبوت الفسخ يبطل حق الفسخ في مدة الإمهال وفيه وجه
السبب الثاني النفقة للقرابة
وفيه ثلاثة أبواب
الباب الأول في شرائط الإستحقاق وكيفية الإنفاق
وفيه فصلان
الفصل الأول في شرائط الإستحقاق
والأصل فيه قوله تعالى { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } الآية وقصة هند معروفة ولا تستحق عندنا إلا بقرابة البعضية فتجب للفروع والأصول مع اختلاف الدين واتفاقه وقال أبو حنيفة رحمه الله تجب بالمحرمية وأثبت للإخوةثم يشترط في الإستحقاق إعسار المنفق عليه ويسار المنفق
أما المنفق عليه فهل يشترط مع الإعسار عجزه عن الكسب إن كان طفلا لم يشترط وإن كان بالغا وكان فرعا ففيه وجهان وإن كان أبا أو جدا ففيه طريقان منهم من قطع بأنه لا يشترط لأن تكليف الإبن أباه الكسب مع الثروة غض من منصب الأبوة ومنهم من طرد القولين
أحدهما أنه يشترط إذ يخرج بالقدرة عن المسكنة واستحقاق سهم المساكين فكذلك النفقة
والثاني أنه لا يشترط كما في الطفل والمراهق ولأن هذا مبني على المجاملة بخلاف الزكاة ويقبح تكليف الكسب مع اتساع مال الأب أو الإبن
فإن قلنا يشترط فهل يشترط أن يكون زمنا فيه وجهان
أحدهما نعم لأن القادر لا يعجز عن أن يصير أجيرا وإن لم يعرف حرفة فيكتسب بوجه
والثاني لا يشترط ذلك بل يكفي أن لا يقدر على حرفة تليق بمنصبه أما ما لا يليق به فلا يعتبر وهذا أعدل وعلى هذا إذا قدر على اكتساب بعض النفقة فلا يستحق إلا القدر المعجوز عنه
وأما حل السؤال للكسوب ففيه خلاف للأصحاب وظاهر الأخبار تدل على تحريمه فقد ورد فيه تشديدات وبالجملة أخذ المال من القريب أهون من السؤال فعلى الجملة إذا سأل فلا يذل نفسه ولا يؤذي المسئول ولا يلح في السؤال
وأما يسار المنفق فنعني به أن يفضل عن قوت يومه شيء حتى يباع في نفقة القريب كلما يباع في الدين من عقار وعبد وإن كان بيع العبد يرده إلى أن يتعاطى أعمالا لا تليق بمنصبه ولكن يجب عليه أن ينفق على أبعاضه كما ينفق على نفسه وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يباع عقاره فيه
أما المفلس الكسوب فهل يجب عليه الكسب والإنفاق على قريبه العاجز الزمن فيه وجهان
أحدهما أنه لا يجب كما لا يجب لأجل الدين
والثاني أنه يجب لأن الدين من العوارض وحاجات الأبناء منوطة بالآباء فكيف يجوز تضييعهم مع القدرة وقد قال صلى الله عليه وسلم
كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول
وهذا خلاف جار في الكسب لأجل الزوجة وأنه هل يجب ذلك
الفصل الثاني في كيفية الإنفاق
ولا تقدير في نفقة القريب بل هو على الكفاية وإنما يجب ما يدرأ ألم الجوع وثقل البدن لا ما يزيل تمام الشهوة والنهمة وكذلك يجب في الكسوة الوسط مما يليق به وهو إمتاع إذ تسقط بمرور الزمان إذا لم يفرضه القاضي بخلاف نفقة الزوجة وفي نفقة الصغير وجه بعيد أنه لا تسقط بمرور الزمان تبعا للزوجة فإن عنايتها بولدها كعنايتها بنفسها
فروع
الأول يستحق الأب مع النفقة الإعفاف وكذلك لو كان كسوبا وكسبه لا يفي إلا بنفسه فيستحق ذلك على أظهر الوجهين ولكن لا يجب إلا نفقة زوجة واحدة فإن كان له زوجتان سلم إليه نفقة زوجة واحدة ثم يقسم هو عليهما
الثاني إذا منع الأب النفقة فهل للأم أخذ النفقة من ماله دون إذنه فيه وجهان مأخذهما التردد في أن إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لهند كان شرعا أو قضاء ولو استقرضت عليه فوجهان مرتبان وأولى بالمنع ولو أنفقت من مال نفسها فوجهان مرتبان وأولى بالمنع إذ تكون مقرضة ومستقرضة ولو كان للطفل مال فأرادت الإنفاق عليه من ماله من غير مراجعة القاضي فوجهان مرتبان وأولى بالجواز
الثالث القريب يرفع أمره إلى القاضي ولا يستبد بالاستقراض فإن عجز عن القاضي فاستقرض فيه وجهان
فإن كان الأب الموسر غائبا والجد حاضرا فعلى القاضي أن يأمر الجد بالإنفاق بشرط الرجوع إلا أن يتبرع وإن استقل فالظاهر أنه لا يرجع إلا إذا عجز عن القاضي ففي رجوعه وجهان
الرابع يجب على الام أن ترضع ولده اللبأ إذ يقال إنه لا يعيش دونه ثم الأجرة على الأب إن كان له أجرة وكذلك في الإرضاع لأن النفقة على الأب وليس عليها الإرضاع إن وجد غيرها وإن لم توجد إلا واحدة ولو أجنبية وجب عليها لأنه من فروض الكفايات ومهما رغبت فهي أولى فلا يقدم عليها الأجنبية رعاية لجانبها وجانب الطفل لزيادة شفقتها
فإن تبرعت الأجنبية وطلبت الأم الأجرة فقولان حاصلهما تردد في أنه هل يجب على الأب تحصيل زيادة هذه الشفقة للطفل ودفع الضرر عنها بمال
هذا إذا لم تكن في نكاحه فإن كانت في نكاحه فللزوج منعها من الإرضاع لأجل الإستمتاع وفيه وجه أن منعها من الإرضاع إضرار بها وبالطفل فيقدم حقها ولا يتجه هذا إلا إذا كان الولد من الزوج فإن كان لغيره فيقدم استمتاع الزوج
الباب الثاني في ترتيب الأقارب عند الإجتماع
والنظر في أطراف أربعة
الأول في اجتماع الأولاد وفيه طريقان
أحدهما أن التقديم للقرب حتى يقدم القريب المحروم من الميراث كبنت البنت على البعيد الوارث كبنت ابن الإبن فإن تساويا في القرب وأحدهما وارث كبنت بنت وابنة ابن ففي تقديم الوارث وجهان فإن اعتبرنا الإرث وتفاوتا في القدر فهل توزع على المقادير أو يسوي فيه وجهان ومثاله الإبن والبنت
الطريقة الثانية أن الإرث مقدم فلو تساويا في الميراث وقضي بالتساوي لتساويهما في أصل الميراث لا في قدره في كل موضع ذكرنا التساوي فيه كبنت وابن ابن فعند ذلك يقدم الأقرب فالأقرب وإن تساويا فيهما يوزع عليهما وفيه وجه أنه يقدم بالذكورة فيقدم الإبن على البنت لأنه مكتسب والنظر إلى الإرث ضعيف مع وجوبها على من لا يرث وعند اختلاف الدين
الطرف الثاني في اجتماع الأصول والأب مقدم على الأم في الصغر وبعد البلوغ وجهان
أحدهما الأب استصحابا
والثاني أنهما أصلان وكأن ذلك كان من أثر الولاية في الصغر وعلى هذا هل يتفاوتان كتفاوت الإرث أم لا فيه وجهان
أما الأجداد والجدات فالقريب مقدم على البعيد المدلي به فإن اختلفت الجهة فخمسة طرق
طريقتان ذكرناهما في الأولاد
الثالثة أن يقدم بولاية المال ويدل عليه تقديم الأب على الأم فإن استويا فمن يدلي بولي فهو أولى فإن استويا فالأقرب أولى وهو اختيار المسعودي
الرابعة تعتبر الذكورة فالذكر أولى فإن استويا فالمدلي بالذكر أولى فإن استويا فالأقرب أولى وعلى هذا الأب اليهودي وإن لم يكن وليا فهو أولى إذ ترعى الجهة المفيدة للولاية لا نفس الولاية
الخامسة النظر إلى الإرث والإكتساب أعني الذكورة فإن وجد فيهما أو عدم أو وجد في أحدهما الذكورة وفي الآخر الوراثة استويا وبعد ذلك يقدم بالقرب وخاصية هذه الطريقة جبر الذكورة والإرث كل واحد لصاحبه وجميع هذه الطرق تجري بين الأولاد إلا اعتبار الولاية لأن المرجحات أربعة الولاية والقرب والإرث والذكورة ولنذكر ثلاث صور لشرح هذه الطرق
صورة الأول أب أب وأم من اعتبر القرب قدم الأم ومن اعتبر الإرث نصر عليهما إما متساويا أو متفاوتا ومن اعتبر الولاية أو الذكورة قدم الجد وقيل للشافعي رضي الله عنه نص على أن أب الأب أولى من الأم ولم يصححه الأئمة
صورة الثانية أب أب وأب أم من راعى القرب سوى ومن راعى الإرث أو الولاية أوالذكورة والإدلاء بها قدم أب أب
صورة الثالثة أم أب أب وأب أم من راعى القرب أو الذكورة قدم أب الأم ومن راعى الإرث قدم أم أب الأب
الطرف الثالث في اجتماع الأصول والفروع وفيه مسائل
إحداها للفقير أب وابن موسران ففيه ثلاثة أوجه
أحدها الأب أولى لأنه ولي فهو أولى بالتربية إذ يستصحب حال الصغر
والثاني الإبن أولى لأنه أولى بالخدمة
والثالث أنهما يشتركان
ثم هل يتفاوتان لأجل الإرث فيه الوجهان
الثانية ابن وجد قيل الجد أولى لأنه كالأب وقيل الابن أولى للخدمة والقرب
الثالثة ابن وأم قيل هي كالأب لأنها أصل وقيل الابن أولى قطعا
وعلى الجملة تعود الطرق وإنما يزيد ها هنا أن الفرع بالخدمة أولى والأصل بالتربية أولى
الطرف الرابع في ازدحام الآخذين للنفقة فإذا لم يفضل إلا قوت واحد اتفقوا على أن الزوجة مقدمة لأنها عيال كالأولاد وحقها آكد إذ لا يسقط بمرور الزمان ولا بغناها وفيه احتمال إذ فيه مشابه الديون ونفقة القريب في مال المفلس مقدم عليه في يوم الأداء لا في المستقبل إلا أن الزوجة عيال فأما المدلون ببعضية فتعود الطرق كلها في الترجيح بالقرب أو الوراثة ويزيد ها هنا شيئان
أحدهما أن هناك الذكورة جهة في التقديم وها هنا الأنوثة هي المرعية إذ تشعر بضعف
والآخر أنا في الإلتزام ننظر إلى مقادير الإرث على رأي وقال الأكثرون في الأخذ لا ينظر إليه فإن استووا وزع عليهم وإن كان لا يسد التوزيع من كل واحد مسدا أقرع بينهم
الباب الثالث في أحكام الحضانة
وفيه فصول
الأول في الصفات المشروطة
والحضانة عبارة عن حفظ الولد وتربيته وتجب مئونة الحضانة على من عليه النفقة وعند الإزدحام يسلك بها مسلك الولاية لأنها سلطنة على الحفظ والتربية لكن تفارق الولاية في أن الإناث أولى بالحضانة لأن الأنوثة تناسب هذه الولاية لزيادة الرقة والشفقة
ولو عضل الأقرب أو غاب انتقل إلى الأبعد لا إلى السلطان لأن هذا يعتمد الشفقة المجردة بخلاف ولاية النكاح ولو امتنعت الأم فأمها أولى من أب الطفل لأن شفقتها كشفقة الأم وقيل ينتقل الحق بعضلها إلى الأب وكأنه في درجة السلطنة في الولاية وهو بعيد
ومهما اجتمع الأب والأم فالأم أحق بالحضانة بشرط اتصاف الأم بخمس صفات
الإسلام والعقل والحرية والأمانة بالفراغ
أما الإسلام فإنما يشترط في ولد المسلم لأن تسليمه إلى الكافر يعرض دينه للفتنة
وأما العقل فهو الأصل فلا ثقة بحفظ المعتوهة
وأما الحرية فلا بد منها لأن هذه ولاية ولا ولاية مع الرق ولا يؤثر رضا السيد وكذلك من نصفها حر ونصفها رقيق إذ لا ولاية لمثلها ولكن عليها نفقة القريب لأن ذلك من قبيل الغرامات
وأما الأمانة فلا بد منها إذ الفاسقة لايؤمن من جانبها
وأما الفراغ فنعني به أن لا تكون في نكاح غيره فإذا نكحت سقط حقها من الحضانة لأنه نوع رق ولا يؤثر رضا الناكح إلا إذا نكحت من له حق الحضانة كعم الولد فالمشهور أنه لا يسقط حقها من الحضانة وفيه وجه أن الأب أولى من الأم وإن نكحت العم
ومهما طلقت قبل المسيس عاد حقها كما إذا أفاقت من جنون أو عتقت من رق أو تابت من فسق أو أسلمت بعد كفر فإن كانت رجعية فالمنصوص رجوع حقها لأنها الآن فارغة معتزلة وفيه قول مخرج وهو اختيار المزني أنه لا حق لها لاستمرار سلطنة الزوج
أما المعتدة البائنة فيعود حقها لكن إن كانت في مسكن الزوج فللزوج أن لا يرضى بإدخال الولد ملكه فإن رضي رجع حقها لا كرضاه في صلب النكاح فإنه لا يؤثر لأن هذا كرضا المعير للدار
الفصل الثاني فيمن يستحق الحضانة
وهو كل من لا يستقل إما لصغر أو جنون لكن الأم أولى بالصبي قبل التمييز فإذا ميز خير بينها وبين الأب وسلم إلى من يختاره غلاما كان أو جارية وقال أبو حنيفة رحمه الله الأب بالغلام أولى والأم بالجارية أولى وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم خير غلاما
ولا ننظر إلى سبع سنين بل نتبع التمييز فإن استمرت الغباوة إلى ما بعد البلوغ فالأم أولى وكذلك إن اتصل به جنون وكأن حقها لا ينقطع إلا باختيار الصبي عن تمييز
ولو اختار أحدهما ثم رجع رد إلى الآخر لأن الحال قد يتغير في الرفق به إلا إذا كثر تردده حتى دل على قلة التمييز فيرد إلى الأم وكذلك إذا سكت عن الإختيار هذا في حق الصبي
أما البالغ إذا كان غير رشيد فهو كالصبي وإن كان رشيدا وهو ذكر استقل وإن كانت جارية وهي بكر فالظاهر أن للأب أن يسكنها موضعا وليس لها الإستقلال وإن كانت رشيدة كما يجبرها على حبس النكاح وهو أعظم من حبس المسكن ثم هذا يختص بالأب والجد ومن له ولاية الإجبار وفيه وجه أنها تستقل وإنما التزويج بالجبر
أما البنت فإنها تستقل إذا تم رشدها بالممارسة لكنها إن كانت تتهم بريبة فلعصباتها ولاية إسكانها وملاحظتها دفعا للعار عن النسب ولا يثبت هذا إلا لمن له ولاية التزويج ولو ادعى الريبة فأنكرت فتبعد مطالبته بالإثبات بالبينة فإن ذلك افتضاح يجر العار والإحتكام على عاقلة أيضا بمجرد الدعوى بعيد ولكن إقامة البينة أبعد منه
فرعان
أحدهما هل يجري التخيير بين الأم ومن يقع على حاشية النسب كالعم والأخ فيه وجهان
أحدهما نعم كالأب والجد
والثاني أن الأم أولى وإنما التخيير مع الأب والجد لأن لهم درجة الولاية والإجبار
ويجري هذا الخلاف في التخيير بين الأب والأخت والخالة إذا قلنا إن الأب مقدم عليهما في الحضانة
الثاني أنه إذا اختار الأب لم يمنعها من الزيارة وإذا اختار الام لم يسقط عن الأب مئونة الحضانة والقيام بتأديبه وتسليمه إلى الحرفة أو المكتب وكذلك المجنون الذي لا تستقل الأم بضبطه يجب على الأب رعايته ومهما سافر الأب سفر نقلة بطل تقديم الأم وكان له استصحاب الولد كيلا ينقطع النسب سواء كان قبل التمييز أو بعده إذ فيه ضرار نعم لو رافقته الأم فهي أولى وليس له استصحابه في سفر النزهة ولا في سفر التجارة وإن طالت المدة وفيه وجه لطول المدة
ولو انتقل إلى ما دون مرحلتين ففي جواز انتزاع الولد وجهان لأن تتابع الرفاق يمنع اندراس النسب
الفصل الثالث في التزاحم والتدافع
والنظر في أطراف
الأول في اجتماع النسوة فإن تدافعن فالحاضنة على من عليها النفقة وإن تزاحموا وطلبت كل واحدة الحضانة فالنص في الجديد أن الأم أولى ثم أمهاتها المدليات بالإناث لا بالذكور ثم أم الأب وجداته المدليات بالإناث وإن علون ثم أم الجد وجداته على الترتيب المقدم في الأب ثم أم أب الجد وجداته كذلك ثم الأخوات ثم الخالات ثم بنات الإخوة لأن الخالة أم وشفقتها أكثر من شفقة العمات وهن بعد الخالات لأن قرابة الأم أقوى في الحضانة والقديم يوافق الجديد في جميع هذا الترتيب إلا أنه في القديم قدم الأخوات والخالات على أمهات الأب لإدلائهن بالأم وهو ضعيف لأن شفقة الأصول أعظمويبقى النظر في ثلاث مسائل
إحداها أن الأخت من الأب مقدمة على الأخت من الأم في الجديد وذكر وجه في التخريج على القديم أن الأخت للأم مقدمة لقرابة الأم وعلة الجديد أنهما يستويان في الشفقة ولا تؤثر جهة الأم في زيادة الشفقة لكن هذه لها قوة في الميراث ويصلح ذلك في الترجيح لكن هذا لا يطرد في خالة لأب وأخرى لأم وكذلك لعمات إذ لا ميراث فمنهم من قدم الخالة للأب لأن الميراث بين لنا قوة هذه الجهة فلا يرعى غير الميراث ومنهم من قدم الخالة للأم إذ لا ميراث وقرابة الأم آكد
الثانية نص الشافعي رضي الله عنه أنه لا مدخل في الحضانة لكل جدة ساقطة في الميراث وهي كل جدة تدلي بذكر بين الأنثيين وهو مشكل لأنها وإن كانت ساطقه في الميراث فالخالة والعمة أيضا كذلك ولعل سببه أن الذكر الذي ليس بوارث ليس له ولاية الحضانة وهي تدلي به ولهذا الإشكال ذكر أصحابنا وجهين آخرين
أحدهما أنهن لو انفردن فلهن الحضانة ولكنهن مؤخرات عن الخالات وجميع المذكورات
والثاني أنهن مؤخرات عن الجدات الوارثات مقدمات على الاخوات والخالات
الثالثة القريبة الأنثى التي لا محرمية لها كبنات الخالات وبنات العمات فيه وجهان
أحدهما أنه لا حضانة لهن إذ الحضانة تستدعي خبرة ببواطن الأمور فتستدعي المحرمية
والثاني أنه تثبت وذكر الفوراني ذلك وقال الخالات مقدمات على بنات الإخوة وبنات الإخوة مقدمات على العمات كما يقدم ابن الأخ في الإرث على العم وقال بنات الخالات مقدمات على بنات العمات
الطرف الثاني في اجتماع الذكور وهم أربعة أقسام
الأول محرم وارث فله حق الحضانة ويترتبون ترتب العصبات في الولاية إلا الأخ من الأم فإنه ليس بولي وهو متأخر عن الأصول وعو الإخوة للأب مع أنه محرم وارث وهل يؤخر عن العم فيه وجهان منهم من أخر للولاية ومنه من قدم للقرب والشفقة وهو الأظهر
الثاني الوارث الذي ليس بمحرم كبني الأعمام لهم حق حضانة في الصبي وفي الصغيرة التي لا تشتهي دون التي تشتهى
الثالث المحرم الذي ليس بوارث كالخال وأب الأم والعم من الأم وبني الأخوات فهم مؤخرون عن الورثة وهل لهم حق عند فقدهم فيه وجهان
أحدهما تثبت للمحرمية كما تثبت للخالة وإن لم تكن وارثة
والثاني لا لأن الخالة أنثى وانضمام الأنوثة إلى القرابة مؤثر ثم لا خلاف أن المستحب للسلطان أن يسلم إليهم
الرابع قريب ليس بمحرم ولا وارث كابن الخالة والخال فالصحيح أنه لا حق لهم وإن ظهر الخلاف في بنات الخالات لأجل الأنوثة وفيه وجه
الطرف الثالث في اجتماع الذكور والإناث ولا شك أن الأم وأمهاتها مقدمات إذا كن من جهة الإناث ثم بعدهن في الأب والجدات من قبل الأب قولان
ظاهر النص تقديم الأب فلا يقدم على الأب إلا الأم وأمهاتها كذلك قال الشافعي رضي الله عنه
والثاني أنهن مقدمات وإن أدلين به لشفقة الأنوثة فعلى هذا في تقديم الأخوات على الأب ثلاثة أوجه
أحدها التقديم للأنوثة
والثاني لا لأن الأب أصل
والثالث أنه يقدم على الأخت للأب فإنها فرعه دون الأخت للأم والأخت للأب والأم
وهذا الوجه لا يجري في الخالة لأنها ليست فرعا ولكن يجري الوجهان في تقديم الخالة على الأب بل تقديم الخالة عليه أولى من تقديم الأخت وكل جدة ليست فاسدة فهي مقدمة على كل عصبة تقع على حواشي النسب
وأما الذكور والإناث على الحواشي إذا استووا في القرب والإرث فالأنثى أولى والأخت أولى من الأخ
ولو كانت الأنثى بعيدة والذكر قريبا فوجهان لتعارض الأنوثة والقرابة
السبب الثالث للنفقة ملك اليمين
وفيه مسائل
الأولى أن نفقة المملوك إمتاع وهو على الكفاية ولا تسقط إلا بزوال الملك أو الكتابة وليس عليه أن يطعمه ويكسوه من جنس ما يطعم ويكتسي ولكن ما يليق به ولو اقتصر من الكسوة على ما يستر به العورة لم يجز ذلك في بلادنا لأنه إضرار وإن لم يكن يتأذى بحر وبرد وهل يجب تفضيل النفيس على الخسيس في الكسوة فيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه يجب إذ العادة تقتضي ذلك
والثاني لا لأن الرقيق يليق به الخشن وإن كان نفيسا
والثالث أنه لا يفرق في العبيد أما الجواري فيفضل السرية على الخادمة
الثانية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كفى أحدكم طعامه خادمه حره ودخانه فليجلسه معه فإن أبى فليروغ له لقمة وليناولها إياه فترددوا وفي ثلاثة أوجه
أحدها أن ذلك واجب على الترتيب
والثاني أنه يجب إما الإجلاس او ترويغ اللقمة ولا يجب الترتيب والثالث
وهو الأظهر أن ذلك مستحب وهو من مكارم الأخلاق
الثالثة الرقيقة أو أم الولد إذا أتت بولد فعليها الإرضاع بخلاف الزوجة فإنها رقيقة ولا يفرق بينه وبينها ولا تكلف أن ترضع غير ولدها مع ولده فإنه إضرار بها وبولدها نعم له أن يستمتع بها ويضم الولد إلى غيرها في وقت الإستمتاع
الرابعة ليس لها فطام ولدها قبل الحولين ولا الزيادة على الحولين إلا برضاه والمتبع رضا السيد فيه إلا إذا كان إضرارا بالولد وأما الحرة فحقها مؤكد في إرضاع ولدها فيتوقف الفطام على توافقهما فإن أرادت الفطام فله المنع وإن أرادت الإرضاع بالأجرة وأراد الأب الفطام فعليه الأجرة وليس له المنع
الخامسة لا أصل للمخارجة وهو ضرب خراج مقدر على العبد كل يوم بل على العبد بذل المجهود وعلى السيد أن يحمله على ما يطيقه فلو امتنع السيد عن الإنفاق يباع عليه فإن لم يرغب أحد في شرائه فهو من محاويج المسلمين
السادسة يجب عليه علف الدواب لأن أرواحها محترمة ولذلك لا يجوز تعذيبها ولا ذبحها إلا لمأكله وكذلك لا ينزف ألبانها بحيث يستضر بنتاجها
ويجوز غصب العلف والخبط لحاجتها إذا أشرفت على الهلاك على المذهب الظاهر
والمسافر يقدم حاجة الدابة إلى الماء على الوضوء فيتيمم وإذا أجدبت الأرض فعليه علف السائمة
ولا يجب عليه عمارة داره وقناته وعقاره وإن أشرفت على الإنهدام لأن الحرمة لذي الروح فإن امتنع من العلف فللقاضي أن يجبره على البيع أو يبيع عليه والله تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين
كتاب الجنايات
اعلم أن أدلة الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة على أن القتل كبيرة متفاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة
وموجباته في الدنيا ثلاثة القصاص والدية والكفارة
أما القصاص فالنظر في حكمه عند العفو والإستيفاء وفي موجبه أما الموجب فالنظر فيه يتعلق بالطرف والنفس أما النفس فالنظر فيها يتعلق بأركان وهو القاتل والقتيل ونفس القتل
الركن الأول القتل نفسه
والموجب للقصاص منه كل فعل عمد محص عدوان مزهق للروح
وقولنا مزهق يتناول المباشرة والسبب فلزم تمييز العمد المحض عن غيره وتمييز السبب عن غيره وينكشف بالنظر في أطراف خمسة
الطرف الأول في تمييز العمد عن شبه العمد
والقصد له ثلاث متعلقات
أحدها بالفعل فمن تزلق رجلاه فسقط على غيره فمات فهو خطأ محض
الثاني التعلق بالشخص فمن رمى إلى صيد فأصاب إنسانا فهو خطأ محض وإن كان الفعل باختياره
الثالث القصد المتعلق بزهوق الروح وبهذا يتميز العمد عن شبه العمد
وفي ضبطه طريقان
أحدهما أن ما علم حصول الموت به بعد وجود قصد الفعل والشخص فهو عمد محض سواء كان قصد الفاعل إزهاق الروح أو لم يكن قصد وسواء كان حصول الموت به غالبا أو نادرا كقطع الأنملة
الطريقة الثانية أن الضابط ما يقصد به القتل غالبا في المثقل فأما فيالجراحات فكل جرح سار ذي غور لأن قطع الأنملة لا يقصد به القتل غالبا ثم هو موجب للقصاص وهذا ضعيف لأن معنى العمد لا يختلف بالجرح والمثقل وللمثقل أيضا تأثير في الباطن وغور في الترضيص
والطريقة الأولى أيضا مدخولة لأنه لو ضرب كوعه بعصا فتورم ودام الألم حتى مات علم حصول الموت به ولا قصاص فيه لقوله عليه السلام
قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل وأي فرق بينه وبين ما لو غرز إبرة فأعقبت ألما وورما حتى مات إذ يجب القصاص به ولو أعقبت ألما دون الورم فوجهان فإن أمكن أن يقال المضروب بالعصا لعله مات فجأة بسبب في باطنه أمكن ذلك في غرز الإبرة كيف وقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لو أبان بعض الأصابع فتأكل الباقي فلا قصاص في الباقي وقد علم حصول السراية به ونص على أنه لو ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه وجب القصاص في الضوء لأن اللطائف تقصد بالسراية دون الأجسام وقد علم حصول السراية في الموضعين وعن هذا تصرف بعض الأصحاب في النصين بالنقل والتخريج وقالوا فيهما قولان فتخرج الطريقتان على القولينولما عسر الضبط على أبي حنيفة رحمه الله إذ رأى القصد خفيا عول على الجارح فلزمه إسقاط القصاص في التفريق والتخنيق والتحريق
فالأولى في تعليل مذهب الشافعي رضي الله عنه أن نترك الضبط ونقول حصول الموت بالسبب إما أن يكون نادرا أو كثيرا أو غالبا وليس كل كثير غالبا فإن المرض كثير وليس بنادر ولا غالب بل الغالب الصحة والجذام نادر لا كثير ولا غالب فكل ما كان حصول الموت به نادرا فلا قصاص فيه كالعصا والسوط وغرز إبرة لا تعقب ورما ولما كانسقوط الأطراف بالسراية نادرا نص على سقوط القصاص فيه بخلاف زوال اللطائف كالعقل والبصر
ويقابل هذه الرتبة ما كان حصول الموت به غالبا كالجراحات الكبيرة والمثقلات فتلحق بما يكون حصول الموت به ضروريا كالتخنيق وحز الرقبة
والمتوسط الذي يكون حصول الموت به كثيرا لا غالبا كالجراحات الواسعة فوق غرز الإبرة وكقطع الأنملة وكالعصا والسوط ففي هذا ينظر إلى السبب الظاهر وهو الجرح مزهقا فيجب القصاص به لأن الجرح طريق سالك إلى الإزهاق غالبا وإن لم يكن قدر هذا الجرح مزهقا غالبا وما لا يجرح فليس طريقا غالبا فاعتبر فيه أن يتحقق كونه بالإضافة إلى الشخص والحال مهلكا غالبا ثم ذلك يختلف بالأشخاص والأحوال فليحكم فيه بالاجتهاد
فإن قيل لو ضرب شخصا ضربا يقتل المريض غالبا لكن ظنه صحيحا قلنا يجب القصاص لأن هذا الظن إذا لم ينف العدوان في الفعل وهو في نفسه قاتل فلا يكونمعذورا بجهله بخلاف ما لو صدر هذا من مؤدب أو أب أو من طبيب سقاه شيئا يقتل ذلك المريض إلا أنه لم يعرف مرضه فلا يجب القصاص لأنه جهل أباح الفعل
فإن قيل إذا سقي غيره دواء يقتل كثيرا لا غالبا فهو كالجراحات أو المثقلات قلنا ظاهر كلام الأصحاب أنه كغرز الإبرة فإن أعقب تغيرا أو تألما وجب القصاص لأن أغشية الباطن رقيقة فينقطع بالدواء فكان إلحاقه بالجرح أولى
الطرف الثاني في تمييز السبب عن المباشرة
وما يحصل الموت عقبه ينقسم إلى شروط وعلة وسبب
أما الشرط فهو الذي يحصل عنده لأنه كحفر البئر مع التردية فإن الموت بالتردية لكن الحفر شرط وكذا الإمساك مع القتل والشرط لا يتعلق القصاص به
وأما العلة فما تولد الموت إما بغير واسطة كحز الرقبة وإما بواسطة كالرمي فإنه يولد الجرح والجرح يولد السراية والسراية تولد الموت وهذا يتعلق القصاص به
أما السبب فما له أثر في التولد ولكنه يشبه الشرط من وجه فهذا على ثلاث مراتب
الأولى الإكراه على القتل وهو موجب للقصاص فإنه شديد الشبه بالعلة لأنه يولد في المكره داعية القتل غالبا
الثانية شهادة الزور فإنها تولد في القاضي داعية القتل لكنه دون الإكراه فإن هذا إلجاء شرعا والاول حسا لكن لما كان كل واحد يفضي إلى القتل غالبا في شخص معين لم نفرق بينهما وأبو حنيفة رحمه الله لم يلحق الشهادة بالإكراه
الثالثة ما يولد المباشرة توليدا عرفيا لا حسيا ولا شرعيا كتقديم الطعام المسموم إلىالضيف ففيه قولان
أحدهما لا قصاص على المقدم لأن الأكل ليس ملجئا لا حسا ولا شرعا
والثاني يجب لأن هذا التغرير يفضي إلى القتل غالبا في معين ثم الصحيح أن الدية تجب وقيل بطرد القولين
ولو وضع الطعام المسموم في داره اعتمادا على أن الداخل المقصود سيأكله انبساطا فلا قصاص عليه وقيل بطرد القولين فلو دعا الضيف وحفر في الدهليز بئرا فتردى فيه ففي القصاص قولان فإن قيل لو جرى سبب وقدر المقصود على دفعه ولم يدفع قلنا هذا على مراتب
الأولى أن لا يكون السبب مهلكا كما لو فتح عرقه بغير إذنه ولم يعصب حتى نزف الدم أو ألقاه في ماء قليل فبقي مستلقيا حتى غرق أو حبسه في بيت فلم يطلب طعاما مع القدرة حتى مات فهو الذي أهلك نفسه فلا دية له ولا قصاص
الثانية أن يكون السبب مهلكا والدفع عسيرا كترك مداواة الجرح فالقصاص واجب
الثالثة أن يكون السبب مهلكا وكان الدفع سهلا كما لو ألقاه في ماء مغرق فترك السباحة وهو يحسنها ففيه وجهان ووجه الإيجاب أنه قد يدهش عن السباحة والسبب في نفسه مهلك وفي الدية وجهان مرتبان وأولى بالوجوب
ولو ألقاه في نار فوقف فوجهان مرتبان والظاهر وجوب القصاص لأن النار بأول اللقاء تشنج الأعضاء فتعسر الحركة به
فإن قيل لو كان به بعض الجوع فحبسه ومنعه الطعام حتى مات قلنا إن علم وجب القصاص كما لو قصد مريضا بضرب خفيف وإن كان جاهلا بجوعه ففي القود قولان
أحدهما يجب كما لو ضرب مريضا على ظن أنه صحيح فالجوع السابق وإن كان معينا فهو كالمرض
والثاني لا يحب لأن هذا القدر من الجوع ليس مهلكا وزيادة الجوع الأول هو الذي أهلك بخلاف الضرب فإنه ليس زيادة في المرض لأنه ليس من جنسه فلم يمكن إحالة الهلاك عليه
وحيث لا نوجب القصاص فلا بد من الدية وفي قدرها قولان
أحدهما الكل إذ سقوط القصاص كان بالشبهة
والثاني النصف لأن الهلاك حصل بالجوعين فهو كما لو وضع في السفينة المثقلة زيادة مغرقة ففي قدر الضمان ثلاثة أقوال
أحدها الكل والثاني النصف والثالث التوزيع لأن تأثير المثقلات في الإغراق متناسب بخلاف تأثير الجوع والجرح
الطرف الثالث في اجتماع السبب والمباشرة
أما الشرط فلا يخفى سقوطه معهما كالممسك مع القاتل والحافر مع المردي إذ لا قصاص عليهما ولا ضمان خلافا لمالك رضي الله عنه فإنه جعل الممسك شريكا وأما المباشرة مع السبب فعلى مراتب
الأولى أن يغلب السبب المباشرة وذلك إذا لم تكن المباشرة عدوانا كقتل القاضي والجلاد مع شهادة الزور فالقصاص على الشهود فإن كان عدوانا بأن اعترف ولي القصاص بكونه عالما بالتزوير فلا قصاص على الشهود ولا دية لأنه لم يلجأ حسا ولا شرعا فصار قولهم شرطا محضا كالإمساك
الثانية أن يصير السبب مغلوبا بالمباشرة كما إذا ألقاه من شاهق الجبل فتلقاه إنسان بسيفه فقده بنصفين فلا قصاص على الملقي عرف أو لم يعرف لأن إلقاءه صار شرطا محضا لما ورد عليه مباشرة مستقلة
الثالثة أن يعتدل السبب والمباشرة كالإكراه على القتل فالأقوى لا يحبط مباشرة المكره خلافا لزفر وأبي يوسف وهل تصير المباشرة مغلوبة به حتى لا يجب القصاص على المكره فيه قولان فإن لم نوجب القصاص ففي الدية قولان مرتبان وأولى بالوجوب لأنها تثبت مع الشبهة ووجه الإسقاط نقل الفعل عن المكره وجعله كالآلة وإن أوجبنا الدية ففي طريقها وجهان
أحدهما تجب عليهما جميعا ثم يرجع على المكره
والثاني يجب النصف لأن إيجاب القصاص عليهما كالتشريك فإن قلنا لا دية ففي الكفارة وجهان وجه إثباتها أنه آثم بالقتل وفاقا وقد تجب الكفارة حيث لا دية كما في الرمي إلى صف الكفار
وإن قلنا لا تجب ففي حرمان الميراث وجهان والظاهر الحرمان لأنه آثم بالقتل والكفارة والدية غرم يمكن نقله إلى المكره بخلاف الحرمان
فإن قيل فما قولكم في أمر السلطان قلنا في نزوله منزلة الإكراه وجهان وجه إلحاقه به أمران
أحدهما أنه يعلم من عادة السلطان السطوة عند المخالفة وإن لم يصرح به وعلى هذه العلة يلتحق به كل متغلب هذه عادته وإن لم يكن سلطانا ثم وجه التردد أن المعلوم من عادتههل يكون كالملفوظ به على الإقتران
العلة الثانية أن طاعة السلطان واجبة على الجملة كيلا تؤدي مخالفته إلى إثارة الفتنة ولذلك نقول لا ينعزل بالفسق ولو كان الإستبدال به يثير الفتنة فلا يستبدل فتزاحم على الفعل موجب ومحرم فإن لم نبح انتهض شبهة كالإكراه بخلاف أمر السيد عبده فإنه يجب عليه مخالفة السيد إذ لو عاقبه دفع السلطان ظلمه وليس وراء السلطان يد دافعة فمخالته تحرك الفتنة نعم لو كان العبد من طباعه الضراوة فإذا أغراه بإنسان فالقصاص على السيد كما لو أغرى سبعا وكذا لو أغرى مجنونا هذه حاله هل يتعلق الضمان برقبة هذا العبد وبمال هذا المجنون أم ينزل منزلة البهيمة فيه وجهان من حيث إنه إنسان صورة لكنه بهيمة في المعنى
فإن قيل وما حد الإكراه قلنا قد ذكرنا صورته في الطلاق لكنا نتعرض لصور
إحداها أنه لو أكره إنسانا على أن يكره ثالثا على قتل الرابع فعلى الأول قصاص وفيمن بعده قولان
الثانية لو قال اقتل زيدا أو عمرا وإلا قتلتك فقتل زيدا فهو مختار لأن ميله إلى زيد ليس إلا عن شهوة ويظهر ذلك إذا قال اقتل من أهل الدار واحدا وإلا قتلتك
الثالثة أن يقول اقتل نفسك وإلا قتلتك فهذا ليس بإكراه ولو قال اقتلني وإلا قتلتك فهذا إكراه وإذن فهل يؤثر الإذن في سقوط القصاص والدية فيه ثلاثة أوجه
أصحها أنه يسقط لأنه صاحب الحق كما إذا قال اقتل عبدي
والثاني لا لأن القصاص والدية تثبت للورثة ابتداء لا إرثا
والثالث لا يجب القصاص للشبهة وتجب الدية
فإن قيل إذا رأيتم إيجاب القصاص عليهما فإن لم يكن أحدهما كفؤا للمقتول قلنا يجب القصاص على الكفء لأن شريك غير الكفء يجب القصاص عليه كشريك الأب وشريك العبد في قتل السيد
وإن كان أحدهما صبيا وقلنا إن فعل الصبي خطأ فالآخر شريك خاطىء لكن إن كان المحمول صبيا فيحتمل أن يجب القصاص على الحامل لأن خطأه نتيجة الإكراه فهو كما لو أكره إنسانا على أن يرمي إلى طلل عرفه المكره إنسانا وظنه الرامي جرثومة ففي وجوب القصاص وجهان وجه الإيجاب جعل المكره مباشرا وجعل المكره آلة له لأنه تولد من إكراهه وعن هذا اختبط الأصحاب في المكره على إتلاف المال هل يطالب بالضمان فعلى وجه لا يطالب أصلا لأنه كالآلة
ولو أكرهه على صعود شجرة فزلقت رجله فمات وجب القصاص على المكره ولم يجعل كشريك الخاطىء لأن هذا الخطأ ولده إكراهه بخلاف جهل المكره وصباه فإن فيه وجهينفإن قيل فما الذي يباح بالإكراه قلنا لا يباح به القتل والزنا ويباح به إتلاف المال بل يجب وتباح به الردة وفي وجوب التلفظ به وجهان منهم من لم يوجب للتصلب في الدين ويباح شرب الخمر بالإكراه وفي وجوبه خلاف مرتب على الردة وأولى بالوجوب والإفطار في الصوم ينبغي أن يقضى بوجوبه
الطرف الرابع أن يكون السبب من الآدمي والمباشرة من بهيمة
كما إذا ألقاه في تيار بحر فالتقمه الحوت قبل الغرق فيلزمه القصاص وينزل فعل الحوت منزلة جرح السكين
ولو ألقاه في بئر عميق وكان في عمقه نصل منصوب فمات به وجب القصاص وخرج الربيع قولا أن الدية تجب دون القصاص اعتبارا باختيار الحيوان وكونه شبهة في الدفع وإن ألقاه في ماء لا يغرق فالتقمه الحوت من حيث لم يشعر الملقي فلا يجب عليه إلا الدية وإن عرف حضور الحوت لزمه القصاص
ولو أمسك إنسانا وعرضه للسبع حتى افترسه وجب القصاص والمجنون الضاري بطبعه كالسبع والحوت وإن لم يكن ضاريا اعتبر اختياره في قطع السبب
فروع أربعة
الأول لو أنهشه حية أو عقربا يقتل مثله غالبا لزمه القصاص ونزلت الحية منزلة السكين ولو كان لا يقتل غالبا كان كغرز الإبرة
الثاني لو ألقى عليه عقربا أو حية فنهشته فلا قود لأن الغالب أنه يفر وإن كان ضاريا فهو كالإنهاش
الثالث لو جمع بينه وبين سبع في بيت فافترسه وجب القصاص وإن كان بدله حية فلا قصاص لأن الحية تفر والسبع في المضيق يثب بطبعه فإن لم يكن الطبع كذلك لم يكن الحكم كذلك
الرابع لو أغرى به كلبا أو سبعا في صحراء فلا قصاص بخلاف البيت فإن السبع في المضيق يقصد وفي الصحراء يتوحش
فإن كان ضاريا في الصحراء ولم يكن الهرب ممكنا لزم القصاص فإن كان الهرب ممكنا فتخاذل فهو كترك السباحة
الطرف الخامس في طرآن المباشرة على المباشرة أو السبب على السبب
والحكم فيه تقديم الأقوى فإن اعتدلا جمعنا بينهما فلو جرح الأول وحز الثاني الرقبة فالقاتل هو الثاني لانقطاع أثر الأول بخلاف ما إذا قطع هذا من الكوع والثاني من المرفق فمات فإن القصاص عليهما لأن ألم الأول ينتشر إلى الأعضاء الرئيسية ويبقى
ولو قطع الأول حلقومه ولم يبق إلا حركة المذبوحين فقده الثاني بنصفين فالقصاص على الأول ولا نظر إلى حركة المذبوحين بخلاف ما لو حز رقبة المريض المشرف على الموت لأن موته غير مقطوع به وبخلاف ما لو نزع أحشاءه وإن كان بحيث يعلم أنه يموت بعد يوم أو يومين ولكنه في الحال يعقل بحياة مستقرة فإن القصاص يجب على من حز الرقبة لأن عمر رضي الله عنه شاور في الخلافة في هذه الحالة فكيف لا تعتبر حياته وقال مالك رحمه الله هو كحركة المذبوحين
فأما إذا جرح كل واحد جراحة فمات بالسراية أو حز أحدهما الرقبة والآخر قد بنصفين معا فهما شريكان
فقد تنخل من هذا أن العمد المحض العدوان المزهق للروح سبب القصاص ولا يرد علىالحد ما لو استحق حز رقبة إنسان فقده بنصفين لأنه لا عدوان به من حيث كونه إزهاقا بل من حيث الإساءة في الطريق فلذلك لم يجب القصاص فإن قيل ظن الإباحة هل يكون شبهة قلنا إذا قتل من ظنه مرتدا ولم تعهد له الردة فيجب القصاص وإن كان قد عهد مرتدا ولكنه أسلم ولم يشعر به فقولان
أحدهما السقوط للظن المبتنى على الإستصحاب
والثاني يجب لأنه غير معذور في هذا الظن إذ لا يحل للآحاد قتل المرتد وكذلك لو ظنه عبدا أو ذميا لزمه القصاص على المذهب لأن هذا ظن لا يبيح فهو كما لو زنى مع العلم بالتحريم والجهل بوجوب الحد بخلاف ما إذا رأى مسلما في دار الحرب على زي المشركين ولم يعهده مسلما فقتله فإذا هو مسلم فلا قود وتجب الكفارة وفي الدية قولان لأن القتل مباح بهذا الظن وهو معذور
أحدهما تجب لأنها ضمان المحل وذلك لا يختلف باختلاف حال المتلف
والثاني أنها لا تجب لأنها وإن كانت عوضا فليست على مذاق الأعواض المحضة فإنها بدل للنفس وتجب الكفارة قولا واحدا لأنها تجب من غير تقصير
ولو قتل إنسانا على ظن أنه قاتل أبيه ففي وجوب القصاص قولان
أحدهما يجب لأنه غير معذور فيه
الثاني لا يجب لأن هذا الظن مما يمهد عذره لأن القتل مباح بهذا الظن لكنه غير معذور ولهذا نقطع بالوجوب إذا قال تبينت أن أبي حي
ومن أصحابنا من قطع بأنه لو صدقه ولي الدم فلا قصاص وإنما القولان إذا تنازعا
ومنهم من طرد القولين لأنه ظن من غير مستند شرعي
الركن الثاني القتيل
وشرط كونه مضمونا بالقصاص على الجملة كونه معصوما والعصمة تستفاد بالإسلام والجزية والأمان يتنزلان منزلته والحربي مهدر والمرتد كذلك في حق المسلم ولكن في حق الكافر الذمي والمرتد إذا قتله فيه خلاف
ومن عليه القصاص معصوم في حق غير المستحق والزاني المحصن معصوم بالقصاص عن الذمي وعن المسلم فيه وجهان مثارهما التردد في أن الحد للمسلمين والإمام نائبهم أو إضافة الحد إلى الله تعالى كإضافة القصاص إلى إنسان معين حتى لا يظهر أثره في حق غيره
الركن الثالث القاتل
وشرط وجوب القصاص عليه أن يكون ملتزما للأحكام فلا قصاص على الصبي والمجنون ولا على الحربي ويجب على الذمي وفي السكران خلاف مبني على أنه يسلك به مسلك الصاحي أو المجنون
هذا هو النظر في صفات القتل والقتيل والقاتل ووراء هذه صفات هي نسبة بين القاتل والقتيل لا يمكن تخصيصه بأحدها وهو ألا يفضل القاتل القتيل بالدين والحرية والأبوة وقد تعتبر فضيلة العدد والذكورة وتأبد العصمة عند بعض العلماء فمجموع هذه الخصال ستة
الخصلة الأولى من خصال الكفاءة التساوي في الدين الحق
فهذه الفضيلة في القاتل تمنع وجوب القصاص ابتداء فلا يقتل مسلم بكافر ويقتل اليهودي بالنصراني ومعتمد هذه الخصلة قوله صلى الله عليه وسلم
لا يقتل مؤمن بكافر
فروع أربعة
الأول لو قتل ذمي ذميا ثم أسلم القاتل قبل استيفاء القود اقتص منه لأن المساواة شرط لينعقد القتل سببا للوجوب فما طرأ بعد ذلك لا يمنع الإستيفاء ولو أسلم الجارح بين الموتوالجرح فالنظر إلى حالة الجرح أو إلى حالة الموت فيه وجهان
الثاني إذا قتل عبد مسلم عبدا مسلما لكافر ففي وجوب القصاص وجهان
أحدهما يجب لأن الكفاءة بين القتيل والقاتل موجودة والسيد كالوارث ولو مات ولي القتيل الذمي بعد أن أسلم القاتل بعد القتل وقبل استيفاء القود فالمذهب ثبوت القصاص لهذا الذمي لأنه في حكم الإرث والدوام
الوجه الثاني أنه لا يجب لأن هذا القصاص يجب ابتداء للسيد وهو كافر ولا يجب للعبد حتى يورث منه ولا يمكن تسليط كافر ابتداء على مسلم
الثالث لو قتل مسلم مرتدا فلا قصاص فلو قتله مرتد فالظاهر وجوب القصاص للتساوي وقيل المرتد مهدر كالحربي ولا يجب قصاص الحربي على الحربي أما إذا قتله ذمي فثلاثة أقوال
أحدها أنه يجب القصاص لعمده ودية لخطئه لأنه ساواه في الدين والمرتد ليس بمهدر في حقه
والثاني لا يجب لأنه مهدر والذمي معصوم
والثالث قاله الإصطخري يجب القصاص سياسة ولا تجب الدية لأنه غير معصوم
الرابع المرتد إذا قتل ذميا ففيه قولانأحدهما اختيار المزني أنه يقتل كالذميين
والثاني لا لأن حرمة الإسلام باقية ولهذا لا يجوز للذمي نكاح المرتدة ولا يحل استرقاقها
الخصلة الثانية الكفاءة في الحرية
فلا يقتل الحر ولا من فيه شقص من الحرية برقيق كما لا تقطع يده بيده وفاقا ثم طرآن الحرية أو الرق على القاتل بعد القتل لا يمنع من استيفاء القود كما في طرآن الإسلام
فروع ثلاثة
الأول الناقص مقتول بالكامل والمستولدة والمكاتبة حكمهما حكم القن في القصاص والمكاتب إذا قتل عبد نفسه لم يقتل به لأنه سيده وإن كان هو أيضا رقيقا ولو كان عبده أباه وقد تكاتب عليه ففي قتله وجهان ووجه الإيجاب أن ملكه على الأب ليس مستقرا لأنه يستحق العتق بعتاقه فلا يكون شبهة
الثاني من نصف حر ونصفه عبد إذا قتل من هو في مثل حاله قال العراقيون يجب القصاص للتساوي إلا إذا كان جزء الحرية من القاتل أكثر وقالت المراوزة لا يجب ما دام في القاتل جزء من الحرية ولو العشر وفي القتيل جزء من الرق ولو العشر لأن كل جزء من القتيل يقابله جزء شائع من القاتل من الحرية والرق فيؤدي إلى استيفاء جزء من الحر بجزء من الرقيق وهو مقتضي التوزيع المذكور في مسألة مد عجوة
الثالث العبد المسلم والحر الذمي لا قصاص بينهما من الجانبين لأن كل واحد منهما فضل صاحبه بفضيلة والنقيصة لا تجبر بفضيلة ومهما آل أمر العبد إلى المال فالواجب قيمتهبالغة ما بلغت وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يزاد على دية الحر بل يحط عنه قدر نصاب السرقة
الخصلة الثالثة فضيلة الأبوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا يقتل والد بولده ففهم منه أن الولد لا يكون سببا لإعدام من هو سبب وجوده فيتعدى هذا إلى الأم والأجداد والجدات وذكر صاحب التلخيص في الأجداد والجدات قولا واقتصر على النسب القريب في الوجود وهذا ضعيف ولهذه العلة منعنا أن يقتل الإبن أباه الحربي أو الزاني المحصن إذا كان الإبن جلادا وكأن الخلل في الإستيفاء والقصاص في حكم الواجب الساقط ولهذا لو قتل زوجة ابنه فلا قصاص إذ صار ابنه شريكا في الإستحقاق فلا يمكنه الإستيفاء وكذلك لو قتل معتق ابنه وله وارث سوى الإبن فمات وصار الإبن وارثا سقط
فرعان
أحدهما أخوان قتل الأول أباه وقتل الثاني أمه فإن كانت الأم زوجة الأب فلا قصاص على الاخ القاتل للأب لأن قصاصه ثبت للأخ والأم فلما قتل الثاني الأم ورث منها قصاص نفسه فسقط إذ يستحيل أن يستحق قتل نفسه
وإن لم تكن زوجة الأب استحق كل واحد منهما قصاص صاحبه ولم يستحق أحد قصاص نفسه إرثا عن قتيله لأن القاتل محروم عن الميراث
ولو بادر أحدهما وقتل آخر سقط القصاص عن المبادر لأنه ورث قصاص نفسه عن أخيه القتيل إن قلنا إن القتل بالحق لا يحرم الميراث وعلى هذا إذا كان يستفيد بالمبادرةتخليص نفسه فلو تنازعا في السبق فالوجه أن يقدم من سبق استحقاقه ويقرع بينهما إذا تساويا
ومهما تساويا في قتل الأبوين فلا فرق بين أن تكون الأم زوجة أو لا تكون إذ لا سبيل إلى توريث أحد القتيلين من الآخر
الثاني لو تداعى رجلان لقيطا أو وطئا منكوحة بالشبهة فأتت بولد فقتله أحدهما قبل إلحاق القائف فلا قصاص في الحال لأن أحدهما أب وقد اشتبه الأمر فهو كما لو اشتبه إناء نجس بإناء طاهر فلا يجوز استعماله من غير اجتهاد فإن ألحق القائف بغير القاتل اقتص من القاتل وإن ألحقه به فلا
الخصلة الرابع التفاوت في تأبد العصمة والمذهب أنه لا يعتبر بل يقتل الذمي بالمعاهد كما يقتل المعاهد به وفيه احتمال
الخصلة الخامسة فضيلة الذكورة ولا تعتبر بالاتفاق بل يقتل الرجل بالمرأة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يجب في تركة المرأة المقتولة شطر دية الرجل لتكون مع ديتها كفؤا للرجل فإذا قتلت المرأة رجلا قال لا يقنع بدمها بل يطلب معه شطر دية من تركتها مع قتلها أيضا
فرعان
أحدهما في الخنثى إذا قطع الرجل ذكر خنثى مشكل وشفريه فلا قصاص في الحال لاحتمال أن المقطوع امرأة وكذلك إن كان القاطع امرأة لم يجب لاحتمال أن المقطوع رجل والشفران زائد فإذا تبين الحال لم يخف الحكم
فلو طلب الخنثى في الحال الدية وعفا عن القصاص سلمنا إليه دية الشفرين وحكومة الذكر وقدرناه امرأة أخذا بأحسن التقديرين واقتصارا على المستيقن إذ تقدير الذكورة يزيد على هذا لا محالة
وإن لم يعف عن القصاص وقال لا بد من تسليم شيء لأني أستحق مع القصاص شيئا لا محالة فإن كان القاطع رجلا فالقصاص محتمل في الذكر فلا تقدر ديته بل يصرف إليه أقل الأمرين من حكومة الشفرين بالإضافة إلى حالة الذكورة أو دية الشفرين وحكومة الذكر والانثيين على تقدير الأنوثة ويكون المصروف إليه بكل حال أقل من مائة من الإبل ويصرف إليه فإنه أقل من تقدير حكومة الشفرين مع دية الذكر على تقدير الذكورة
وإن كان القاطع امرأة فلا تقدر دية الشفرين لإمكان القصاص فيه بل تقدر حكومة الذكر والانثيين على تقدير الأنوثة ويصرف إليه فإنه أقل من تقدير حكومة الشفرين مع دية الذكر على تقدير الذكورة وإن كان القاطع خنثى مشكلا لم يصرف إليه شيئ إذ يحتمل أن يكونا رجلين أوامرأتين فيجري القصاص في الإليتين الزائد بالزائد والأصليه بالأصلية ولو قطعت المرأة آلة الرجال والرجل آلة النساء فلا يتصور القصاص فعلى كل واحد حكومة على تقدير كونها زائدا بشرط أن لا تزيد على تقدير الدية فيها فإنه لو كان رجلا فربما تكون حكومة في شفريه أكثر من دية امرأة فلا يجب إلا ما دونه ومن الأصحاب من قال إذ لم يعف عن القصاص وكان القاطع رجلا أو امرأة فلا يصرف إليه شيء في الحال لأن ما يطالب به ليس يدري أهو حكومة أم دية وهو ضعيف
الفرع الثاني إذا كان الجاني رجلا وكان المجني عليه يدعي عليه بأنك أقررتبأني رجل فلي القصاص في الذكر وقال الجاني بل أقررت بأنك امرأة ففيه قولان
أحدهما القول قول الجاني إذ الأصل عدم القصاص
والثاني القول قول المجني عليه لأنا نحكم له بالذكورة بقوله إن تقدم على الجناية فكذا إذا تأخر
الخصلة السادسة التفاوت في العدد
ولا يؤثر ذلك بل تقتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله والواحد إذا قتل جماعة قتل بواحد وللباقين الديات وإنما يوجب القصاص على كل شريك لأنه قاتل بفعله وفعل شريكه منسوب إليه برابطة الإستعانة وكمل به فعله حسما للذريعة لكن يشترط أن يكون فعل شريكه عمدا مضمنا وإن كان خطأ فلا قصاص على الشريك لخروج الفعل عن كونه موجبا خلافا للمزني رحمه الله فيجب القصاص على شريك الأب وعلى الذمي إذا شارك المسلم في قتل ذمي وعلى العبد إذا شارك الحر في قتل عبد وكذا كل عامد ضامن خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
ولو شارك عامد غير ضامن كشريك الحربي ومستحق القصاص والإمام في قطع يد السارق وكما إذا جرح جارح حربيا أو مرتدا فجرحه الآخر بعد الإسلام ففيه قولان
أحدهما أنه يجب كما في شريك الأب لوجود العمدية
والثاني لا لأن الفعل اتصف بكونه مباحا فاكتسب صفة من هذه الأسباب كما اتصف بكونه خطأ فرجع الخلل إلى وصف الفعل
والسبع مردد بين الحربي والخاطيء ففي وجه يلتحق بالخاطىء وهو الأصح وفي وجه بالحربي وعلى هذا لو أخطأ السبع فشريكه شريك الخاطىء
وفي شريك السيد طريقان منهم من قال هو كالحربي لسقوط القصاص والدية ومنهم من قال هو ضامن للكفارة فأشبه الأب
وشريك القاتل نفسه إن قلنا تجب الكفارة على قاتل النفس فهو كشريك السيد في عبده وإلا فهو كشريك الحربي
فروع أربعة
الأول إذا اتحد الجارح واقترن بأحد الجرحين ما يدرأ القصاص سقط القصاص سواء رجع الخلل إلى وصف الفعل كما لو كان أحدهما خطأ أو لم يرجع كما لو جرح حربيا أو مرتدا ثم أسلم فجرحه ثانيا أو قطع بالقصاص أو الحد قطعا حقا ثم جرح لأن الفاعل قد اتحد وإذا اتحد المضاف إليه استوى ما يرجع إلى الصفة وإلى الإضافة
الثاني لو داوى المجروح نفسه بسم مذفف فلا قصاص على الجارح وإن كان يؤثر على الجملة ولا يذففه فالجارح شريك النفس وقيل لا يجب القصاص قطعا لأنه شريكالخاطىء إذ المداوي مخطىء وكذلك إذ خاط المجروح جرحه في لحم حي صار شريكا ويمكن أن يجعل مخطئا
ولا شك في أنه لو كان عليه قروح أو به مرض فلا يصير به شريكا وهل يجعل بمبادىء الجوع شريكا إذا تمم غيره جوعه إلى الموت فيه تردد سبق لأنه وإن كان معتادا فهو داخل تحت الإختيار
الثالث إذا توالى جمع على واحد فضربه كل واحد سوطا واحدا فمات ففي وجوب القصاص ثلاثة أوجه
أحدها أنه لا يجب لأن كل واحد خاطىء وشريك الخاطىء خاطىء إذا أتي بما لا بقصد به القتل
والثاني يجب لأن المجموع قاتل ولو فتح هذا الباب لصار ذلك ذريعة
والثالث يجب إن صدر ذلك عن التواطؤ وإلا فلا
الرابع إذا جرح أحدهما فأنهشه الآخر حية أو أغرى عليه سبعا وجرحه فالدية عليهما نصفان لأن كثرة الجراحات لا تعتبر فإن أغوارها لا تنضبط والحية والسبع كالآلة له
ولو جرح ونهشه حية فعليه نصف الدية ولو نهشته حية وجرحه سبع فعليه ثلث الدية لأنه شريك حيوانيين مختارين وفيه وجه أن عليه نصف الدية نظرا إلى أصل الشركة وإعراضا عن عدد الحيوانات
واختتام القول بفصل في تغير الحال بين الجرح والموت على الجارح أو المجروح وله أربعة أحوال
الحالة الأولى أن تطرأ العصمة بأن جرح حربيا أو مرتدا أو عبد نفسه ثم طرأ الإسلام والعتق قبل الموت لم يجب القصاص وفي وجوب الضمان وجهان
أحدهما لا يجب نظرا إلى ابتداء الفعل
والثانى يجب نظرا إلى حالة الزهوق وقد نص الشافعي رضي الله عنه في إعتاق السيد العبد بعد الجرح أن لا ضمان ونص في جارية مشتركة حامل بولد رقيق ضرب أحدهما بطنها ثم أعتق نصيبه فسرى فأجهضت جنينا ميتا أن على الجاني غرة كاملة وهذا يناقض نصه الأول فقيل في المسألتين قولان بالنقل والتخريج وقيل إنه إنما أوجب الغرة لأن اتصال الجناية بالولد إنما يعرف عند الولادة وما قبل ذلك لا يعتبر وقد كان الولد حرا عند الولادة
وإذا أوجبنا الدية في الحربي فقيل إنه مضروب على العاقلة لأنه خطأ بالإضافة إلى حالة الإسلام
الحالة الثانية أن يطرأ المهدر كما لو جرح مسلما فارتد ومات فليس عليه إلا أرش الجناية التي ثبتت في حالة الإسلام وأما السراية فمهدرة
ولو قطع يده فارتد ومات قال الشافعي رضي الله عنه لوليه المسلم القصاص وهذا تفريع على أن من لا وارث له يجب القصاص على قاتله لأن المرتد لا وارث له ولكن إثباته للمسلم مشكل فإن المسلم لا يرث حقوق المرتد عندنا بل حقوقه لبيت المال ولكن لما ظهر مقصود التشفي كان الولي المسلم أولى بالإستيفاء من الإمام وقيل أراد الشافعيرضي الله عنه بالولي المسلم الإمام
فروع لو قطع يدي المسلم ورجليه فارتد ومات فلا تلزمه إلا دية واحدة لأن موته كافرا لا يزيد على موته مسلما وقال الإصطخري تجب ديتان لأنا لو أدرجنا لأهدرنا فعسر الإدراج بطرآن المهدر كعسره بما لو حز غيره رقبته ولهذا الإشكال ذكر وجه في سقوط أصل الأرش لأن الجرح صار قتلا والقتل صار مهدرا فلا يبقى للقتل والجرح عبرة
الحالة الثالثة لو ارتد بعد الجرح ثم أسلم ومات فالنص سقوط القصاص ونص في الذمي إذا جرح ذميا والتحق المجروح بدار الحرب ثم عقد له أمان ثانيا ثم مات أنه يجب القصاص فقيل قولان بالنقل والتخريج ينظر في أحدهما إلى حالة الجرح والموت وفي الثاني إلى الكل لأن الجراحة تسري في حالة الردة أيضا فهو كما لو جرح في حالة الردة ثم في حالة الإسلام وقيل المسألة على حالين فإن طال زمان الردة فظهر أثر الردة فلا قصاص وإن قرب فلا أثر له
وإن آل الأمر إلى الدية فالنص وجوب كمال الدية وخرج ابن سريج قولا أنه يجب ثلثا الدية ويهدر الثلث بهدر السراية في إحدى الأحوال الثلاثة وقيل يجب النصف جمعا لحالتي العصمة في مقابل حالة الإهدار
الحالة الرابعة أن يطرأ ما يغير مقدار الدية كما لو جرح ذميا فأسلم أو عبدا فأعتق ثم مات فالنظر في المقدار إلى حالة الموت فلو فقأ عيني عبد قيمته مائتان من الإبل فعتق ومات فعليه مائة من الإبل لأنه بدل حر وقال المزني رحمه الله يجب مائتان من الإبل لأنه يصرف إلى السيد
ولو قطع إحدى يدي عبد فعتق ومات فعليه مائة من الإبل وفي المصروف إلى السيد قولان
أحدهما أنه أقل الأمرين من كل الدية أو كل القيمة والعبارة عنه أن المصروف إليه أقل الأمرين مما التزمه الجاني آخرا بالجناية على الملك أولا أو مثل نسبته من القيمة
والقول الثاني أنه أقل الأمرين من كل الدية أو نصف القيمة فإن الجراحة في ملكه لم تنقص إلا النصف فلم يمت في الرق حتى تعتبر كل القيمة والعبارة عنه أن الواجب أقل الأمرين مما التزمه الجاني آخرا بالجناية على الملك أولا أو أرش جناية الملك دون السراية
فعلى هذا لو قطع إحدى يديه فعتق فجاء الآخر وقطع يده الأخرى وجاء الثالث وقطع إحدى رجليه ومات فالواجب على جميعهم دية واحدة وهي دية حر على كل واحد ثلث ولا حق للسيد إلا فيما يؤخذ من الجاني في حالة الرق فله أقل الأمرين من ثلث الدية أو ثلث القيمة وهي مثل نسبته وعلى القول الثاني أقل الأمرين من ثلث الدية أو نصف القيمة فإنه أرش الجناية
المسألة بحالها عاد الجاني الأول فجرح في الحرية جراحة ثانية فليس عليه إلا ثلث الدية إذ لا يزيد الواجب بكثرة الجراحات لكن الثلث وجب عليه بجراحتين حصة الواقع منهما في الملك نصف وهو السدس فترعى النسبة بين هذا السدس وسدس القيمة على قول وبين السدس ونصف القيمة على القول الآخر
فلو أوضح رأسه في الرق فعتق فجرحه غيره فمات فعلى الجاني في الملك نصف الدية وعلى الجارح النصف الآخر وللسيد أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة وهو مثل نسبته على قول وله أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف عشر القيمة فإنه يشبه أرشالموضحة من قيمة العبد فإن قيل بدل الملك الدراهم وبدل الحر الإبل فبم يطالب السيد قلنا فيه وجهان
أحدهما ليس له إلا الإبل لأن حقه فيما وجب على الجاني وهو الواجب
والثاني أن الخيرة إلى الجاني فإن سلم الدراهم لم يكن للسيد الامتناع لأنه حقه وإن سلم الإبل فكمثل لأنه أدى واجبه وعلى الجملة إيجاب دية الحر ثم صرفها إلى السيد بعيد ولكن إيجاب مائتين من الإبل كما ذكره المزني رحمه الله أبعد لأن القتيل حر فكيف تزاد على دية الحر والإقتصار على أرش الجناية ولو كان درهما أبعد وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله لأنه إهدار للدم ففي كل طريق بعد لكن طريق الشافعي رضي الله عنه أقرب إذ نظر إلى قدر الواجب إلى الموت وفي مصرفه التفت إلى حالة الجرح
فرعان
الأول لو رمى إلى حربي أو مرتد فأسلم قبل الإصابة ففي الضمان وجهان مرتبان على ما إذا جرح حربيا فأسلم ثم مات أو مرتدا فها هنا أولى بوجوب الضمان لأن الجرح سبب قديم في حالة الإهدار وتمام الرمي بالإصابة والإصابة جرت في حالة العصمة وفي المرتد أولى بالوجوب لأن الرمي إليه عدوان
ولو رمى إلى عبد له فأعتقه قبل الإصابة فوجهان مرتبان في المرتد وأولى بالضمان لأنه معصوم على الجملة
ولو رمى إلى من عليه القصاص ثم عفا قبل الإصابة فوجهان مرتبان على العبد وأولى بأن لا يجب لأن العبد مضمون عليه بالكفارة
ولو حفر بئرا فتردى فيه مسلم كان مرتدا عند الحفر وجب الضمان قطعا لأن الحفر ليس يتجه نحو المتردي في عينه بخلاف الرمي فإنه متجه نحو المقصود
الثاني لو تخللت ردة المرمي إليه بين الرمي والإصابة قيل لا قصاص لاتصال الإهدار ببعض أجزاء السبب
ولو تخللت ردة الرامي المخطىء ضربت الدية على الرامي لا على عاقلته المسلمين لأن الأصل سقوط التحمل كما أن الأصل سقوط القصاص وقد تخللت حالة مانعة وذكر الشيخ أبو علي رحمه الله في التحمل قولين وينقدح ذلك في القصاص كما ذكرنا في تخلل الردة بين الجرح والموت وهذا تمام القول في القصاص في النفس
النوع الثاني في قصاص الطرف
وهو واجب بقطع الأطراف والنظر في القطع والقاطع والمقطوع
أما القطع والجرح كل عمد محض عدوان مبين بطريق المباشرة لا بالسراية وقد ذكرنا اختلاف النص في السراية إلى الأجسام واللطائف
أما القاطع فشرطه كونه مكلفا ملتزما كما في النفس ولا يراد في الطرف التساوي في البدل بل تقطع عندنا يد الرجل بيد المرأة وبالعكس ويد العبد بالعبد والحر نعم لا تقطع السليمة بالشلاء ليست نصفا من صاحبها فالبدل يلتفت إليه عندنا معيارا تنعرف به نسبة الطرف من النفس ثم من قوبل كله بشخص قوبل نصفه بنصفه
وقال أبو حنيفة رحمه الله التفاوت في البدل يمنع القصاص
ثم التفاوت في العدد عندنا لا يمنع كما في النفس
ولو قطع جماعة يمين رجل على الإشتراك بحيث لم ينفصل فعل بعضهم من بعض قطعت أيمانهم به
فأما المقطوع فيعتبر فيه العصمة كما في النفس وأن تكون الجناية معلومة القدر بحيث يمكن الإقتصار على مثله في القصاص فإن الروح مستبقاة فلا بد من الإحتياط
ثم الجناية على ما دون النفس ثلاثة جرح وإبانة طرف وإزالة منفعة
أما الضرب واللطم فلا قصاص فيه بل يعزر صاحبه
أما الجرح فإن وقع على الرأس لم يجب القصاص فيه إلا في الموضحة وهي التي توضح العظم فأما ما بعدها من الهاشمة للعظم أو المنقلة له أو الآمة البالغة إلى أمر الرأس أو الدامغة الخارقة لخريطة الدماغ فلا قصاص فيها لأنها لا تنضبط
وما قبل الموضحة كالحارصة التي تشق الجلد والدامية التي تسيل الدم منها فلا قصاص فيهما
وأما الباضعة التي تبضع اللحم أي تقطعه والمتلاحمة التي تغوص في اللحم غوصا بالغا ولا ينتهي إلى العظم ففيها قولان
أحدهما النفي فإن العظم مرد فإذا لم ينته إليه لم يمكن الضبط
والثاني يجب ويمكن ضبط مقداره بالنسبة فإن قطع نصف اللحم إلىالعظم فيقطع من رأسه النصف وإذا كان أحدهما في سمك شعيرة والآخر في سمك شعيرتين فلا نبالي به وإنما ترعى النسبة
والموضحة إذا وقعت على الوجه فانتهى إلى عظم الجبهة أو الخد أو قصبة الأنف فهو كموضحة الرأس ولو وقع على سائر البدن كما لو انتهى إلى عظم الصدر مثلا فلا يلحق بموضحة الرأس والوجه في تقدير الأرش بنصف عشر الدية ولكن في القصاص وجهان
قالت المراوزة لا يلحق به كما في الدية
وقال العراقيون يلحق به لأنه مضبوط في نفسه وأما التقدير فلا يكفي الضبط فيه مع اختلاف الموضع
فرع لو قطع بعض المارن أو الأذن ولم يبن ففي القصاص فيه قولان مرتبان على المتلاحمة وأولى بالوجوب لأن الضبط فيه أيسر إذ الهواء به محيط من الجانبين ولو قطع نصف كوعه فقولان مرتبان وأولى بأن لا يجب لأن الكوع مجمع الأعصاب والعروق وهي تختلف في ارتفاعها وانخفاضها
وأما الأطراف فيجب القصاص في قطع مفاصلها وكذا في مفصل المنكب والفخذ إن أمكن قطعه بغير إجافة وإن استأصل الجاني الفخذ وأجافه وأمكن تحصيل مثله فالظاهر أنه يمنع الإجافة وقيل يجوز لأن هذه الجائفة تابعة لا مقصودة وكل جرم يبقى دلالة القطع فهو كالمفصل كما لو قطع فلقة من المارن أو الأذن والأنثيين والذكر والأجفان والشفتين والشفرين لأنه مقدر محدود
ولا يجب القصاص في فلقة من الفخذ لأن سمكه لا ينضبط وفي العجز وجهانلتردده بين الفخذ والذكر لأنه بين النتو والإنبساط وأما كسر العظام فلا قصاص فيه ولو كسر عضده قطع من المرفق وأخذ حكومة العضد وكذلك لو هشم رأسه بعد إيضاح أوضح وضمن أرش الباقي ولو قطع من الكوع لعجزه من العضد مقتصرا عليه ففي تجويزه وجهان
أحدهما لا لأن المرفق مقدور عليه وهو أقرب إلى محل القطع فهو كما لو طلب رأش الساعد مع قطع الكوع فإنه لا يجاب وكما لو قطع من المرفق فنزل إلى الكوع مع القدرة على المرفق فإنه لا يحاب
والثاني أنه يجاب لأن محل الجناية معجوز عنه وفي النزول إلى الكوع مسامحة
ولا خلاف أنه لو نزل إلى لقط الأصابع لم يجز لأن فيه تعذيب محل الجراحة ثم إذا أسقطنا حكومة الساعد ففي حكومة بقية العضد تردد لأن ذلك معجوز عنه بخلاف الساعد
فأما المعاني والمنافع فلا يمكن تناولها بالمباشرة ولكن بالسراية وقد نص الشافعي رضي الله عنه أنه لو أوضح رأسه فأذهب ضوء عينيه أوضحنا رأسه فإن لم يذهب ضوءه أزلنا الضوء مع إبقاء الحدقة بطريق ممكن وهذا إيجاب قصاص بالسراية ونص في أجسام الأطراف أنها لا تضمن بالسراية فقيل قولان بالنقل والتخرج كما سبق فإن قلنا يضمن اللطائف بالسراية ففي العقل والبطش تردد لبعدهما عن التناول بالسراية أما السمع فهو في 2 معنى البصر
فروع إذا قلنا لا تضمن الأجسام بالسراية فلو جاء المقطوع يده وقطع أصبعا من الجاني فتآكل الباقي ففي تأدي القصاص به قولان
أحدهما لا لأن السراية فيه لا توجب القصاص فلا يتأدى به القصاص بخلاف ما إذا قطع يده فقطع يد الجاني فسرتا إلى الروحين فإنه يقع قصاصا لأن السراية في الروح كالمباشرة وكذا الخلاف فيما لو ضرب من عليه القصاص بسوط أو جرحه خطأ فمات لأن الروح تضمن بالقصاص ولكن لا بهذا الطريق
والأقيس أن يتأدى به القصاص لأن الحق متعين وقد استوفاه وكذلك المجنون إذا قتل من يستحق عليه القصاص
ولو أوضح رأسه فتمعط شعره وزال ضوء عينيه فأوضحنا رأسه فتمعط شعره وزال ضوء عينيه ففي وقوع الشعر قصاصا خلاف مرتب وأولى بأن لا يقع لأن نفس الشعر لا يضمن بالقصاص بخلاف نفس الأطراف ووجه وقوعه قصاصا التبعية والإلتفات إلى أن فساد المنبت من جملة زوال اللطائف إذ معناه زوال القوة المنبتة وجرم الشعر فيه تابع
ولا خلاف في أنه لو باشر تمعيط شعره فقابله بمثله لم يقع قصاصا بل كل واحد منهما جناية توجب الحكومة والتعزير
الفصل الثاني في المماثلة
والتفاوت في ثلاثة أمور
الأول تفاوت في المحل والقدر ومثال المحل أن اليمنى لا تقطع باليسرى ولا السبابة بالوسطى ولا أصبع زائدة بمثلها عند اختلاف المنبت وأما القدر فتفاوته لا يؤثر في الأعضاء الأصلية إذ تقطع يد الصغير بالكبير وبيد الصغير يد الكبير عند المساواة في الإسم إبهام وإبهام وفي الأصبع الزائدة يمنع القصاص إذا وجب تفاوت الحكومة لتفاوت النسبة وعند تساوي الحكومة وجهان لأنه ليس له اسم أصلي حتى يكتفي بالاسم
وأما الموضحة فالتفاوت فيه في العرض معتبر إذ لا يقنع فيها بموضحة 2 ضيقة في مقابلة الواسعة وتفاوت الغوص في سمك اللحم لا يؤثر لأن مرد الإسم هو العظم
فروع ثلاثة
الأول لو أوضح ناصيته لم نوضح قذاله بل راعينا المحل ولو كان رأس الشاج أصغر استوعبنا عند استيفائه الرأس الكبير ولم نكمل بالقفا والجبهة لتفاوت الإسم والمحل بل نضم إليه أرشا بخلاف اليد الصغيرة فإنها تكفي في مقابلة الكبيرة لأن ما وقع من النقصان بيناليدين لم يثبت له اسم اليد والتفاوت ها هنا مقدار يثبت له اسم الموضحة وديتها لو أفرد فلم يمكن أن يجعل تابعا
ولو استوعب ناصيته ورأس الشاج أصغر استوعبنا ناصيته وكملنا من باقي الرأس لأن اسم الرأس شامل وقال القاضي اختلاف أسامي جوانب الرأس كاختلاف ما بين الرأس وغيره فلا يتعدى الناصية ويضم إليه الأرش
فإن فرعنا على الظاهر فالخيرة في تعيين الجانب الذي به التكميل إلى الجاني على وجه وإلى المجني عليه على وجه وفي الثالث يبتدىء من حيث ابتدأ الجاني ويذهب في صوبه إلى الإستكمال
الثاني لو استحق قدر أنملة من الموضحة فزاد في القصاص غرم أرشا وفي مقداره وجهان
أحدهما أنه قسط بحصة أرش واحد إذا وزع على الجميع لأن الموضحة واحدة
والثاني أنه يجب أرش كامل لأن هذا القدر حناية والباقي حق منفرد بحكمه كما لو كان الأول خطأ واستمر على البقية عمدا فيجب قصاص العمد ويفرد حكمه لاختلاف الحال ويقرب منه الخلاف فيما إذا أراد الإقتصار على بعض حقه منهم من جوز كما في الأصبعين ومنهم من منع لاتحاد الاسم
الثالث لواشتركوا في الإيضاح احتمل أن يوضح من رأس كل شريك بقدره ويحتمل أن يوزع لقبوله التوزيع ثم يتصدى النظر في تعيين المحل
التفاوت الثاني في الصفات
وفيه مسائل
الأولى أن التفاوت في الضعف والمرض لا يمنع بل يقطع ذكر القوي بذكر العنين والصبي وأنف الصحيح بأنف الأجذم إلا إذا بطلت حياته وأخذ في التفتت
وتقطع أذن السميع بأذن الأصم والأنف الصحيح بأنف الأخشم لأن المرض في محل السمع والشم لا في محل الأذن والأنف ولا تقطع يد الصحيح بالشلاء ولا الذكر الصحيح بالأشل وشلل الذكر أن لا يتغير في الحر والبرد بالتقلص والإسترسال وذكر العنين لا شلل فيه وإنما الخلل في موضع آخر وهو في الدماغ أو القلب وشلل اليد في بطلان البطش
ولا يشترط سقوط الحس على المذهب الظاهر فإن قنع صاحب الصحيحة باليد الشلاء أجيب إليه ولم يكن له أرش كما لو رضي المشتري بالمعيب في الشراء لأن البطش وصف لا يقبل الإنفصال
وتقطع الشلاء بالشلاء إذا تساويا في الحكومة وضعيف البطش كقويه إلا إذا كان بجناية فإن الجناية تعتبر في الشركة ولا تعتبر في المرض
وأما الحدقة العمياء ولسان الأبكم فهي كاليد الشلاء
الثانية تقطع الأذن الصحيحة بالأذن المثقوبة إذا لم يورث الثقب شيئا كآذان النساءوالمخرومة التي قطع بعضها لا يستوفى بها كاملة ولكن تستوفى بمثلها إن أجرينا القصاص في بعض الاطراف ولا نكتفي بالمخرومة في مقابلة الكاملة إلا بضم الأرش إليه
وإن كان الخرم من غير إبانة قال العراقيون امتنع القصاص لأن الجمال هوالمقصود الأظهر في الأذن بخلاف ما إذا كانت أظفار المجني عليه متفرعة او مخضرة إذ تقطع به اليد السليمة لظهور منفعة البطش في اليد ولو كانت الأظفار مقلوعة قالوا لا يستوفى بها الكاملة والكل فيه نظر إذ يلزم أن ينقص قدر من دية الإصبع لفقد الظفر ولا قائل به
ولو قطع أذنه فرده إلى المقطع في حرارة الدم فالتصق فلا أثر لهذا الإلتصاق والقصاص واجب ويجب قلعه إن قلنا إن ما يبان من الآدمي نجس وإلا فيعفى عنه ويحتمل النظر إلى الدم الذي انكتم في الإلتصاق لأن الساتر جماد فلا يوجب الإستبطان
فإذا قلنا يجب إزالته فلا قصاص على مقتلعه وهكذا إن قلنا لا يجب إلا إذا سرى إلى الروح فيجب قصاص النفس
الثالثة لا تقلع سن البالغ بسن صبي لم يثغر لأن القصاص في إفساد المنبت فلا يفسد من الصبي فلو فسد المنبت ولم تعد سن الصبي ففي القصاص قولان وجه قولنا لا يجب أن سنه فضلة زائدة فلا يمكن أن يقلع به سن أصلي
فإن كان فساد المنبت مشتركا والبالغ لو عاد سنه على ندور ففي سقوط القصاص عن قالعه قولان ووجه قولنا لا يسقط التشبيه بما لو التحمت الموضحة فإنها نعمةجديدة لا تسقط القصاص
ولو قطع جزءا من طول لسانه فعاد فهو كعود السن أو التحام الموضحة وجهان فإن حكمنا بسقوط القصاص ففائدته استرداد الدية إن كان قد أخذها أو إيجاب دية سن الجاني وإن كان قد قلع وليس من فائدته تأخير استيفاء القصاص لأن الظاهر عدم العود كما أن الظاهر في الصبي العود
فإن بادر المجني عليه واستوفى ثم عاد سنه لم يقلع قصاصا باستيفائه إذ جاز له الإستيفاء لكن يغرم له الدية ويبقى له حكومة سنه
ولو عاد سن الجاني وقلنا عوده مؤثر ففي قلعه ثانيا وثالثا إلى إفساد المنبت وجهان
التفاوت الثالث في العدد
فإن كانت يد الجاني ناقصة بأصبع قطع وطولب بالأرش وقال أبو حنيفة رحمه الله يقنع به كما في النفس
فإن كان النقصان في يد المجني عليه لم يكن له قطع الكف لكن لقط الأصابع الأربع وطلب حكومة الباقي كما في كسر العضد
فروع أربعة
الأول لو كان على يد الجاني أصبعان شلاوان فلو قطع يده فلا أرش للشلل وإن لقط الأصابع الثلاث فله دية أصبعين وأما حكومة الكف فالقدر الذي يقابل الأصابع المقطوعة فيه وجهان يعبر عنهما بأن الحكومة هل تندرج تحت قصاص الأصابع كما تندرج تحت ديتها وهل يقابل الأصبعين فيه وجهان يعبر عنهما بأن بعض الأصبع هل تنزل منزلة الكل في استتباع الحكومة وأما الأصبع الشلاء فلا تندرج حكومة الكف تحت حكومتها في الظاهر
الثاني إذا كان على يد الجاني ستة أصابع متساوية ليس فيها زيادة فللمجني عليه أن يلقط خمسة من أي جانب شاء وله مع ذلك سدس دية اليد لأن اليد انقسمت ستة أقسام وقد استوفى في خمسة أسداسها إلا أنه خمسة أسداس في صورة خمس كوامل فنحط من أجل الصورة من السدس شيئا بالإجتهاد
أما إذا كانت فيها زيادة وزعم أهل الصنعة أن القوة لم تنقسم بالأجزاء المتساوية لأنالزائد ملتبس فليس له القصاص لأنه ربما يستوفي الزائدة بأصلية فلا سبيل إليه
فلو بادر فقطع خمسا فهو تمام حقه ولا يلتفت إلى قوله لعل الزائد في المستوفى فقد نقص حقي لأنه تعدى بالمخالفة
الثالث أصبع تشتمل على أربع أنامل تنقسم القوة لها على التساوي من غير تعيين زيادة فإذا قطع هذا من المعتدل أنملة قطعنا أنملته وألزمناه من الأرش ما بين الربع والثلث
وإن قطع أنملتين قطعنا أنملتيه وألزمناه ما بين النصف والثلثين فإن قطع الأصبع قطعنا أصبعه فإن أربعة أرباع تساوي ثلاثة أثلاث هذا إذا لم يزد في الطول فإن زاد في طوله فالحكم ما مضى ولكن يرعى تفاوت الصورة ها هنا كما في الأصابع الستة
ولو قطع من هذه الأنامل واحدة فلا نقطع أنملة معتدلة لأنها ثلث فلا تقابل بالربع وإن قطع أنملتين قطعنا واحدة وطلبناه بالتفاوت بين النصف والثلث
وأنملتان متساويتان على رأس أصبع ويدان على ساعد وقدمان على كعب كالأصابع الستة
الرابع مقطوع الأنملة العليا إذا قطع صحيح
الأنملة الوسطى منه فلا يمكن استيفاء الوسطى ولكن لو سقطت العليا بآفة أو جناية جان فقدرنا على الوسطى فنقطعها وإلى أن يتفق ذلك فهل يطالب بالأرش للحيلولة نص الشافعي رضي الله عنه أن ولي المجنون يطالب بالأرش إذا ثبت للمجنون قصاص ويكون ذلك للحيلولة ونص في الصبي أنه لا يطالب لأن له أمدا منتظرا فخرج إلى المجنون وجه من الصبي وإلى الصبي وجه من المجنون
وأما الحامل فهي أولى بأن لا يطالب لأن أمد وضع الحمل قريب فتوقع سقوط العليا في مسألتنا بآفة أو جناية جان كتوقع الإفاقة من المجنون
ولو كانت علياه مستحقة بالقصاص فتوقع استيفائه كتوقع وضع الحمل
ومهما قلنا إنه ليس له أرش الحيلولة فلو أخذ كان إقدامه على أخذ الأرشعفوا عن القصاص
فروع تتعلق بالنزاع
الأول إذا جنى على ملفوف في ثوب وادعى كونه ميتا وأنكره ولي الملفوف فقولان
أحدهما القول قول الجاني إذ الأصل براءة الذمة
والثاني القول قول الولي إذ الأصل استمرار الحياة
ولو قطع يده ثم قال لم يكن له أصبع ففيه طرق وحاصل المذهب أربعة أقوال
أحدها أن القول قوله لأن الأصل عدم القصاص
والثاني قول المجني عليه إذ الأصل السلامة
والثالث إن كان العضو باطنا فقول المجني عليه إذ يعسر عليه إقامة البينة والباطن ما يجب ستره شرعا على رأي أو ما يستر مروءة على رأي
والرابع أنه إن ادعى عدم الأصبع في الأصل فالقول قوله وإن ادعى سقوطه فالقول قول المجني عليه
الثاني إذا قطع يدي رجل ورجليه فمات وبعد موته ادعى الولي أنه مات بعد اندماله وعليك ديتان فأنكر فيصدق من يصدقه الظاهر ويعرف ذلك بقرب الزمان وبعده
وإن تساويا في إمكان الصدق فهو قريب من تقابل الأصلين إذ يمكن أن يقال الأصل براءة الذمة والأصل التعدد عند تعدد الجناية والسراية مشكوك فيها
ولو ادعى الوارث أنه مات بسبب هاجم فمطالبته بالبينة ها هنا أولى لأن إثبات ذلك أيسر والأصل عدم طرآن السبب
ولو انعكس الخلاف فطلب القصاص في النفس فالقول قول الجاني لأن قصاص النفس يتوقف على السراية وهو مشكوك فيه ويسقط بالشبهة إلا إذا كان الظاهر خلاف ما يقوله فإنا لا نصدقه
فلو أقام من لم نصدقه في السراية بينة على أنه لم يزل ضمنا نحيفا إلى الموت فهذا لا يفيد نفي سبب آخر لكن يجعل الظاهر لجانب السراية
الثالث إذا شج رأس إنسان موضحتين فرأينا الحاجز مرتفعا وقال الجاني أنا رفعته وعلي أرش واحد لاتحاد الموضحات وقال المجني عليه أنت رفعته ولكن بعد الإندمال فعليك ثلاثة أروش فينظر في دعوى الإندمال إلى ما سبق فإن حلف المجني عليه على الإندمال حيث يصدق ثبت على الجاني أرشان وفي الثالث وجهان
أحدهما نعم لأنه مقر بالثالث والإندمال ثبت بيمينة
والثاني لا لأن يمين الإندمال تصلح لنفي التداخل ولا تصلح لإثبات الثالث عليه وهو لم يقر بثالث موجب بل برفع حاجز لا يوجب وقد تم النظر في موجب القصاص
الفن الثاني في حكم القصاص الواجب في الإستيفاء والعفو
وفيه بابان
الباب الأول في الإستيفاء
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول فيمن له ولاية الإستيفاء
وفيه مسائل
الأولى إذا كان القتيل واحدا والورثة جماعة فالقصاص موزع على فرائض الله تعالى حتى يثبت للزوجين والصغير والمجنون
ثم إن كان فيهم صغير أو مجنون لم يستوف القصاص إلى البلوغ والإفاقة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
وقد نص الشافعي رضي الله عنه على أن ولي المجنون يطالب بالمال لأنه لا أمد له وولي الصبي لا يطالب بالمال وقد ذكرنا تصرف الأصحاب قبل هذا في كتاب اللقيط
أما إذا كانوا مكلفين فلا يجوز الإستيفاء إلا بالتوافق فإن تزاحموا أقرع بينهم فمن خرجت القرعة له فمنعه غيره من أصل الإستيفاء امتنع ويدخل في القرعة المرأة والعاجز على أحد الوجهين ويستنيب إن خرجت قرعته
فرع
لو بادر واحد دون رضا الآخرين ففي وجوب القصاص قولان
أحدهما يجب إذ ليس له ذلك وحقه ليس بكامل في الجميع فهو كما لو شارك غيره
والثاني لا لأن البعض مهدر في حقه فصار كما جرح جراحتين إحداهما في حالة الإهدار ولأن علماء المدينة ذهبوا إلى إباحة الإستبداد لكل وارث والخلاف في إباحة السبب شبهة ولهذه العلة لو جرى بعد عفو الآخرين سقط القصاص أيضا وإن لم يكن عالما بالعفو فسقوط القصاص أولى
فإن قلنا لا يجب القصاص فالذي لم يرض يرجع بحصته على المبادر في قول وكأنه استوفى الكل واحتبسه عنده ويرجع على تركة القتيل في قول كما لو قتله أجنبي
وإن قلنا يجب القصاص فلو بادر ولي القتيل القاتل فقتل المبادر بقي دية القتيل المظلوم متعلقة بتركة القتيل القاتل نصفها لورثة المبادر ونصفها للذي لم يأذن
فإن عفا ولي القتيل القاتل على مال فذلك المال تركة القتيل القاتل فيؤدي منه حق الذي لم يأذن ويجعل حق المبادر قصاصا بمثله إن تماثلا
المسألة الثانية إذا قتل الواحد جماعة قتل بأولهم وللباقين الديات وإن قتلهم معا قتل بمن خرجت له القرعة واكتفى أبو حنيفة رحمه الله به عن جميعهم
واختلف أصحابنا في العبد إذا قتل جماعة فقيل يقتل بجميعهم لأن حق الآخرين ضائع وفي القاتل في قطع الطريق لجماعة فإنه لم يرع فيه الكفاءة وسلك به مسلك الحد على قول اكتفى به عن الجماعة وكذلك اختلفوا في أولياء القتلى إذا تمالئوا عليه على ثلاثة أوجه
الصحيح أنه يقسط عليهم ويرجع كل واحد إلى حصته من الدية
والثاني أنه يقرع بينهم ويصرف إلى من خرجت القرعة له
والثالث أنه يكفي عن جميعهم كمذهب أبي حنيفة رحمه الله
هذا إذا حضر الكل فإن كان بعضهم غائبا أو مجنونا ففي رواية الربيع يؤخر إلى إمكان القرعة وفي رواية حرملة يستوفي الحاضر والعاقل ويكون الحضور مرجحا كالقرعة
فرع
لو اجتمع مستحق النفس والطرف قدم مستحق الطرف إن اجتمع مستحق اليمين ومستحق الأصبع من اليمين أقرع بينهما لأن قطع الأصبع ينقص اليمين بخلاف قطع الطرف فإنه لا ينقص النفس
المسألة الثالثة في المستوفي وليس للولي الإستقلال دون الرفع إلى السلطان فإن استوفى وقع الموقع وعزره الإمام لأن أمر الدماء خطير
فإذا رفع إلى السلطان وجب عليه أن يأذن له في القتل ولا يأذن في استيفاء حد القذف لأن تفاوت الضربات عظيم وهو حريص على المبالغة وهل يفوض إليه القطع فعلى وجهين وجه المنع مع كونه مقدرا ما يفرض من ترديد الحديدة التي يعظم غورها
ثم ينبغي أن يستوفى القصاص بأحد سيف وأسرع ضربة فإن ضرب الولي ضربة فأصاب غير الموضع المقصود فإن تعمد عزر ولم يعزل وإن اخطأ ودل على تخوفه وعجزه أمرناه بالإستنابة إذ لا يؤمن خطؤه ثانيا ومن أصحابنا من عكس هذاالترتيب وهو ضعيف
فروع ثلاثة
الأول لو قتله الولي بسيف مسموم يفتته قبل الدفن لم يمكن وإن كان يفتت بعد الدفن فوجهان
الثاني لو قطع الجاني طرف نفسه بإذن المستحق ففي وقوعه عنه وجهان لاتحاد القاص والمقتص
الثالث نص على أن أجرة الجلاد في القصاص على المقتص منه وفي الحد على بيت المال فقيل قولان منشؤهما أنه يخرج عن العهدة بالتمكين أو التمييز والتسليم وهو قريب من التردد في أن مؤنة جذاذ الثمار على البائع أو المشتري وقيل بتقرير النصين لأن الحد يجوز ستر موجبه والهرب منه فيكفي فيه التمكين
والأولى أن يكون للجلاد رزق من بيت المال إن اتسع
وينبغي أن يحضر الإمام محل الإقتصاص عدلين خبيرين بمجاري الأحوال يبحثان عن الحديدة أمسمومة أم لا يراقبان حقيقة الحال
الفصل الثاني في أن حق القصاص على الفور
فلا يؤخر باللياذ إلى الحرم إلى وقت الخروج بل يقتل في الحرم عندنا خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
ولو لاذ بالمسجد الحرام يخرج ويقتل وقيل يقتل في المسجد وتبسط الانطاع حذرا عن التأخير ولو قطع طرفه فمات فللوي قطع طرفه وحز رقبته عقيبه لانه استحق الروح حلى الفور وكذا لو قطع في الشتاء فللمستوفي القصاص في حرارة القيظ كما له القصاص في حالة المرض وإن كان مخطرا
ولو قطع يديه فاندمل فقطع رجليه فللمقطوع أن يجمع بين قطع يديه ورجليه ولاء وإن كان فيه مزيد خطر لأن الحق على الفور وفيه وجه أنه يمنع
وفي الجملة لا يؤخر حق القصاص إلا بعذر الحمل إلى وضع الولد وارتضاعه اللبأإن كان لا يعيش دونه فإن لم نجد مرضعة فإلى الفطام وإن وجدناها ولم ترغب قتلنا هذه وألزمنا المرضعة الإرضاع بالأجرة وقدرناه صبيا ضائعا
وأما الحد فيؤخر عن الفطام أيضا إلى أن يكفل الولد غيرها لقصة الغامدية فإن الحد على المساهلة ولذلك تحبس الحامل في القصاص ولم يحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الغامدية ولا يتبع الهارب لاجل الحد وللوالي حبس القاتل إن كان ولي المقتول غائبا ولا يحبس في ديون الغائبين لأن في القتل عدوانا على حق الله تعالى
فروع ثلاثة
الأول لو ادعت الحمل ففي وجوب التأخير بمجرد دعواها وجهان
أحد الوجهين يجب لأنها أعرف به وعلى هذا لا يمكن استيفاء القصاص من المنكوحة يخالطها زوجها
والثاني أنا لا ننكف إلا بمخايل الحمل ولا مبالاة بنطفة تعرض عقب الوطء إذا لم تنسلك الحياة فيها
الثاني لو بادر الولي وقتل الحامل بغير إذن الإمام فأجهضت جنينا ميتا عزرهوغرة الحنين على عاقلته لأن موت الجنين بهذا السبب لا يتيقن بل يحتمل عدم الحياة عند الجناية وإن قتل بإذن السلطان وهما عالمان ففي الغرة ثلاثة أوجه
الأصح أنه على عاقلة الولي لأنه مباشر
والثاني يحال على الإمام لتقصيره بالتسليط
والثالث أنه عليهما جميعا بالتشطير
وإن كانا جاهلين فخلاف مرتب والحوالة على الولي أولى إذا لم يبق لجانب الإمام وجه إلا تقصيره في البحث فإن كان الإمام جاهلا والولي عالما فليقطع بالحوالة على الولي لاجتماع العلم والمباشرة وفيه وجه
وإن كان الإمام عالما والولي جاهلا فجانب الإمام قد يقوى بالعلم فيتأكد النظر إليه
وحيث أحلنا على الإمام فهو على عاقلته أو في بيت المال فيه قولان يجريان في كل خطأ وقع للإمام وإن كان عالما فلا يجب على بيت المال
هذا في الولي أما الجلاد فلا عهدة عليه عند جهله اتفاقا لأنه كالآلة فكيف يتقلد العهدة وإن كان عالما وقدر على الإمتناع فهو كالولي وإن خاف سطوة السلطان فقد ذكرنا أن أمر السلطان إكراه أم لا
الثالث لو قطع يديه ورجليه فعفا عن القصاص وطلب شيئا من الدية ففيه ثلاثة أقوال
أحدهما أنه تعجل له ديتان فإن تداخل بالسراية استردت واحدة وكأن التداخل عارض مغير للسبب بعد تمامه
والثاني أنه تسلم إليه دية واحدة لأن المستيقن وسبب الباقي يتم بالإندمال
والثالث أنه لا يسلم شيء إذ يتصور أنه يجرحه مائة وألف فترجع حصته إلى جزء من الألف فلا يستيقن مقدار وقد نص الشافعي رضي الله تعالى عنه في السيد إذا جنى على مكاتبه أنه يعجل فقيل بطرد الخلاف تخريجا وقيل الفرق التشوف إلى العتق
ثم هؤلاء اختلفوا في اختصاص التعجيل بالنجم الأخير فقيل لا يختص لأن الأول أيضا يقرب من العتق
الفصل الثالث في كيفية المماثلة
وهي مرعية عندنا في قصاص النفس خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
ومعناه أن من قطع وقتل قطع وقتل ومن غرق أو حرق أو رجم بالحجارة فعل به مثله إلا إذا قتل باللواط أو إيجار الخمر فإن مثله فاحشة فيعدل إلى السيف وقيل يعدل إلى إيجار الخل وإلى استعمال خشبة
ومهما عدل المستحق من غير سيف إلى السيف يمكن لأنه أوحى وأسهل
فروع
الأول لو أحرقه بالنار فألقيناه في مثلها فلم يمت في تلك المدة فيترك فيها أو يعدل إلى السيف فيه وجهان
أحدهما إلى السيف لأنه أوحى وأسهل
والثاني النار كيلا نوالي بين نوعي العذاب عليه ولتأخذ النار مقتله كما أخذ من المجني عليه
ولو كان رقبة القاتل غليظة لا تنحز إلا بضربات فلا نبالي بهذا التفاوت للضرورة
فإن قلنا لا يعدل إلى السيف لاتحاد جنس العذاب فيجري هذا في التجويع في مثل تلك المدة وهل يجري في توالي الضربات بالحجارة والسياط فيه تردد لأن كل ضربة كالمنقطعة عما قبلها ولا يبعد التسوية فيقال ضربه إلى الموت فنضربه إلى الموت
ولو قطع طرفه فقطعنا طرفه فلم يمت فلا يجوز أن نقطع بقية الأطراف فإن هذا اختلاف محل معتبر ولو قتله بجائفة فلم يمت بجائفة فهل نوالي بالجوائف عليه فيه خلاف فإن الجوائف تنحو نحو جوف واحد والأظهر أنه كقطع الأطراف ومهما قطعنا طرفه فلم يمت فالخيرة في حز رقبته إلى المستحق إن شاء أخر وإن شاء عجل
الثاني لو قطع يده من الكوع فجاء آخر وقطع يده من المرفق فمات منهما قطعنا الكوع من قاطع الكوع وفي قطع المرفق من قاطع المرفق وجهان
وجه المنع أنه قطع ساعدا بلا كف فكيف نقطع الساعد مع الكف
ووجه التجويز أن النفس مستوفاة فلا نظر إلى تفاوت الأطرف
الثالث إذا مات بسراية القطع فقطعنا يد الجاني فمات وقع قصاصا ولو مات الجاني أولا ففي وقوعه قصاصا وجهانأحدهما لا لأن شرط القصاص أن تكون روح المجني عليه زاهقة قبل موت الجاني
والثاني نعم لأن المقصود المقابلة وقد حصل
الرابع إذا استحق القصاص في اليمين فأخرج الجاني يساره فقطعه المستحق فللجاني ثلاثة أحوال
الحالة الأولى أن يقصد بإخراج اليسار إباحتها فيسقط قصاص اليسار لأن الإخراج مع نية الإباحة كافية في الإهدار ولو قصد قطع يده فسكت ولم يخرجها فهل يكون ذلك إهدارا فيه وجهان ووجه كونه إهدارا أنه سكوت في محل يحرم السكوت فيه بخلاف ما إذا سكت على إتلاف المال فإنه لا يكون إهدارا
فأما قصاص اليمين فهل يسقط يرجع فيه إلى نية القاطع وله ثلاثة تأويلات في قطع اليسار
الأول أن يقول استبحته بإباحته فيبقى حقه في اليمين
الثاني أن يقول ظننت أن اليسار تجزىء عن اليمين ففي سقوط حقه عن اليمين وجهان لأنه قصد الإسقاط بناء على ظن خطأ وهذا الخلاف جار فيما إذا تضرع من عليه القصاص ليؤخذ منه الفداء فأخذه المستحق من غير تلفظه بالعفو فإقدامه على الأخذ هليكون إسقاطا فيه خلاف
فإن قلنا بسقوط حقه عن اليمين بقي له دية اليمين
الثالث أن يقول عرفت أن اليسار لا تقطع عن اليمين ولكني قصدت أن أجعله عوضا من تلقاء نفسي ففيه خلاف مرتب وسقوط حقه عن اليمين ها هنا أولى
الحالة الثانية للمخرج أن يقول دهشت فلم أدر ماذا فعلت فهذا ليس بإهدار لليسار ولكنا نراجع القاطع وله أربعة تأويلات
الأول أن يقول دهشت أنا أيضا فلا يقبل منه ويلزمه قصاص اليسار لأن الدهشة لا تليق به مع إقدامه على قطع منظور
الثاني أن يقول ظننت أن اليسار تقع عن اليمين فالخلاف في سقوط حقه عن اليمين كما سبق والمنقول أن لا قصاص في اليسار لظنه ويحتمل الإيجاب كما إذا قتل الممسك لأبيه وقال ظننت أن القصاص يجب على الممسك فإن الظاهر وجوب القصاص لبعد ظنه
الثالث أن يقول ظننت أن المخرج هو اليمين فلا يسقط حقه عن القصاص وفي وجوب القصاص عليه في اليسار قولان كما لو قتل شخصا ظنه قاتل أبيه
الرابع أن يقول قصدت قطع يساره عدوانا فعليه قصاص اليسار وبقي حقه في اليمين
الحالة الثالثة للمخرج أن يقول قصدت بإخراج اليسار إيقاعه عن اليمين فللقاطع ثلاثة تأويلات
الأول أن يقول ظننت الإباحة فلا قصاص لأن قرينة الإخراج أكدت الظن وحقه في اليمين باق
الثاني أن يقول ظننت أن اليسار تجزىء عن اليمين ففي سقوط حقه عن اليمين الخلاف السابق ولا قصاص في اليسار لتطابق الفعلين والظنين ونزولهما منزلة معاملة فاسدة وقال ابن الوكيل يجب القصاص في اليسار وهو بعيد
الثالث أن يقول ظننت أن المخرج يمين قطع العراقيون بنفي القصاص لانضمام التسليط إليه وذكروا في الضمان وجهين والأظهر الوجوب لانه لم يسلط مطلقا بل ببدل لم يسلم له
هذا كله في القصاص فإن جرى في السرقة وفرض دهشة أو ظن وقع الحد موقعه نص عليه لأن الحد على المساهلة والمقصود النكال وقد حصل فيبعد أن تقطع يمينه بعد ذلك وقيل بتخرج وجوب القصاص
فرع إذا قضينا ببقاء القصاص في اليمين فأراد أن يقطعه عقيبه متواليا بين الجراحتين فالنص منعه بخلاف ما إذا قطع يديه ورجليه متفرقة فأراد القصاص متواليا لأن ألم الولاء متولد من الحق وها هنا متولد من جنايتين إحداهما حق والأخرى عدوان
الباب الثاني في حكم العفو
والنظر في طرفين
الأول في حكم العفو وهو مبني على أن موجب العمد المحض القود المحض والدية أحدهما لا بعينه على سبيل التوازي أو هو القود المحض وإنما الدية تجب عند سقوط القود فيه قولان توجيههما مذكور في الخلاف
فإذا قلنا الدية موازية للقصاص لا معاقبة له فهل القصاص أصل والدية تابع أو هما متوازيان من كل وجه فيه تردد ويظهر أثره في صيغ العفو وهي أربعة تفريعا على أن الواجب أحدهما لا بعينه
الأولى أن يقول عفوت عن القصاص والدية جميعا فيسقطان فلو قال عفوت عن القصاص لم يبق إلا الدية فإن قال عفوت عن الدية فله القصاص وهل له مرجع إلى الدية فيه ثلاثة أوجه
أحدها لا لإسقاطه
والثاني نعم لأن القصاص لا يعري عن إمكان رجوعه إلى الدية فعلى هذا لا أثر للعفو عن الدية
فإن قلنا لا يرجع إلى المال استقلالا فهل لهما المصالحة على المال فيه وجهان
أحدهما لا كحد القذف
والثاني نعم لأن الدم مقوم شرعا كالبضع
ولو جرى مع أجنبي فوجهان مرتبان وأولى بالمنع ووجه التجويز تشبيهه باختلاع الأجنبي زوجة الغير وهذا الخلاف جار حيث يتعرى القصاص عن الدية ويمكن ذلك بأن يقطع يديه فيسري إلى الروح فإذا قطع يديه قصاصا فليس له إلا حز الرقبة فلو عفا فلا مال لأنه استوفى يدين يوازيان الدية
الثانية إذا قال عفوت على أن لا مال فوجهان
أحدهما أنه يسقط كلاهما كما لو عفا عنهما
والثاني لا لأنه شرط نفي المال في العفو عن القود والعفو المطلق على هذا القولموجب للمال فلا ينتفي بشرط النفي
الثالثة أن يقول عفوت عنك ولم يتعرض لدية ولا قود فإن قلنا الواجب القود المحض سقط القصاص ويكون كالعفو المطلق وإن قلنا الواجب أحدهما ففيه وجهان
أحدهما أنه يسقط القود لأن لفظ العفو يليق به
والثاني أنه مجمل ويراجع فإن نوى شيئا اتبع وإن قال لم يكن لي نية قيل له أنشيء الآن نية وفيه وجه ثالث أنه إن لم يكن له نية انصرف إلى القصاص وإن نوى الدية انصرف إليها
الرابعة إذا قال اخترت الدية سقط القود وإن قال اخترت القود المحض فهل يجعل كإسقاط الدية فيه وجهان وجه قولنا لا يسقط أنه يحمل على التهديد والوعيد فله أن يحسن بالعفو
التفريع
على قولنا إن الواجب القود المحض أنه لو عفا على مال ثبت ويكون بدلا عند عدم القود وكذلك لو تعذر القود بموت من عليه القصاص رجعنا إلى الدية وإن عفا مطلقا فقولان
أحدهما أن لا مال لانه لا واجب إلا القود وقد أسقطه
والثاني أنه يثبت لأن الدية خلف القود عند سقوطه
فرعان
الأول المفلس المستحق للقود له الإستيفاء فإن عفا عن القود مع نفي المال فهل ينزل منزلة المطلق فيه وجهان منشؤهما أنه دفع لسبب الوجوب كما إذا رد هبة أو وصية أو دفع الوجوب بعد جريان سببه
وفي المبذر طريقان منهم من ألحقه بالمفلس ومنهم من قال هو في استيفاء القصاص وإسقاطه كالبالغ ولكن في دفع الدية كالصبي
الفرع الثاني لو صالح عن القصاص على مائتين من الإبل بطل على قولنا إن الواجب أحدهما لأنه زيادة على الواجب وعلى القول الآخر فيه وجهان وجه المنع أن الدية لها تعلق بالقود بكل حال فلا مزيد عليها
الطرف الثاني في العفو الصحيح والفاسد
وأحوال العفو سبعة
الأولى أنه إذا اذن له في القطع سقط القصاص وإن سرى إلى النفس سقط أرش الطرف وفي دية النفس إذا سرى أو قال اقتلني قولان ينبنيان على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أو تلقيا من الميت والأصح أنه تلق فسقط بعفوه كل الدية وإن لم يكن له مال سواه فإنه دفع الوجوب فلا يحسب من الثلث وفي سقوط الكفارة وجهان أصحهما اللزوم للجناية على حق الله تعالى وخرج ابن سريج أن حق الله تعالى يتبع حق الآدمي كما في القتل قصاصا
الثانية العفو بعد القطع وقبل السرية بأن يقول عفوت عن القطع أرشا وقودا فإذا سرى إلى ما وراءه مع بقاء النفس فالسراية مضمونة لأنه لم يعف عن المستقبل وقد تولد عن فعل كان مضمونا وفيه وجه أن العفو الطارىء كالإذن المقارن
ولو قال عفوت عما سيجب فهو إبراء عما لم يجب وجرى سبب وجوبه وفيه قولان
الثالثة العفو بين القطع والموت بأن قال عفوت عما سبق أرشا وقودا فلا قصاص في النفس لتولده عن معفو عنه وعن ابن سريج وجه أنه يجب لأن الفعل كان عدوانا ولم يعف عن النفس
وأما الدية فتخرج على الوصية للقاتل فإن منعناها لم تسقط وإن جوزناها سقط ما يقابل القطع السابق ويبقى الآخر إلا إذ صرح بالعفو عما سيجب فيخرج على القولين إلا إذا كان قد قطع كلتا اليدين فإن العفو عنه عفو عن كمال الدية فلا يبقى واجب
ولو أوصى للجاني بالأرش بدل العفو لم يخرج هذا على الإبراء عما سيجب لأن هذه وصية يمكن الرجوع عنها وليس بإبراء منجز والوصية بما سيجب تجوز ونصوص الشافعي رضي الله عنه ها هنا تدل على منع الوصية للقاتل فإنه قال لو كان القاتل عبدا صح العفو لأن أثره يرجع إلى السيد الذي ليس بقاتل وقال لو كان الجاني مخطئا صح العفو لأن الفائدة للعاقلة لا للقاتل ولو كان العاقلة منكرا أو مخالفا في الدين فإن العفو باطل لأنه عفو عن القاتل فهو وصية له وقال الأصحاب إذا قال للخاطىء عفوت عنك وقلنا الوجوب لا يلاقيه فهو لغو وإن قلنا يلاقيه لغا أيضا على أحد الوجهين لأن ملاقاته له تقدير مختطف لا قرار له
الرابعة إذا عفا بعد قطع الطرف على مال فقد ذكرناه في القصاص إن سرى فلو حز رقبته هل يكون كسراية قطعه فيه وجهان
أحدهما نعم فإن الجاني واحد فيتحد الحكم كما تتحد الدية
والثاني لا لأن سقوط القصاص كالمتولد عن معفو عنه
الخامسة عفو الوارث بعد موت القتيل صحيح فإن استحق القصاص في الطرف والنفس فعفا عن أحدهما لم يسقط الآخر وقيل إن عفا عن النفس فقد التزم بقاء الأطراف فيسقط قصاص الطرف والنفس وإن كانت النفس مستحقة بقطع الطرف فعفا عن الطرف ففي جواز حز الرقبة وجهان
أحدهما لا لأنه عفا عن الطرف
والثاني نعم إذ كان له أن يقطع الطرف ثم يحز الرقبة ولا يبعد أن ينفصل الطرف عن الغاية إذ لو قطع طرف عبد فعتق ومات فللسيد قطع يده وللولد حز رقبته وعفو أحدهما لا يسقط حق الآخر
السادسة العفو بعد مباشرة سبب الإستيفاء كما إذا قطع يد من عليه القصاص ثم عفا عن النفس فإن اندمل القطع صح العفو ولا ضمان عليه خلافا لأبي حنيفة رحمه الله وإذا سرى بان أن العفو باطل وكذلك إذا رمى إليه ثم عفا قبل الإصابة فإن أصاب بان بطلان العفو وهو الأصح
السابعة إذا تنحى الوكيل إلى عرصة الموقف ليستقيد فعفا الموكل فحز الوكيل رقبته غافلا فلا قصاص عليه وفي الدية والكفارة ثلاثة أقوال في الثالث تجب الكفارة دون الدية ووجه إسقاط الدية أنه معذور كما في السهم الغرب ووجه إيجابه أنه فيه نوع تقصير إذ كان ينبغي أن يجدد الإستئذان عند الحز ووجه دفع الكفارة إسقاط أثر العفو في حقه لانه لم يبلغه ومع هذا فلا خلاف في أن القتل لم يقع قصاصا فيثبت للعافي الدية في تركة القتيل وفيه وجه أنا إن أهدرنا دية القتيل فلا نوجب للعافي شيئا في تركته
وإن فرعنا على أن دم القتيل لا يهدر فالدية على الوكيل أو على عاقلته فيه قولان يجريان في كل خطأ لا يتعلق بالفعل ونفس القتيل
فإذا أوجبناه ففي الرجوع على العافي طريقان منهم من نزله منزلة المعذور ومنهم من قال هو محسن بالعفو فلا شيء عليه
فرع
لو اشترى المجني عليه العبد الجاني بالأرش المتعلق برقبته صح كشراء المرتهنبالدين فإن هذا الدين وإن لم يكن على السيد فهو متعلق بماله
وإن كان الأرش إبلا ففي الشراء وجهان لما فيه من الجهالة ووجه الصحة أن المقصود الإسقاط دون الإستيفاء فيسامح في الجهالة
فلو وجد بالعبد عيبا فله الرد وإن كان لا يستفيد برده أمرا زائدا إذ لا يتجدد له على السيد طلبه والله سبحانه وتعالى أعلم
كتاب الديات
والنظر في الواجب والموجب ومن عليه وفي دية الجنين القسم الأول في الواجب
والنظر في النفس والطرف وفيه بابان
الباب الأول في النفس
والأصل في الحر المسلم مائة من الإبل والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم
في النفس المؤمنة مائة من الإبل مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقه وعشرون جذعة
ثم تتغير في أربع مغلظات وأربع منقصات
أما المغلظات الأربع فهو الحرم والأشهر الحرم والرحم والعمدية
أما الحرم فالقتل في مكة وسائر الحرم يوجب التغليظ على الخاطىء وكذا لو رمى من الحرم إلى الحل أو من الحل إلى الحرم كما في الصيد وفي حرم المدينة خلاف والإحرام لا يلتحق به
وأما الأشهر الحرم فأربعة ثلاثة منهن سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب
وأما الرحم فما يوجب المحرمية دون ما عداها من القربات
واعتمد الشافعي رضي الله عنه في التغليظ بهذه الأسباب الثلاثة آثار الصحابة رضي الله عنهم خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
وأما العمدية وكونه شبه العمد فقد ذكرناه ونذكر الآن ثلاث صور
إحداها أن من قتل شخصا في دار الكفر علي زي الكفار فإذا هو مسلم ففي الدية قولان فإن أوجبناها ففي الضرب على العاقلة قولان وهو تردد في أنه يجعل عمدا او شبه عمد وفيه وجه أنه يلحق بالخطأ المحض فيخفف على العاقلة
الثانية إذا رمى إلى مرتد فأسلم قبل الإصابة وهي معنى الصورة السابقة وأولى بأن يلحق بالخطأ
الثالثة إذا رمى إلى جرثومة ظنها شجرة فإذا هي إنسان فالصحيح أنه خطأ محض كما لو سقط من سطح أو مرق السهم من صيد إلى إنسان أو قصد شخصا فأصاب غيره ويحتمل من مسألة الحربي أن يقال ظن كونه شجرا كظن كونه حربيا هدرا وقد قصده في عينه
فإن قيل ما معنى التخفيف والتغليظ قلنا المائة من الإبل تتخفف في الخطأ المحض من ثلاثة أوجه الضرب على العاقلة والتأجيل بثلاث سنين ووجوبها مخمسة وفي العمد المحض تتغلظ بتخصيصه بالجاني وبتعجيله عليه وتبديل التخميس بالتثليث وهو أن 8يجب ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها وهذه النسبة مرعية حتى تجب في أرش جناية الموضحة خلفتان وجذعة ونصف وحقة ونصف وكذا في سائر الجراحات
وأما شبه العمد فتتخفف من وجهين الضرب على العاقلة والتأجيل ثلاث سنين وتغلظ من وجه وهو التثليث لقوله عليه السلام
ألا إن قتيل العمد الخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها
ولا يتضاعف التغليظ بتضاعف الأسباب فيجب على العامد في الحرم في الأشهر الحرم بقتل ذي الرحم ما يجب على العامد دون هذه المغلظات
فإن قيل فما صفة الإبل وصنفه وبدله عند فقده قلنا أما الصفة فما ذكرناه مع السلامة عن العيوب المثبتة للرد بالعيب أما الخلفة فلا تكون إلا ثنية فإن حملت ما دونها على الندور ففي إجزائها وجهان لأنه قد يظن الإجهاض بها
ومهما تنازعا في وجود الحمل حكم في الحال بقول عدلين من أهل البصيرة فلو اختلف قولهما استدرك فلو رد ولي الدم وقال ليس حاملا فالقول قوله إلا إذا ادعى الجاني الإجهاض في يده وكان قد أخذه بقول عدلين لا بقول الجاني ففيه وجهان
أحدهما أن المصيب هو الجاني لموافقته قول العدلين
والثاني هو الولي لأن العدل لم يحكم إلا بالتخمين فيصلح تخمينه لتأخير حقه لا لإسقاطه
أما صنفه فهو غالب إبل البلد فإن لم يكن في البلد إبل فأقرب البلدان إليه فإن كان إبل من عليه مخالفا لإبل البلد فهل تتعين فيه وجهان
أحدهما نعم كقوت من عليه زكاة الفطر في أحد القولين
والثاني لا لأنه شكر على النعمة فيكون من جنسها وهذا أرش الجناية فلا يناسب اعتبار ملكه
فإن اعتبرناها فكانت مريضة أو معيبة فهي كالمعدومة وإن كانا جنسين مختلفين متساويين فالخيرة إلى المعطي
وأما بدله عند العجز فقيمته في محل العبرة مغلظة كانت أو مخففة ونص في القديم على أنه يرجع إلى ألف دينار أو إلى اثني عشر ألف درهم من النقرة الخالصة وقيل إن معنى القديم التخيير بين الخصال الثلاث وهو ضعيف لأن أثر التغليظ يسقط به وقيل يزاد الثلث بسبب التغليظ فيجعل ستة عشر ألفا تقليدا لأثر ابن عباس رضي الله عنه وهو بعيد
هذا بيان المغلظات وأما المنقصات فهي أربع
الأولى الأنوثة فإنها ترد كل واجب إلى الشطر ثم ترعى النسبة في التغليظ والتخفيف فيجب عشرون خلفة وخمس عشرة حقة وخمس عشرة جذعة وعلى هذا الحساب في الأطراف
الثانية الرق وواجب الرقيق قيمته بالغة ما بلغت وإن زادت على دية الحر خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فإنه حط عن ديته بقدر نصاب السرقة
الثالثة الاجتنان في البطن إذ واجب الجنين الغرة ولا يتغلظ فيه وسيأتي
الرابعة الكفر ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثمانمائة درهم ولا يظهر فيه التغليظ إلا أن يجعل هذا معيارا للنسبة فينسب إلى اثني عشر ألف درهم ويقال هو خمس دية المسلم
هذا في أهل الذمة وأهل العقد والمستأمنين من هؤلاء
أما الزنادقة وعبدة الأوثان فلا دية لهم ولاذمة لهم ولو دخل واحد منهم دارنا رسولا مستأمنا فإن كان وثنيا أثبت له أخس الديات وهي دية المجوسي لأنه الأقل تحقيقا للعصمة لاجل الحاجة إلى الأمان وإن كان مرتدا فلا دية في قتله ولكنا نمتنع عن قتله في الحال مصلحة كالنساء والذراري
والزنديق الذي ولد كذلك متردد بين الوثني والمرتد
هذا كله فيمن بلغتهم الدعوة وأما من لم تبلغهم دعوتنا قال القفال يجب القصاص على المسلم بقتلهم لأنهم على الحق ومنهم من قال لا كفاءة بين الدينين وإن كانا حقين لأنه بقي خطأ باعتبار جهله وهو الآن باطل في نفسه فلا قصاص ولكن تجب دية المسلم ومنهم من قال بل تجب دية أهل دينه إن كان يهوديا أو مجوسيا لأن منصب دينهم لا يقتضي إلا هذا القدر
وإن لم تبلغهم أصلا دعوة نبي قال القفال وجب القصاص لأنهم أهل الجنة وقال غيره لا لعدم أصل الدين ولكن في الدية وجهان
أحدهما دية المسلم
والثاني أخس الديات
وإن كانوا متعلقين بدين محرف كدين موسى عليه السلام بعد التحريف فلا قصاص ويحتمل إسقاط الضمان لعدم الذمة وعدم الدين الصحيح ويكون انكفافنا عنهم كانكفافنا عن النساء
وأما الصابئون من النصارى والسامرة من اليهود إن كانوا معطلة دينهم فلا حرمة لهم وإن كانوا من أهل الفرق فلهم حكم دينهم
وأما من أسلم ولم يهاجر فهو كالذي هاجر في القود والدية وقال أبو حنيفة رحمه الله لا عصمة إلا بالهجرة إلى دار الإسلام
الباب الثاني فيما دون النفس
وهذه الجناية إما جرح يشق أو قطع مبين أو ضرب يبطل منفعة
النوع الأول في الجرح وذلك إما على الوجه والرأس أو على سائر البدن
أما الرأس ففي الموضحة خمس من الإبل وهي كل ما توضح العظم فإن صارت هاشمة فعشر من الإبل فإن صارت منقلة فخمس عشرة فإن صارت مأمومة فثلث الدية
أما الدامغة المذففة ففيها كمال الدية وفي الهاشمة من غير إيضاح خمس من الإبل وقيل حكومة لأن العشر في مقابلة الموضحة الهاشمة ولو أوضح واحد وهشم آخرونقل ثالث وأم رابع فعلى كل واحد خمس من الإبل إلا على الآم فعليه التفاوت بين المنقلة وأرش المأمومة وهي ثمانية عشر بعيرا وثلث بعير
والتعويل في هذه التقديرات على النقل وقد نصر الشارع على بعضها وقيس بها البعض فإذا قلنا في الموضحة خمس من الإبل عنينا به نصف عشر الدية حتى ترعى هذه النسبة في المرأة والذمي والعبد
وكل عظم على كرة الرأس فهو في محل الإيضاح وإن كان من الوجه كالجبهة والجبين والوجنة وقصبة الأنف واللحيين ومن جانب القفا إلى الرقبة فأما العظمة الواصلة بين عمود الرقبة وكرة الرأس ففيه تردد
فإن تعددت الموضحة على الرأس تعدد الأرش فإن استوعب جميع الرأس بواحدة فالأرش واحد فاتحاد الموحضة بأن لا يختلف المحل والصورة والحكم والفعل
أما الصورة فأن تقع على الموضعين فإن رفع الحاجز اتحد الأرش وإن كان الرفع من غير الجاني لم يتحد ولو كان الحاجز بين الموضحتين الجلد دون اللحم أو اللحم دون الجلد فأربعة أوجه
أحدها أنه يتعدد إذ بقي حاجز ما
والثاني لا لأنه حصل نوع من الإتحاد
والثالث اللحم حاجز دون الجلد لأنه المنطبق على العظم
الرابع الجلد حاجز دون اللحم لانه الساتر عن العين
وأما تعدد المحل فبأن تخرج الموضحة الواحدة من الرأس إلى الجبهة أو من الجبهة إلى الوجه ففي تعدده وجهان أحدهما لا لاختلاف اسم المحل ولا تتعد بشمولها القذال والهامة إذ الكل في حكم الرأس
أما تعدد الفاعل بأن يوسع إنسان موضحة غيره فعلى كل واحد أرش وإن كانت الموضحة واحدة فإن جاء هو ووسع موضحة نفسه لم يزد الأرش على الصحيح
أما تعدد الحكم فبأن يكون بعض الموضحة عمدا وبعضها خطأ أو بعضها حقا قصاصا والباقي عدوانا فيتعدد الحكم اعتبارا لاختلاف الحكم باختلاف المحل فإن قلنا بالاتحاد فيكفي أرش واحد في العمد والخطأ وفي الزيادة على الإقتصاص لا بد من شيء لهذه الزيادة وهو أن يوزع الأرش على جملة الجراحة ويسقط ما يقابل الحق ويجب الباقي فإن اندراج الدية تحت القصاص غير ممكن
أما المتلاحمة فواجبها حكومة وفيه وجه أنه يقدر بالنسبة إلى الموضحة وذلك بتقدير سمك اللحم
الموضع الثاني الجراحات في سائر البدن وفي جميعها الحكومة إلا الجائفة ففيها ثلث الدية وهي كل واصلة إلى جوف فيها قوة محله كالبطن وداخل الصدر وإن لم تخرق الأمعاء والدماغ وإن لم تخرق الخريطة وكذا المثانة وداخل الشرج من جهة العجان
فأما ما ينتهي إلى داخل الإحليل والفم والأنف والأجفان إلى بيضة العين ففيه وجهان
أحدهما يتقدر لحصول اسم الجوف
والثاني لا لأن تقدير الجائفة لخطرها وهي جوف أودع فيه القوى المحيلة
وداخل عظم الفخذ ليس بجوف وفاقا
وإن قلنا لا يتقدر فلو كان على الوجه ونفذ في اللحم فأرش متلاحمة وزيادة شيء لصورة النفوذ وإن نفذ في عظم الوجه فأرش منقلة وزيادة
فروع
الأول لو ضرب بطنه بمشقص فجائفتان ولو ضربه بسنان فخرج من بطنه إلى ظهره فوجهان
الصحيح أنهما جائفتان كالمشقص
والثاني لا لاتحاد الخارج والفعل
الثاني لو التحمت الجائفة لم يسقط الأرش كالموضحة بخلاف عود السن فإن التحام الموضحة لا بد منه وكذا في كل جارحة لا تسري وفيه وجه قياسا على السن ولا قائل به في الموضحة ويحتمل فيما إذا غرز إبرة فانضم اللحم والتحم أن نقضي بالسقوط
الثالث لو خاط الجائفة فجاء جان وقطع الخيط فعليه تعزير فإن كان بعد الإلتحام فأجاف في ذلك الموضع فعليه أرش كامل ولو لم يلتحم إلا الظاهر فليس عليه إلا حكومة فلو أدى فتقه إلى انفتاق لحم تام حتى يجيفه فعليه أرش كامل
فإن أقيل فما معنى الحكومة قلنا أن يقدر المجني عليه عبدا فتعرف قيمته دون الجناية فإذا قيل عشرة فيقوم مع الجناية فإذا قيل تسعة فيقال التفاوت العشر فيوجب بمثل نسبته من الدية وهذا بشرط أن لا تزيد حكومة جراح على مقدار الطرف المجروح فلا تزاد حكومة جراحة الأصبع على دية الأصبع ولا تزاد حكومة الكف والساعد وعظم العضد على دية الأصابع الخمس
وهل تزاد حكومة كف على دية أصبع واحدة فيه وجهان
فأما اليد الشلاء فيجوز أن نزيد حكومتها على اصبع ولا تزاد على يد صحيحة
فروع ثلاثة في الحكومة
الأول إنما تقدر الحكومة بعد اندمال الجراحة فلو لم يوجد تفاوت بان التحم الجرح ولم يبق شين ففيه وجهان
القياس أن لا يجب شيء إلا تعزير كما في الضرب والصفع
والثاني أن الجرح خطير فتقدر الجراحة دامية وتقدر الحكومة في تلك الحالة حتى يظهر التفاوت
فإن لم يكن مخوفا ولم يظهر التفاوت اضطررنا إلى إلحاقه بالضرب
الثاني إن قطع أصبعا زائدة أو سنا شاغية أو أفسد المنبت من لحية المرأة وزادت القيمة فالقياس أن لا يجب شيء ومنهم من قال تقدر اللحية في عبد في أوان التزينباللحية ونأخذ تفاوتا ونوجبه بعد نقصان شيء منه لأن إلحاق المرأة بالعبد ظلم والإنصاف أن هذا التقدير في أصله ظلم فلا ينبغي أن يجب به إلا تعزير
ولو قطع ذكر العبد أو أنثييه فزادت قيمته فالقياس ألا يجب شيء وفيه وجه أنه يجب كمال القيمة لأن جراح العبد على القول المنصوص من قيمته كجراح الحر من ديته
الثالث إذا جرح فبقي حوال الجرح شين فإن كانت الجراحة مقدرة كالموضحة استتبع حكومة الشين كما تستتبع المتلاحمة حواليها وإن لم يكن مقدرا فالقياس أن لا تستتبع بل تجب حكومة الجرح والشين جميعا وظاهر النصر أنه يستتبع لأن الشين تبع للجراحة قائم به فإن كان حكومة الشين أكثر لم يمكن الإتباع فنعتبره في نفسه فإن كان مثلا احتمل وجهين على النص
النوع الثاني من الجنايات القطع المبين للأعضاء
والنظر في ستة عشر عضوا
الأول الأذنان وفيهما كمال الدية وفي إحداهما النصف وفي البعض البعض بالنسبة وفيه وجه أن في الأذنين الحكومة إذ لا توقيف
وليست في معنى اليدين إذ ليس يظهر فيهما منفعة ومن قدر قال فيهما منفعتان
إحداهما جمع الأصوات
والثانية دفع الهوام من الدبيب إلى الصماخ ولذلك كثرت التعريجات حتى ينتبه عند الدبيب
فعلى هذا لو استحشفت الأذن بجناية جان وقطعها آخر فوجهان
أحدهما أن على القاطع الدية لبقاء منفعة جمع الأصوات وعلى من أبطل الحس الحكومة
والثاني أن على مبطل الحس الدية لأنه أظهر المنافع وعلى القاطع بعده حكومة كقطع اليد الشلاء
وأما أذن الأصم فتكمل فيه الدية لأن الخلل في محل السمع لا في صدفة الأذن
العضو الثاني العينان وفيهما كمال الدية إذا فقئتا وفي إحداهما النصف وفي عين الأعور النصف وقال مالك رحمه الله الكل
ويجب كمال الدية في الأخفش والأعمش لأن ضعف البصر كضعف قوة اليد
العضو الثالث الأجفان وفيهما كمال الدية وفي الواحد ربع الدية يستوي الأعلى والأسفل فإن قطع البعض وتقلص الباقي لم تجب إلا بقدر المقطوع وتقديره بالنسبة ما أمكن ولا عدول إلى الحكومة إلا بالضرورة
وأما الأهداب فلو فسد منابتها ففيها وفي جميع الشعور حكومة وكمل أبو حنيفة رحمه الله الدية في خمس من الشعور
فرع لو استأصل الاجفان اندرج حكومة الأهداب تحته على أظهر الوجهين وفيه وجه أنها لا تندرج لأن في الأهداب منفعة فإنها تشتبك فتمنع الغبار ولا تمنع نفوذ البصر فلا تندرج تحت غيره
الرابع الأنف فإن أوعب مارنه جدعا ففيه كمال الدية والمارن ما لان من الأنف فإن قطع شيئا من رأس المارن وجب جزء بالنسبة والأنف ثلاث طبقات ففي كل طبقة إذا أفرد ثلث الدية وقيل يجب النصف من كل واحد من المنخرين
وأما الحاجز بين المنخرين فهو تابع لا يفرد بثلث من الدية وفيه وجه أنه تنسب الطبقاتإلى الجملة وتجب بحساب النسبة وذلك أيضا يقرب من الثلث
وفي انف الأخشم كمال الدية كما في أذن الأصم
الخامس الشفتان في كل واحدة منهما نصف الدية وقال مالك رحمه الله في العليا الثلثان
ثم حد الشفة في عرض الوجه إلى الشدقين وفي طوله إلى محل الإرتتاق على وجه وإلى الموضع الذي يستر عمود الأسنان على وجه وهو أقل من الأول وما ينبو عند الإنطباق على وجه وهو أقل الدرجات وبه يحد الشفران وقيل إنه إذا قطع من الأعلى ما لا ينطبق على الأسفل فقد استوقى الكل فهو الحد
فلو قطع جزءا من الشفة وجب بقدر نسبته إلى الكل وتقدير الكل بأن يقدر قوس طرفيه عند الشدقين ومجذبه عند الارتتاق أو ما دونه على أحد الوجوه فما يحويه مقعر هذا القوس هو كل الشفة فلينسب إليه
السادس اللسان وفي لسان الناطق كمال الدية وفي الأخرس حكومة وفي الصبي الذي لم ينطق كمال الدية إن ظهرت امارة القدرة بالتحريك والبكاء
ويجب بقطعه القصاص وإن قطع كما ولد ولم تظهر أمارة فحكومة إذ لم تتيقن القدرة اتفق عليه الأصحاب ولو قيل الأصل السلامة لم يبعد
السابع الأسنان وفي كل سن مما هنالك خمس من الإبل إذا كانت تامة أصلية مثغورة غير متقلقلة بالهرم
احترزنا بالأصلية عن السن الشاغية وفيها حكومة ولو قلع سنه ورد إليه سنا من ذهبفتشبث به اللحم وتهيأ للمضغ فليس في قلعه أرش وفيه حكومة على أحد القولين لصلاحه للمضغ
واحترزنا بالتامة عن قلع البعض إذ يجب به بعض الأرش بحسب النسبة
وهل يدخل السنخ في حساب النسبة فيه وجهان يطردان في أن الدية تكمل في الحشفة وحلمتي الثدي والمارن ولا يزيد باستئصال الذكر والثديين وقصبة الأنف بل نسبتها إليه كنسبة الكف إلى الأصابع ولكن إذا قطع بعض الحشفة وبعض المارن فهل يدخل الباقي في حساب النسبة فيه وجهان
وفي هذه المسائل وجه آخر أنه إذا استأصل تزيد نسبتها حكومة فإذا قلع سنا ففي قدر الباقي البادي دية وفي السنخ حكومة وهذا في قصبة المارن أظهر منه في السن
فإن فرعنا على الإندراج وهو الصحيح فهل يندرج السنخ تحت نصف السن فيما إذا قطع إنسان بعض السن وجاء آخر وقطع الباقي من السنخ ففيما يجب على الثاني وجهان
احدهما النصف إدراجا للسنخ
والثاني النصف والحكومة لأن السنخ يندرج تحت كل
وهو يلتفت على أن الكف هل يندرج تحت بعض الأصابع
واحترزنا بالمثغورة عن سن الصبي فإنها فضلة فليس في قلعها إلا حكومة عند إبقاء شين كما في حلق شعره فإن فسد المنبت وجب القصاص أو الأرش ولو مات قبل ظهور فساد المنبت ففي وجوب الأرش وجهان لتقابل الأصلين إذ الأصل براءة الذمة من جانبه والأصل عدم عود السن من الجانب الآخر
وأما المثغور إذا عاد سنه نادرا ففي استرداد الأرش قولان
أحدهما لا لأن هذا نعمة جديدة عادت فهي كالموضحة إذا التحمت بنبات لحم جديد
والثاني نعم لأن متعلق الأرش ها هنا فساد المنبت مع القلع وقد بان أنه لم يفسد
واختار المزني رحمه الله أنه لا يسترد واستشهد بأن التوقف غير واجب في الأرش كما لو قلع بعض أسنانه فنبت ومن أصحابنا من طرد الخلاف في اللسان ومنهم من فرق لأن ذلك لحم جديد نبت من الغذاء وها هنا السن نبت من مادة اصلية لم يصر مستوفيا بالقلع فإنها إن استوفيت فالغذاء لا يستحيل إلى العظم ابتداء وإن كان يغذي العظم
وأما التوقف فمنهم من اوجب ومنهم من اعتذر بالبناء على الغالب
واحترزنا بالتقلقل عن الشيخ الهم إذا أشرف سنه على السقوط فإن كان الظاهر أنه لا يسقط فلا يؤثر كضعف الأعضاء وإن غلب على الظن أنه إلى السقوط مائلة
فقولان
أحدها أنه يجب كمال الأرش كما إذا قتل مريضا مشرفا على الهلاك
والثاني لا لأن الشرع اسقط أرش السن الضعيف بدليل الصبي
فرع
الأسنان من الخلقة المعتدلة اثنان وثلاثون فلو اقتلعها بجناية واحدة ففي الواجب قولان
أحدهما مائة وستون من الإبل لقوله صلى الله عليه وسلم
في كل سن خمس من الإبل والثاني أنه لا يزيد على مائة من الإبل إذا جمع الكل لأنه جنس واحد فيضاهي سائر أجناس الأعضاء
ثم شرط هذا القول اتحاد الجاني والجناية فلو اقتلع عشرين واقتلع غيره الباقي وجب في كل سن خمس من الإبل وكذلك إذا اقتلع هو واحد بعد أخرى إذا تخلل الاندمال وإن كان على التعاقب فطريقان
منهم من قال هو اتحاد كالضرب الواحد المسقط للكل
ومنهم من قال هو تعدد
الثامن اللحيان وفيهما كمال الدية وفي احدهما النصف ولو كان عليهما الأسنان لم تندرج دية الأسنان تحت دية اللحيين على الأظهر والثاني أنه تندرج لأنهمركب الأسنان وكلاهما لغرض واحد كالكف مع الأصابع
التاسع اليدان وفيهما كمال الدية إذا قطعتا من الكوعين وكذا إن لقط الأصابع فحكومة الكف مندرجة قولا واحدا والساعد والعضد لا يندرج بل لهما حكومة
وفي كل أصبع عشر من الإبل من غير تفاضل وفي كل أنملة ثلث العشر إلا في الإبهام فإنها أنملتان ففي إحداهما نصف الأرش وقال أبو حنيفة رحمه الله ثلث الأرش وجعل الأنملة الغائصة محسوبة من الأصبع
ولو كان على معصم كفان باطشان ففي الأصلية نصف الدية وفي الزائدة حكومة فإن كانت إحداهما منحرفة عن الساعد أو ناقصة بأصبع أو ضعيفة البطش فهي الزائدة وإن كانت المنحرفة أقوى بطشا فهي الأصلية والنظر إلى البطش أولى
والتي عليها أصبع زائدة فهل يحكم عليها بأنها زائدة فيه وجهان
أحدهما نعم لأن الزائدة على الكمال نقصان
والثاني لا إذ لا يبعد وقوع ذلك على الأصلية كما خرجت اليد الزائدة من الساعد الأصلي
وإن تساويا من كل وجه فمن قطعهما فعليه قصاص وحكومة أو دية يد وحكومة وإن قطع إحداها فلا قصاص لاحتمال أنها زائدة وتجب نصف دية اليد وزيادة حكومة لأنه نصف في صورة الكل
هذا ما قيل وجعله نصفا مع الإحتمال لكونها زائدة مشكل
فرع
لو قطع اليد الباطشة وأوجبنا دية اليد فاشتدت اليد الأخرى بهذا القطعوبطشت بطش الأصليات ففي استرداد الأرش المبذول ورده إلى قدر الحكومة وجهان
أحدهما أنه يسترد فإن هذه صارت أصلية ولا يتصور أصليتان على معصم
والثاني لا لأن هذه نعمة جديدة وله التفات على عود السن
العاشر الترقوة والضلع وفي كسر كل ضلع جمل وكذا الترقوة قاله الشافعي رضي الله عنه تقليدا لعمر رضوان الله عليه وقال في موضع آخر فيهما حكومة وقال المزني رحمه الله قولان ومنهم من قطع بالحكومة قياسا وحمل مذهب عمر رضي الله عنه على حكومة بلغت عشر العشر وهو جمل ومنهم من قال تقدير الحكومة تخمين من القاضي فتخمين عمر رضي الله عنه أولى على الإطلاق بالتقليد
الحادي عشر الحلمتان من المرأة مضمونة بكمال ديتها وهو ما يلتقمه الصبي وهو لا يزيد باستئصال الثدي وقيل تزيد حكومة
وفي حلمتي الرجل قولان المنصوص أن فيهما حكومة إذ ليس لهما منفعة درور اللبن وفيه قول مخرج أن فيهما الدية كحلمتي العجوز
الثاني عشر الذكر والأنثيان وفيهما ديتان وتكمل الدية في ذكر الخصي والعنين ولا تكمل في ذكر الأشل وقال أبو حنيفة رحمه الله في ذكر الخصي حكومة
وإذا قطعهما فإن ابتدأ بالذكر فعليه عنده ديتان فإن ابتدأ بالأنثيين فعليه عنده حكومة ودية لأن إخصاءه أولا بقطع الأنثيين ثم تكمل الدية بقطع الحشفة
الثالث عشر الأليتان وفي قطع ما أشرف منهما على البدن كمال الدية وإن لم يقرع العظم وفي إحداهما النصف ولا يخفى منفعتهما في الركوب والقعود
الرابع عشر الشفران من المرأة فيهما كمال الدية وهما حرفا الفرج المنطبقان على المنفذ على نتوء فالقدر الباقي هو كمال الشفر
الخامس عشر الرجلان وهما كاليدين ورجل الأعرج كرجل الصحيح إذ الخلل في الحقو لا في الرجل
ورجل من امتنع مشيه بكسر الفقار قال القفال كالصحيح وفيه وجه أن تعطل المشي كزواله
وفي التقاط أصابع الرجل كمال الدية مع أن أعظم المنافع وهو أصل المشي باق
السادس عشر الجلد ولو سلخ جميع جلده ففيه دية لأن الجلد أعد لغرض واحد فهو جنس وسلخ جميعه قاتل ولكن قد يبقى بعده حياة مستقرة فتظهر فائدته إذا حزت بعده رقبته
النوع الثالث من الجنايات ما يفوت اللطائف والمنافع
والنظر في اثنتي عشرة منفعة
الأولى العقل فإذا ضرب رأسه فأزال عقله فعليه كمال الدية ولو قطع يديه فأزال عقله فنص الشافعي رضي الله عنه يشير إلى دية واحدة وهو بعيد إذ ليس العقل في اليد ولو قطع أذنيه فأزال سمعه فديتان لأن محل السمع غير محل القطع فهي أولى ولا يمكن أن يقال نزل العقل منزلة الروح فأدرج تحت دية اليد لأنه إذا قطع يديه ورجليه فزال عقله فعليه ديتان قولا واحدا ولعل وجهه أن العقل لا يضاف إلى محل من البدن فنسبته إلى الكل على وتيرة فيندرج تحت كل عضو تكمل فيه الدية
فرع
لو أنكر الجاني زوال عقله ونسبه إلى التجانن راقبناه في خلواته فإن لم تنضبط أحواله أوجبنا الدية ولا نحلفه لأنا إذا طلبنا منه اليمين أجابنا عن موضع آخر متجاننا كان أو مجنونا
الثانية السمع وفيه كمال الدية وفي إبطاله في أحدهما نصف الدية وفيه وجه أن الواجب حكومة لأن محل السمع واحد وإنما المشتبه منفذه وهو ضعيف إذ كيفما كان فضبط النسبة بالمنفذ أولى من ضبطه بغيره
فلو كذبه الجاني غافصناه بصوت منكر فإن اضطرب بان كذبه وإن ثبت حلفناه إذ ربما يتماسك تكلفا فلو قال الجاني حلفوني فإن الأصل بقاء السمع قلنا لو فتح هذا البابلم يعجز من يستجيز الجناية عن الحلف وجريان الجناية سبب مظهر لجانب المجني عليه فتصديقه أولى
فرعان
الأول لو قال المجني عليه نقص سمعي ولم يزل وجب أرش النقصان وقدر بالمسافة وطريقه أن يجلس بجنبه من هو في مثل سنه وصحته ويبعد عنهما واحد ويرفع الصوت فلا يزال يقرب إلى أن يقول السليم سمعت ثم يديم ذلك الحد في الصوت ويقرب إلى أن يقول المجني عليه سمعت فإن سمع على النصف من تلك المسافة فقد نقص نصف السمع فإن قال الجاني سمع من قبل حلفنا المجني عليه
ولو قال لست أسمع من إحدى أذني فامتحانه أن تصم الأذن الثانية ويصاح به صيحة منكرة
الثاني لو قال أهل الصنعة لطيفة السمع باقية لكن وقع في المنفذ الارتتاق ففي كمال الدية وجهان
أحدهما أن تعطل المنفعة هل هو كزوالها ويجري فيما إذا ذهب سمع الصبي فتعطل نطقه أو ضرب صلبه فتعطل رجله ففي تعدد الدية في نظائر ذلك خلاف
الثالثة البصر وفي إبطالها مع بقاء الحدقة كمال الدية يستوي فيه الأخفش والأعمش ومن على حدقته بياض لا يمنع أصل البصر ثم يمتحن عند دعوى العمى بتقريب حديدة من حدقته مغافصة وإن ادعى النقصان امتحن كما في السمع
الرابعة الشم وفي إبطاله كمال الدية ويجرب بالروائح المنتنة الحادة فإن ادعىالنقصان فامتحان ذلك عسير فيكتفي باليمين وقيل إن الشم لا تكمل فيه الدية لأن التأذي به مع كثرة الأنتان أكثر من التلذذ به مع قلة الطيب وهذا هوس إذ هو طليعة كسائر الحواس
الخامسة النطق وفي إبطاله عن اللسان كمال الدية وإن بقي حاسة الذوق والإعانة على المضع والحروف الشفهية والحلقية لأن الذي بطل جزء مقصود برأسه فإن ذهب بعض الكلام فأقرب معيار فيه الحروف وهي ثمانية وعشرون متساوية في الاعتبار وقال الاصطخري لا تدخل الشفوية والحلقية في التوزيع
فرعان
الأول لو كان لا يحسن بعض الحروف فهل يؤثر في نقصان الدية فيه وجهان
أحدهما لا لانه يرجع إلى ضعف النطق فهو كضعف البطش
والثاني نعم لأن البطش لا يتقدر والحروف صارت مقدرة للنطق بنوع من التقريب فإن قلنا يحط فلو كان يقدر على الإعراب عن جميع مقاصده بتلك الحروف لغزارة فضله ففي الحط خلاف والظاهر أنه يحط أما إذا كان نقصان الحروف بجناية جان فالحط أولى
والقول الضابط في الفرق بين النقصان بجناية أو آفة أن المفوت جرم أو منفعة فكل جرم مقدر فنقصان بعضه مؤثر سواء كان بجناية أو آفة كسقوط بعض السن وبعض الأنملة وانشقاق لحم الرأس إلى حد المتلاحمة وما لا يتقدر كفلقة من الأنملة فسقوطها لا ينقص كانت بآفة سماوية أو جناية أبقى شيئا أو لم تبق مهما لم ينقص البطش لأن الزينة ليست من خاصية هذا العضو
وأما نقصان المنفعة التي لا تتقدر إن كانت بآفة سماوية لم ينقص وإن كانت بجناية وجميع جرم العضو باق فثلاثة أوجه
أحدها لا يعتبر كالآفة
والثاني نعم لأن الآفات لا تنضبط والجناية تنضبط كما في القروح والجراحات
والثالث أن الآخر إن قطع العضو لم يعتبر النقصان في حقه وإن أبطل بقية البطش حط عنه ما وجب على الأول لأنهما جنايتان متناسبتان من وجه واحد وإنما يظهر الخلاف في نقصان الحروف لأنها كالمقدرة للنطق
الفرع الثاني لو قطع بعض لسانه فأبطل كل كلامه فعليه الدية ولو أبطل بعض كلامه وتساوت نسبة الجرم والحروف بأن قطع نصف الجرم وزال نصف الكلام فعليه نصف الدية وإن تفاوتت النسبة فنأخذ بأكثر الشهادتين لأن كل واحد من الحروف والجرم مبين مقدار الزائل من القوة النطقية التي لا يتقدر تحقيقها بنوع من التقريب فنأخذ أكثر الشهادتين
فإن قطع ربع اللسان فزال نصف الحروف فعليه النصف
وإن قطع نصف اللسان فزال ربع الحروف فعليه النصف وقال أبو إسحاق النظر إلى الجرم ولكن إذا قطع ربع اللسان فزال نصف الكلام فكأنه أشل ربعا من الباقي فتظهر فائدة العبارتين فيمن اقتلع الباقي فإنه لو قطع ربع لسانه وذهب نصف كلامه فاستأصل غيره باقي اللسان فعليه ثلاثة أرباع الدية نظرا إلى الأكثر عند الأصحاب وعند أبي إسحاق عليه نصف الدية وحكومة ربع أشل
ولو قطع ربع اللسان فأذهب ربع الكلام فأوجبنا النصف فجاء الثاني واستأصلوجب عليه ثلاثة أرباع الدية نظرا إلى الأكثر وعند الشيخ أبي إسحاق رحمه الله نصف الدية نظرا إلى الجرم
وأما إذا قطع فلقة من لسانه ولم يذهب شيئا من الكلام فلا شيء لأن القوة إذا نقصت رجعنا إلى الشهادتين ورجحنا وإذا لم ينقص فليس إلا حكومة كلسان الأخرس
المنفعة السادسة الصوت وفي إبطاله كل الدية وإن بطل معه حركة اللسان فديتان وفيه وجه أن الواجب دية واحدة لأن مقصود الصوت النطق
وإن قلنا ديتان فلو كان حركة اللسان ناقصة فقد تعطل النطق ولم يزل ففيه الخلاف السابق
السابعة الذوق وفيه كمال الدية لأنه أحد الحواس الخمسة ويجرب عند النزاع بالأشياء المرة المقرة
الثامنة منفعة المضغ وفيها كمال الدية وفواتها بأن يتصلب مغرس اللحيين فلا يتحرك بانخفاض وارتفاع ولا يحيا صاحبه إلا بالحسوة والإيجار
فرع لو جنى على سنه فاسود ولم يمكن المضغ به وجب كمال الأرش فإن لم يكن إلا مجرد السواد ففيه حكومة لأنه إزالة جمال محض
التاسعة قوة الإمناء والإحبال به فإذا أبطل بجناية على صلبه وجب كمال الدية ولو جنى على ثدي امرأة وأبطل منفعة الإرضاع قال القاضي رحمه الله فيه حكومة لأن منفعة الإرضاع تطرأ وتزول بخلاف قوة منفعة المني فإنها ثابتة قال الإمامويحتمل خلافه لانه مقصود في نفسه وإن كان يطرأ
العاشرة منفعة المشي والبطش وفيهما كمال الدية ولو ضرب صلبه فبطل مشيه وجب كمال الدية ولو قطع رجله ففي كمال الدية فيه خلاف لأنها صحيحة في نفسها وأنها تعطل بجناية على غيرها ولو ضرب صلبه فبطل مشيه ومنيه ففي الإندراج خلاف من حيث إن الصلب محل المني ومبدأ الحركة للمشي فاقتضي اتحادا بينهما من وجه
الحادية عشرة إذا بطل شهوة الجماع من غير شلل في الذكر ولا انقطاع في المني لم يبعد تكميل الدية لانقطاع إحساسه باللذة وكذا إذا بطل شهوة الطعام إن أمكن وكذا لو ضرب عنقه فارتتق منفذ الطعام وجب كمال الدية إذ تبقى حياة مستقرة فإذا حز غيره رقبته كملت الدية على الأول
الثانية عشرة إذا أفضى ثيبا كان أو بكرا عليه ديتها ومعنى هذا أن يتحد مسلك الجماع والغائط أو مسلك الجماع والبول ولا يندرج المهر تحتها لاختلاف مأخذهما
ويجب على الزاني والزوج لأن الزوج لا يستحق إلا وطأ لا يوجب الإفضاء فإن كان لا يحتمل إلا بالإفضاء لضيق المنفذ أو كبر الآلة لم يستحق الوطء ونزل الضيق من جانبها منزلة الرتق إن خالف العادة والكبر من جانبه ينزل منزلة الجب في إثبات الفسخ
ولو انتزع بكرا على كره لزمه مهر المثل وأرش البكارة وقيل إذا أوجبنا مهر مثل بكر فقد قضينا حق البكارة
والإفضاء بالخشبة والأصبع موجب للدية ولو أزال الزوج بكارة زوجته بالأصبع لم يجب أرش البكارة لأنه مستحق وقيل يجب لعدوله عن طريق الإستحقاق
هذا حكم الأطراف إذا أفردت أو جمعت من غير سراية فيتصور أن يجب في شخص واحد قريب من عشرين دية ولو مات بالسراية عاد إلى دية واحدة ولو حز الجاني رقبته فالنص أنه يتداخل وخرج ابن سريج أنه لا يتداخل كما لو تعدد الجاني
فإن اختلف حكم الجناية بأن قطع خطأ وحز عمدا أو على العكس فقولان منصوصان لأن تغاير الوصف يضاهي تغاير الجاني
فإن قلنا بالتداخل فإن قطع يدا خطأ وقتل عمدا قال الشافعي رضي الله عنه إنه تجب دية واحدة نصفها على الجاني مغلظة ونصفها على العاقلة مخففة وكأنه جعل الحز كجناية أخرى تممت سراية الأولى ومن الأصحاب من خالف النص وقال تجب دية مغلظة إذ حز الرقبة يبطل أثر ما سبق
هذا حكم أطراف الحر الذكر أما الرقيق فنص الشافعي رضي الله عنه أن جراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته استحسانا لقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه وخرج ابن سريج قولا أن الواجب قدر النقصان كما أن الواجب في الجملة قدر القيمة وكما نص على قول في أنه لا تضرب على العاقلة بدله ولا تجري القسامة فيه إلحاقا له بالبهائم
فإن قطع بإلحاقه بالحر في القصاص والكفارة فلو قطع ذكره وأنثييه فزادت قيمته فيجب على النص قيمتان وعلى التخريج لا يجب شيء كما في البهيمة
وأما المرأة فترعى نسبة أطرافها إلى ديتها وفيها قول قديم أنها تعاقل الرجل إلى ثلث ديته أي تساويها فإن جاوزت الثلث رد إلى قياس ديتها ففي ثلث أصابعها ثلاثون من الإبل وفي أربع لو أوجبنا أربعين لجاوزنا ثلث الدية فنرجع إلى نسبة ديتها فنوجب عشرين وهو بعيد مرجوع عنه
القسم الثاني من الكتاب في بيان الموجب من الأسباب والمباشرات
والنظر في أربعة أطراف
الأول في تمييز السبب عما ليس بسبب وكل ما يحصل الهلاك معه فإما أن يحصل به فيكون علة كالتردية في البئر أو يحصل عنده بعلة أخرى ولكن لولاه لم تؤثر العلة كحفر البئر مع التردية فهو سبب وإما أن يحصل معه وفاقا ولا تقف العلة على وجوده فلا عبرة به كما إذا كلم غيره او صفعه صفعة خفيفة فمات فهذا لا يجعل سببا بل هو موافقة قدر
والإحتمال يظهر في ثلاث صور
الأولى إذا صاح على صغير وهو على طرف سطح فارتعد وسقط ومات وجب الضمان لأنه سبب ظاهر وفي القصاص قولان مرتبان على ما لو حفر بئرا في داره ودعا إليه غيره وهذا أولى بالإيجاب لأن الإفضاء إلى الهلاك ها هنا أغلب
ولو تغفل بالغا بصوت منكر فسقط من السطح ففيه ثلاثة أوجه
أحدها أنه يحمل على موافقة القدر لأن الرعدة لها أسباب والكبير لا يسقط بالصياح غالبا
والثاني يجب الضمان لأن هذا ممكن والسبب ظاهر فيحال عليه
والثالث إن جاءه من ورائه وجب وإن واجهه فلا
والصحيح أنه إن ظهر أنه سقط به وجب وإن شك فيه احتمل أن يقال الأصل برءاةالذمة واحتمل أن يقال الأصل حمله على السبب المقارن به
الثانية لو صاح على صبي موضوع على الأرض فمات أو على بالغ فزال عقله ففيه وجهان منشؤهما التردد في الإحالة عليه
الثالثة التهديد والتخويف إذا أفضى إلى سقوط الجنين وجب الضمان إذ وقوع ذلك غالب وقع لعمر رضي الله عنه فشاور الصحابة رضي الله عنهم فقال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه إنك مؤدب فلا شيء عليك وقال علي رضي الله عنه إن لم يجتهد فقد غشك وإن اجتهد فقد أخطأ أرى عليك الدية
الطرف الثاني في اجتماع العلة والشرط كالحفر والتردي ومهما كانت العلة عدوانا انقطعت الحوالة عن الشرط فالضمان على المردي لا على الحافر وإن لم يكن عدوانا بأن تخطى الإنسان فتردى جاهلا نظر إلى الحفر فإن لم يكن عدوانا أهدر الضمان وإن كان عدوانا أحيل الهلاك عليه
وإن تزلق رجله بقشر بطيخ أو بماء مرشوش فهذه الأسباب كحفر البئر
فروع
الأول إذا وضع صبيا في مسبعة فافترسه سبع فإن قدر على الإنتقال فلا ضمان كما لو فصد بغير إذنه فتركه حتى نزف الدم وإن كان عاجزا فوجهان
أحدهما الحوالة على السبع لأنه مختار ولم يسبق منه إلا وضع يد والصبي الحر لا يضمن باليد
والأصح أنه يحال عليه لأن هذا يعد في العرف إهلاكا
الثاني إذا اتبع إنسانا بسيفه فولى هاربا فألقى نفسه في نار أو ماء أو بئر أو مسبعة وافترسه سبع فلا ضمان على المتبع لأنه مختار في هذه الأفعال وغايته أن يكون مكرها
ولو قال اقتل نفسك وإلا قتلتك فقتل نفسه لم يضمن المكره إذ لا معنى للخلاص عن الإهلاك أصلا
أما إذا تردى في بئر جاهلا لكونه أعمى أو لظلام الليل أو لكون البئر مغطاة فالضمان على المتبع لأن هذا الإلجاء أقوى من مجرد الحفر
ولو ألقى نفسه على سطح فانخسف به فيحال الضمان عليه لاختياره إلا إذا كان انخسافه لضعفه وهو لا يدري فهو كالبئر المغطاة
الثالث إذا سلم صبيا إلى سابح فغرق وجب الضمان على أستاذه لأنه لا يغرق إلا بتقصير بأن يهمله في غير محله
فلو قال له ادخل الماء فدخل مختارا فيحتمل أن يقال لا ضمان لأنه لا يضمن الحر باليد والصبي مختار ولكن قال العراقيون يجب لأنه ملتزم للحفظ وأما البالغ فلا يضمن في هذه الصورة
وإن خاض معه اعتمادا على يده فأهمله احتمل إيجاب الضمان وقال العراقيون لا يجب لأنه مقصر في الإغترار بقوله
فإن قيل إذا كان حفر البئر سببا عند العدوان فبماذا يكون العدوان عدوانا قلنا نذكر محل العدوان من البئر وإيقاد النار وإشراع الجناح وإلقاء قشر البطيخ وقمامة السوق ورش الماء حتى يعرف به ما عداه
أما البئر فلا عهدة فيه على من حفره في ملكه أو في موات فإن كان في ملك الغير فهو عدوان وإن كان في الشوارع نظر فإن أضر بالطارقين فهو عدوان وإن لم يضر فإن فعله لمصلحة الطريق وبإذن الوالي وأحكم رأسه فلا ضمان على الحافر وإن كان بغير إذن الوالي فقولان ووجه الإيجاب أن الإستقلال للآحاد إنما يباح بشرط سلامة العاقبة فإن فعل لمصلحة نفسه فله ذلك ولكن بشرط سلامة العاقبة
وكذلك إشراع القوابيل والأجنحة جائز إذا لم يضر بالمجتازين ولكنه بشرط سلامة العاقبة فهو في عهدته دواما وابتداء وليس هذا كما لو حفر بئرا في داره فنسقط جدار دار جاره فلا ضمان لأن تصرفه في نفس الملك لو قيد بشرط السلامة لأورث حرجا على الناس فقيد بالعادة وأسقط عهدته
وأما الإرتفاق بالاجنحة فمستغنى عنها ومهما حفر بئرا في أرض جوارة ولم يحكم أطرافها بالخشب أو وسع رأسها بحيث خرج عن العادة فهو مطالب بعهدته وكذلك لو أوقد نارا على السطح في يوم ريح كان في عهدة الشرار وإن كان على العادة فعصفت ريح بغتة فلا ضمان
فرعان
أحدهما لو حفر بئرا في ملكه ودعا إليه إنسانا في ظلمة فسقط فيه فإن لم يكن عنه معدل ففي الضمان قولان فإن اتسع الطرق فقولان مرتبان منشؤهما تعارض الغرور والمباشرة وكذا الخلاف في تقديم طعام مسموم أو أطعمة فيها طعام مسموم
الثاني إذا سقط ميزاب لإنسان على رأس إنسان فإن كان الساقط هو القدر البارز فهو كالجناح وإن سقط الكل ففي وجوب الضمان وجهان وجه الإسقاط كونه من مرافق الملك لا كالجناح فإن قلنا يجب فيقسط الضمان على القدر البارز والقدر الداخل في الملك تنصيفا على أحد الوجهين وتقسيطا في الوجه الثاني على الوزن بخلاف ما لو ضربا بعمودين متفاوتين في الثقل فإنهما يتساويان في الدية لأن ذلك يختلف بقوة الضارب ولا ينضبط
والجدار المائل إلى الشارع كالقابول فإن مال إلى ملكه وسقط فلا ضمان وإن مال إلى الشارع وسقط من غير إمكان تدارك فلا ضمان فإن مال أولا وأمكنه التدارك ولم يفعل فوجهان لتعارض النظر إلى أصل البناء وما طرأ من بعد
فأما قشور البطيخ وقمامات البيوت ففي المنع من إلقائها على الشوارع عسر لأنهامن مرافق الملك وتشبه الميزاب ففي ضمان المتعثر بها ثلاثة أوجه يفرق في الثالث بين إلقاء إلى وسط الطريق وبين الرد إلى الطرف
وأما رش الماء فإن كان لتسكين الغبار فهو لمصلحة عامة فيضاهي حفر البئر لمصلحتهم فإن لم تكن مصلحة فهو سبب ضمان في حق الماشي إذا لم ير موضع الرش فإن تخطاه قصدا فلا ضمان
الطرف الثالث في ترجيح سبب على سبب فإذا اجتمع سببان مختلفان قدم الأول على الثاني فلو حفر بئرا ونصب آخر حجرا على طرف البئر أو وضع قشرة بطيخ على طرفه فتعثر به إنسان وسقط في البئر فالضمان على صاحب الحجر لأن التردي نتيجته فهي العلة الأولى وكذا لو جرف السيل حجرا وتركه على طرف البئر سقط الضمان عن الحافر كما لو وضعه آخر
وكذلك لو نصب سكينا ونصب آخر أمامه حجرا فتعثر بالحجر ووقع على السكين وكذا لو حفر بئرا ونصب آخر في قعر البئر سكينا ونصب آخر أمامه حجرا فالضمان على الحافر
ولو حفر بئرا قريب العمق فعمقها غيره وهلك المتردي فيها فوجهان
أحدهما الإحالة على الأول
والثاني أنهما يشتركان لتناسب الجنايتين
فروع
الأول لو وضع حجرا في الطريق فتعثر به من لا يراه ضمن ولو قعد على الطريق فتعثر بهغيره وهلكا فالنص أن ضمان القاعد مهدر وضمان الماشي على عاقلة القاعد ولو تعثر ماش بواقف وماتا فالهلاك مضاف إلى الماشي بالنص وقيل في المسألتين قولان بالنقل والتخريج
أحدهما أن الإحالة على الماشي في المسألتين لانه المتحرك
والثاني على الساكن لأن الطريق للمشي لا للسكون
ومن قرر النص فرق بأن الماشي قد يفتقر إلى الوقوف لحظة فأما القعود فليس من مرافق الطريق
الثاني إذا تردى في بئر في محل عدوان فتردى وراءه آخر فسقط عليه وماتا فالأول مات بسببين الحفرة وثقل الثاني ولكن يستقر أيضا ضمانه على الحافر لأن وقوع الثاني كان من الحفر أيضا إلا أن لورثة الأول مطالبة عاقلة الثاني بنصف الدية ثم يرجع على عاقلة الحافر ويحتمل أن يقال الثاني كالمكره فلا يتعلق بعاقلته شيء وهذا يضاهي المتردد في أن المكره على إتلاف المال هل يطالب ثم يرجع أم لا يطالب أصلا
الثالث لو انزلق على طرف البئر فتعلق بآخر وجذبه وتعلق ذلك الآخر بثالث وجذبه ووقع بعضهم على بعض فالأول مات بثلاثة أسباب بصدمة البئر وثقل الثاني وثقل الثالث وهو منتسب من جملتها إلى واحد وهو ثقل الثاني بجذبه إياه فهدر ثلث الدية وثلثها على الحافر وثلثها على الثاني لجذبه الثالث
وأما الثاني فهلك بجذبه الأول وثقل الثالث فنصف ديته على الأول لأنه جذبهونصفه مهدر لأن الثالث سقط بجذبه وأما الثالث فكل ديته على الثاني فلو زاد رابع فيجتمع لهلاك الأول أربعة أسباب فالمهدر ربع الدية ولا يخفى طريقه هذا مذهب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه واختيار الجمهور وفيه وجوه أخر مزيفة ذكرناها في البسيط
الطرف الرابع في الأسباب المتشابهة التي تثبت بها شركة من غير ترجيح ولها صور
الأولى إذا اصطدم حران في المشي وماتا فكل واحد شريك في قتل نفسه وقتل صاحبه ففي تركه كل واحد منهما كفارتان لأن الشريك في قتل نفسين يلتزم كفارتين لأنها لا تتجزأ وفي تركة كل واحد نصف دية صاحبه إن كان التصادم عمدا وإلا فعلىالعاقلة فإن كانا راكبين ففي تركه كل واحد نصف قيمة دابة صاحبه فأما حكم نفسيهما فكما سبق
وإن غلبت الدابة راكبها فاصطدما قهرا فقولان
أحدهما أن هلاك النفس والدابة مهدر لحصوله بفعل الدابة
والثاني أنه منسوب إلى اختيارهما في الركوب وهما مخطئان
فإن كانا صبيين ركبا بأنفسهما فكالبالغين إلا إذا قلنا لا عمد للصبي فيخالف البالغ فيه فإن أركبهما أجنبي واحد متعديا فعليه كفارتان وقيمة الدابتين وعلى عاقلته دية النفسين وإن أركبهما أجنبيان فنصف الهلاك في الكل مضاف إلى كل واحد منهما
فإن أركبه الولي عند مسيس الحاجة من غير تفريط فهو كما لو ركب الصبي بنفسه ولا عهدة على الولي وإن لم تكن حاجة ولكن أركبه لغرض التفرج والزينة حيث يغلب الأمن ففي إحالة الضمان على الولي ووجهان الحوالة أن مثل ذلك يجوز بشرط سلامة العاقبة
ولو تعدى المركب وتعدى الصبي فقد قيل الإحالة على المركب ويحتمل الإحالة على الصبي فإذا قلنا له عمد إذ المباشرة أولى من السبب لكن لما لم تكن مباشرته عدوانا لصباه أمكن أن يجعل كالمتردي مع الحفر
فإن كانا عبدين فهما مهدران وإن كان أحدهما عبدا فنصف قيمة العبد في تركة الحر أو على عاقلته على قول ونصف دية الحر تتعلق بتلك القيمة لأنه كان يتعلق برقبته لو بقي فيتعلق بقيمته
وإن كانتا حاملين ففي تركة كل واحدة أربع كفارات بناء على أن قاتل نفسه تلزمهالكفارة وأن الشريك تلزمه كفارة كاملة وأن الجنين فيه كفارة وفي تركة كل واحدة نصف غرة جنينها ونصف دية صاحبتها ونصف غرة جنين صاحبتها فتجب غرتان كاملتان في التركتين ودية واحدة ويهدر النصف منهما لا من الجنين
وإن كانتا مستولدتين حاملتين وتساوت قيمتهما فقد تقاصا وإن كانت إحداهما تساوي مائتين والأخرى مائة فصاحب المائتين يستحق مائة وصاحب المائة يستحق خمسين فبقي لصاحب النفيسة خمسون على صاحب الخسيسة لأن جناية المستولدة تجب على السيد لانه بالإستيلاد السابق صار مانعا بخلاف القن وكان يحتمل ها هنا أن لا تلزمه لانه إنما يكون مانعا إذا بقي المحل حيا قابلا للتفويت وقد كان موته مع الجناية لا بعدها
وإن كانتا حاملتين والقيمة بحالها وقيمة كل غرة أربعون فصاحب النفيسة يستحق مائة وعشرين من جملة مائتين وأربعين ولكن قيمة الخسيسة مائة وهي أقل من الأرش فلا يجب على السيد إلا أقل الأمرين فالواجب على صاحب الخسيسة مائة ويستحق صاحب الخسيسة سبعين خمسون لمستولدته وعشر للغرة فيبقى عليه ثلاثون
الصورة الثانية إذا اصطدمت سفينتان بأجراء ملاحين فالسفينة كالدابة والملاح كالراكب وغلبة الرياح كغلبة الدابة حتى يخرج على القولين ونزيد ها هنا إن كان في كل سفينة عشرة أنفس مثلا فهما شريكان في قتل العشرين وكذلك في إتلاف المال الذي في السفينة فإن هلك المال وتنازعوا فقال الملاح حصل بغلبة الريح وقال المالك بل بفعلكما فالقول قول الملاح إذ الأصل براءة الذمة
ولو ثقب الملاح السفينة وغرق أهلها فقد يكون عمدا محضا وقد يكون شبه العمد وقد يكون خطأ ولا يخفى حكمه
فرع
إذا أشرفت السفينة على الغرق وكان النجاة في إلقاء الأمتعة فقال من احتاج إلى النجاة ألق متاعك وأنا ضامن فيلزمه الضمان لمسيس الحاجة إلى الفداء كما إذا قال طلق زوجتك وأنا ضامن للمهر وكذلك إن كان الحاجة لغيره فله الإلتزام بسببه بل عليه إلقاء متاعه لنفسه وإن كانت الحاجة عامة للملتمس وصاحب المتاع فيه وجهان
النص أنه يجب ضمانه لأن الملتمس محتاج فحاجة المالك لا تمنعه من البذل
والثاني أنه يسقط بحصة المالك فإن كانوا عشرة سقط العشر او خمسة فالخمس
ولو قال ألق متاعك ولم يتعرض للضمان ففيه وجهان كما إذا قال اقض ديني ولم يشترط الرجوع
ولو قال أنا وركبان السفينة ضامنون كل واحد واحد على الكمال فيلزمه وركبان السفينة لا يلزمهم إذا أنكروه
ولو قال أنا وهم ضامنون كل بحصته فحصته تلزمه والباقي يرجع إليهم فإن قالوا رضينا بما قال لزمهم وإن كنا لا نقول بوقف العقود لأن هذا مبني على المصالحة والتساهل
ولو أطلق قوله أنا وركبان السفينة ضامنون ثم قال أردت التقسيط فالقول قوله مع يمينه حتى لا يلزمه إلا نصيبه
وإن قال أنا ضامن وركبان السفينة ضامنون ثم فسر بالتقسيط فاختيار المزني رحمه الله أنه يقبل مع يمينه وظاهر النص أنه لا يقبل لإضافته الضمان إلى نفسه أولا ثم ذكره الركبان بعده
الصورة الثالثة إذا رجع حجر المنجنيق على الرماة وكانوا عشرة فهلكوا فيهدر من دم كل واحد عشره ويتعلق تسعة
أعشار بعاقلة الباقين إذ ما من واحد إلا وهو قتل نفسه بمشاركة تسعة وإن أصاب غير الرامين فالدية على عاقلتهم إلا إذا قصد شخصا بعينه وقدروا على الإصابة غالبا فإن قصدوا جمعا وعلموا أنهم يصيبون واحدا ولكن لا بعينه فهو خطأ في حق ذلك الواحد ولهذا قلنا المكره إذا قال اقتل زيدا او عمرا فقتل زيدا فلا قصاص على المكره لأنه ما قصد زيدا بعينه ويجب على المكره لأنه ذو خيرة في تعيينه بخلاف ما إذا قال اقتلهما وإلا قتلتك فإن خيرته في التقديم والتأخير لا تؤثر
الصورة الرابعة إذا جرح الدافع ثلاث جراحات أولها عند قصده والثانية بعد إعراضه والثالثة بعد عوده إلى القصد فالمتوسطة مضمونة والأخريان مهدران فعليه ثلث الدية
ولو ضربه في الدفع ضربتين وبعد الإعراض واحدة فعليه نصف الدية جمعا لما جرى في حالة الإهدار بخلاف ما إذا توسطت حالة بين حالتين
ولو جرح مرتدا وأسلم فعاد الجارح مع ثلاثة من الجناة فجرحوه قال ابن الحداد الجناة أربعة فعلى كل واحد ربع الدية إلا أن الجاني في الحالتين لزمه الربع بجراحتين إحداهما مهدرة فيعود نصيبه إلى الثمن وقال بعض الأصحاب لا بل توزع على الجراحات لا على الجارحين ويقال الجراحات خمسة والواحد منها مهدر فسقط الخمس ويبقىعلى كل واحد من الأربعة خمس الدية ويدخل نقصان الإهدار على الكل
ولو جنى أربعة في الردة ثم عاد منهم واحد مع ثلاثة آخرين وجنوا في الإسلام فعلى مذهب ابن الحداد رحمه الله الجناة سبعة فعلى كل من لم يجن في الإسلام سبع كامل ومن جنى في الحالتين رجع سبعه إلى النصف وعلى الوجه الآخر يقال الجنايات ثمانية أربعة في الردة مهدرة فيبقى أربعة أثمان الدية على الأربعة الذين جنوا في الإسلام ولنقس على هذا ما إذا جنى خطأ ثم عاد مع غيره وجنيا معا عمدا ولكن يكون التوزيع هاهنا النقل إلى العاقلة في البعض كما كان
ثم للإهدار فرعان
الأول جنى عبد على حر فجاء إنسان وقطع يد العبد ثم قطع العبد بعده يد حر وماتوا فتؤخذ قيمة العبد من الجاني عليه ويختص المجني عليه بالأرش بقدر أرش اليد والباقي يكون مشتركا بينه وبين المجني عليه ثانيا لأنه حيث قطع يده لم يكن للثاني حق
ونعني بالأرش قيمة النقصان على الأصح إذ لو أردنا نصف الدية فلو فرضنا بدله قطع اليدين لم يبق للمجني عليه ثانيا شيء
الثاني إذا تقاتل رجلان بسيفهما فأصبحا قتيلين فادعى ولي كل واحد أن صاحبه كان دافعا لا قاصدا تحالفا فإن نكل واحد حصل الغرض وإن حلفا تساقطا
وحكم كل شخصين التقيا في بادية واستشعر كل واحد من صاحبه القصد أنه إن غلب على ظنه قصده حل له البداية بالدفع وإلا فلا فإن قتله ومات الدافع وأقر وليه بأنه كان مخطئا في ظنه أخذت الدية من التركة
فإن قيل القاتل بالسحر لم يذكروه قلنا لا يعرف ذلك إلا بإقرار الساحر فإن قال سحري يقتل غالبا فهو عمد يجب به القصاص وإن قال قصدت الإصلاح فهو شبه عمد وإن قال قصدت غيره فأصبت اسمه فهو خطأ محض
ولا ينبغي أن يتعجب من هذا فإن السحر حق
القسم الثالث في بيان من تجب عليه الدية
وهو الجاني إن كان عمدا والعاقلة إن كان خطأ أو شبه عمد لما روي أن جاريتين اختصمتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط فقتلتها وما في بطنها
فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية على العاقلة وفي الجنين بغرة عبد أو أمة
والنظر في العاقلة يتعلق بأركان
الأول في تعيينهم
والدية تضرب على ثلاث جهات العصوبة والولاء وبيت المال أما المحالفة والموالاة فلا توجب تحمل العقل خلافا لأبي حنيفة رحمه الله
الجهة الأولى القرابة وهو كل عصبة واقع على طرف النسب فلا تضرب على أب الجاني وابنه كما لا تضرب على نفسه وقد ورد في الحديث وكان العصبة أحق به
واختلفوا في ثلاثة أمور
أحدها أن ابنها لو كان ابن ابن عمها أو معتقه فهل تضرب عليه فيه وجهان
أحدهما لا لأن البنوة مانعة
والثاني تضرب لأنها ليست مانعة ولا موجبة كما في ولاية النكاح فتجعل كالعدم
الثاني أن الأخ للأب والأم هل يقدم على الأخ للأب فيه قولان كما في ولاية النكاح
الثالث أن الترتيب يرعى ولا يرقى إلى الأعمام ما لم يفصل عن الإخوة ويرعى من لم يثبت له الميراث وقال أبو حنيفة رحمه الله يسوى بينهم
الجهة الثانية الولاء فإذا لم نصادف عصبة ضربنا على معتق الجاني فإن لم يكن فعصباته ثم معتق المعتق ثم عصباته ثم معتق أب أب المعتق ثم عصباته ثم معتق جد المعتق ثم عصباته على هذا الترتيب كما في الميراث
وهل يدخل ابن المعتق وأبوه ومن على عمود نسبه فيه وجهان
أحدهما لا كما في النسب ولما روي أن مولى صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها جنى فقضى عمر رضي الله عنه بأرش الجناية على علي رضي الله عنه ابن عمها وقضى بالميراث لابنها الزبير رضي الله عنه
والثاني أنه يضرب لأن المعتق عاقلة فيضرب على ابنه كما يضرب على ابن الأخ بخلاف الجاني نفسه
فروع
الأول المرأة إذا أعتقت فلا تضرب عليها بل يحمل عنها جناية عتقها من يحمل جنايتها من عصباتها كما يزوج عتيقها من يزوجها
الثاني لو أعتق جماعة عبدا فهم كشخص واحد لا يلزم جميعهم أكثر من حصة واحدة وهو نصف دينار فإن كانوا ثلاثة فحصة كل واحد السدس فلو مات واحد ولهإخوة فلا يجب على كل واحد من إخوته أكثر من السدس إذ غايته أن يكون وحده نازلا منزله مورثه لو كان حيا
الثالث إذا فضل من المعتق نصيب فلا يترقى إلى عصباته في حياته لأن تحملهم بالولاء وليس لهم ولاء في حياة المعتق بخلاف ما إذا مات وله إخوة وأعمام ففضل من إخوته شيء فيطالب الأعمام كما في النسب لأن الولاء يورث به فهو لحمة كلحمة النسب ولكن يكون كذلك بعد موت المعتق ولا يخلو الفرق بين المسألتين عن احتمال
الرابع العتيق هل يتحمل العقل عن معتقه وفيه قولان
أحدهما نعم لأن المنة عليه أعظم فهو بالنصرة أجدر
والثاني لا لأنه لا يرث بخلاف المعتق
فإن قلنا يتحمل فلو اجتمع المولى الأعلى والأسفل فلعل تقديم الأعلى أولى
الخامس المستولد من عتيق وعتيقة يثبت الولاء عليه لموالي الأب ترجيحا لجانب الأبوة فلو تولد من عتيقة ورقيق فالولاء لموالي الأم لانسداد جهة الأب إذ لا ولاء عليه بعد
فلو أعتق الأب انجر الولاء إلى موالي الأب وسقط ولاء موالي الأم فلو جنى هذا الولد قبل جر الولاء فالعقل على موالي الأم أعني إذا مات المجني عليه قبل الجر فإن مات بعده فقدر أرش الجناية على موالي الأم مع السراية إلى وقت الجر وما حصل بعد الجر فعلى الجاني فإنه كيف تضرب على موالي الأب وهو نتيجة جناية قبل الجر وكيف تضرب على موالي الأم مع السراية وإنما حصل بعد الجر وكيف تضرب على بيت المال وفي الحالتين قد وجد من هوأولى منه
وبالجملة الضرب على العاقلة بخلاف القياس فتسقط بالشبهة كالقصاص ولو قيل تضرب على بيت المال لم يكن بعيدا فلو قطع اليدين قبل الجر أو قطع اليدين والرجلين ثم مات بعد الجر فعلى موالي الأم دية كاملة ولا يبالي بقولهم إن هذه دية نفس ذهبت بعد الجر لأن المقصود أن لا نزيد عليهم لما بعد الجر شيئا ومقدار الدية كان لازما قبل الجر ولم يرد بعده شيء
الجهة الثالثة بيت مال المسلمين فإنه مصب المواريث فإذا لم نجد من عصبات النسب والولاء محلا أو فضل منهم ضربنا على بيت المال إلا إذا كان الجاني ذميا فإن لم يكن في بيت المال شيء رجعنا إلى الجاني وضربنا عليه هذا حكم الجهات
أما الصفات يشترط فيمن تضرب عليه التكليف والذكورة والموافقة في الدين واليسار ولا تضرب على مجنون وصبي وامرأة وإن كانت معتقة لأنهم ليسوا أهل النصرة بالسيف
وفي الزمن الموسر وجهان لأنه بحكم عجز الحال يضاهي النساء
ونعني بموافقة الدين أنه لا يتحمل مسلم عن كافر ولا كافر عن مسلم وهل يتحمل اليهودي عن النصراني فعلى قولين منشؤهما أن التوارث موجود والتناسل معدوم
وتضرب جناية الذمي على عاقلته الذميين دون أهل الحرب فإنهم كالمعدومين وتضرب على المعاهدين فإن زادت عهودهم على أجل الدية فإن بقي سنة أخذنا حصة تلكالسنة فإن لم نجد أوجبنا على الجاني دون بيت المال لأن بيت المال لا يرثه ويرث المسلم نعم الذمي إذا مات فماله من الخمس
وأما اليسار فشرط ولا تضرب على فقير وإن كان معتملا وقال أبو حنيفة رحمه الله يكلف المعتمل الكسب
ثم على الغني نصف دينار ولا يزاد عليه وهو أول درجة المواساة في الزكاة وعلى المتوسط نصف ذلك وهو ربع دينار
ونعني بالغني من ملك عشرين دينارا عند آخر السنة التي هي أصل الدية وليكن ذلك فاضلا عن مسكنه وثيابه وكل ما لا يحسب في الغنى في الكفارات المرتبة
والمتوسط من جاوز حد الفقير وهو الذي ملك شيئا فاضلا عن حاجته ناقصا عن عشرين دينار وليكن ذلك أكثر من ربع دينار حتى لا يرده أخذه منه إلى حد الفقر
وإنما يعتبر اليسار آخر السنة فلو طرأ اليسار بعدها أو كان قبلها فلا التفات إليه
الركن الثاني في كيفية الضرب على العاقلة
والنظر في القدر والترتيب والأجل
أما القدر فلا يزاد على النصف والربع في حق الغني والمتوسط ولكنه حصة سنة واحدة أو حصة للسنين الثلاث فيه وجهان
وكل ما قل وكثر مضروب على العاقلة وقال أبو حنيفة رحمه الله ما دون أرش الموضحة لا يعقل وفي القديم قول أنه لا يحمل ما دون ثلث الدية وقول أنه لا يحمل إلا بدل النفس وهما مهجوران
فإن كان أرش الجناية نصف دينار والعاقلة مائة مثلا ففيه وجهان
أحدهما أن القاضي يعين واحدا برأيه إذ توزيعه يؤدي إلى مطالبة كل واحد بما لا يتمول
والثاني أنه يوزع عليهم وعليهم تحصيل نصف دينار مشتركا بينهم
وإن كثر الواجب وقلت العاقلة بدأنا بالإخوة فإن فضل منهم شيء بعد أداء كل واحد منهم النصف أو الربع ترقينا إلى بني الإخوة ثم إلى الأعمام على الترتيب فإن فضل عن العصبات طالبنا المعتق فإن فضل عنه شيء لم يضرب على عصباته في جناية إذ لا ولاء لهم وفي موته يسلك بعصباته مسلك عصبات الجاني فإن لم نجد من جهة الولاء والقرابة أخذنا البقية آخر السنة من بيت المال ونفعل كذلك بحصة السنة الثانية ولا يبعد أن يتحمل في السنة الثانية من لم يتحمل في السنة الأولى لعذر صغر أو فقر
ثم إن لم يكن في بيت المال شيء ففي الرجوع إلى الجاني وجهان ينبنيان على أن الوجوب يلاقيه أم لا وقيل إنه ينبني على أنه إن ظهر يسار لبيت المال بعد المدة فهل يؤخذ منه وهذا البناء أولى فإنا لو قلنا لا يتعلق ببيت المال ولا يرجع إلى الجاني كان ذلك تعطيلا وقطع القاضي بأنه لا يضرب على الجاني وذكر في فطرة الزوجة الموسرة عند إعسار الزوج وجهين والفرق عسير والوجه التسوية في الوجوب عند العجز عن التحمل كيف وقد قطع الأصحاب بالرجوع إلى الجاني في مسألتين
إحداهما الذمي إذا لم يكن له عاقلة
والثانية إذا أقر الجاني بالخطأ وأنكر العاقلة ولايته طولب الجاني والفرق عسير وغاية الممكن توقع يسار بيت المال في حق المسلم الذي تثبت عليه الجناية بالبينة بخلاف ما إذا أنكر العاقلة فإن إقرارهم بعيد والذمي لا يتوقع له متحمل إذ لا تتعلق جنايته ببيت المال
فرع
لو اعترف العاقلة بعد أداء الجاني فإن قلنا الوجوب يلاقيه رجع على العاقلة وإن قلنا لا يلاقيه استرد ما أداه وطالب المجني عليه العاقلة
أما الأجل فمائة من الإبل إذا وجبت في النفس مضروبة في ثلاث سنين وفاقا يؤخذ في آخر كل سنة ثلثها فمنهم من قال علته أنه بدل النفس حتى زاد عليه في عبد قيمته مائتان من الإبل وقلنا تحمل او نقص في عبد خسيس أو غرة جنين فتضرب أيضا في ثلاث سنين ومنهم من قال علته القدر فقيمة العبد إذا كان مائتين من الإبلتضرب في ثلاث سنين
ودية اليهودي والنصراني في سنة واحدة ودية المرأة في سنتين ودية المجوسي وغرة الجنين في سنة واحدة لأن السنة لا تتجزأ
فروع
الأول لو قتل واحد ثلاثة واجتمع على عاقلته ثلاثمائة من الإبل فمنهم من قال إن نظرنا إلى القدر فتضرب هنا في تسع سنين وإن نظرنا إلى النفس فوجهان إذ لا يبعد أن تزيد النفوس المتعددة على نفس واحدة ومنهم من عكس وقال إن نظرنا إلى النفس ففي ثلاث سنين وإن نظرنا إلى القدر فوجهان ووجه الإقتصار أن كل دية متميزة عن غيرها وآجال الديون المختلفة تتساوى ولا تتعاقب
فإن ضربنا في تسع سنين فإذا تمت السنة الأولى أخذ ثلث دية واحدة ووزع على أولياء القتلى وكذا آخر كل سنة
فإن اختلف ابتداء التواريخ فإذا تم حول الأول أخذ ثلث الدية وسلم إلى ولي القتيل الأول فإذا ثم حول الثاني ثم حول الثالث فكذلك يفعل فيتم ثلث دية واحدة في ثلاثة أوقات وهكذا نفعل في تسع سنين
الثاني ثلاثة قتلوا واحدا فالصحيح أن الدية تضرب على العواقل على كل عاقلة ثلثها ويؤدى ذلك الثلث في ثلاث سنين وكأنهم عاقلة واحدة لأن المستحق واحد وقيل تضرب في سنة نظرا إلى المستحق عليه
الثالث دية إحدى يدي المسلم تضرب في سنتين إذ لم يكمل القدر ولا هو بدل النفس ودية اليدين كدية النفس من كل إنسان ودية يدي المرأة كنفسها ولو قطع يدي رجل ورجليه فوجهان
أحدهما أنه تضرب في ست سنين وهو نظر إلى القدر ومن نظر إلى النفس شبه هذا بنفسين وقد ذكرنا فيه وجهين وفي الأطراف وجه أن بدلها كيفما كان تضرب في سنة واحدة وهو بعيد
الرابع من مات في أثناء السنة أو أعسر في آخر السنة فكأنه لم يكن ولا يلزمه شيء من حصة تلك السنة تشبيها له بتلف نصاب الزكاة في أثناء الحول
والذمي إذا مات في أثناء الحول ففي حصته من الجزية وجهان لأن فيه مشابه الأجرة
الخامس غيبة بعض العصبات في آخر الحول هل يكون كعدمهم فيه قولان
أحدهما نعم إذ يعسر تحصيلها منهم فتضرب على الباقين وعلى هذا تعتبر غيبة لا يمكن تحصيل المال بالمكاتبة إلى القاضي في مدة سنة
والثاني أنه تضرب عليه وتحصل على حسب الإمكان وهو القياس
السادس أول الحول يحسب من وقت الرفع إلى القاضي سواء شعر به العاقلة أو لم تشعر ولم يحسب من وقت الجناية لأن هذه مدة تناط بالإجتهاد
ولو رفعت جناية إلى القاضي ثم تولد سراية بعد الرفع فأرش السراية ولا يحسب من وقت الجناية بل من وقت السراية
السابع إذا جنى العبد فأرشه يتعلق برقبته ولا يتعلق بسيده ولا بعاقلته وهل يتعلق بذمته حتى يطالب بعد العتق فيه قولان والأقيس أن يتعلق به
ثم هل يصح ضمانه فيه وجهان منشؤهما ضعف هذا التعلق
والأصح صحته كما في المعسر ومعنى التعلق برقبته أن يباع ويصرف ثمنه إلى الجناية فلو منع السيد واختار الفداء فله ذلك وفي الواجب عليه قولان
أحدهما أقل الأمرين من الأرش أو قيمة العبد لأنه لم يمنع إلا من العبد
والثاني يلزمه كمال الأرش لأن المجني عليه ربما يقول ربما أجد زبونا يشتري بالزيادة
فعلى هذا لو قتله السيد أو أعتقه اقتصر منه على القيمة في أحد الوجهين كما لو قتله الأجنبي إذ فات الطمع في الزبون وقيل يلزمه كمال الأرش كما إذا أمسكه
وإن جنت المستولدة فالسيد يمانع بالاستيلاد السابق فعليه أقل الأمرين إذ لا طمع في زبون يشتري وقيل بطرد القولين
فلو جنت المستولدة مرارا ولم يتخلل الفداء فهي كجناية واحدة فتجمع ويلزم السيد أقل الأمرين وإن تخلل الفداء فهذا في القن يقتضي فداء جديدا لأنه مانع بمنع جديد وفي المستولدة قولان لأن المنع متحد فإن قلنا لا يتكرر الفداء فيسترد ما سلم إلى الأول ويوزععليهما ولا يستبعد هذا كما لو حفر بئرا فتردى فيه إنسان فصرفت تركته إلى ضمانه فتردى فيه إنسان آخر فإنه يسترد ويوزع
فرع لو قال السيد اخترت فداء العبد فهل يلزمه أم يبقى على حريته فيه وجهان
ولو وطىء الجارية الجانية هل يكون اختيار للفداء كالوطء في زمان الخيار فيه وجهان والأصح أنه يبقى على خيرته ما لم يرد الفداء وأن الوطأ لا يكون اختيارا
القسم الرابع من الكتاب في دية الجنين
وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة على العاقلة فقالوا كيف نفدي من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ومثل ذلك يطل فقال عليه السلام
أسجعا كسجع الجاهلية وقضى بالغرة
والنظر فيه في ثلاثة أطراف الموجب والموجب فيه والواجب
الطرف الأول في موجب الغرة وهي جناية توجب انفصال الجنين ميتا فإن انفصل حيا ثم مات من أثر الجناية وجب دية كاملة سواء كانت الحياة مستقرة أو كان حركة المذبوح سواء كان قبل ستة أشهر ولا تدوم تلك الحياة أو بعده لأن الحياة صارت مستيقنة بل نزيد فنقول من حز رقبة مثل هذا الجنين وهو في حركة المذبوحين أو أجهض لدون ستة أشهر فعليه القصاص إلا إذا كان ذلك من أثر جناية سابقة وهو كفرقنا بين المريض المشرف على الهلاك وبين قتل من أشرف على الهلاك بجناية
ومهما صار إلى حركة المذبوحين بجناية فحز غير الجاني رقبته فالدية على الجاني وقالالمزني رحمه الله لا تتم الدية في جنين انفصل قبل ستة أشهر ولا يجب فيه القصاص لأنه منع للحياة لا قطع لها فإن هذه الحياة لا يتوهم استقرارها
ولو ماتت الأم ولم ينفصل الجنين فلا غرة إذ لا تتيقن حياة الجنين ولا وجوده ولو انفصل ميتا وهي حية أو ميتة وجب الغرة وقال أبو حنيفة رحمه الله يحال موته على موت الأم وعندنا يحال كلاهما على الجناية
ثم اختلفوا في أن المعتبر انكشاف الجنين أو انفصاله حتى لو خرج رأسه وماتت الأم كذلك ففي وجوب الغرة وجهان
أحدهما تجب إذ تحقق وجوده بالإنكشاف
والثاني لا إذ لم ينفصل
وكذا لو قدت المرأة بنصفين وشاهدنا الجنين في بطنها فهو على هذين الوجهين
وعلى هذا لو خرج رأسه وصاح فحزت رقبته ففي وجوب القصاص وجهان بناء على أن هذا الإنفصال هل يعتد به ولو ألقت يدا واحدة وماتت ولم تلق شيئا آخر وجبت الغرة إذ تيقنا وجود الجنين بانفصال العضو ولو ألقت رأسين أو أربعة أيد لم نزد على غرة واحدة لاحتمال أن يكون الجنين واحدا ولو ألقت بدنين فغرتان وقد أخبر الشافعي رضي الله عنه بامرأة لها رأسان فنكحها بمائة دينار ونظر إليها وطلقها ولو ألقت يدا ثم ألقتجنينا ميتا سليم اليدين لم نزد على غرة لاحتمال انها كانت زائدة فسقطت وانمحى أثرها
ولو انفصل جنين حيا ساقط اليدين وجبت دية تامة وإن كان صحيح اليدين وألقت معه يدا وجبت حكومة لتلك اليد فإن قيل فلو تنازع المرأة والجاني قلنا إن تنازعا في أصل الجناية أو الإجهاض فالقول قوله ولا يثبت الإجهاض إلا بشهادة القوابل وإن اعترف بها ولكن قال لم يكن الإجهاض بالجناية فإن كانت متألمة ذات فرش إلى الإجهاض فالقول قولها وإلا فهو نزاع في سراية الجراحة
ولو سلم جميع ذلك ولكن قالت المرأة انفصل حيا ثم مات فعليك كمال الدية وقال الجاني بل انفصل ميتا فعلي غرة فالقول قوله وعليها إثبات الحياة وتثبت بشهادة النسوة وإن لم تدم الحياة لأن شهادة الرجال لا تمكن
ولو سلم الإنفصال حيا بالجناية ولكن قال مات بسبب آخر أو مات بالطلق فإن لم يكن على الجنين أثر الحياة القو قوله إذ الطلق سبب ظاهر وإن كان عليه أثر الحياة فالقول قولها
الطرف الثاني في الموجب فيه وهو الجنين ونعني به ما بدأ فيه التخطيط والتخليق ولو في طرف من الأطراف على وجه تدركه القوابل وإن لم يدركه غيرهن
فإن أسقط قبل التخطيط مضغة أو علقة لم يلزمه به شيء على الأصح
هذا في أصل الجنين
أما صفته فإن كان حرا مسلما ففيه غرة إذ فيه ورد الخبر وإن كان كافرا فثلاثة أوجه
أحدها أنه لا يجب شيء إذ في إيجابه تسوية بينه وبين المسلم والتجزئة غير ممكن لأن قيمة الغرة غير مقدرة
والثاني أنه يجب ثلث الغرة وفي الجنين المجوسي ثلث خمس الغرة وهؤلاء يقولون ولتكن قيمة الغرة ما تساوي خمسا من الإبل أو خمسين دينار
والثالث أنه تجب الغرة ولا نبالي بالتسوية
فرعان على قولنا بالتفاوت
أحدهما المتولد من نصراني أو مجوسي فيه ثلاثة أوجه
أحدها أنا نأخذ بأخف الديتين
والآخر أنا نأخذ بالأغلظ
والثالث أنا نعتبر جانب الأب
الفرع الثاني أن المرعي حالة الإنفصال في المقدار فلو جنى على ذمية فأسلمت وأجهضت فالواجب غرة كاملة وكذلك في طرآن العتق ولو جنى على بطن حربية فأسلمت وأجهضت ففي أصل ضمان الجنين وجهان يضاهي الوجهين فيما إذا رمى إلى حربي فأسلم قبل الإصابة وكأن وصول الجناية إلى الجنين بالانفصال
أما الجنين الرقيق فلا يكون إلا في بطن الرقيقة وفيه إذا سقط ميتا بالجناية عشر قيمة الأم فإن بدل الغرة خمس من الإبل وهي عشر الخمسين التي هي دية الأم وجراح الرقيق من قيمته كجراح الحر من ديته
وهذا قد يفضي إلى تفضيل الميت على الحي إذ لو أسقط حيا ثم مات ربما لم يلزم إلا دينار وهو قيمته وإذا سقط ميتا فعشر قيمة الأم وربما كان مائة لكن سلك في هذا الاعتبار به مسلك الأعضاء فلا يقاس بحال الإستقلال ومع هذا فالواجب مثل عشر قيمة الأم لا عشر قيمة الأم ولذلك يصرف إلى ورثة الجنين ولا تختص الأم باستحقاقها
ثم إنما يرعى قيمة الأم عند الجناية لأنه أغلظ الأحوال كما إذا جنى على عبد فمات بالسراية إذ يلزم أقصى القيم من وقت الجناية إلى الموت وقال المزني رحمه الله يعتبر وقت الإنفصال كما في حريته وإسلامه
فرعان
الأول إذا انفصل جنين الرقيق سليما والأم مقطوعة الأطراف فوجهان
أحدهما انا نوجب عشر قيمة الأم سليمة الأطراف ونكسوها صفة السلامة تقديرا كما نكسوها الحرية والإسلام إذا كان الجنين حرا مسلما
والثاني أن السلامة لا تقدر لأنه أمر خلقي ولأن سلامة أطراف الجنين لا يوثق بها بخلاف الحرية والإسلام فلو كان الجنين ناقص الأطراف فتقدير نقصان الأم أبعد إذ ربما نقص الجنين بالجناية
الثاني خلف رجل زوجه حاملا وأخا لأب وعبدا قيمته عشرون دينارا فجنى العبد على بطنها فأجهضت وتعلق برقبته غرة قيمتها ستون دينار فالمرأة تستحق من الغرة ثلثا وهو عشرون فقد ضاع منه الربع إذ ربع الجاني ملكها ولا يستحق المالك على ملك نفسه شيئا وثلاثة أرباع حقها وهو خمسة عشر تتعلق بنصيب الأخ ونصيبه يساوى خمسة عشر فإن له ثلاثة أرباع العبد وأما الأخ استحق ثلثي الغرة وهي أربعون وضاع ثلاثة أرباعه لأن ثلاثة أرباع الجاني ملكه فيبقى سدس الغرة متعلقة بنصيب المرأة ونصيبها ربع العبد وهو خمسة فإذا سلم العبد ضاع الخمسة الفاضلة وعلى هذا تقاس جناية العبد المشترك على المال المشترك بين سيديه إذا كان بين الحصتين تفاوت إما في العبد والمال أو في أحدهما
الطرف الثالث في صفة الغرة ويرعى فيه ثلاثة أمور
الأول السلامة من كل عيب يثبت الرد في البيع ولا تراعي خصال الضحايا والكفارة لأن هذا جبر مال
الثاني السن ولا يقبل ما دون سبع أو ثمان لانه كل على آخذه وفي جهة الكبر لا يؤخذ ما جاوز العشرين في الجارية وجاوز الخمسة عشر في الغلام لأنه لا يعد من الخيار الغر والواجب غرة عبد أو أمة وقيل المانع في جهة الكبر هو الهرم المضعف للمنة
الثالث نفاسة القيمة وفيه وجهان
أحدهما لا يعتبر بل السليم من هذا السن يقبل وإن كان قيمته دينارا
والثاني لا يقبل إلا ما تعدل قيمته خمسا من الإبل أو خمسين دينار فإن الخمس من الإبل يرجع إليه عند عدم الغرة ولا ينقص المبدل عن البدل ولأنه لو لم يتقدر لعسر الفرق بين المسلم والكافر كما سبق
فإن قيل فلو فقدت الغرة قلنا في بدلها قولان
الجديد أنه خمس من الإبل ولا يمكن أن يعرف هذا إلا بالتوقيف ولعله ورد إذ هو مأخذ ومعتمد الفريقين في النسبة في الجنين الرقيق فإن فقدت الإبل أيضا فهو كإبل الدية
والقول القديم أن بدل الغرة قيمتها فإن قيل فالغرة لمن وعلى من قلنا لوارث الجنين وهو الأم والعصبة وعلى عاقلة الجاني ولا يمكن أن تكون على الجاني لأن العمد غير متصور فيه إذ لا يتيقن جناية بحال فإن كان عدد العاقلة لا يفي إلا بالنصف فعليهم نصف قيمة الغرة لا قيمة نصف الغرة وبينهما فرق إذ الغرة ربما تسوى ألفا والنصف يؤخذ بأربعمائة فالواجب خمسمائة كاملة وهو نصف الكل
فرع
إذا بقي على الأم شين وجراحة ضم إلى الغرة حكومة لها فإن لم يكن إلا الألم اندرج تحت الغرة
هذا تمام النظر في الدية والقصاص من موجبات القتل فلنذكر الموجب الثالث وهي الكفارة
كتاب كفارة القتل
وهي تحرير رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصوم شهرين ولا مدخل للطعام فيه ولا يقاس على كفارة الظهار لأن الآية فصلت الأمرين جيمعا وفرق بينهما لا كالرقبة في الظهار فإنها اطلقت فجاز أن يقاس على النص في القتل وحكى صاحب التقريب وجها في القتل أن الإطعام يثبت فيه قياسا على الظهار
ثم على المذهب لو مات قبل الصوم فيخرج عن كل يوم مد لا بطريق كون الإطعام بدلا لكن كما يخرج عن صوم رمضان
هذا صفة الواجب فأما الموجب فأركانه ثلاثة القتل والقاتل والقتيل
أما القتل فهو كل قتل غير مباح فتجب بالسبب والمباشرة وحفر البئر والخطأ والعمد ولا تجب في قتل الصائل والباغي ومن عليه القصاص والرجم لأنه مباح والخطأ ليس بمباح وإن لم يكن محرما أيضا
وأما القاتل فشرطه أن يكون ملتزما حيا فلا تجب على الحربي وتجب على الذمي والصبي والمجنون
ولو جامع الصبي في نهار رمضان فلا كفارة إذ لا عدوان والعدوان ليس بشرط في القتل
وفي كفارات الإحرام وجهان لأنها نتيجة عبادة بدنية وقد صحت منه العبادة
====== ج999999999999999999===========التالي بمشيئة الله
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق